Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الثلاثاء 20 يوليو 2010

البيضاء تزُف ثلاثة من شهدائها!!

صلاح سالم سليمان

السلفيوم
www.silvioum.com
الإثنين
19-7-2010


صلاح سالم سليمان

لقد طافت منون الحق قبلاً ... بِأُسد لا يُشق لهم غبارُ
فهذي سنة كُتِبت علينـا ... فهل من سنة كُتبت فرارُ

لا زال الناس يفقدون يوماً بعد يوم..

بل قل.. ساعة بعد ساعة..

أحباباً.. وأولاداً..

آباء وأمهات.. أخواتٍ وزوجات !!

وكفى بذلك عبرة تُغنينا عن الكلام في حقيقة الموت و وحتميته، فمنا من يموت بمرض عضال، وآخر بحادث سير، وثُلة تموت غارقة في البحر، وزهور نفقدها في شجار يفضي بالقضاء عليها بطعنة غادرة، وإلى غير ذلك من الأسباب التي لا تخفى على أحد.

من لم يمت بالسيف مات بغيره ... تعددت الأسباب والموت واحدُ

ومراكز تحفيظ مدينة البيضاء كذلك تلبس بين الحين والحين أثواب الحزن، لفقدها كواكب درية، وقلوباً ندية، ووجوهاً بهية، وسيراً مُضية، من حفظتها ومحفظيها، الذي داهمهم هادم اللذات، فبكتهم المدينة بأسرها لسيرتهم العطرة وعطائهم غير المحدود، وحضورهم المثالي والفعال في مواسم الخير.

ومن بين من فقدناهم جميعاً...

صاحب العزيمة التي تدك الجبال الرواسي..

من فقد ضياء البصر.. ولكن الله أشعل قلبه بنور البصيرة..

من أعطى في الصبر والكفاح وجميل التوكل على خالقه الدروس التي لا تنسى.. والأمثلة التي لا تُمحى.

الأستاذ الشيخ / محيى الدين فضيل الشيلابي

ولن ننسى صاحب الصوت الجميل.. والابتسامة الصادقة.. ولين الجانب.. وسماحة العشرة..

القارئ الإمام / سعيد موسى الحجازي

ومن أطفالنا الراحلين.. من كانت لهم الهمة في ختم كتاب ربهم، ولكن المولى سبحانه اختاره مبكراً لجواره.. من كان يرافقه والده إلى المسجد رفقة الصديق لصديقه..

الطالب / عبد الرحمن عبد المولى السعيطي

ولن ننسى بشاشة وطيب قلب / طلال محمد بلقاسم..

وبسمات ومقالب / يوسف عبد السلام بن خيال

سنذكر دوماً كسابقيه شيخنا / عبد الحميد بوسيف، مدرسة الفضيلة والإخلاص، ونكران الذات، وإيثار الغير على خاصة النفس.

هؤلاء من أسعفتني ذاكرتي بهم، ولغيرهم ممن أُنسيتُه، ولكل المسلمين الرحمة والغفران.

وفي هذه الأيام ونحن نستعد جميعاً للاحتفال بإقامة مسابقة سيدنا بلال الخامسة على مستوى ليبيا، نتقبل بقلوب راضية بقضاء ربها وقدره، نبأ استشهاد ثلاثة من طلبة مراكز تحفيظ القرآن الكريم في مدينة البيضاء..


أولهم الشهيد نوري بلقاسم علي البخيتي

الذي ختم القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم، في مركز تحفيظ سيدنا حمزة بن عبد المطلب علي يدي شيخه الفاضل وليد سالم بن سالم، وكان بشهادة شيخه وشهادة كل من عرفه، الطالب الخلوق، الحيي، المتواضع، وقد غادرنا إلى الدار الآخرة غارقاً في البحر.

وبُعيْده بأيام قلائل يتناهى إلى أسماعنا نبأ الحادث الأليم، الذي كان سبباً في أخذ روحَيْ طالبين من الطلاب الذين رسموا أروع اللوحات في عالم الأدب والفضيلة والحياء مع الجميع.


