Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الأحد 23 مايو 2010

"مجتمع مدني" من منظور إستبدادي 

الراصد الصحفي

يقول أحد نشطاء منظمات المجتمع المدنى "شئ جميل أن يكون هناك مركز لتحالف حقوقى، لدعم وتدريب مؤسسات المجتمع المدنى فى العالم العربى، ولكن الأغرب أن يكون سيف القذافى على رأس هذا المركز ليقوده، نجل إبن أكبر دكتاتور وحاكم مستبد عرفته المنطقة العربية وربما العالم بأسره"، فهذا المزيج الفريد من نوعه لا يمكنه أن يتجسدعلى ارض الواقع العربى بصفة عامة، وفى الواقع الليبي بالذات وعلى وجه الخصوص.

الدكتور المرحوم محمد عابد الجابرى أوضح فى تناوله لإشكالية المجتمع المدنى "إذا كان الخارج، وكما هو معروف، له حساباته، فإن الداخل العربى يبقى من أهم العوائق الحقيقة التى تقف فى وجه تطور العمل المدنى. إذ لايمكن لنخبة تدعو إلى إحداث التحول الديمقراطى وتنبذ الاستبداد أن تسلك فى ممارساتها وتوجهاتها داخل منظماتها المدنية مسلك التشبت بمراكز المسؤولية، وتغلب الفردية فى تعاطيها مع شؤونها الداخلية التى لايمكن أن توصف بغير أساليب البيروقراطية ولا الديمقراطية ويضيف قائلا "هذه النخبة لاتمارس بالطبع ما هو ضرورى من الهيمنة لاحداث التغيير، لانها تبقى بدوية فى سلوكها وعقليتها وتطلعاتها. وبالتالى لاتنتمى إلى المدنية التى هى شرط مؤسس لمفهوم المجتمع المدنى " (1)    

والمتابع للشأن الليبي يدرك تماماً أن سيف قد عجز بالكامل، فى أن يحقق أياً من " النوايا الطيبة " التى وعد بها طوال السنوات الخمس الماضية، رغم أنه ظل يروج لها وسخر جيشا من أعلام السلطة والاعلام العربى والاجنبى المدفوع بالدولارات واليورو للحديث عنها، كما أن"السيد" سيف نفسه قطع وعوداً كثيرة لم يستطيع أن يحقق منها شيئاً، سوى اطلاق سراح سجناء جرى ترويضهم للقبول بالدخول الى بيت الطاعة الخاص بأبيه مرغمين لا مخيرين، بل أن سيف كان قد دق أول مسمار فى نعش أى انفراج لقيام مجتمع مدنى بالمعنى الحقيقى والفعلى، بالاصطفاف إلى جانب عرش أبيه "ملك الملوك" تكريساً للاستبداد وانحيازاً له، وحباً فى استمرار هذا الاستبداد متسلطاً على رؤوس الاشهاد من الليبيين، ومن لم يعجبه هذا الوضع فليشرب من ماء البحر، كما صرح بذلك فى قناة الجزيرة.   

وهو بهذا الفهم لمعنى ومفهوم "المدنية" ومن هذا المنظور"المدنى الراقى" لايرى "السيد" سيف القذافى، أى تعارض بين الاستبداد وقيام مؤسسات مجتمع مدنى تتماهى مع خطاب السلطة الاستبدادي وتخضع له، وتناسى أن هناك تعارض بين المجتمع المدنى والسلطة المستبدة الشمولية يصل إلى حد إلغاء إحدهما للأخرى، لأن شمولية السلطة واستبداديتها لاتسمحان بنشوء ماهو مجتمعى حقيقى، وأن المجتمع المدنى يعد ركيزة لابد منها لتأكيد الممارسة الديمقراطية والتي لا تتعايش مع الاستبداد،  وكما يقول حسين توفيق ابراهيم فى مجلة السياسة الدولية " وجود مؤسسات المجتمع المدنى لاتعنى بأى شكل من الاشكال ضعف الدولة، فدولة قوية، لاتمارس الاستبداد السياسى ومجتمع مدنى فاعل ومستقل، يكرس الشرعية والاستقرارالسياسى، أما إذا قويت الدولة (السلطة) وضعف المجتمع المدنى، فإن ذلك يفتح الباب والمجال للفوضى وعدم الإستقرار"(2)

