Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإثنين 18 يناير 2010

ليبيا والإدارة في 2010
مع الدكتور أبوبكر بعيرة

حاوره : علاء المدني

أستاذي الفاضل البروفسور أبوبكر مصطفى بعيرة، تحية مخلصة لك و كل عام و أنتم بخير، أشكرك على ترحيبك و على إتاحة هذه الفرصة و بعد.

دكتور أبوبكر حضرتك خبير إدارة و خبير تنظيم، و لك عدة كتب في مجال الإدارة و عشرات السنين خبرة و ممارسة و تدريس و تدريب للأجيال الجديدة في بلدان مختلفة - و لكن ليبيا، بلدك، بكل أسف من أكبر البلدان التي تعاني من مرض سوء الإدارة - لو سمحت أين الخلل؟

إجابة علي سؤالك يا أخ علاء فإن الخلل واضح وجلي، وهو يرجع إلي بعض الأسباب الرئيسة مثل:

عدم الاختيار الصحيح للقيادات الإدارية: يعرف الجميع أن من أسس الإدارة الصحيحة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وإذا لم تتم مراعاة ذلك فإن خللا كبيرا لا محالة يحدث للأداء الإداري. وفي ليبيا تم تقديم أفكار المشاركة الواسعة في الإدارة عن طريق التصعيد دون أن تتم تهيئة الناس لتفهم هذا النمط من أنماط الإدارة، فأصبح التصعيد يمارِس علي أسس قبلية متخلفة، وعلي مصالح شخصية وفئوية ضيقة، فانحرف بالإدارة من مسارها الطبيعي إلي ممارسات خاطئة لا تنتمي بأية صلة إلي ثقافة العالم المتحضر كما نعرفه اليوم.

إن الاختيار الأمثل للقيادة السليمة لا يستند إلي المؤهل الدراسي فقط مهما كان عاليا، ولا إلي الخبرة وحدها مهما كانت طويلة، وكلاهما قد يتم استثمارهما من قبل ضعاف النفوس بما لا يخدم المصلحة العامة، وإنما يستند الاختيار السليم إلي "خلطة" متتن هذه العوامل وغيرها بما يضمن نجاح الشخص في الموقع الذي يتم اختياره له. وهنا أستطيع أن أعطي معيارا بسيطا يمكن استخدامه عند اختيار قيادة ما لموقع معين، ويتلخص هذا الأسلوب البسيط في أننا نسأل الشخص (من خلال نموذج معين تم تصميمه لهذا الغرض) عن مستوي أدائه من خلال آخر خمسة وظائف قام بتوليها وعما إذا كان قد نجح في ذلك أم فشل. فإذا كانت إجابته بأنه لم ينجح في تلك الأعمال، فإنه ينبغي صرف النظر عن اختياره للموقع الجديد لأنه قد سبق وأن "أكّد" فشله. أما إذا كانت إجابته بأنه قد نجح في أعماله السابقة (وهذا ما هو متوقع أن يحدث) فإننـا نطلب منه أن يعزز هذا "النجاح" بما يؤيده من مستندات ووثائـق يمكن الأخذ بمصداقيتها.

إن ما يحدث في الإدارة الليبية وللأسف هو أن الشخص يفشل فشلا ذريعا – من حيث الأداء الإداري – في موقع معين، ثم نجد أنه بالرغم من ذلك الفشل يتم تكليفه بمواقع أخري أهم، وكأن شيئا لم يحدث !!

انعدام الشفافية في العمل الإداري بشكل عام: وليس أدل علي ذلك من تدني مرتبة ليبيا علي سلم الشفافية الدولية، حيث تقع ليبيا قريبا من ذيل القائمة في التقارير السنوية التي أصدرتها منظمة الشفافية العالمية حتى الآن ( حوالي سبعـة تقارير، وفي تقرير عام 2009 كانت درجة ليبيا 2.50 من 10 درجات علي سلم المنظمة).

والمقلق في وضع ليبيا هو أن الكثير من المسؤولين لا يرون أمرا سلبيا في تدني مستوي هذه الرتبة، لدرجة أن بعض المسؤولين يقدمون التهنئة لقيادة البلاد السياسية علي مستوي ترتيب ليبيا في هذه التقارير! كما أن البعض الآخر منهم يرون أنـه ينبغي أن يكون لليبيا معاييرها الخاصة بها في تحديد معني الشفافية!!

