Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الجمعة 3 سبتمبر 2010

حوار في المهجر.. مع الكاتب الصحفي عيسى عبدالقيوم

 حاوره : جابر نور سلطان

قورينا
www.quryna.com
الإثنين 30-8-2010

" عيسى عبدالقيوم " أو " يوسف القماطي " ، تعرفت عليه فى معرض القاهرة الدولي للكتاب عام 2006م ، إلتقيت يوسف فى رحاب الجناح الليبي الرئاسي ، شاب فى أربعينيات عمره ، يتقلد " كاميرا " ويرتدي قميصاً بلون السماء ، وبنطال جينز ، يفيض حيوية ، هيأته توحي أنه صحفي ، إقتربت منه صافحته ، فبادر بتعريف نفسه : عيسى عبدالقيوم ، لم أستطع أن أربط سريعاً بين صورته على " النت " وصورته الحية ، عاودت مصافحته بحرارة أكثر ، فأنا متابع لما يكتب ، ويمتاز بموضوعية الى حد كبير فيما ينشر ، لم اكن بحاجة الى قت طويل كي أصادق يوسف ، كما أحب أن أناديه ، شعاره الفصل بين الملفات ، والتعويل على المدونة الثقافية فى إحداث التغييرات الحقيقية ، يؤمن بالمصالحة والمصارحة ، يحن الى وجه ليبيا وخبز ليبيا ، يتوق الى بنغازي ، والى سبخها وقبليها وعجاجها ، حين تحسس المشيب بدا يضجر من برودة " مانشستر " ، هاوٍ كبير للصحافة ، قاص مهموم ، ناثر يفيض حباً عبر لغة سلسة تكاد تضيء بين أصابعه ، شرع فى الكتابة فى صحيفة قورينا منذ عامين ، هذا حواري مع الكاتب الصحافي عيسى عبدالقيوم ، الذي إختار المهجر سكناً منذ ثلاثة عقود ، قد نتفق أو نختلف مع ما يطرح ، قد نلتقي فى زوايا ونختلف فى أخرى ، وهذا كله ثمرة طيبة لمناخ صحي لا يقصي أحداً ، مناخ يعلي قيمة الحوار ويرسخ أدبيات الإختلاف من أجل تأسيس قيم وطنية ، تنبذ العنف وتعشق الحرف ، تحتفي بكل الرؤى التى تزدهي بحب ليبيا، وإن إختلفت زواياها وتباينت ألوانها ، لنستهل حوارنا فى مساحة " أقلام فى المهجر " .

نتسلل عبر الشيب وننبش في الذاكرة ، و نعود بك إلى زمن لعلك تحبه ، زمن الطفولة في مدينة اسمها بنغازي ، يقيناً أنك تحبها.. ماذا تحمل الذاكرة من عبق ذلك الزمن وظلال تلك الأماكن ؟!.

ـ بداية لك التحية استاذ جابر .. وهي موصولة لكافة الأصدقاء بمناسبة شهر رمضان الكريم .. واشكر لك ـ وقورينا ـ هذه الإستضافة .. حقيقة لقد علمني خط المشيب أن المرء يمكنه أن يعيش داخل وطنه بالخطوط العريضة لحركة الأيام .. لكنه لن يعيش خارجه إلا بتفاصيل ما جرى فى تلك الأيام .. لقد فرضت الغربة شروطها وأجبرتني على بناء سور حول الماضي بكل تفاصيله .. ليس من أجل حفظه .. بل من أجل أن أقتات عليه كي أستمر فى الإقبال على الحياة .. وخلف هذا السور احتفظت بكل تفاصيل التاريخ والجغرافيا .. لعل السير معك فى هذا السؤال سيضطرنا لفتح مطولات لا يحتملها المقام .. فسؤال مغترب عن وطنه بمثابة الضغط على جرح لم يندمل .. أحب مدينتي .. ولم انس أي شيء مررت عليه ذات يوم هناك .. ولعلي لن أجاوز الحقيقة إذا قلت بأني عشت أياماً فى الزمن الجميل لا أخالها تتكرر .. وكتبت الكثير من قصصي وخواطري من وحي ذلك الزمن .. وبما أننا فى رحاب شهر رمضان الكريم .. فإن الذاكرة تحمل الكثير من تفاصيل ما كان يجري فى هذا الشهر .. من سكون الشوارع لحظة الإفطار .. وحتى صخب حدائق وسط البلد ليلا.. دون أن أغفل سحر زيارات الأقارب المصحوبين بكميات من الزلابيا والسفنز .


