Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الثلاثاء 9 نوفمبر 2010

لماذا كلما كتبت المرأة عن الجسد اتهمت بالبحث عن الشهرة؟!

الروائية الليبية وفاء البوعيسى

القدس العربي
www.alquds.co.uk
4-11-2010




لماذا كلما كتبت المرأة عن الجسد اتهمت بالبحث عن الشهرة؟!

الروائية الليبية وفاء البوعيسى:

2010-11-04

أجرى الحوار: إبراهيم الحجري:

أثارت روايتها 'فرسان السعال' كثيرا من القيل والقال، وجرت عليها كثيرا من الاتهامات الجارحة وصلت إلى حد التكفير بسبب القراءة السطحية الخطية التي تطابق بين المؤلف وشخصياته، وبين المتخيل والواقعي. وقد تطلب هذا العمل الروائي من وفاء البوعيسى جهودا مضنية سواء على مستوى إعداد المادة التي جعلتها تخاطر بنفسها في ميادين القتال والمواجهة أو على مستوى تشييد الخطاب السردي فنيا وأسلوبيا... وهي في هذا الحوار تجيب عن كثير من التساؤلات المتعلقة بهذه الرواية المغرية.

* كيف تميزين بين وفاء الانسانة ووفاء الكاتبة؟ ومتى تلتقيان؟

* كثيراً ما بات يقابلني هذا السؤال خصوصاً بعد انتشار روايتي الأخيرة 'فرسان السعال' لما تضمنته من مشاهد قتل وترويع وتفاصيل خطيرة تتعلق بالجماعات الاسلامية المتطرفة ومشاريعها وأعمالها، ومضمون الرواية نفسه الذي يتناول موضوع الارهاب والتطرف كونه موضوعاً ذكورياً بامتياز.

لا أعرف بالضبط أين ومتى تتقاطع وفاء الكاتبة مع وفاء الانسانة ومتى تتوازى معها، لكني أكاد أجزم بأن وفاء الانسانة تختلف إلى حد بعيد عن وفاء الكاتبة، فوفاء الإنسانة هي طفلة، عابثة صاخبة، مرحة تحب الحياة والناس، مندفعة في تمسكها بمواقفها اضافة الى كونها عصبية ونزقة الطباع، لكن وفاء الكاتبة تبدو هادئة كثيراً، مصممة جداً على تحقيق أهدافها وتملك صبراً ونفساً عميقين يجعلان منها قادرة على الانتظار الطويل والتأني، كما أنها تبدو مدركة لما تريد أو لما تفعل.

لن أقول أنني أعاني انفصاماً أو قطيعة معها على المستوى النفسي لكني حتماً أشعر أن وفاء الكاتبة هي أقوى من وفاء الانسانة وأكثر صلابة واصراراً وتشتغل بصمت وهدوء، بعكس وفاء الانسانة التي يعرف الجميع كل مشاريعها وفيم تفكر حيث لا تؤمن بما تعارف البعض على تسميته بالخصوصيات، لكن لعل في الاثنتين قواسم دقيقة مشتركة لكنها لم تنجل ِ بعد لحداثة تجربتي مع الكتابة.

* لماذا اخترت الكتابة الروائية عن غيرها من أنواع القول أو لنقل لماذا اختارتك الكتابة الروائية؟

* لست من محبي القصة القصيرة، فالاختزال والتكثيف لا يعبران عني كفاية لذا كانت الرواية ملاذاً مناسباً لي.

* تعيشين في عالم الغربة بعيدا عن الأهل والوطن... هل لهذه التجربة اثر ما على توجهك في الكتابة؟

* دعني أفكك سؤالك أولاً: الغربة، الوطن، تأثير ذلك على توجهي في الكتابة.

