Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإربعاء 14 يوليو2010

وقـفـة عــز ( السلطان )

محمد فتح الله اسويسى

 محمد فتح الله اسويسى

فيلادلفيا
www.philaddelphia.com
الإربعاء
7-7-2010

 

يبدو أن علاقة الليبيين بالشاهى بدأت وثيقة منذ أن كانت، أو إنها جاءت لمشروب يشبهه أداءً ومفعولاً وهى علاقة بامتياز ومنذ وقت قد يكون غير قريب وأمعنوا في تقدير مكانته حتى أنهم ذهبوا بعيداً في حبهم واستئناسهم به فلقبوا من أبدع في إعداده وتقديمه بـ "السلطان" ولكون طاساته متساوية الحجم والشكل وفى العادة يتم توزيع طاسات الشاهى من قبل السلطان بدءاً من اليمين حتى لو كان بوزيد على اليسار.

صورة لسوق الظلام بالقرب من مقهى الحاج إبراهيم بوشوشه

ولكون السلطان خادم الناس وهو آخر من يحتسى وهو الجالس خلف (العدّالة) فلكل ما سلف فان اسم العّدالة مستمداً في ما اعتقد من العدل والسلطان لعدله وتواضعه وحسن أدائه، ولا ينتظر مقابلاً.

فالليبيون لم يكونوا يحبون الشاهى لكونه مشروب يحتسى فقط... !؟

هذا المشروب المدهش المذكي للمزاج المستجلب للألفة الطارد للضجر المجالس المسامر الساهر المصبح، زينة للأفراح ومجامل مضيفة العزاء، رفيق العسس والرعاة ومؤنس وحشتهم، لطالما تحلقت الأسر الليبية حول إعداده فيما يعرف بشاهى "الغداء" تلك الجلسات على بساطتها، حتى وان كانت الوجبة شرمولة وخبزة تنور أو خبزة ولبن فلتلك الجلسة آدابها وسلوكها وهى في الغالب تربوية طالما شكلت بعداً أخلاقياً عند الأجيال فيا له من إعداد لطاسة الشاهى يصاحبه إعداد للقيم وفق منهجة عفوية غاية في الفاعلية.

ألم أُقل أن علاقة الليبيين بالشاهي بدأت وثيقة منذ أن كانت.....!!؟

سوق الظلام ظاهرة تجارية حرفية ذات بعد اجتماعي وهو يؤكد كونه مركزاً حضارياً ومعلماً يمتد تأثير نشاطه من شرق المرج إلى غرب السلوم، فقد كان هذا السوق لبيع وشراء الذهب والفضة وحركة مواد الاستهلاك الأساسية من سكر وشاهى وزيت هذا غير ما ينتج محلياً من صناعة الأصواف والحياكة والجلديات والمعدنية والأخشاب، فالجرود والأحذية والأواني والملابس كانت منتجاً محلياً، وقد لعب ميناء درنة دوراً مهماً في تصدير واستيراد كثير من السلع خاصة بين "كريت" و"الإسكندرية" و"طرابلس" و"بنغازي" و"البردي" وقد كان لهذا السوق إدارته الإعلانية والدعائية من خلال "البراحين" و"الدلاله"، وللسوق شيوخه ومراجعه وفق أسس اتفق عليها إجماعاً أخلاقياً وللسوق مجاورته الحرفية والتجارية كالخرازة والحدادة وسوق الجزارة وسع بالك الحالي ووكالة الحصادى وسوق الخضرة وسوق الحوت بداخله.

سوق الخضرة

أحد الأزقة المتفرعة من سوق النور

وترتبط بسوق الظلام فسحات البياصة الحمرا والعتيق ووكالة الطرابلسى فسحات استراحة من عناء البيع والشراء وللهدرزة أحيانا تتقاطع بعض الأزقة والزناقي لتؤدى إما دخولا أو خروجا من السوق وفسحاته، وبها المعالم الدينية السماوية الثلاث أكبرها وأهمها الجامع الكبير العتيق والكنيسة الكاثولوكية والمعبد اليهودى، ناهيك عن جامع الدرقاوية والطشانى والزوايا والكتاتيب والأضرحة والفنادق والدواوين، والتي طالما شكلت تناغما حضارياً أعطى لدرنة بعدها الانسانى في قبول الآخر والتعايش معه وقد كانت لهذا السوق كفاءته الحرفية والتجارية والاجتماعية في فض الخلافات وإن وقعت، بل وتعداها في جمع التبرعات في ما يسمى "بالطلابة" وكان من الطبيعي أن تتبع هذا النشاط المتكامل منظومة من المقاهي موزعة بين مواقع الاحتراف والصناعة والتجارة، ولكل من هذه المقاهي تميزه وشهرته في إطار تعاوني منقطع النظير وفق توزعات مكانية تحترم لقمة العيش وتقدسها وفق عقد اجتماعي بديع غاية في الفاعلية.

