Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإثنين 22 مارس 2010

متى ينتهي القمع المعـرفي والحجر عـلى الأفكار في دولة الجماهير؟

محمد العـبعـوب

السلفيوم
www.silvioum.com
الأحد 21-3-2010

منذ أكثر من شهر تعرضت مواقع ليبية تبث من خارج ليبيا للحجب والقرصنة، ولم تعد تظهر على الشبكة العنكبوتية الدولية داخل ليبيا، في خطوة تكشف عن تراجع خطير عن مبدأ حق المعرفة الذي كفله الكتاب الأخضر المرجع الأيدلوجي الرسمي للبلاد (المعرفة حق طبيعي للفرد)، وأكدته الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان التي نصت على ذلك في الفقرة التالية (15- التعليم والمعرفة حق طبيعي لكل إنسان فلكل إنسان الحق في اختيار التعليم الذي يناسبه والمعرفة التي تروقه دون توجيه أو إجبار.). كما يكشف هذا الإجراء عن حجب غير مبرر للمعرفة عن المتصفحين للمواقع الالكترونية، في مخالفة صريحة لما نص عليه المرجعان السابقان اللذان أقرهما الليبيون في مؤتمراتهم الشعبية كمصدرين أساسيين، الى جانب مصادر أخرى، لكل القوانين والتشريعات التي تصدر في البلاد.

هذه الخطوة المناقضة لما ورد في المصدرين السابقين، يقف وراءها حتما أشخاص نصبوا من أنفسهم أوصياء على الجماهير، يحددون لها ما تقرأه وما لا يجب أن تقرأه أو تطلع عليه، وكأن الـ 5 مليون ليبي -باستثنائهم هم ومن يؤازرهم- كلهم قصر وغير قادرين على تمييز الصدق من الكذب، والصحيح من الباطل، والحقائق من الأراجيف..!!

كأني بهذه الثلة من محترفي القمع الفكري التي استولت على مفاتيح الشبكة العنكبوتية، واستطاعت بمهارتها في صناعة سيناريوهات أخطار معرفية وهمية، واختلاق وقائع من خيالها وتضخيمها في عيون أصحاب القرار، كأني بهم هم الوحيدون الذين يكنون ولاء مطلقا لهذا الوطن والثورة، وغيرهم الخمسة ملايين ليبي، أعداء محتملون لوطنهم، أو هم في أحسن الأحوال قابلين للتحول إلى أعداء للثورة والوطن بمجرد قراءتهم لمقال هنا أو قصيدة هناك أو مشاهدتهم لشريط على اليو تيوب يصور مشاهد لأشخاص مرموقين، هم في النهاية مهما ارتفعت قيمتهم بشر يمكن أن يخطئوا كما يصبوا!!

ولا يختلف اثنان عاقلان على أن الحجر الفكري والقمع المعرفي ومصادرة الرأي وفرض الوصاية على العقول لا تنتج إلا إنسانا سطحيا وأجوفا وغير قادر على التمييز بين الأفكار والآراء السليمة والصالحة للحياة وبين تلك التلفيقات الجوفاء الملغمة والهدامة، وهذا النموذج من البشر مهما حاولت حجزه وفصله عن الحراك العام للمجتمع الإنساني، فإنه يظل كالنبتة الطرية القابلة للاقتلاع من تربتها والتحول إلى طحلب ضار بمجتمعه، ولنا في عشرات الآلاف من شبابنا الذين غزتهم التيارات الدينية المتطرفة والهدامة ولوثت عقولهم بدين ارضي مكفر ظاهره الإسلام وباطنه حرب على الإسلام، خير نموذج لهذا النوع من البشر الذين حجرنا على عقولهم وحجبنا عنهم حرية المعرفة، فكانوا صيدا سهلا لهذه التيارات الهدامة المتسللة للبلاد، والتي حولتهم من مواطنين صالحين إلى إمعات معادين لمجتمعهم وينفذون أفكارا معادية للإسلام.

وبنظرة متفحصة إلى ما أنتجته فترة فتح الفضاء الافتراضي أمام رواده وتمكينهم من دخول كل المواقع دونما قيود، بما فيها تلك التي تم حجبها مؤخرا، نكتشف أن درجة وعي الناس بالكثير من القضايا قد تطورت، وأصبحوا يعون الكثير من الحقائق التي كانت نظرتهم لها قبل ذلك عبارة عن تهويمات وتسريبات وتحليلات لا تستند على أية حقائق. وهذا النوع الأخير من الوعي هو الذي يشكل تربة خصبة لنمو الأفكار الهدامة والمعادية لتوجهات المجتمع وخياراته، والتي نعتقد جازمين أنها تقع في صميم أمن الدولة إذا كانت هي فعلا دولة جماهيرية، يمتلك فيها المجتمع السلطة الكاملة.

هناك حقائق لا يرغب رعاة القمع المعرفي الأوصياء على عقول الناس، في طرحها أو الترويج لها ، لأنها تهدم الأسس التي أقاموا عليها إمبراطوريتهم الأمنية التي يجنون من ورائها الثروات والنفوذ والامتيازات. إحدى هذه الحقائق هي أن فتح مواقع ما يدعى بالمعارضة الليبية في الخارج أمام الناس في الداخل، قد كشف لهم سطحية وغرضية هذه المواقع ومن يقف وراءها، وفراغ خطابهم الإعلامي من أي مدلول وطني، وأن الدخول لهذه المواقع رسخ في وعي الناس أن هذه الجماعات لا تزيد عن كونها جماعات ارتزاقية، أغلبها لا يحمل أي رسالة وطنية، وهذا الوعي سحب واحدة من أهم الأوراق التي يستعملها صانعو إرهاب المعرفة في فرض هيمنتهم وسطوتهم على المجتمع والدولة.

والحقيقة الثانية هي أن حجب هذه المواقع ومنعها عن العامة من شأنه أن يخدم هذه المواقع بإثارة الفضول لمعرفة ما تبثه، وطرح التساؤلات عن أسباب حجبها، وهو ما يوفر تربة خصبة للترويج للكثير من الشائعات التي لا تستند لأي واقع في غياب الطرف الآخر . وإذا كانت هناك وقائع خاطئة في نطاق دولتنا وتقع ضمن مسؤولياتها، فإن خيار نشرها وتمكين الناس من الاطلاع عليها هو الحل الصحيح لمعالجتها وقطع الطريق على المعارضين في الخارج الذين يسعون لاستغلالها وتضخيمها لخدمة أغراضهم.

خلاصة القول : إن قرار حجب المواقع الليبية التي تبث من خارج الوطن، السيئة منها والصالحة، هو قرار خاطئ ويشكل خطورة على مسيرة بناء وعي حقيقي للمجتمع، ويخدم تلك الجماعات التي تتخذ من هذه المواقع مصيدة للشباب الذين يثيرهم فضول المنع ويدفعهم إلى كسر تلك الحواجز والقيود التي استورد لها أساطين القمع خبرات الصين وروسيا لحجبها، جاهلين بأن من يصنع تلك الحواجز والموانع هو من يبيع للآخرين مفاتيح كسرها واختراقها، تماشيا مع سياسة السوق المعولم.

أملنا كبير في أن يعي صاحب القرار في هذا البلد مدى خطورة هذا المنع ، وان يتدارك الأمر ويفتح الأبواب أمام حرية المعرفة، لأن الحرية هي التي تنتج مجتمع واعي ومحصن بقناعة ضد كل الآفات التي ينتجها العالم اليوم..


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home