ويعتقد المهتمون بالوضع الليبي أن الفهم الذى يدركه سيف القذافى ويتعمد أن يتجاهله، حرصا على استمرار مملكة أبيه تحت شعار "سلطة الشعب"، وديمومة سيطرته الكاملة على مقاليد البلاد والعباد، هو أن المجتمع المدنى يؤسس لدولة ديمقراطية تقوم على شرعية دستورية، ولا تخضع لشمولية السلطة وضد تفرد الحاكم واستئثار اللجان "الثورية" بالمناصب والمراكز القيادية، فالمجتمع المدنى يعنى تعددية سياسية، ومنافسة ديمقراطية تسمح بحق الاختيار والمفاضلة وحق الانتخاب وحرية الرأى والتعبير.

فى الواقع أن المشكلة الحقيقة التى يعانى منها "السيد" سيف، هى نفس المشكلة التى عانى ومازال يعانى منها معمر القذافى، والكثيرون من " القادة" والحكام والمسؤولين على امتداد الوطن العربى وهى الوعود والشعارات الكلامية والفرقعات الاعلامية، بمعنى أن الطرح النظرى لا يرقى الى مستوى التطبيق العملى بل لايصل أصلا إلى الواقع.   

أما فيما يتعلق بالسيد الكتورعلى سعيد البرغثى، الامين العام للتحالف العربى للديمقراطية والتنمية وحقوق الانسان، فقد حدد أهداف عمل المركز فى "معالجة القصور التأهيلى لدى النشطاء السياسيين فى المنطقة وإدخال "الحوكمة" فى إدارة منظمات المجتمع المدنى بالإضافة إلى استخدام تقنيات العصر فى مراقبة الانتخابات بالدول العربية، وتدريب نشطاء حقوق الانسان فى عملية جمع الادلة وتقصى الحقائق ورصد الانتهاكات من اجل تقديم مرتكبيها للعدالة، والمساهمة فى خلق رأى عام يشجع المواطن على المشاركة السياسية".         

من الواضح أن الدكتور البرغثى لديه خلط لا يتوقف عند حد الإلتباس، كما يرى المراقبون، وانما يتعدى الى حد الاعتقاد بغياب تام أو شبه تام لنشطاء سياسيين فى المنطقة العربية وفى ليبيا على وجه الخصوص، وأن الموجود من هؤلاء النشطاء يعانى من قصور تأهيلى، ونسى الدكتورالفاضل أن هؤلاء النشطاء السياسيين والحقوقيين قد تأهلوا وعملوا فى هذه المجالات منذ عقود قبل أن يدركها الدكتور الفاضل بحكم سنه، فالقصور ليس فى التأهيل والاعداد ولا فى الثقافة السياسية، ولا فى الالمام بأساليب وقواعد العمل السياسى والانسانى، ولا فى القوانين والتشريعات الدولية التى تحكم طبيعة هذه الانشطة وعملها، بل إن القصور يكمن فى الحرية المكبلة، وفى القيود التى وضعت لحرمان هؤلاء النشطاء من العمل فى مجتمعاتهم، القصور فى خنق الحراك السياسى والنقابى والطلابى والعمل الاجتماعى، القصور فى أجواء الإستبداد والقمع والعسف وتسيد الاجهزة الأمنية وغياب دولة القانون.

وفيما يتعلق بمصطلح "الحوكمة" الذى يقترحه الدكتور البرغثى، لإدارة منظمات المجتمع المدنى فمن باب إولى وأجدى وأنفع أن يقترحه على الحكام العرب، وأولهم الدكتاتورالقذافى لعله يتعلم أدارة شؤون المجتمع الليبي ليس بالأجهزة الأمنية واللجان " الثورية "، واخضاع الناس بالسجون والمعتقلات، وفرض ارائه وافكاره على شعبه، ولكن بالمؤسسات الديمقراطية والمدنية وباطلاق الحريات ووقف نهب أموال الشعب الليبي .

وعن أستخدام تقنيات العصر، فمن الغريب أن يتم طرح هذا الموضوع كأحد أهداف المركز، بينما غالبية الانظمة العربية وعلى رأسها "نظام" القذافى تقوم بحجب تدفق المعلومات وتدوالها بين العامه وحتى الخاصة، ثم أى انتخابات عربية يمكن لاجهزة التقنية أن تراقبها ونتائج انتخابات القادة فيها لاتقل فى أسوا الاحوال عن 99% ؟

أما الحديث عن جمع الادلة وتقصى الحقائق ورصد الانتهاكات فى العالم العربى وليبيا بالذات، فقد أصبحت هذه الادلة والحقائق والانتهاكات من الوضوح الى الدرجة التى لاتستدعى أى جمع ولا حتى طرح، بمعنى أن الانظمة لم تعد تخجل من ممارستها على المكشوف . 