باحة الخرازين - وكالة الطرابلسي

ففي الممر المسقوف بين سوق الخرازة وسوق الخضرة يقع مقهى بوجلدين ذائع الصيت بسحلبه الساخن والطارد للبرد برائحة القرفة، وقد تكون أكوابه في مواسم الشتاء تحايلاً على الجوع، أما في زقاق العتيق داخل سوق الظلام فمقهى العم "خرزوللى" الشهير بقهوته "القد" والتي يفضلها الجميع دون غيرها، ذلك العجوز الفنان صانع قناديل الميلود بألوانها وإحجامها التي تضفى على ليلة المولد النبوي الشريف مسحة من بهجة، حين توقد الشموع بداخلها وتتهادى بها مجاميع الأطفال يجوبون الأزقة و"الزناقى" محدثين لوحة منارة بالفرح والابتهال الملائكي تضئ فسيفساء التكوين الاجتماعي للمكان.

والبياصة الحمرا تبعث نافورتها رذاذ الماء لتلطف الجو فيها تعكس سماء درنة الزرقاء على أديم مائها الرقراق وفى قبالتها مقهى الهرش وضربات الأكف على الطاولة ترمى بورق اللعب وتعلو صيحات التحدي والمناكفة، وقد يبالغ بعضهم عند الفوز فيعتلى الطاولة ليرقص عليها نكاية بالمهزوم وزيادة في التسلية والتهريج، وقد ألّف الحاج الهرش هذا الهرج حتى أصبح جزءاً منه بعد اضطراره لمجاراتهم بصوته كي يسمع ويُسمع، وله ملاسناته مع زبائنه وبصوت تهريجي يضف إلى المقهى خصوصية الطاقة العالية الصوت.

 

مقهى الهرش

أما البياصة الكبيرة فمقهى "الدغارى" وبه كافة أنواع التسلية من لعب ورق وطاولة وبلياردو ويقدم كافة أنواع المشروبات الساخن والبارد، ويتقاسم البياصة حيث الظلال الوارفة مع مقهى اجويدة بورحيله صاحب الابتسامة الصامتة والدائمة والشهير بتقديم مشروب اللوز "الاورزاته" والتي طالما روت الظمأ في أيام الصيف الملتهبة، وقد كان يقدم قهوة الاكسبريس خاصة عندما يقوم بإعدادها ابنه رجب ذلك الشاب الذي كان علامة للطاعة وعون الأب، فكانت هذه الأسرة محل احترام وحب الجميع هذا السلطان الذي لم يكن صاحب صنعته عدوه فالحاج بو ارحيلة مزاجه لا يذكى إلا بشاهي صاحبنا، ومابين الدغارى واجويدة، سينما الشباب وقد علقت على جانبي مداخلها لوحات إعلانات دعاية سينمائية أحداهما كتب عليها هذا المساء والأخرى غداً، وقد يفرط فرج الزنى المدير في كرمه فيعلق فيلمين على لوحة واحدة ولعرضين في نفس الليلة، وبتذكرة واحدة حفلة أولى وثانية وعليك أن تختار كليهما أو واحدة، دون أن تحتار أين تذهب هذا المساء في درنة أما الوجبات الخفيفة فمسعود وعقوب سيوفرانها إذا كان في الجيب بقية فكة.