محمد مختار ليسير.. الطالب في مركز بلال بن رباح.


ومحمد جمعة افحيمة.. الطالب في مركز جبل الرحمة.

كنت جالساً بين أسرتي في شقتي، قبل صلاة العصر بفترة، مع اتصال هاتفي على محمولي لأجده أحد طلابنا يخبرني بوفاة محمد مختار ليسير، فسألته هل أنت متأكد من صحة النبأ ؟، فقال لا.. ولكن أحدهم أخبرني بأن هناك حادث سير في مبنى الإسعاف والطوارئ، وقد لقي فيه اثنان حتفهما، وعند نظري إلى أحدهما خِلتهُ محمد ليسير !

عندها ارتديتُ ملابسي وخرجتُ مسرعاً إلى المستشفى، وفي الطريق اتصلت بأخي مختار ليسير، رد عليّ وشعرتُ بأنه لا علم له بشيء، هل من خدمة أخي صلاح ؟ قلت له جزاء الله خيراً.. وأخبرني بأنه قد توجه لتوه من المرج، وكان يؤدي واجب عزاء، راجعاً إلى البيضاء.

ليتبين لي بعدها أنه على علم بالوفاة حال اتصالي به ! وعند دخولي إلى المستشفى وجدت عدداً من الطلبة وأصدقاء الشهداء في حالات مؤثرة، لا يكادون يصدقون الخبر.

لأستدعي البعض منهم في نقلهم معي إلى الغرفة الخاصة بإيداع الجثث، وهم يسيرون معنا، وقد طوقوا عربَتيْ النقل بدموعهم، وصيحاتهم، لنصل بعد دقائق إلى الثلاجة، وعندها كشفت عن وجهيهما لأرى وجهين يتلألآن نوراً.. وجهين فيهما نضرة النعيم.. محياهما باسم ضاحك مستبشر.. براءة ارتسمت بكل عفوية وصدق على وجهيهما.. ناما بسلام.. رغم هول الحادث الأليم.. وقفنا جميعاً ننظر إليهما.. وكأنهما يقولان لنا : لا تخافوا ولا تحزنوا.. موتوا على ما متنا عليه من الفضيلة والكرامة.. موتوا على درب نبيكم.. موتوا وأنتم تعيشون لغيركم.

كانا قد خرجا لإدخال السرور على قلب صديق لهما في مناسبة سارة، وهما على يقين بقوله صلى الله عليه وسلم " من زار أخاً له في الله.. أرصد الله له ملكاً في طريقه يقول له :

طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً ".

نعم.. خرجتم في درب الجنة فاشتاقت إلى أنفاسكما الزكية، فلم تحتمل تأخركما عنها فرحاً بصنيعكما، ليأذن لها ربها في زفافكما إليها عاجلاً غير آجل. وكما نعرف من قول نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام " أن الميت تحت الهدم شهيد " وعلى ذلك قاس علماؤنا أنه من مات إثر حادث سير فهو في عداد الشهداء ونحسبه كذلك.

نرجو من ربنا سبحانه أن يسكن الجميع فسيح جنانه، وأن يصبر مشائخهم، وأن يجمعهم في دار الكرامة.

(( مفارقات وروائع أيام مراسم الوفاة ))

:: من المفارقات أن كلا المحمدين الراحلين، قد كان والداهما خارج المدينة أثناء وفاتهما.

فقد كان الدكتور جمعة في طرابلس، والأستاذ مختار في مدينة المرج.

:: المحمدان دُفنا ومع كل واحد منهما طفل في قبره.

:: المحمدان نجحا، وفي يوم الدفن كان موعد إعلان نتائجهما، وكانا من المتفوقين.

:: حدثني الأستاذ مختار بأن أخت فاضلة تدعى ( سالمة ) جاءت تعزي زوجته، وتخبرها بأن الطفل الذي دفن مع ابنها هو ابن أختها، وتأتي في ذات اليوم معلمة أخرى اسمها ( سالمة ) تعزي زوجته أيضاً وتخبرها بأن الطفل الذي دفن مع رفيقه هو ابن أخيها !!

