Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
السبت 19 يونيو 2010

وقـفـة عــز

محمد فتح الله اسويسى

 محمد فتح الله اسويسى

فيلادلفيا
www.philaddelphia.com
السبت
19-6-2010


متعجلة تلملم أطراف المواسم لتطوى الشوق الذي لا ينتهي لصبا تبعثرت ألوانه على رقعة المكان بتلقائية الفطرة.
هي الأيام والتي حينها لم تكن تعنى الزمن
وفى كل الأحوال المواسم ترغمنا على الرحيل
إلى ما بعدها لتبقى فقط بقايا صور علقت بأفق العمر نحن لها كلما افتقدنا تلك الفطرة

حين تكون في حضرته يبهجك بترحابه
وحميمية تعامله كما يدهشك بدقة
تفاصيل معارفه نساب يصل الأرحام
ومثلما يعلم جيداً مفاصل الأنساب وتداخلها
أيضاً يعلم مفاصل العظام وتداخلها وقد مكنته
مهارته هذه لان يمتهن حرفة ذات قدرة خاصة
في الإبداع تمتد جذورها إلى روائع الأندلس
عندما استشرق منه شيء إلى درنة في التعامل مع الجلود
وما في حكمها دباغة وصباغة وصناعة
تطريزاً ونقشاً جميلاً وزخرفاً وحياكة
وإعداداً في أدق وأجمل ما تكون عليه هذه الحرفة
ذائعة الصيت في هذه الأنحاء
من البلاد والتي كانت لها خصوصيتها عن مدن
وحواضر الساحل الليبي إرثاً تناقلته الأجيال
من مهرة الصناع
وصاحبنا ظريف المجالسة وظريف اليد
فسخر هذه وتلك في تطبيب التواء العضل
وبسيط كسور العظام
تلك المداواة المحلية.
فالحضور متأخراً خير من الغياب
فكان صاحبنا آخر الجبارين
لتلك الممتهنة إنسانياً.
والمتعاطية لشيء من الموهبة
والكثير من البركة لكونها بلا مقابل "رحمة ولدين"
فأحاطها الله بعنايته
عصامي تقلب به الزمان والمكان
صبغت الجدية حياته
حتى أن الضحكة ترتسم عنوة على محياه.
أطاعت يداه عقله فكانت المهارة
فإن صنع أجاد وإن طبب شفا
وفى الحالتين..
شيء من الجهد الثمين والإدراك اليقين لما يفعل
يستقريء الحكاية ويستنطق شخوصها
فلا تملك إلا أن تكون منصتاً بكل طيبة خاطر.
وله في احتساء طاسة الشاهي رشفة خاصة
تجعلك توقن أن هذا المشروب
يعنى لدى مجالس الظرفاء أهمية خاصة
حين كنا صغاراً لم تكن لنا لعب
فنحن نصنعها من الألف إلى الياء
بل ومنظموا مواسمها رغم ندرتها
والكثير من بساطتها إلا أنها كانت عزيزة علينا
لكونها تحمل بساطة معيشتنا
وهى عالمنا الذي نصنعه ونحياه
بعد أن نكتشف حاجتنا له

وما أروع أن تكتشف ما يثير معرفتك ويعنى حاجتك.
وكان "المقلاع" احد هذه المعارف والحاجات
ولكونه لعبة ذكورية بامتياز كنا نتبارى به
ونطارد زرازير الحوائط الترابية والسوانى
ولكون إعداده يحتاج إلى قصاصات الجلود
المدبوغة والتي كانت هي تذكرتي للدخول
إلى هذا العالم بل والتعرف على هذه المهنة
بعين مكانها "سوق الخرازة"
هذا المكان الذي كان رحم هذه الحرفة الفن
والتي هي عمل إبداعي أكثر منه مصدر استرزاق
ذلك السوق العجيب والذي كثيراً ما كان
يشدني له ذلك الإحساس المريح لكونه
قريبا من عالم الصغار في ألوانه والتعامل
مع الخيوط المشدودة والكراسي ذات الأرجل
القصيرة وتماثلها طاولاتها وكل أدوات هذه
الحرفة الفنية بلا حدود ناهيك عن أبواب
دكاكينها ذات الأقواس المتدنية والتي تجبر
داخلها على الانحناء لهذه المهنة وأمرائها
القابعين على قصيرة الأرجل بكل جدارة
فالسباط النسائي الدرناوي المطرز بالغائر
والبارز والمزخرف بتداخل ألوانه
وسماكة الجلد وبأنماطه وأحجامه
يرتقى إلى مكانة القطعة الفنية
وقد لمعت أسماء من هؤلاء الصناع المهرة
كل في صنف محدد من صنوف هذه الحرفة