إن ما يثير الدهشة والإستغراب الشديد فى هذا الموضوع، هو القول بتقديم مرتكبى الانتهاكات الى العدالة، والعارفون بحقيقة الاوضاع فى العالم العربى وبالأخص فى ليبيا، وبالطبع على رأسهم الدكتور الفاضل على سعيد البرغثى، يعلمون تمام العلم أنه على امتداد أكثر من نصف قرن، من حكم ما يسمى بالأنظمة الوطنية بمختلف ألوانها وأطيافها الإستبدادية، ولم يقدم مسؤول واحد قام بانتهاكات فى حق مواطنيه وصل فى بعضها الى قتل الآلاف، فهل للسيد الدكتور أن يوضح للسادة المواطنين فى الوطن العربى وفى ليبيا ايضا، كيف يمكن ان يضع هذا الهدف موضع التنفيذ ؟ فعن أى عدالة  يتحدث الدكتورالبرغثى ؟ هل هى عدالة القذافى مثلا ؟

رأى المختصين :

عدد من أساتذة العلوم السياسية آدلوا بآرائهم حول هذا الموضوع ووصلوا الى نتيجة واحدة فى تشخيص الحالة، ولاشك أن هؤلاء عايشوا الواقع ولمسوا عن قرب حقيقة الوضع، فالدكتور زاهى المغيربى تحدث عن "كيف يمكن أن تتحول هذه الافكار الى واقع ملموس، والمشكلة فى عدم استقلالية هذه المؤسسات عن اجهزة السلطة"، والدكتور عمر العفاس قال "فى مجتمعات مفعمة بالقبلية والطائفية والجهوية والتخلف الاقتصادى كى تسوده فكرة المجتمع المدنى أمر تعوزه النظرة العلمية والمنطق الموضوعى"، أما الدكتور فتحى البعجة فقد أوضح "أن إنشاء المركز لا يمثل سوى مزيد من الدعاية والفرقعات الإعلامية ومن الاولى الالتفات إلى وطن يقيد فيه قيام المنظمات المدنية بالقانون الجائر"، ورأى الحقوقى خالد زيو "أن مثل هذه المنظمات يجب ان تولد ولادة  طبيعية وأن تكون إفرازا لحراك ديمقراطى فى المجتمع لا أن تكون سابقة له".

 وأخيراً يقول أحد نشطاء حقوق الانسان، أن المطالب والاهداف التى يسعى اليها "المركز" و"التحالف العربى للديمقراطية والتنمية وحقوق الانسان"، لايمكن إنجازها إلا بالمواجهة الحقيقة بكل الوسائل السلمية بالنزول الى الشوارع والميادين أولا، وفى الجامعات والمعاهد وفى المدارس، وفى المؤسسات الرسمية والاجهزة، المواجهة العلنية التى لاتكتفى بعقد الندوات والمؤتمرات وتأسيس المراكز للبهرجة والظهور بمظهر التحضر، المواجهة التى تتبنى قضايا المظلومين والمضطهدين، المواجهة التى لاتكتفى بالكلمات الهامسة ولا بالشعارات الفضفاضة التى أصبحت من اساطير الأولين، وتخشى التصريح بما يتعرض له الشعب والوطن من ظلم وسلب لحقوقه ونهب لثروته، المواجهة التى تعلن المولد الفعلى لكسر حاجز الخوف والذل والمهانة مهما كانت التضحيات التى تتطلبها.     

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

1-  د. محمد عابد الجابري "عوائق بنيوية أمام التحول الديمقراطي" الموقع الإلكتروني للدكتور محمد عابد الجابري.

2-  حسين توفيق إبراهيم "التطور الديمقراطي في الوطن العربي، قضايا وإشكاليات" مجلة السياسة الدولية، العدد 142، السنة 36، أكتوبر 2000، ص 22.

حول نفس الموضوع انظر ايضا

-  خميس حزام والي: "إشكالية الشرعية في الأنظمة السياسية العربية" الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، فبراير 2003، ص 244

-  تقرير التنمية الإنسانية العربية 2002، ص 99. 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home