* ما هو الوطن؟

هل هو حيث يكون مسقط الرأس ومنشأ الأباء والأجداد؟ هل هو حيث صنعنا ذكرياتنا مع التراب والناس؟ هل هو وطن الأب نرثه عنه كما نرث المال والمتاع ثم نتعلم محبته مع الزمن وتقادم الأيام؟

طيب، هل يتحقق مفهوم الوطن ـ رغم هذه التعريفات العاطفية ـ في مكان يكاد المرء لا ينال فيه سائر حقوقه الأساسية على قدم المساواة مع الآخرين؟ هل يتحقق مفهوم الوطن في مكان تُنتقص فيه كرامته على نحو مزرٍ؟

* بالنسبة لي فقد تجاوزت من فترة هذا التعريف التقليدي للوطن والذي يكرس لمفهوم اعتياد المكان لا غير، أو توارثه عن الأب دوناً عن الأم بتفرقة غير مفهومة لي، وأنا بصدد إعادة صياغته من جديد، بصدد صياغة وطن يقوم حيث أكون فيه محترمة لمجرد كوني إنساناً أنال حقوقي كاملة أُسوة بجميع من يعيش معي، أما الأهل والذكريات فلا شيء يبقى للأبد، الكل راحل، الأهل الذكريات، بوسعنا صناعة أهل وأصدقاء وذكريات بكل مكان نحل فيه.

أما عن مدى تأثير ذلك على توجهاتي بالكتابة، فتوجهاتي منذ أول محاولة لي 'للجوع وجوه أخرى' هي ملامسة موضوع التطرف بالفكر الاسلامي الذي أحرجنا أمام العالم ووضعنا في صورة الارهابيين والعنصريين، في صورة أولئك الذي يصرون على تقسيم العالم لمسلم فقط وكافر فقط، بل حتى المسلم عندهم يبنغي أن يتحلى بمجموعة محددة من الشروط وإلا تحول إلى كافر مع ما يترتب على هذا التقسيم البليد من آثار خطيرة.

وروايتي الأخيرة 'فرسان السعال' التي بدأت الإعداد والقراءة لها بليبيا وانتهيت منها بهولندا تأتي ضمن هذا الإطار، لكني أعترف بأمانة أن كتابة روايتين عن التطرف والارهاب أكثر من كافٍ، ولعلي الآن سأتجه لكتابة نصوص مختلفة.

واستدراكاً لسؤالك ذاته فسأقول بامتنان كبير، أنني وجدت أجواء رائعة للكتابة في هولندا بعد أن تخلصت من توترات كثيرة تعود لفساد الحياة البالغ في ليبيا، فساد الإدارة والضمائر والمادية والضغوطات اليومية لحياة بمجتمع ذكوري بامتياز يحصي أنفاس المرأة ويراقبها أكثر مما يبذل جهداً لتصحيح نفسه والارتقاء بها. هذه الأجواء الجديدة بما توفره من فرص الاسترخاء والثقة بالذات والاطمئنان للمستقبل والحياة أياً كانت المتغيرات المحيطة تجعلني أكتب بأريحية عالية ونفس عميق وتجعلني أصر على الاستمرار ونقش اسمي في عالم الرواية.

* كتبت رواية جميلة بحق، لكن موضوعها كان حساسا للغاية لأنه يتعلق بالدين الإسلامي خاصة وأن بعض شخصياتك الروائية، في حمى الغضب والقلق الوجودي، أطلقوا تصريحات نوعا ما صادمة وقوية... فهل لهذا العامل أثر في عزوف النقاد عن الكتابة عن الرواية أم أن هذا العامل زاد الرواية إثارة؟

* روايتي هذه كسابقتها متهمة بالاساءة للدين، وهذا لتناولي مواضيع تلامس الفكر الاسلامي المتطرف وما يطرحه من إشكاليات فكرية وموضوعية أثرت بشكل قاسٍ جدا بحياتنا وحياة أمم اخرى غيرنا.