سينما الشباب

تجد أن مشروب صداقة يقدم لك على كرسيك ومن خلال كل هذه الحركة للناس يلوح بريق زجاج فترينة عرض وبريق نظارة تظهر على مرتديها ملامح جادة وهندام غاية في الأناقة انه سي رمضان الفيتوري الشهير بكريمش، بربطة عنقه المنتقاة وحذائه اللماع الأنيق والدقيق في تعامله، علامة حضارية معلنة عفاها الله من مشاهدة البياصة هذه الأيام ومن مقهى اجويده الذي كانت تزينه لوحات جدارية رسمت بألوان زيت الزواق، فكانت متقنة على أنها محسوبة على التزويقة إلى الجوار فندق "هوتيل" احويمى ذاك المناضل الذي أسس هذا الفندق بعرقه وكده، حينما كان يجوب الأزقة والأسواق يبيع الفول المسلوق بالماء والملح مضيفاً له رشة من مسحوق الكمون بداخل تلك الطرابيش الورقية، والتي كان يعدها ساعة الطلب وينادى بتلك النغمة الدعائية الصادقة التي أكسبته حب الناس ورزقه الحلال "احويمى يافول" ونسى الناس اسم عائلة "الفاضلي الكريمة" وتذكروا (احويمى) فقد صار علامة تجارية كتب لها النجاح.

سينما الصيفي

إننا أمام حالات استثناء صنعت من المكان محرابا للحياة، فما بالك حين تجد انك أمام استثناء مميز يقدم لك كوب شاهى لم تتعوده، بل لم ترتشف له مثيل من قبل وانك لن تناله إلا عنده وانك في حضرة سلطان الشاهي الحقيقي بشحمه ولحمه رغم انعدام الشحم عند صاحبنا. صاحب المقهى ذي الكراسي المعدة إعدادا خاصاً والمستجلبة من "خانيا" بجزيرة كريت، وهى خشبية ذات تصميم مبسط أعدت للجلوس المؤقت، وقد لا تمكن الجالس عليها بوضع الساق على الساق وبذلك فهي عملية ذات دلالة تواضعية وللمقهى فرن فحمى "اوجاك" مكان إعداد المشروبات الساخنة، والتي لا يقدم غيرها إطلاقاً وتدفع أجره هذا المقهى بمقايضة نادرة وهى أن يقدم للمالك مشروب الشاهي العجيب بديلاً عن النقود على مدار الشهر، ولهذا المقهى جهاز راديو صامت يستنطقه السلطان حين يعتمر شنته بالشنواره أيام العيد، وحين ينتعل "بلغته الصفرا" الدائمة اللمعان والمحتفظة بشكلها الجديد لكونها تستعمل لأيام العيد فقط من كل سنة رغم عمرها المصاحب لعمر السلطان.

يعلم جيدا هذا المحترف المدهش انه صاحب مهنة محددة الملامح في إذكاء المزاج وتحريض التيقظ لمداومة النشاط، وهو بذلك يقف موقفاً متشدداً دون انحراف في تقديمها فيقدم خدمات القهوة والشاهى المفرط في التميز طيلة ساعات النهار، أما في الفترة الصباحية المبكرة جداً فالحليب الطازج (بالمردقوش) تحت الطلب، وتنقطع خدمة تقديم الحليب مع تقدم ساعات النهار فإذا سأله سائل إما مناكف أو عن غير معرفة فان للسلطان ردوده الغير متوقعه والمختصرة جداً والدالة دلالة كاملة عن جدية ساخرة بقوله عند السؤال عن الحليب في غير أوقاته المحددة .."عند أمك"....!!!

وللإكرامية عند السلطان مكانة الرشوة والتسول القبيح، فإذا ما صادف أحد الزبائن حظه العاثر وترك ما تبقى من ردوده البسيطة هكذا إكرامية للسلطان، فان رده عليه هذه المرة عملياً لا ينساه وذلك بإلقاء هذه الإكرامية أمام باب المقهى وعلى أرضية الشارع، وحين تنحني عليها لأخذها ستعرف فقط انك في حضرة سلطان حقيقي فاليد العليا خير من اليد السفلى.

وتنقلب سحنته لترتسم على تجاعيدها الداكنة ملامح لا ترحم العين ترويعاً، إذ اندفع بعض من الصغار بضوضائهم وتجرأ احدهم بطلب قهوة ويكون بذلك قد تعدى خطوط صاحبنا الحمراء والصفراء والخضراء.

فمشروب القهوة لا يقدم للصغار، والمقهى أساساً ليس مكانا لهم فتنعدم عنده كل أبجديات الضيافة وتلغى كل أوليات السياحة ويكون هنا كل تصرف جائز عند السلطان الغاضب في تلقينهم درساً لن ينسى وهو ليس ضربا في كل الأحوال..!؟

يعتمد صاحبنا في لقمة عيشه البسيط على زبائنه خارج المقهى، والذين هم أيضاً يعتمدون عليه في إذكاء أمزجتهم وتنشيط حيويتهم، بل ويقدرون أكواب الشاهي المدهش حتى صار لوناً من ألوان حياتهم الحرفية والتجارية والذي يعرف هو بحرفيته العبقرية متى حاجتهم له على مدار الساعة من النهار وعلى امتداد رقعة المكان.