2ـ الكتابة .. هذا العالم المتلاطم كيف أبحرت إليه .. وبالتأكيد كان ثمة قراءات قبل الإبحار .. لمن كنت تقرأ ؟!.

ـ ربما بعكس ما تتوقع فقد عبرت الى الكتابة عبر المجلة .. فكنت شغوفا بالمجلات الرصينة التى كانت تصدر في الثمانينات مثل المختار .. والعربي .. وغيرها .. عبرها عرفت الشعر والقصة والمقالة .. ثم تعرفت على الكتاب فكان أول كتاب للصادق النيهوم .. وأول رواية الشيخ والبحر .. أما أول كتابة فكانت قصيدة نشرتها فى جريدة المدرسة الحائطية .. أردتها للغزل غير أنني أتصور أنها لم تنجح فى تحريك مشاعر من كتبت لها .. ربما لكون أجواء الثمانينات كانت خانقة لما هو أبعد من الرومانسية فى حياة مراهق مثلي .. أما ما أسميته الإبحار فى عالم الكتابة فقد أطلقت مشواره عبر تقنية الأنترنت التى كسرت قيوداً مجحفة كانت تفرضها جهات ملكت  الإمكانيات لإطلاق الصحف الورقية .. سواء داخل الوطن أو خارجه .


3-انتقل بك نقلة بحجم الكون"الوطن"كيف ترتسم علاقتنا به.وهل هي من التعقيد للدرجة التي تقودنا أحيانا إلى المنافي أو إلى المشانق أو إلى قعور مظلمة.أنت كيف ترتسم علاقتك بالوطن ؟!.

ـ أصدقك القول استاذ جابر .. هذا سؤال توقعته .. غير أنك صغته بطريقة لم تترك لي خيارات للإجابة الدبلوماسية .. الوطن قد يوضع فى الركن المعتم من الذاكرة .. وقد يوضع تحت بؤرة الضوء .. ووضعه فى الركن المعتم ليس جحودا .. كما قد يتبادر الى ذهن القارئ للوهلة الأولى .. بل للشعور العميق بأنه غير مهدد .. وهنا قد ترانا نتدلل عليه بعبارات الجفاء .. ولكننا سنقفز به الى بؤرة الضوء حال شعورنا بأنه يواجه خطر ما .. وعندها قد نصطدم بأعواد المشانق ونلج متاهات المنافي .. وسنجد السلوى فى ذلك حال كان السبب قادماً من وراء الحدود .. ولكن المرارة فى هكذا علاقة تصل ذروتها عندما نتحدث عن هكذا مشاهد لأسباب داخلية مِلاكُها أبناء الجلدة الواحدة .. فكم هو مخجل أن يكون سبب ما وصفته بالقعور المظلمة أو المنافي الباردة مجرد إختلاف فى الرأي .. لكوننا لم ننجح فى الوصول الى معادلة إدارة الإختلاف مع حفظ كرامة الإنسان .. على أي حال الوطن كان وسيبقى للجميع .. وعلاقتي به مرت بعدة أطوار .. كنت قاسياً فى بعضها .. وكان قاسياً فى بعضها .. غير أنها رست ـ بعد تجربة طويلة ـ على مبادئ  الشراكة .. والتعدد الثقافي .. وقبول الأخر كما هو .. لا كما أريده .. وبت أميل الى تعريف الوطن وفق المنطق الخدمي .. لا المنطق الإيديولوجي .. فالوطن هو المظلة التى تأوي وتطعم وتداوي وتثقف وتعلم .. وليس مجرد أوامر صارمة .. دينية كانت أو ثورية . 


4- "عيسى" و " يوسف " كلاهما اسمان لنبيين من أنبياء الله.عيسى صلب .. ويوسف افتري عليه وظلم.. الاسم الأول كان اختيارا بالنسبة لك و الثاني لم يكن كذلك.هل تتشكل لديك هكذا هذه الدلالات ؟!.

ـ فى الحقيقة لم أربط يوما بين اسمي وبين قصص الأنبياء .. وإسقاطاتها .. وعندما تتجاذبني الأسماء أجدني بين إسم أفتقده ( يوسف ) .. وإسم يفتقدني ( عيسى ) .. وفى كل مرة إختلط الإسمين فى فم إبنتي أجدني أعيد حساباتي من جديد .. وأعيد ترتيب مشوار حياتي .. والثابت الوحيد الذي لم استطع ان اغيره فى لعبة فك وتركيب مشوار يكاد يصل الى ربع قرن .. هو لعن السياسة !.