إن الكثير من الدول (ومن بينها دول عربية) استطاعت من خلال العمل الجاد أن تحسّن من وضعها علي مستوي الشفافية الدولية، ووصلت في ذلك إلي مراحل متقدمـة مثل دولة قطر في التي حصلت علي 7 نقاط من 10 في تقرير منظمة الشفافية لعام 2009.

عدم الاستقرار الإداري: تجري في ليبيا تغييرات متلاحقة وسريعة فيما يتعلق بالهيكلية الإدارية للدولة ووحداتها الإدارية، لدرجة أنك تجد بعض الوحدات الإدارية تلغي ثم تعاد ثم تلغي، ثم تعاد مرة بل ومرات أخري دون أي مبرر منطقي وراء ذلك. كما أن الجهاز الإداري المتمثل في العاملين قد جرت خلخلته عدة مرات، مما أفقده خيرة عناصره. وقد أدي كل هذا الإرباك للجهاز الإداري إلي أن يفقد توازنه وثقة الناس فيه، وخاصة أولئك ممن يعملون به.

عدم التحديد السليم للأولويات: إن من أهم نجاح أي جهاز إداري في عمله هو قدرته علي وضع وتحديد أولوياته بشكل سليم، وتعاني الدول النامية بشكل عام من هذه المشكلة بشكل عام ولكن بدرجات متفاوتة.

لقد أوضحت بعض التقارير الدولية الحديثة علي سبيل المثال أن جميع الدول العربية بلا استثناء تخطيء في ترتيب احتياجاتها التنموية بشكل عام، بحيث تنفق مثلا، وبدون مبرر منطقي، علي النشاط العسكري أكثر مما يجب، لدرجة أنه أصبح من الصحيح القول بأن التنمية أصبحت في خدمة هذا الإنفاق العسكري غير الرشيد، بدل أن يكون هذا الإنفاق في خدمة التنمية.

إن كل هذه الأمور وغيرها تعطينا مؤشرات علي أسباب تدني الأداء الإداري في ليبيا التي تعتبر حالة خاصة من حالات سوء الإدارة الواضحة بين دول العالم، بحكم ما حباها الله به من ثروة طبيعية هائلة، وموقع جغرافي متميز، وعدد قليل من السكان لا يمثل بأي شكل عبئا علي عملية التنمية، ومع ذلك تواجه ليبيا كل هذه المشكلات التي تواجهها الآن.

أشكرك على الوضوح و على الصراحة. دعني الآن إذا سمحت ليّ أن أطلب منك تحديد 3 خطوات أولية تعتقد أنها ضرورية و يجب إتخاذها لكي تكون أساس و بداية علاج مرض سوء الإدارة. ماذا تقترح؟

إن أهم ثلاث خطوات سريعة يمكن للدولة اتخاذها لإصلاح الوضع القائم في مجـال الإدارة هي:

ـ إيقاف التصعيد في الوظائف القيادية الإدارية الرئيسية لما ألحقـه هذا الأسلوب، الذي أسيء استغلاله، من ضرر فادح بالإدارة الليبية، ويستعاض عن هذا الأسلوب بعملية اختيار منظمة تستند إلي معايير موضوعية.

ـ الفصل في ممارسة أعمال الدولة بين من يمارس العمـل الثوري، ومن يمارس العمـل الإداري التنفيذي، فالخلط بين الاثنين هو ما أدي إلي تولي الكثيرين لمواقـع ليسوا أهلا لها بأي حال من الأحوال، وإلي ظهور طبقة متنفذة استغلت علاقاتـها الثورية في خدمة مصالحها الخاصـة، وأضرت أكبر الضـرر بالجهاز الإداري بشـكل عام. لقد حول مثل هذا الأمر الوضع في ليبيا إلي ما يشبه تماما نظام الدول التي تحكم بنظام الحزب الواحد، مع أن كل التوجهات الأساسيـة للدولة هي ضد هذا الوضع، نظريا علي الأقل.

ـ خلق وحدة إدارية رئيسية علي أعلي مستويات الجهـاز الإداري تتولي ترتيب أمور الإدارة، وتعيد لها هيبتَها المفقودة، والقيام بغربلة ما لحق بها من شوائب خلال العقود الماضية، كما تقـوم هذه الوحدة المقترحة بربط الإدارة الليبية بما يجري من تطورات علي الساحات العربية والإقليمية والدولية، وكذلك تعريف هـذه الساحات بما يجري من تطورات علي مستوي الإدارة الليبية.

