Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
السبت 4 ديسمبر 2010

رواية "فرسان السعال" للروائية وفاء البوعـيسى
حكي مرعـب عـن متخيل الحرب والتطرف

العرب
www.alarab.com.qa
1-12-2010

إبراهيم الحجري *

ننطلق في محاورة هذه الرواية من عتبة العنوان التي تربط بين مقولتين متعارضتين مفارقتين، إذ أية علاقة تلصق السعال بالفروسية؟ وأية دلالة تضفى هذه المقولة الإضافية عن المعنى الأصل «السعال»؟ فلا بد أن هناك هزة ما أو خلخلة طالت مقولة الفروسية في زمن الحكي. ولا بد من وجود بواعث موضوعية تؤدي بالروائية إلى نعت الفرسان بالسعال. أهو برد الشمال السيبيري الذي عل صدورهم وهم يواجهون العدوان السوفياتي؟ أم هو سعال معنوي شرخ مقولة الفروسية وحولها من معناها الإيجابي الرنان إلى مجرد سعال؟

وبالعودة إلى الرواية، ومنذ أول سطر يتضح الأمر بجلاء. فالكاتبة تقصد المجاهدين العرب الأفغان الذين شاركوا ببسالة في الحرب ضد العدوان وحرروا البلاد، غير أنهم بمجرد ما انتهوا من عملهم البطولي سخروا حماسهم وخبرتهم ضد وحدة الصف الأفغاني، فأضحت الصراعات الداخلية جحيما على البلاد والعباد أدت إلى تدمير البلاد وإيصالها إلى النفق المسدود الذي وصلت إليه الآن.

وفق هذا التصور، تسعى الكاتبة إلى معالجة موضوع فكري: موضوع التطرف الذي أضحى موضوعة سجالية قديمة تناولتها آلاف الأقلام، ولاكتها وسائل الإعلام والمؤسسات الحزبية والإعلامية والفنية حد التخمة. لكن الكاتبة اتخذ منها موضوعا لمتخيل روائي نقدي يسعى من وراء أطروحته تتبع أثر الأسباب التي أدت إلى ما حصل. وقد وفر لهذا العمل قوته، ما استجمعته الروائية من معطيات ومواد رقمية دقيقة عن الحرب بكل من أفغانستان والجزائر محولة ذلك إلى دراما قوية عاشتها شخصيات إنسانية بشكل مأساوي. وتصور الرواية الوضع الكارثي الذي أفضت إليه الحرب ضد الذات من خوف وإرهاب ووحشية ودموية نكلت بالجسد الآدمي، ووضعت إنسانيته في وضع حرج للغاية، والسبب هو الفهم المغلوط للدين والتطرف في كل شيء. إذ بدل أن تسود الدعوة إلى التسامح والقيم الإنسانية الرائعة التي جاء بها الإسلام بلين ورفق، فرقع التطرف السياسي والديني والعرقي عبوات الدم في كل مكان ليروح ضحيته العالم بأسره.

وبهذا الاعتبار، فالرواية هي رواية أطروحة نقدية تعالج واقعا ناكصا معالجة أدبية مع الدعوة إلى الاعتدال في كل شيء بدل التطرف الذي لن يكون ضحيته إلا الإنسان نفسه. ولن يجني الإسلام من وراء التطرف إلا ما جناه من الصور الشوهاء التي انتشرت عنه في العالم بإيعاز من وسائل الإعلام المغرضة التي تستغل أي شيء للإساءة إلى الإسلام.

لقد لعبت الرواية على واجهتين فضائيتين، الأولى بأفغانستان، حيث يرحل البطل أسامة الليبي الأصل لمساندة البلاد في دحر المستعمر الغاشم، ليجد نفسه في ورطة لا يحسد عليها، حيث ألفى المقاومة شيعا متناثرة عكس ما كان يعتقد، وكان ملزما عليه أن يقاتل أو يقتل. وذاك ما تحقق له حينما وجد نفسه وسط جحيم مرعب وكابوس لا يوصف. يحتاج معه القارئ إلى كبد من فولاذ لمتابعة تفاصيل الحرب وتبعاتها وضحاياها. وانتابه ندم شديد وهو وسط معارك ضارية لأنه وجد أن القضية التي ذهب من أجل توظف بأشكال مختلفة لنيل رهان سياسي ما ووجده نفسه محشورا فيما لا علاقة له به، خاصة لما خاض نقاشات موسعة مع عناصر من مختلف الفصائل المقاتلة التي تكن العداء لبعضها والتي فيما بعد الانتهاء من الجهاد، ستعود لتجاهد في بعضها. وبين أتون هذه النار المشتعلة تنمو قصة حب بينه وبين أرملة أفغانية تحب العلم والمعرفة وتدير مؤسسة تربوية، غير أن بعض الفصائل المقاتلة تهددها بإحراق مدرستها واغتيالها في حالة استمرارها.