5ـ في 2006.التقينا في القاهرة .كنت ودودا مع الجميع.اقصد جميع المثقفين الليبيين الموجودين في المعرض بكل أطيافهم ما تأثير هذه اللقاءات عليك ؟!! وكنت أنا أحدهم و أثنيت وقتها على مشروعنا في موقع جليانة.. وتحدثنا عن المصالحة الوطنية حديثا جعلني أحبك حتى الآن و أشرف بلقائك.

ـ أشكر لك مشاعر الأخوة هذه .. واعتز بك كصديق .. وبخصوص معرض الكتاب بالقاهرة .. فربما لا أفشي سراً عندما أقول بأن فكرة شد الرحال الى القاهرة للمشاركة ضمن النشاط الليبي تحديدا .. جاءت من أجل كسر طبقة الجليد التي تراكمت فى المهجر .. فقد كاد الفصل بين الوطن والمهجر يأخد طابع الوضع المثالي لشكل العلاقة .. تحدثت يومها مع بعض الأصدقاء حول ما جال فى خاطري .. فأنا ممن يؤمنون بفلسفة " الفصل بين الملفات " وكتبت عنها طويلاً.. لذا قررت بأنه إذا كان الملف السياسي مغلقاً ويحتاج الى معجزة لزحزحة بعض مكوناته لدى الحرس القديم على شطري المعادلة الليبية ( داخل / خارج ) .. فإن شروط المشهد الثقافي أقل صرامة .. وبالفعل ذهبت وشاركت .. وخرجت بأول متابعة صحفية يظهر فيها نشطاء من المهجر ونشطاء من داخل الوطن .. ويومها قدّرت بأن بوابة المستقبل قد يرسمها المشهد الثقافي .. وفى القاهرة وتحديدا فى المقهى الثقافي .. وجدت حوارات النخبة الليبية مفيدة جداً ـ على الأقل بالنسبة لي ـ فى إعادة رسم شكل العلاقة مع الوطن بمفهومه السياسي .. وكتبت من وحي المشاركة عدة مقالات .. وأعدت تجربة المشاركة مرتين .. وأنا مدين للكثير من الأصدقاء بحجم الإحتضان .. بل ولتغيير بعض قناعاتي حول سلة " المشكلة والحل " لكثير من قضايا الوطن .. لقد وضعتني المشاركة فى خضم تفاصيل ما يجري وإقتربت بي أكثر من الواقع .. واجبرتني على النزول درجات من مثالية ترعرعت فى المهجر متأثرة ببيئة ومحيط  لا تمتلك الحالة الليبية مقوماتهما .. ولو أردت أن أكون اكثر صراحة سأقول لك لقد لمست ـ من وحي المشاركات ـ بأن بعض مكونات الأزمة .. والكثير من أطراف حلها .. يقع على عاتق المجتمع .. على عاتق النخب .. فهم ايضا يتحملون بعض اللوم .. فأدوارهم فى المشهد الليبي ناقصة .. وبعضها تعتريه سلبية غير مبررة عند النظر للموضوع من زاوية بناء وطن .


6- بعد أن اجبتني عن الشطر الأول من السؤال أريد أن أعرف رؤيتك لمشروع المصالحة؟.. وكيف تقيم ماتم حتى الآن؟!.