فكان سباط جبران .. أمنية كل جميلة في درنة.
أما الرقعة الدرناوية وهى الحذاء النسائي
ذي الرقبة الطويلة إلى ما تحت الركبة
فكانت غاية في الإتقان وتردد في الألوان
ومدى تقدير صناعها لمدى إظهار حسن التكوين والاستعمال
فهي تحمل من زخرف الدقة ودقيق الصنعة
ما يؤهلها لان تضيف إلى الجمال جمالاً
وقد كانت رقعه كحيل وساسى والدربالى والحصادى
مطلب خيرة النساء.
وكان "القبال" وهو شبيه الرقعة غير انه
قصير وفى صنعته أكثر متانة وأقل زخرف
لكون استعماله خارج المدينة مراعاة لطريقة العيش
فكان إقبال الشويهدى وميوه ودخيل له طلابه
الذين يأتوه من الأصقاع والبراري
أما خف "مست" الزني واهويدى وبلغة المسمارى
فقد كانت دفء أقدام الشيوخ وزينة أقدام الرجال
وما أبهاها وهى تدوس الركاب على الصهوات
ومنها الحمرا والصفرا
إبداع في الصنعة وعفية في الاستعمال
وملائمة للبيئة وتناغما للزى.
هؤلاء وغيرهم ممن رسموا جدارية هذه الحرفة
والإبداع على صفحات تاريخ هذا المكان
فيا للعروش قصيرة الأرجل
وهى تحيل قطرات عرق الصناع المهرة
إلى حبات لألئ تشع براقة تنير تاريخهم
فقد كانت خصوصية المحلية كاملة البهجة
تؤدى إلى نفع في الاستعمال وجمال في الإبصار
فيا لتلك الكراسي القريبة من الأرض
وغير البعيدة عن السماء
ويا لهذا السوق الذي تحلقت دكاكينه
حول منحوته من حجر
ألفه الناس
ومنه كانت تصنع "الرحى"
صانعة الخبز الأولى في التاريخ
وهى مصدر مياه هذا السوق
نقشت صورة الإبريق على مقدمتها وعلى جانبيها رموزاً تحاكى وشم الحنك النسائي
وفى أسفلها بعض من زخرف الرقعة والسباط
وكل هذه المنحوتة مركبة على دائرة رخامية
تحمل حوض للماء يشكل قاعدتها.
ويرتبط هذا السوق بمدخلين لسوق الظلام وسوق الخضار
وبالقبو المؤدى إلى سوق الخضار (مقهى بوجلدين)
حيث تنبعث رائحة القرفة المطحونة
عندما تضاف إلى السحلب الذي يقدم ساخناً
حتى أن شهرته جذبت صيادي الإسفنج والمرجان
من الكريتيين..
وتلك حكاية أخرى..

لدرنة في جلب الزيت والفخار وبيع العسل والماعز
ألم اقل لكم أن للكراسي قصيرة الأرجل حكاية
وهى حكاية آخر الجبارين
محمد عوض كحيل
العصامى الموشم بعزة النفس
ملمح من ملامح النخوة والعطاء والإبداع الأصيل.
هذا التميز الذي شكله هذا السوق
وصناعه المهرة أمراء تلك العروش
قصيرة الأرجل والتي كانت دائماً قريبة
من الله هذا السوق المختزل
لجميع المعارف والثقافات المهنية
والتي تعايشت لتكون هذه الخصوصية الجديرة بالاهتمام
لكونها حالة إبداع

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home