* القارىء العربي قارىء يشبه كثيراً النعامة، إنه ببساطة لا يتورع عن دفن رأسه في الرمال مدعياً أنه لا يرى الصياد، ظناً منه أنه طالما لا يرى الصياد فهو أيضا لن يراه، لكن الصياد موجود وبيده بندقية مصوبة نحوه مباشرة، تفهمني؟

* أردت أن أقول أن القارىء المسلم يفضل تحاشي طرق هذه المواضيع التي تحرج فهمه لدينه وتضعه على محك الاتهام بأنه غير متسامح مع الآخر وغير منفتح معه ولا متقبل للمختلفين معه على أساس الدين، فيدين من فوره أي مقاربة لهذا الموضوع، إنه كمن يحمل جرحاً ملتهباً يخاف من أي ملامسة له حتى لا يتفزز ويظهر ما تحته. من هنا أستطيع تفسير هذا العزوف من جانب النقاد وهذا الرفض والادانة من جانب القرّاء، لكني أؤمن بشيء واحد فقط، إن كانت روايتي جيدة وترقى إلى مستوى الكتابة الأدبية العميقة فهي ستطل برأسها وسط الجموع وتسحبه عاليا ليراه الجميع.

أما عن العبارات الحادة التي وردت بالرواية والتي من المتوقع أن تثير الكثير من النقد أو التحفظات فهي عبارات صادرة عن شخوص عاينوا أهوالاً فظيعة ووجدوا أنفسهم وسط مجازر وترويع لا يحتمل، لا تجب ولا تنبغي محاكمة تلك العبارات الصادرة في لحظة فزع عن شخوص فقدوا صوابهم وترنحوا بعد أن فلت منهم توازنهم لشدة ما عاينوه. أنا برواياتي أحاول أن أنقل لحظة صدق لا غير وأتمنى أن يُفهم الأمر على هذا النحو فقط.

* بمناسبة كونك متهمة بالاساءة للدين فقد تعرضت لحملة تكفير واسعة على منابر المساجد بمدينتك بنغازي في ليبيا أواخر العام 2007 بسبب أول رواية لك وهي 'للجوع وجوه أخرى'. سؤالي هو كيف استطعت تخطي هذه التجربة في مجتمع تقليدي محافظ الى حد التزمت كالمجتمع الليبي؟

* لم يكن الأمر سهلا صدقني، كانت تجربة قاسية محرجة، وضعتني شخصياً ووضعت أهلي في دائرة التجريح المستمر واللوم والنبذ، دفعت ثمن ذلك الكثير من الشعور بالقلق والألم وتخلي الأصدقاء بسبب أناس قرروا تكفيري لكتابة رواية من محض الخيال، بل ودون حتى قراءتها كما صرح بعض المكفرين شخصياً على موقع الجزيرة نت، ودون حتى منحي فرصة للرد والتعليق. لهذا السبب ولأسباب أخرى لا تقل أهمية عنها آثرت مغادرة ليبيا وطلب اللجوء في هولندا.

وحتى في هولندا لم أتعلم تجاوز هذه الأزمة إلا من أشهر قليلة مضت، رغم وجودي فيها من سنتين ونصف سنة تقريباً، إلا أنني مؤخراً فقط تمكنت من نسيان الأمر وتجاوزه. الآن أستطيع أن أقول بثقة أنني ما عدت أعبأ كيف يقرأ الآخرون أعمالي طالما قرروا إدانتها من خلال الرجم بالغيب ومحاكمة النوايا وكأنهم مطلعون على سريرتي، الآن فقط تعلمت ألا أكشف ظهري لمن يريد أن يجلدني دون حتى أن يعطيني فرصة الرد والتوضيح، بل أقولها بقوة، ما عدت أعبأ كيف يقرأ الآخرون لي بالمرة ولا يعنيني رأيهم فيّ وفي كتاباتي، فقد استفدت من تلك التجربة ألا ألقِي بالاً للأمر، فمن شاء أن يقرأ لوفاء البوعيسي بإنصاف فأهلا به، ومن شاء أن يكون غير متسامح ولا متفهم وجاء لرواياتي متسلحاً بالتهم الجاهزة والمصادرة والرفض فلن أعبأ به.