بالنسبة لمشروع المصالحة .. بالفعل فقد طرح يومها للنقاش فى عدة جلسات .. فقد كان حديث تلك المرحلة .. وطرح داخل الوطن ـ عبر سلسلة مقالات فى صحف منها قورينا ـ على لسان عدة اساتذة  منهم د. زاهي المغيربي .. د. محمد المفتي .. د. جمعة عتيقة .. د. فتحي البعجة .. د. أمال العبيدي .. د. أم العز الفارسي .. أ. محمد طرنيش .. أ. أدريس الطيب .. وغيرهم .. كنت ولازلت أرى أن أهم منجز ملقى على عاتق الجيل السابق ( المخضرمين ) هو تهيئة الأرضية ـ على الأقل ـ لوقف تدحرج كرة الصراعات الإيديولوجية .. ولجم لغة الكراهية .. لمصلحة مشروع وطني يستهدف إحداث تحول مهم فى عقلية وسلوك الجيل الجديد .. عبر نشر لغة التسامح .. وثقافة التنوع . نعم لازلت من أنصار هذا المذهب المدني .. وما أنجز منه هو القليل .. لكنه قليل مهم فى هذه المرحلة .. غير أنه ثمة حديث عن تسلل للغة إنتهازية على حساب لغة نقدية نحتاجها .. وثمة تدوير لمفردات تعيد للأذهان ثقافة أنتجت النفاق .. دعني أقولها بصراحة .. المصالحة تستلزم المصارحة .. وهناك للأسف من يفسر المصارحة على أنها رفض وتعنت .. ويختزل المصالحة فى التخفيف من القبضة الأمنية .. المصارحة تعني فتح باب الحوار على مصرعيه .. والمصالحة تعني دسترة حلول خطايا الأمس .. هكذا أفهمها ببساطه .. وإذا كان لكل جيل مشروعه الوطني الذي يفاخر به .. فيبدو أن من قدر جيلنا الذي إكتوى بنار تجربة قاسية أن يكون مشروعه هو المصالحة الوطنية.. التى نأمل أن تنطلق من أرضية "الشراكة فى الوطن " .. وأن تستظل بفلسفة " التسامح المجتمعي " .. وأن ترتكز على مبدأ حوار المستديرة .. وتستمد مصداقيتها من قواعد قبول الأخر وعدم الإقصاء أو التهميش .. وبدون تلعثم .. ينبغي أن يستهدف المشروع إعادة تأهيل المجتمع المنهك .. وترميم الدولة المترهلة .. وإيقاف منطق الثأر المتنامي .. ولجم ثقافة القبيلة .. تمهيدا لتحريك عجلة التنمية ورفع مكانة المواطنة .. من هنا فالمرجو أن يتصدر له أهل الفكر وليس أهل الكهف !.


7ـ أنت متابع جيد للمشهد الثقافي الليبي .. ما الذي يميز هذا المشهد و ما الذي ينقصه.. و كيف ترى تفاعل المثقفين الليبيين مع قضايا الوطن؟!.

ـ لو أردتها بلا رتوش ولا مجاملات .. فالمشهد الثقافي ضحية عدم إستقرار سياسات الدولة من جهة .. ولتعنت شخصيات (محسوبة على التيار الثوري ) من جهة أخرى .. مما أفرز مشواراً بلا خارطة طريق .. وكمراقب أستطيع القول بأن هناك شخصيات كثيرة طالها ولازال يطالها الإجحاف .. فهي من حيث الإنتاج والإبداع والخبرة والتأهيل موجودة .. ولكننا نفتقدها فى مقاعد إدارة المشهد الثقافي .. هذا بشكل عام ومجمل .. أما أهم من بات يميز المشهد الثقافي الليبي ـ بعد طفرة طباعة الكتب التى شهدناها فى الثلاثة أعوام الأخيرة ـ فهو الرغبة فى اللحاق بنظيره فى المنطقة على الأقل .. فلا تكاد تفتح نقاشاً مع أي من أعضاء الأسرة الثقافية حتى تجده يجهد فى البحث عن كيفية الخروج من حالة المراوحة .. وهذه نفسية جيدة يمكن البناء عليها .. أما أهم ما ينقصه فهو المزيد من مساحة الحرية فى الصحافة الوطنية ..  والسعي لإنتاج تراتبية نحترمها عند الغير ونفتقدها فى وطننا .. فمن العبث أن تحتل مواد صحفية أو ثقافية أقل ما توصف به بأنها " هاوية "  الصفحة الأولى .. بينما نفتقد لأقلام مخضرمة حتى فى الصفحات الداخلية .. نعم تنقصنا التراتبية التى يفرضها منطق التاريخ والتجربة والحضور .. تراتبية نقبلها ونحسن عد طبقاتها فى دول الغير .. ونتعنت فى قبولها فى مشهدنا الليبي .. بشكل عام يمكن القول بأن المشهد الثقافي تقدم خطوة الى الإمام جعلتنا نصفق له .. ثم تراجع لأسباب يمكن قسمتها بالسوية بين المثقف والدولة .. فالمثقف عندما يعجز عن ملء المساحة التى تتاح له .. فهو بالتأكيد يتحمل جزء من المسئولية .. والدولة عندما تنكص عن وعودها وتقلص مساحة الحرية .. فهي تتحمل جزء من المسئولية .. وساترك الحديث عن أم المعارك " رابطة الكُتاب والأدباء " لمناسبة أخرى .. وكذلك لن ادخل بك متاهة غياب التلفزيون والمسرح .. فذاك حلم أتركه لجيل أخر ! .