وللحاج إبراهيم العبد جاره المقابل ابن البقال الشهير بالورع والتقوى والصلاح الحاج عبد الحميد العبد والذي كان وابنه يشكلان ثنائياً في النزاهة والرضا يقف إبراهيم عند عتبة المقهى سائلاً ومناكفا جاره السلطان في لحظاته "الأريحية" بوشوشة "فيه جولاطه" ودون أن يرفع السلطان رأسه منهمكاً في إعداد أكوابه وبصوت بين الدعابة واللامبالاة ولكون السائل جاره إبراهيم ولكون السؤال عن المحرمات المستحيلة، فليس هناك كلمة تشفي غليله من السائل غير رده السريع "بلحاطه" وصمت ...!!؟

قد تكون تلك الكراسي الفارغة من الزبائن دائمي الجلوس جاذبة خاصة للغرباء ولكونها بمدخل السوق، وقد جرت العادة عند طلب الخدمة بالمقاهي أن يقوم طالب الخدمة بالتصفيق وتكرار هذه التصفيقة حتى يتم انتباه من يقوم بالخدمة، فيحضر لمعرفة الطلبات لكن السلطان لا يصفق له فهو احد أندر السلاطين عبر التاريخ الذين لا يحبون التصفيق، وقد يضطر احدهم ليكرر التصفيق بصوت أعلي ومساعدة لرفيقه الذي صفق ولم يلتفت له السلطان فيزدوج التصفيق وهنا يمر أمامهم السلطان شاخصاً مستعجلاً وحاملاً أكوابه المدهشة ليقول لهم "صحّو توا اتجى الحجالة" ويذهب عنهم لمشاويره الطويلة، وتطول جلستهم على الكراسي الغير مريحة وهنا يدركون الدرس وان الحجالة لن تأتى حتى لو صفقوا النهار بطوله، وانه ليس بالتصفيق وحده يتحقق كل شيء فيفضلون الانسحاب وقد شربوا مجانا ريقهم ...!!؟

المقهى الصيفي على يمين الصورة بجوار الجسر المندثر !!

هذا الطواف تراه يعبر من زنقة إلى زنقة، ومن زقاق إلى ميدان كالنحلة البرية تحسبها تائهة على غير هدى وهى تعرف إلى أين تمضى وكيف ومتى تعود.

هذا المعتمر للمعرقية ناصعة البياض ومعطفه الأزرق العملي حاملاً أكوابه المشتهاة راسماً بخطاه حدود منطقة ندماء مشروبه المنعنع من الأسطى حسين الخياط، وعون الضراط بمحل "انجلو" مارا بزقاق العتيق حيث مطحن الكرسته ورائحة بنه التي تستوجب منك أن توقد سيجارتك عليها هذا إن كنت مدخنا مزاجيا !!؟

الجامع الكبير (المسجد العتيق)

ويعبر السلطان بخطاه الرشيقة درجات سيدى الوشيش، كى لا يعبر البياصة حاملاً أكوابه وذلك تأدبا واحتراماً للحاج اجويدة والدغارى... انه السلطان إبراهيم بوشوشة لا يجانبه الصواب.

ضريح سي الوشيش

لوحة للفنان : محمد زعطوط

وفى سوق الظلام (قبعان شلوف) حيث تباع الخبز بلا إضافة محسنات وبالميزان ومقطعة بالسكين حسب الطلب، وإلى فرج احصيده والطماطم المعجون ملفوفا بالورق الأصفر بطريقته الخاصة، وزيت الزيتون أما محمولا بالشيشة أو مضافا إلى (المسيّر) ليكون وجبة كاملة تعقبها راحة البال، وحبات عنب العريشة ونص كيلو سكر ابشاهيه "زلوف" هدية متواضعة بين الأقارب والجيران، فان لم توجد فبيضات (البونّية) المباركة تفي بالغرض ومنه إلى شوشان الزنى حلاق البياصة الحمرا، ومرآته تنعكس عليها مشاهد باعة التوت والأرانب وورق العريش والورد بالنعناع المصفف على ألواح الهندي ونداءات (لوحه) بصوته المتهدج وعلى عكسه جاره سلطان.