* يتضمن العمل الروائي 'فرسان السعال' ملفات سرية قوية، وتفاصيل مرعبة عن الحروب والتنظيمات السرية وتحركاتها في الجزائر وأفغانستان والسعودية ووو... كيف حصلت على هذه المعطيات؟ وهل كان للوظيفة التي تمارسينها في الحياة دور في الحصول عليها والتعاطف مع قضاياها؟

* على الإطلاق، ليس لعملي بالمحاماة علاقة بهذا الأمر، إنه أنا شخصياً واهتمامي المفرط الذي لا أعرف له تفسيراً حتى اللحظة بتحري موضوع القتال في أفغانستان.

سلبني هذا الموضوع الشائك وأخذ من وقتي الكثير، أخذ من وقتي ثلاث سنوات كاملة قضيتها في ملاحقة الموضوع من أفغانستان نفسها وباكستان والسعودية وليبيا واليمن وحتى فرنسا وبريطانيا، حيث لاذ عدد كبير من المقاتلين السابقين بتلك الدول طلباً للجوء بعد أن رفضتهم دولهم أو طاردتهم معلنة إياهم كمجرمين ينبغي النيل منهم. شغلتني كل التفاصيل التي رافقت الموضوع، من بداياته سنة 1979 وحتى أحداث أيلول (سبتمبر) 2001 وما رافق ذلك من تداعيات.

وبسبب هذه الرواية، استطعت التواصل عن كثب مع بعض الأسماء التي ظهرت في الرواية أو التي زودتني بمعلومات مهمة عن القتال في أفغانستان، وهي في معظمها أسماء حقيقية سمحتُ لنفسي بالتدخل قليلاً في تفاصيل حياتها، ولدي أرشيف هائل الآن من المراجع والمراسلات والفتاوى من بعض شخوص العمل وغيرهم ممن تعاون معي أو آمن بالعمل الذي كرست له سنة ونصف سنة اضافية لكتابته.

* كثير من الروائيات العربيات ينلن شهرتهن من خلال ضرب التابوهات خاصة على مستوى انتهاك الجسد وفضح الحميميات بالتفصيل الزائد... ما رأيك في هذا التوجه؟

* دعني أقول لك شيئاً، أنا تزعجني هذه التفرقة العنصرية في قراءة أدب المرأة وإدانتها على هذا النحو، أعني رميها بالبحث عن الشهرة لتورطها في الكتابة عن الجسد وما أسميته أنت بالحميميات.

* لنتفق بداية على أن هذه 'الحميميات' لم يجر تجاهلها حتى في الكتب السماوية، فقد غص الكتاب المقدس بكثير من الآيات التي تشير إلى ذلك، وجاء القرآن الكريم والسنة الشريفة حافلة بعدد من الاشارات حول 'الحميميات'، فقد بينت الكثير من الآيات والأحاديث الشريفة أحكام التعامل مع الجسد ورسم حدود ومحاذير العلاقة الحميمية، فلماذا بربك نعلن رفضنا لكتابات المرأة حول الجسد والعلاقة الحميمية؟ ولماذا نتقبل بتسامح كبير كتابات الرجل فيه بلا تعقيد ولا ادانة؟

* لعلك مثلي قرأت لمحمد شكري رواياته التي تكاد لم تنل شهرتها ويتهافت القرّاء العرب على قراءتها وترجمتها إلا لكونها تغوص في الجسد والحميميات، رغم عدم جودة هذه الروايات بوجهة نظري الخاصة، ولعلك أيضا قرأت لمحمد الأصفر بعض رواياته التي لا تنشغل إلا بالحديث عن الجسد والحميمية، بل ان لغة معظم روايات الأصفر تُحيل إلى البذاءة والسوقية كخلفية لحقيقة مجتمعاتنا التي تدعي الطهر والنزاهة ثم تمارس تعهرها ليلا وفي الأقبية.