8ـ أنت أحد المداومين على المواقع الإلكترونية .ترى هل أضافت هذه المواقع نقاطا إيجابية نحو تأسيس ممارسة ديمقراطية ناضجة.أم أنها أسهمت في عرقلة هذه المسيرة و التشويش عليها و أتاحت الفرصة لسلوكيات غير حضارية متخفية وراء أسماء وهمية.؟!.

ـ بكل تأكيد لقد أضافت الكثير .. وربما بفضل التكنولوجيا ( فقط ) استطعنا ان ننتزع مساحات معتبرة من حرية التعبير .. وبإصرار كثير من صحفيي وكُتاب الجيل الجديد فرضت بعض التقاليد الجديدة على المشهد .. وأجبرت الدولة على الإنسحاب عدة مربعات لصالح الفرد .. فاليوم لا يكاد الحدث يقع حتى نقرأ الكثير من تفاصيله مرفقة بصور من عين المكان عبر مواقع ليبية متعددة .. وكذلك بفضل جهود الكثير من المثقفين والكُتاب بات هناك ما يشبه سلة المعلومات التى يمكن من خلالها رسم صورة لما يجري .. ولو بشكل تقريبي .. نعم أعتقد بأن هناك نقاطا مهمة تسجل لصالح المواقع الإلكترونية .. وتبقى أحجية الرغبة الجامحة لدى شريحة من الليبيين فى الكتابة بأسماء مستعارة بلا مخرج .. ولا أريد ان اخوض فى جدوى وجدية ذلك .. ولكنني استغرب من أننا طالبنا طويلا بمساحة من الحرية والديمقراطية كي نثبت أن للوطن أكثر من جناح .. وعندما منحنا هذه الفرصة عدنا لشطب ذواتنا بمحض إرادتنا لمصلحة عالم الأشباح .. يبدو لي أن هذه الظاهرة يمكن إعتبارها كالأثار الجانبية .. وهي أمور تصاحب الأدوية التى تستهدف علاج الأمراض .. وربما علينا القبول بها على هذا النحو .. فطالما أن مساحة الحرية تتسع ولو برتم بطيء .. وحركة تدفق المعلومات تتقدم .. ومستوى الوعي يرتفع .. فلا ضير من تحمل بعض الأثار الجانبية .. ومنها ما نراه من مقالات وتعليقات متجاوزة لتقاليد المهنة .. وأخلاقياتها .. بل وقوانينها . أتصور بأن ظاهرة الكتابة بأسماء مستعارة لن تختف بشكل كلي .. ولكنها ستقل فى صورتها السيئة على الأقل .. نحتاج الى شيء من الصبر وتحمل الأثار الجانبية من قبل من يتطوعون للكتابة .. والى شيء من تحمل المسئولية المهنية والأخلاقية والقانونية لمن يتصدرون لإدارة المواقع .. وكي لا أفهم خطأ .. فانا مع حرية التعبير الى أقصى مدى .. غير أنني افرق بين الرأي والموقف عند الحديث عن الكتابة بأسماء مستعارة .. فصاحب الرأي له أن يطرحه بإسم مستعار طالما أنه يحمل وجهة نظره .. أما من أراد أن يتخذ موقفا فأتصور أن كتابته بإسم مستعار سيكون منقصة لا محالة.. سواء أكان الموقف ضد شخص أو مؤسسة أو جهة عامة.


9ـ أعلم أن لديك حنينا عارما للعودة للوطن..ما الذي يحول دون هذه العودة..خاصة أن هناك أصواتا مهاجرة عادت إلى الوطن لممارسة دورها في الحوار الوطني نحو غد مشرق ينتصر لكل ما هو أصيل و نبيل؟!.