أما (شيشمة) سوق الخضرة فكانت تندفع مياهها العذبة وكأنها من ذوبان ثلج طالما أروت الظمأ واغتسلت عليها الإطراف.

والى زنقة اليهود أمحمد بن فايد صانع "القطاطير" لصناعة ماء الزهر، وعلى كراسيه العتيقة العمدة عمر جبريل والشيخ سالم بوارقيعة إما أنهم اذكوا أمزجتهم بالأكواب السلطانية، أو أنهم في انتظارها وللحاج على التاجورى معاملته الخاصة خوفاً من رائحة أسماكه الطازجة.

وينعطف السلطان بمحاذاة قبة جامع الدرقاوية والتي كانت ذات ارتفاع بمستوى ارضي لكون الجامع تنحدر درجاته تحت الشارع، ليمر على آخر زبائنه (محمد السنفاز) ذلك المتطوع التونسى لحرب 48 بفلسطين وحين عودته اثر العيش بدرنة ولتونس والتونسيين وشائج وصلات أرحام قومية مع درنة عبر التاريخ، وقد كانت بيوتها ملاذاً آمنا للمجاهد الأكبر (الحبيب بورقيبة) وقد كان في ضيافة إبراهيم الكوم وسكن شارع المأمون بحوش (الغوله) المجاور لحوش الفوال وله بمقهى الهرش بقية حساب لم يدفع، وحين زار درنة وكان رئيسا للجمهورية التونسية التقى بكل اللذين أكرموا ضيافته وقد حدثه الهرش عن دينه للمقهى وأعلن إعفاءه من دفعه إكراماً لوفائه وزيارته لهم كانت دعابة ألجمت لسان السيد الرئيس اللاذع وتندر بها الحاضرون.

هذه الأمكنة ترعرعت بين جناباتها ثقافة وطنية وحس قومي أهلها لتلعب دورها التاريخي في الوحدة الوطنية، وقد كان لأكواب الشاهي المدهش دوره المذكي وللسلطان عبقريته المحاسبية للمديونية والتي تمتد طيلة الأسبوع، فقط فيقوم بتدوينها شخصياً بالطباشير وعلى جنبات الرف الخشبي حيث يضع أكوابه والفناجين المغطاة بتلك ألقماشه النظيفة المتباعدة خيوطها بحيث ترى من خلالها أوضاع الرف، ويرسم خطوطا مرمزة تعلوها دوائر دون أرقام ولااسماء ولا أخطاء لتمحى مساء الخميس بجرة واحدة من خرقته المبللة، وبذلك ينهى دورة محاسبية تنتظر يوم السبت لتعود خطوطها الطباشيريه والتي لا احد غيره يفك رموزها ولا يعرف كم هي ولمن وكيف بدأت ومتى تمحى، وهى سر يضاف إلى سر الخلطة العجيبة للشاهي والتي لحرصه في المحافظة على سريتها وجودتها كان يقوم بها وحده وراء الأبواب المغلقة بعيداً عن الأعين، بل لا يفضل الحديث عن كيفية إعدادها وموادها المكونة لها والتي تعطى تلك النكهة الخاصة به وتكسبه لونه الكهرمانى المطرز بوريقات وأغصان النعناع الغضة الخضراء، فتكسبه مذاقاً ورائحةً ولوناً وتأثيراً لا يقاوم حتى صار مزاجاً عاماً اتفق على احتسائه، بل والتفاخر به أمام الزوار وتقديمه ضيافة خاصة والطريف أن هذا المحترم عرف كيف يقنن كميات مشروبه العجيب.

عرف السلطان السيادة الحقيقة لإسرار مهنته فنال احترام الناس ومحبتهم فقدّمها لهم كما هي دون إضافات فهو يدرك جيدا أهمية ما يفعل ودون تكلف يتطوف متعجلاً خطاه يبلل ريق الظامئ ويّذهب الضجر بأكوابه الخارقة حتى يدرك ضوء النهارمنتهاه وبصلاة المغرب يكون السلطان قد لملم إطرافه معلناً وقف خدماته السلطانية ومع الفجر ليوم آت سيعلن مبتداه.

فمع الشمس تدور لقمة عيشك أيها السلطان الصامت وفى صمتك ترتسم مساحات الفرح الحقيقي.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home