هؤلاء الكتاب وغيرهم يتسامح معهم القارئ الشرقي والناقد لأنهم رجال، ولأن المجتمعات العربية هي مجتمعات شرقيه ذكورية بامتياز، لا زالت تنظر للمرأة نظرة تقليدية، تتوقع وتنتظر منها أن تمارس دورها البيولوجي في الحياة بالانجاب والتربية، فإن حدث وتمردت قليلا وأرادت الكتابة فستريد وتتوقع منها أن تكتب عن تربية الأطفال ورعاية البيت والزهور.

لا أرى حرجاً ولا مانعاً البتة في أن تتطرق المرأة للكتابة عن الجسد والحميميات، فمن أين جئتم بهذه الفرية أنهن ينلن شهرتهن من خلال الكتابة فيه؟ من أين جئتم بهذه الفرية وقد كتب مئات الرجال الشرقيين في ذات الموضوع بلا حرج، ومن أين جئتم بهكذا فرية لموضوع لم تتجاهله حتى الكتب السماوية؟!

* لك لغة ترقى في الكثير من اللحظات إلى مستوى الشعرية. هل مارست في حياتك يوما ما الشعر؟

* أتهيب كثيراً الشعر أتعرف هذا؟ وأقرأه باحتفاء منقطع النظير.

في حضور الشعر، أنام وأحلم بعطر يغمر كل شيء، يخفف من حدة تواصلي الاضطراري مع هذا العالم المستحيل بماديته وبرودته، المغرق في خوائه وضجره.

في حضور الشعر، أعلن رفضي ـ جملة وتفصيلاً ـ لزحف الآلة التي بلا روح، ترفض التسامح مع كل ما هو إنساني، تتلذذ برؤية العرق والدم يراق بين دواليبها المسننة، وتدفع بنا نحو الفراغ واللاجدوى ومزيد من الشكوى، وفي حضوره أحلق مثل طائر أزرق العينين في السماء فوقي وأنام مثقلة بأحلام زهرية اللون ترفض الرمادي والأسود.

وجواباً عن سؤالك، فلا، أنا لست جريئة كفاية لأكتب الشعر، أعتبره من أصعب ألوان الكتابة الأدبية على الإطلاق وأتحاشى الكتابة فيه، يلزمني عشرات السنين الضوئية لأكتب شعراً يُرضيني، وصرت ـ لصعوبة ذائقتي ـ أمج الكثير من القصائد والدواوين التي تصدر عن الأدعياء الذي يسيئون إلى الشعر ويجترئون عليه، لكني أتمنى يوماً كتابة ديوان ما، وعلى أية حال أشكر لك ثناءك على لغتي الأدبية في روايتي.

* يقال أن الزمن زمن الرواية على حساب الشعر والأجناس الأخرى... ما رأيك؟

* أظنه بصراحة زمن الشعر الرديء. كثيرون باتوا يتجرأون على الشعر بحجة الحداثة، يرصفون مجموعة من الحروف، يرتبونها بشكل عمودي ويطلقون عليها شعراً.

من السهل كتابة ديوان هذه الأيام، الغالبية تفعل هذا، الحداثة وتمطيطاتها تساعدان على ذلك. في ليبيا مثلا هناك آلاف الدواوين، ومئات الأدعياء من كتبة الشعر يتنطعون به في المواقع الإلكترونية، أو ينشرونه مُفرقاً في الصحف والمجلات لكنهم أدعياء ودخلاء على الشعر، وهناك منتحلون أيضا للقصة القصيرة، إنها تناسب أولئك الذين لا نَفَس كافياً لديهم، تساعدهم عناصر القصة من التكثيف والاختزال في كتابة عشرة أسطر كل عدة أيام.

الرواية بلا منازع باب لأولئك الذين لا يضيقون ذرعاً بالتفاصيل ولا يقلقهم الإفضاء، ويعني لهم الكثير أن يمرروا موضوعات تلامس كل شيء.