ـ لن أغالط نفسي وأخدع القراء .. ففي كل مراحل حياتي كانت فكرة العودة الى بلدي تصحو قبلي .. ولا أخالها تنام أبداً .. ولعل الأمور فى الأونة الأخيرة قد تغيرت بشكل إيجابي لا يمكن إغفاله .. ولكن الأمر لا يرتبط بالأمن أو الحقوق الشخصية .. بل هو أكثر تعقيدا من ذلك .. ولو أخبرتك ببعض المآخذ أو الإنتقادات فلربما يكون جوابك لماذا لا تعود وتطالب بها من الداخل ؟ .. وهو جواب مشفوع .. ولو رددت عليك بأن حامي الحقوق المدنية " الدستور "  غير متوفر .. فلربما تقبلت أنت عذري .. وهكذا فالجواب سيبدو كالعالق فى الباب الدوّار .. سئل سقراط ذات مرة .. أيهما أفضل الموت أم الحياة ؟!.. فأجاب : هما سواء .. فقيل له : لماذا لا تموت إذن ؟!.. فأجاب : أنا لم أقل أن الموت أفضل !!. وعلى أي حال لعل أهم ما يمكن ان أقوله كمراقب هو أن على الدولة أن تتخفف من الصبغة الأمنية لقصة مغادرة البلد أو العودة اليها .. ولعل وجود قائمة تصدر دورياً وتحمل أسماء مواطنين ليبيين سمح لهم دون غيرهم .. ووفق معايير غير معلنة .. بالعودة لأوطانهم .. يناقض ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على أن حق مغادرة الأوطن والعودة إليها مكفول بلا شروط .. وليبيا شريك فى هذا الميثاق .. وكذلك فهكذا ممارسة ربما تحمل نوعاً من الإفتئات على الحقوق المدنية وتؤذي مشاعر الناس .. فكم تمنيت أن تعف الدولة عن إصدار هكذا قوائم بشكل علني .. ولها أن تقصر الأمر فى شكل إداري حضاري .. عموما أنا من أنصار إنهاء ملف المهجر بشكل عادل .. وغير مُسيّس .. ودون المساس بأراء ومعتقدات الناس .. فنحن أمام ملف معقد جدا .. فثمة جيل ثان يولد فى الغربة ويحتاج الى ثبات الجذور .. وثمة جيل أول وصل الى مستوى من العمر يحتاج رعاية نفسية / إجتماعية قد لا تتوفر بعيدا عن الوطن .. نعم هناك بوادر إهتمام بهذه القصة .. وهناك زيارات لشخصيات مسئولة للمهجر .. وليونة لدى موظفي السفارات .. وتذليل بعض الصعاب للمهاجرين .. ولكن ـ وكمراقب أيضا ـ أقول بأن هناك شيء من الفوضى فى طرق العلاج المرسل للمهجر .. مما قد يسمح بتسلل منطق ( الكسب) لملف إنساني بحت .. دعنا نقول استاذ جابر بأن ملف المهجر .. أو الملف الإجتماعي .. من أسهل الملفات .. واذا لم يجد طريقه للحل بشكل إنساني وقانوني لا يمس حقوق الناس وأراءهم .. فإن ذلك سيلقي بظلال قاتمة على بقية الملفات الأكثر تعقيدا .. وبشكل شخصى قررت بأنني يوم أريد أن انهي غربتي سأصعد الى الطائرة وأعود الى بلدي بلا عزومة !.


10ـ حين تخلو إلى نفسك في ليل مانشستر شديد البرودة .. و تتحسس شعيرات رأسك البيضاء.. هل تبثني ما يختلجك في تلك السويعات ؟!.

ـ اشكرك على أنك أبعدتني قليلا عن زنقة السياسة وحقول ألغامها ! .. ربما ما بات يؤرقني هو اطفالي .. فقد ولدوا خارج ليبيا .. وإبنتي الكبرى ستلتحق بالجامعة هذا العام .. دون أن يروا وطنهم وأقاربهم .. تؤرّقني لغتهم .. وأصاب بضيق شديد عندما تخونهم العبارة .. أ عندما استشعر فقرهم فى مفردات اللغة العربية  .. بالفعل قلقي الأول هو أولادي .. أما قلقي الثاني فيكمن فى البحث عن تركيبة المعادلة التى يمكن عبرها إقناع المجتمع الليبي بالرفع من مستويات التسامح فيما بينهم .. فلا أمل فى مستقبل تغذيه الكراهية .

 
11ـ  ثمة قرارات قاسية في حياة الإنسان .. ما هو أقسى قرار اتخذته ؟!.

ــ هناك عدة قرارات قاسية أتخدتها فى حياتي .. غير أن أقسى قرار تمثل فى وضعي لنقطة نهاية لما اسميه بمنطق " الثأر " سنة 1998م .. والبدء فى الحديث بشكل علني عن ما توصلت إليه عبر النكش فى 25 عام من أعباء وتبعات الفكر الإسلامي .. وما إستلزم من مواجهة مع الماضي .. ومع ثقافة إسلامية رافضة لفكرة التحول .. لقد همس فى أذني صديق إنك بما تنشر ستخسر الكثير من انصار التيار الإسلامي .. فقلت له : أريد أن أكسب نفسي .

12- في حياة عيسى عديد المحطات كيف نرصد الثابت و المتغير -على حد قول أدونيس- في مسيرتك الثقافية و الفكرية ؟!.