:: أخبرني الدكتور جمعة افحيمة أنه كان في طرابلس لاستقبال أحد أفراد العائلة الذي كان غائباً لفترة ليست بالقصيرة.

فقال لي الدكتور جمعة : كنت أسأل نفسي ؟ كيف يمكنني أن أجمع له المعارف والأصحاب جميعاً، لكي يسلم عليهم.

لتأتي شهادة ابنه ووفاته مجيبة عن سؤاله، وتجمع له القاصي والداني في أيام قلائل !!

:: ومن المواقف الرائعة وليست بالغريبة على رجلين من أعلام مدينة البيضاء أن يقوما وبدون أدنى تنسيق بينهما، بالتنازل عن المبلغ المقدم للعزاء، لأن ما حصل كان بقضاء من الله وقدر.

وبعد إصرار المُعزِين قام الدكتور جمعة باستدعاء الشيخ أحمد بلال الحبوني الذي يقوم بتحفيظ ابنه القرآن الكريم، في مركز جبل الرحمة، ليمنحه المبلغ صدقة جارية على ولده.

:: الدكتور جمعة افحيمة بعد إلقائي لدرس في المأتم بناءً على طلبه، جلس بجانبي بعد الدرس وهو ثابت صامد صابر، وقال لي يا شيخ ليست لنا رابطة ولا قبيلة ولا ميثاق أقوى من القرآن الكريم، رأيت من دموع الأحباب، وسمعت من عبارات الأصحاب، ما جعلني أستغني بهم عن نفسي.

:: الأستاذ مختار ليسير يقول لي ليلة دفن الشهيدين : يا أخي صلاح.. لقد أديت صلاة الفجر ثم دخلت إلى فراشي لأستمع إلى أصوات زغاريد وأفراح في أذني ! فخرجت مسرعاً إلى مدخل البيت، وتأملت الطريق ولم أجد أحداً، والأصوات تعلو في مسامعي !

فأجبته وهو الصابر المحتسب..

يا أستاذ مختار من أين للأفراح أن تمر ببيتك وكيف يستقيم ذلك، فالوقت وقت الصباح..!

وبيتك تجاوره الخيام التي تدل على حالة فقد وعزاء !! ولو سلمنا بأن هناك مناسبة عرس وفرح، فلا بد لها أن تتوقف عن التطبيل والزغاريد حتى تبتعد عن بيتك !

أبشر يا أستاذ مختار !

فلعلها أفراح الشهداء قد أطلعك ربي عليها..

فأنت من حمدت ربك واسترجعت عندما علمت بالنبأ.. ولم أرك أنت ولا أخاك جمعة افحيمة تنزل منكما دمعة واحدة..

{{ يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون }}

زغردي أم الشهيد واهتفي أحلي نشيد
لم يمت من مـات لله وللدين المجيـد

وداعاً يا نوري بلقاسم.. وصبراً يا شيخ وليد..

وداعاً يا محمد جمعة افحيمة.. وصبراً يا شيخ أحمد..

وداعاً يا محمد ليسير.. وصبراً يا شيخ المهدي..

أنتم رحلتم عنا بأجسادكم..

ولكن طيفكم لن نسمح له بالغياب عنا..

ستكون وجوهكم النيرة.. شموعاً تنير لنا الدرب

ستكون سيرتكم العاطرة.. زاداً يحثنا على المزيد

لن ننساكم جميعاً يا أحباب الله..

وأسأل الله أن تكونوا في جنات ونهر..

في مقعد صدق عند مليك مقتدر..

هكذا كما رأتكم والدة محمد افحيمة تقرؤون.. هذه الآية في رؤيا ربانية مؤثرة..

صلاح سالم سليمان
عن طلبة القرآن الكريم
في الجبل الأخضر


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home