* ساد الكتابة بفعل الإنترنت، نوع من الاستسهال والرداءة ناهيك عن غياب النقد والتقويم والمصفاة والتحكيم... فكيف يمكن الانتفاع بمزايا الانترنيت والحاسوب دون الوقوع في مطبات الرداءة والاستسهال؟

* أخشى أننا يجب أن ننتظر كثيراً بعد، أعني ننتظر حتى ننضج كفاية لنحسن تقبل ما يطرح لنا على الانترنت ونقرر ما هو الجيد وما هو الرديء.

أنا أيضا يقلقني تنامي الرداءة سواء على مستوى الطرح أو التناول في موضوعات الكتابة وغيرها، ويقلقني أيضاً غياب نقد منهجي وموضوعي لا يحابي ولا يتحيز ولكن ـ وأخشى أن تضحك لقولي هذا ـ أظن أن استسهال الكتابة وازديادها بهذا الشكل الملفت للانتباه يعكس كم نحن مجتمعات مكبوتة، تبحث عن أي منفذ تتسلل منه للعالم الخارجي لتقول أنا هنا، معكم، وبوسعي التعبير والتكلم بحرية على منبر الانترنت طالما ليس بوسعي التعبير في صور الحياة الأخرى لأنني لا أستطيع غير هذا.

آلاف الأسماء نراها كل يوم، مئات المحاولات للظهور، وكم هائل ولا يحصى من المواقع التي تظهر كل يوم.

جيش كامل من الكُتاب يطلع علينا باستمرار على حساب الجودة والموضوعية والاحتراف، هذا اختناق قد انفجر وعبّر عن نفسه، وأستطيع التدليل على هذا بذيوع الأسماء المستعارة والموضوعات الركيكة والاشتغال الرديء، والسرقات الأدبية والتفاهة، لكنها في جانب ما آخر هي صحية تماماً، إنها صرخات مكتومة لشعوب تعلمت لعقود طويلة أن تبلع لسانها وتزدرد حنقها. شعوب عاشت بقمع فكري ونفسي، فلندعها اليوم تعبر عن نفسها وتتخلص من احتقانها ورغبتها في الظهور والتواجد بعد أن خبرت العيش في الظل لأزمنة طويلة، سيستغرق الأمر وقتاً ـ كأي شيء آخر ـ ثم يتلاشى وحينها ستبرز الأقلام الجادة والأصوات الهادفة والعميقة وسنميزها بوضوح، بل أجزم أن هذه الأقلام وتلك الأصوات قادرة على فرض نفسها رغم ذلك لأننا بالنهاية سننحاز للجيد والمؤثر والذي يحسن ملامستنا في مواضع الألم والحرقة.

* ما ملامح العمل الروائي القادم؟؟؟

*أجدني مهتمة كثيراً بالكتابة في مناخات غير مألوفة، وأجهد نفسي كثيرا للوصول إلى تلك الأجواء، روايتي القادمة والتي وضعت خطوطها العريضة بالفعل تدور حول فكرة اللجوء لأوروبا، الموضوع مطروق كثيراً وخاض فيه معظم أدباء المهجر لكني أعتزم تناوله من زاوية حرجة هذه المرة.

ثمة دول لا بد من زيارتها لكتابة هذه الرواية منها إيران، تركيا، اليونان، ماليزيا، سورية، لبنان، وقد بدأت بزيارة ماليزيا عدا عن زيارتي للبنان وسورية بالطبع، وقدمت طلب تأشيرة للسفارة الإيرانية وبانتظار الرد، أعني أنني بدأت في التواجد في المجال الحيوي الذي ستدور فيه أحداث هذه الرواية وأتمنى أن أوفق في جهدي.

وكرواية 'فرسان السعال' أنا أتواصل الآن مع عدد كبير من اللاجئين وألاحق شبكات تهريب البشر في تركيا واليونان، ومنافذ تهريب إيران وماليزيا، ولا أعرف أين سيقودني هذا بالتحديد. كل ما أعرفه أنني مستمتعة أيما استمتاع باكتشافاتي حتى الآن.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home