بالفعل لقد مررت بعدة محطات فى حياتي .. عندما ألتفت اليوم الى الوراء ألوم نفسي على بعضها  .. غير أن بعضها الأخر أجده نتاج معطيات غير بعيدة عن ذات الخطيئة .. اليوم وبعد هذا المشوار الطويل .. أجدني أقل حماساً لفكرة الثابت والمتغير .. فالتجربة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الثابت الوحيد فى حركة الحياة هو كونها " متغيرة " .. وقريباً كتبت عن فكرة الخطوط الحمراء فى الفكر الديني والسياسي .. وكيف أنها خدعة يمارسها بعض الساسة وبعض الفقهاء لكسب المزيد من الوقت لا غير .. الثابت فى حياتي اليوم هو ما أسميه بأوراق المرحلة .. ماذا تريد ليبيا ؟!.. ماذا ينقص أهلها ؟! .. ما هو الشكل المناسب لإدارتها ؟!.. ما النموذج الأقرب لمفهوم الشراكة والحوار والإشتباك الإيجابي ؟!!. الخ . أخوض صراعي اليومي عبر الكتابة بهذا السقف .. فى ذات الوقت وطنت نفسي على إمتلاك القدرة والشجاعة على تغيير ما تفرض المعطيات على الأرض تغييره .. فبالنظر الى سرعة رتم حركة الناس .. وتبدل مؤشرات المواقف السياسية والإقتصادية بل والإجتماعية .. وما توفره التكنولوجيا من عوامل مساعدة غاية فى التأثير .. فإنني أعتبر السياسي أو المثقف غير المستعد لقبول التحول .. أو غير المهيأ لقراءته وتحليله بالسرعة المكافئة لما يجري على الأرض .. أعتبره جزءً من المشكلة وليس جزء من الحل .


13ـ  كأحد المراقبين لتيارات ليبية أو توجهات طرحت نفسها كأصوات معارضة من الخارج .ما هو تقييمك وتقويمك لهذه الاتجاهات ؟!.

ــ بداية اعفيني من قصة التقييم والتقويم .. وسأتحدث كمراقب للشأن الليبي السياسي فى المهجر .. فبشكل عام هناك أصوات جادة ولديها مطالب سياسية تتسم بالموضوعية .. وذات قراءة مستوعبة لمعدلات النمو والوعي .. ولمتطلبات البيئة والمحيط الليبي داخل الوطن .. بمعنى أنها تبتعد عن " شروط النسيب الكاره " .. تستهدف شكل ومواصفات الدولة .. ولم تتورط فى تقديم نموذج جاهز لها . . كما أنها متخففة الى حد كبير من ثقل الايديولوجيات الكسيحة .. هذه الأصوات ـ أقولها وأتحمل مسئولية كلمتي ـ باتت قليلة .. وهناك أصوات حسنة النية ووطنية وصادقة لكنها متورطة فى شكل أو قالب للمعارضة .. مقترب كثيرا من فلسفة " منطق الثأر " .. فهي تعتمد على وصف ما يجري .. لا على معالجة ما يجري فوق معطيات المرحلة .. وتناقضها يظهر فى حديثها الموضوعي عن كيفية حل مشاكل الغير عبر الحوار والإشتباك الإيجابي ورفضها لذلك فى قضايا الوطن .. وما يؤخذ عليها سياسياً سعيها لإستخراج نتائج من ملف وصف الحالة .. وليس من المتاح من الأوراق المطروحة على طاولة المرحلة .. وهناك أصوات رافضة لكل شيء بما فيها شركاء المهجر .. متورطة بشكل عجيب فى تفسير ضيق لمفهوم " المعارضة " .. لا أريد أن أقول بأنهم حرس قديم .. ولكنني عاجز عن فهم عدم قدرتهم  على إنتاج مشروع سياسي وفق أليات ومنطق السياسة التى يعرفها العالم .. وطرحه كخيار .. وليس كبديل أوحد .. ثم ليتركوا من يرفضه فى حالة شذوذ عن طبيعة ما يراه العالم صوابا .. عموماً بحسب التيارات الحزبية المعروفة أتصور أنه لم يولد تيار صاحب مشروع كامل .. لا إسلامي ولا علماني .. والأكثر وجودا اليوم هو التيار الوطني غير المؤطر .. وعلى أي حال يمكن القول بأن هناك عدة توجهات فى المهجر لديها إجتهادات مختلفة تجاه قضايا الوطن .. لا مناص من إحترامها جميعاً .. ولو إختلفنا معها .. ولا مناص من تقديم الحوار كسبيل أوحد لتصويبها أو قبولها أو حتى لرفضها .. وترك الحكم للناس على جدوى هذه الأفكار من عدمه .. وشخصيا أرى أن المشروع السياسي المستهدف للمستقبل هو البوابة التى يمكن من خلالها الحكم على الأشياء .. فكما يقال " الحكم على الشيء فرع عن تصوره " .. وهو ما لم يتوفر لاي تيار حتى الساعة .. ولعل الكثير من المتغيرات التى طرأت على الأجندة السياسية داخل الوطن جاءت متناغمة بشكل كبير مع مطالب الكثير من مكونات المهجر .. وهذا ما أحدث فى تقديري تغييرات مهمة على خطاب وأليات الحراك السياسي بالمهجر .