أما الواجهة الأخرى التي يتوجه إليها السرد فهي الجزائر التي اشتعل فيها التطرف ونار الصراع عقب إلغاء نتائج الانتخابات التي أفرزت فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ، الشيء الذي نجم عنه احتقان شعبي سرعان ما تحول إلى حرب بين جيش الجماعة المسلحة التي رأت في حل الجبهة واعتقال زعمائها مصادرة للإسلام والمسلمين، مما استوجب الجهاد ضد الإخوة الذين يدينون بنفس الدين. ويستطرد البطل تفاصيل المجزرة الجزائرية التي غطت على آثار المليون شهيد. حيث التذبيح والتقتيل للأبرياء والعجزة والأطفال، والتحريم لكل ما هو جميل، والانتقام من كل شيء حتى الطبيعة. فأصبحت الجزائر التي يتذكر البطل جمالها الساحر وهدوءها الباهر، جحيما لا يطاق إلى حد التفكير رفقة حبيبته حمامة في الرحيل إلى بلد آخر هربا من هلع مستطير يعيشه السكان في كل بلدات الجزائر. والأمر من ذلك أن الجيش هو الآخر بات يرتكب حماقات ومجازر ضد الشعب وينسبها إلى الجماعة المسلحة ليثبت للرأي العام شرعية ما فعل.

وتربط الروائية ما يحدث في الجزائر بالوضع العام الذي يعرفه العالم آنذاك من تحولات خطيرة جعلت الأمة العربية الإسلامية على قائمة المستهدفين. كما أن الكثير من نيران الفتن وفتيل الحروب تضرم من قبل أطراف خارجية لأنها تتوفر على مصالح في البلاد العربية، ويهمها بأن تظل مشغولة بوضعها الداخلي. فضلا عن كون أنظمة أخرى تسعى إلى تصريف أزماتها الداخلية لتصدير الضغط وتضليل الرأي العام الدولي والمحلي.

وقد اجتهدت الروائية لجعل خطابها الروائي منسجما سواء من حيث الرؤية الفكرية لشخوصها التي تتطلع كلها إلى عالم بلا إرهاب ولا تطرف، عالم يسوده الأمن والأمان والفن والابتكار. عالم تغمره العدالة والديمقراطية والتسامح بين كل المعتقدات والتعايش بين كل الأديان والقوميات والأقليات. عالم يقود فيه المسلمون العالم بقيم الإسلام السمحة إلى الداعية إلى العدل والتكافل والسلم والأمن والأمان والحرية والعلم والفكر والفن الجميل. وبهذا ستتجلى صورة الإسلام البهية كما شاء لها الرب ورسوله أن تكون.

لكن الرواة في هذه الرواية لم يكونوا إطلاقا محايدين. إذ بدا تعاطفهم منذ البدء مع الشخوص وحملوا قضية واحدة منذ البدء. مما جعل الشخوص أيضا تكون متطرفة هي الأخرى في مواقفها، بحكم التضليل القوي الذي مارسته وسائل الإعلام على القضية، حيث نفخ الكثير من الزيت والوقود وضخمت القضايا ونسبت أشياء لغير المنتسبين غليها واختلط الحابل بالنابل. وهذا موضوع محسوم فيه فكريا حتى على مستوى الغرب. إذ كثير من الدول الغربية نفسها وحتى بعض الأنظمة العربية فرخ جماعات متطرفة ومولها ودعمها إما لتطيح بأحزاب ديمقراطية أو لتخلق توازنا ما، أو لتجعل الأمر مطية للتدخل بالعنف من اجل استئصال فكر ما أو جهة ما. وهذه أمور واضحة.

ولعل هذا التعاطف بين الرواة والشخوص هو ما جعل كثيرين يتحاملون على الرواية وعلى صاحبتها، إذ فهمت خطأ على أنها ضد الإسلام. والواقع ليس كذلك. فهي ترغب في أن تكون للإسلام صورة قوية في الغرب بما أنها تعيش في المهجر. وتود في أن يكون رسالة عالمية لنبذ الظلم والقسوة والطغيان كما أسس له الأولون عكس ما هو حادث الآن حيث فهم الدين خطأ على أنه رمز للتطرف والتقتيل والتعذيب والترهيب والموت ومصادرة الرأي الآخر. هذه الصورة في نظرها أساءت للإسلام والمسلمين، وقدمت هدية للغرب المتحامل في أن يجهز اكبر هجمة إعلامية وعسكرية واقتصادية على هذا الدين الحنيف. وما تعاطف الرواة مع الشخوص إلا تعاطف مع الإنسان ومع الإسلام نفسه في صورة قيمه السامية التي فرطنا فيها للأسف. إنها رواية تصرخ بحقد في وجع التطرف في كل شيء سواء كان من قبل الأفراد والجماعات. فضلا عن كون ما يكتب في الرواية ليس واقعا مطلقا، بل هو مزيج من الوثائقي والمتخيل، وهذا الأخير في أي عمل أدبي هو المهيمن. وبذلك وجب أن يقرأ العمل الأدبي وفق معايير أدبية وليست سياسية أو أخلاقية. فكثير ما تسيء هذه الأخيرة إليه وتضع المتلقي والباث معا في مأزق خلافي قوي يقود إلى العداء في كثير من الحالات.

ووشحت الروائية خطابها بوثائق ثرية من الخطابات السياسية والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأنباء الإخبارية والوثائق الرسمية والبيانات والأشعار وأسماء الأعلام الحقيقية التي تشتغل في الميدان. مما جعل خطابها معجونا بخميرة تناصية هائلة تضع القارئ على محك تحريك ذاكرته لاسترجاع الأحداث والوقائع كما عاشها أو سمعها أو قرأها أو بلغته بشكل من الأشكال. ويقود الوصف الدقيق من الروائية للأحداث والتفاصيل إلى التوهم بكونها شاركت في أحداث أفغانستان والجزائر. وعاشت مدة طويلة بساحات القتال. وهو أمر يجعلنا ننوه بطريق السبك والصوغ التي قدمت بها الروائية وفاء البوعيسى عالمها الروائي إلى المتلقي.

* قاص وناقد


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home