والأهم من ذلك كله بطبيعة الحال هو توفر حسن النوايا ووضوح الرؤى لمن يُقدمون علي القيام بمثل هذا النهج الإصلاحي.

أستاذ أبوبكر، لنتكلم الآن عن مشكلة حدثت في الماضي القريب، من منظور إداري كيف ترى مشكلة تحديد موعد عيد الأضحى الماضي و كيف يمكن تجنب مشاكل شبيهة لها في المستقبل؟

إن ما حدث في ليبيا من جدل خلال موسم عيد الأضحى المبارك، كان يمثل مشكلة واجهـت الليبيين في تقرر أحد الأمور الحياتية المهمة بالنسبة لهـم، علي أساس صحيـح. وإذا ما طبقنا التفكير الإداري السليم في هذا الشأن فإننا ننظر أولا إلي ما نعنيه بكلمة (مشكلة)، فهي لا تعني بالضرورة وضعا كارثيا، وإنما يُقصد بذلك وجود خلل ما يستدعي نوعا من التدخل لإصلاح الأمور وجعلها تسير بشكل أفضـل، وهذا هو ما حدث في ما يمكن تسميته بمشكلة العيد وما في حكمـها. كيف يمكن معالجة مثل هذا الوضع؟ أولا: هناك بعض الصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يوكل إليه معالجة مثل هذه (المشكلة)، ومن أهم تلك الصفات ما يلي: 1. الاستعانة بالآخرين وخاصة أهل الخبرة في مثل هذه المواقف. 2. الثقـة بالنفس والشعور بالقدرة علي حل المشكلة. 3. الموضوعية في معالجـة المشكلة وعدم الانحياز لموقف معين لترضية شخص أو أشخاص معينين علي حساب الحقيقة. 4. عدم التباطؤ في حل المشكلة وتركها تستفحل لأن علاجها حينئـذ سوف يكون أكثر صعوبة. 5. الحماسة في التصدي للأمر مع الصبر والمثابرة في متابعته. ويجب ألا ننسي قبل كل ذلك توفيق الله والتوكل عليه.

ثانيا: وبعد أن نتأكد من وجود هذه الصفات فيمن يتصدي لحل المشكلة، فإن هناك عددا من الخطوات التي يجب أن نتّبعها في معالجة الأمر، ومن ذلك:

ـ تحديد أبعاد المشكلة والتعرف عليها، وعلي ما يحيط بها من ملابسات.
ـ تحليل الأسباب الكامنة وراء المشكلة، والتي أدت إلي ظهورها.
ـ التعرف علي الحلول البديلة الممكنة لمعالجة المشكلة.
ـ مقارنة سلبيات وإيجابيات كل حل من الحلول المختلفة واختيار أفضلها.
ـ القيام بوضع خطة عمل لوضع الحل الذي يتم اختياره موضع التطبيق العملي.
ـ متابعة تنفيذ الحل في مراحله المختلفة، وإجراء أية تعديلات يتطلبها الأمر وفقا لمعطيات البيئة المحيطة بنا، والتي تتغير باستمرار.

إن اتّباع مثل هذا الأسلوب سوف يكون مفيدا لنا ليس فقط في التصدي لمشكلة بسيطة في تركيبها(وإن كانت عميقة فيما يترتب عليها من آثار) مثل مشكـلة تحديد العيد، وإنما سيفيدنا أيضا في معالجة الكثير من المشكلات الكبيرة والصغيرة التي تمتلئ بها حياتُنا العامة والخاصة بشكل مستمر .

ومرة أخري فإن الأهم هنا هو صدق النوايا وعدم أخذ مواقف مسبقة تجاه مشكلات الحياة المختلفة، بناء علي تجارب خاصة تكون قد مرت بنا في السابق.

أسأل الله التوفيق للجميع في بناء ليبيا الحديثة علي أسس من التفاهم والحب والمودة التي ينبغي أن تسود علاقات أبناء الوطن الواحد، فتزيد من حبهم جميعا له، وحتى لا يتفرقوا شيعا وأحزابا، كل حزب بما لديهم فرحون.

علاء المدني


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home