14ـ المهندس سيف الإسلام علامة دالة على مشروع مطروح بقوة على الساحة الوطنية. و أنا أعلم أنك من خلال ما تكتب راصد جيد لهذا المشروع . كيف ترى هذا الجهد بموضوعيتك المعهودة.وكيف يمكن إثراؤه و تفعيله . وهل تعتبر هذا المشروع متجاوبا مع طموحاتك ؟!.

ــ دعني أبدأ من حيث إنتهيت فى مقالة سابقة .. لقد قلت بأن ما يعرضه السيد سيف الإسلام من أفكار وبرامج وطموحات لم يعد هناك الكثير من الخلاف حول جوهره .. فقرار مشروع الدستور .. وقرار مشروع الصحافة .. وقرار مشروع قانون مؤسسات المجتمع المدني .. وقرار المنابر السياسية .. ومحاربة الفساد .. وتصفية ملف حقوق الإنسان من الشوائب .. ورفع المرتبات .. والإهتمام بقضايا العاطلين عن العمل .. وإنهاء ملف قضية الجماعة المقاتلة .. والوعد بإنهاء قضية سجن أبوسليم .. والكثير من التدخلات لمصلحة أو لجهة القيم التى ينادي بها مثقفو  ليبيا .. كلها أمور صفق لها أبناء الوطن طويلاً .. ولكن السؤال : لماذا وضعت بعد ذلك فى الدرج السفلي ؟!.. لماذا إختفت ؟!!.. لماذا لم يصل نفعها الى رجل الشارع البسيط ؟!.. هذا هو المحك .. وهذا هو المعيار الحقيقي .. وفقدانه سيجعل الناس الجادة تحجم قليلا .. وفى تقديري تفعيّل هذا المشروع يكمن فى النزول به الى الشارع .. وجعل أثاره تصل الى الناس .. عندها سيعتبرون أنفسهم شركاء فيه .. وخط دفاع أول عنه .. اما حين يتحول هذا المشروع الى نافذة جديدة للنهب .. أو للثراء السريع .. فسيفقد المواطن إحساسه به .. وسينتهي الى شركة قطاع خاص مختطفة من شلة من الإنتهازيين .. سيعملون كالعادة على بناء سور عازل بين الناس والمسئولين .. والإتكاء على الدعاية من اجل رسم صورة غير حقيقية تسهم فى بث طمأنينة مزيفة .. وتظهر من يملئون الشوارع عويلا بأنهم مشاغبون .. عزيزي : يحتاج المشروع  قبل اي شيء الى استرجاع ثقة المواطن به .. عبر تنفيذ القرارات الرئيسية على الأقل .. والإيفاء بالوعود التى كان الناس عليها شهودا..  يحتاج الى مراقبة شديدة كي لا تتسلل اليه سوسة الفساد .. يحتاج الى تفعيل مبدأ " الشراكة فى الوطن " كي لا يبدو شركة خاصة .. وهمسة أخيرة يحتاج الى التقليل من المبالغة فى إستخدام الدين .. ولن ازيد !.

15ـ هل لك أن تشركني في حلمك ؟!.

ــ ربما أحلم بيوم لا أتكلم فيه عن السياسة .. ولا أسمع فيه إسم ليبيا يتردد فى تقارير منظمات حقوق الإنسان .


16ـ ما أكثر شيء تفتقده في الغربة ؟!.

ــ الأصدقاء .. البحر .. الشمس .. ونادي النصر .. وأترك لك خيار ترتيبها .


17ـ متى تقول وداعا للبريطانيا .. ويحط الطائر الغريد على ضفاف وكره.ليرى وجوها يحبها. ويستريح في أحضان تتوق إليه.. ويريح قلوبا أنهكها الانتظار القاسي ؟!.

ـ حقائبي جاهزة .. وانتظر الساعة السعيدة .

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home