Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Tuesday, 13 May, 2008

في الذكري الثانية لرحيلك يا أبي


( حتى إن غاب زولك باقيات أفعالك       ومافيه من ينكر جميل أفضالك )

تذكرت هذا البيت من قصيدة رثاء طويلة (لإبن الريف) عندما كنت أشارك عائلة صديقة مصابها بفقد أحد أبنائها، لقد هالني مصاب العائلة فبكيت كثيراً ، فقد تذكرت يا أبي مصابي الجلل يوم رحيلك . حاولت إحدى المعزيات أن تسكتني فقالت لها أخرى ( خليها تبكي علي بوها ... بوها يستاهل البكا)، وإذا بالمرأة - التي لا أعرفها – تهزني هزًا عنيفا وتقول (عليش تبكي ، بوك حي مش ميت ، الناس كل يوم تذكر فيه بالخير ) . ورفعت رأسى ونظرت في عينى المرأة وإذا بي أرى في عينيها عيون المخلصين من الليبيين الذين بكوك يوم رحيلك ، والذين يحملون لك في قلوبهم تلك اللمسة النادرة من الوفاء .. تلك القلوب التي إنفطرت حزنا لرحيلك ياأبي .

( باقية صيفاتك                      حفظينها ناسك اللي عرفاتك
وتاريخ لاجيالك اللي وعياتك       يحكوا بسيرته للتاليات أجيالك)

حقا يا أبي لازالت سيرتك علي كل لسان ، ولازلنا نحن أبناؤك نجني ثمار هذه السيرة العطرة من إحترام وتقدير في كل محفل وعلى جميع المستويات .
لا أنكر يا أبي أن هناك قلة استكثروا علينا هذا ، وأستكثروا أن يرثيك المخلصون من أبناء الوطن بهذه الصورة ، قالوا أنك لست مجاهداَ حتى يقال فيك مايقال .
عجباَ يا أبي كأن الجهاد لا يكون إلا بحمل السلاح ، ألم يكن بناء دولة من لاشىء جهاداَ ؟ خاصة أن هذه البلاد لم تكن تملك مقومات الدولة حتى أن الكثيرين ( راهنوا ) من خارج حدودها على أنها لن تقوم لها قائمة . ولكن يا أبي لإنك ورفاقك الذين أحبوا هذا التراب الطيب سلالة مجاهدين فقد قررتم نذر أنفسكم لمواصلة الجهاد ، وحملتم لواء التحدى ضد الفقر والجهل والمرض والتخلف ، ولم يكن الطريق سهلا ، كانت المعاناة شديدة وشديدة جداَ ، ولكنكم لم تأبهوا .. سرتم في طريق ملىء بالأشواك ومحفوف بالمخاطر ، فالطامعون في هذه البلاد كثر، والمكشيرين عن أنيابهم لم يخفوا ذلك.
لكنكم قررتم أن تحموا هذه الأرض . كنتم قد وضعتم الهدف – أن تبرز ليبيا للوجود ، وأن يعوض الشعب عن معاناته طوال ثلاثين عاماَ من الحرب ، قررتم أن تعود الإبتسامة والفرح لهولاء الذين لم يعرفوا الفرح خلال سني الحرب حالكة السواد . وكنتم يا أبي على قدر المسئولية ، وكنتم علي قدر التحدى . كان الإخلاص رائدكم ، كان الإخلاص يا أبي سمة من سماتكم ، وقد أورثتمونا هذا الإخلاص ونحن نحمد الله كثيراَ علي ذلك لأننا أورثنا هذا الإخلاص لإبنائنا .
أذكر يا أبي عندما كنت تلميذة بالمدرسة الإبتدائية أنه كان يقوم بالتدريس لنا خيرة المدرسين المصريين من ذوى المؤهلات العالية الذين كانت الحكومة آنذاك تتعاقد معهم للتدريس بالمدارس الليبية . ذات يوم حاول أحد المدرسين أن يكسر ملل الحصة ، فتوقف عن الشرح وألقي ( نكته ) لم نكن يا أبي في ذلك الوقت نفهم معنى النكته ، ولم نتذوقها وبالتالي فإنه لم يصدر منا – نحن التلميذات - أية إستجابة . فنظر المدرس إلينا بأستغراب و قال ( جاكو البلا ... ما بتضحكوش ليه ؟ ) فقلت ماجرى يا أبي في ذلك اليوم إليك فقلت لي ( عندما يحضر المدرس غداَ قولي له أننا شعب لم يضحك منذ أكثر من أربعين عاماَ ، ولكننا سنضحك قريباَ بأذن الله وسنضحك كثيراَ ) .
بمناسبة الحديث عن المدرسة فقد حدثتني يا أبي يوماَ ( أن أول شىء ركزنا عليه بعد الإستقلال هو التعليم لأنه الطريق الوحيد المضمون للنهوض بالبلاد . ولكن كانت أمامنا عقبات كثيرة ، أولها أنه لا موارد لدينا ، وإمكانياتنا محدودة للغاية ولاتكفي لبناء مدارس في هذه البلاد مترامية الأطراف ، فرأينا أن الحل الوحيد هو إنشاء مدارس داخلية . لذلك فقد قمنا بعد إسترجاع الأملاك الإيطالية بأختيار المباني التي يمكن أن تصلح لأن تكون مدارس داخلية ، وقمنا بتجهيزها ، وبدأت العمل ونجحت الفكرة وتقاطر التلاميذ علي المدارس التي أمنت لهم بجانب التعليم المأكل والملبس ، وقد تخرج من هذه المدارس كثير من الذين انخرطوا فيما بعد في وظائف هامة في الدولة .
لقد كنت يا أبي تقدر العلم وتقدر المتعلمين ، كنت تحثنا دوماَ علي إكمال تعليمنا ، وتقول لنا : تذكروا قول الشاعر :

( ليس الفتى من قال كان أبي       إن الفتى من قال ها أنذا )
.......
أنت وزمرتك الأبرار وامداداتك       بنيتوا الدولة في الزمان الحالك
لا مال فيها لا بشاير عالت       لكن المولى بالنجاح سعى لك
ياما سهرت الليل قبل امباتك       اتحضر لساعات النهار اشغالك
وياما بذلت بخير مجهوداتك       نين م التعب كلَت جميع أوصالك

عندما يقول ( إبن الريف ) هذه الأبيات في قصيدته فإنه لا يجامل ولا يقول إلا الحقيقة التي قالها قبله إبن أحد رفاقك :

هو إبن برقة يوم وُلي أمرها       مدحته قبل سراتها الضعفاء
بذل الجهود بدون فخر ومنة       فبنى وشيدَ في الربوع بناء

ويوافقهما ( إبن الجبل ) علي ذلك إذ يقول :

من ياوطن باتوا سامرين       وتعبوا فيك والعيشة مرار
ومن ياوطن هللي زارعين       بورك نين خلفهن أثمار
ومن ياوطن هللي بانيين       سورك نين متعلي أدوار

لقد كنت يا أبي أبناَ باراَ لهذا الوطن ، منحته حياتك كلها عن طيب خاطر ، لم أسمعك يا أبي تتحدث يوماَ عما أعطيته لهذا الوطن من وقت وجهد ، كنت تعمل بصمت ، وكان وقتك كله للعمل الجاد ، للدرجة التي حُرمْنا فيها – نحن أبناؤك – من وجودك معنا أغلب الأوقات ، فقد كنا لا نراك إلا نادراَ،
كنت تغيب عنا أياماَ وأسابيع ، ولم يكن هناك من تواصل معنا إلا عن طريق الهاتف عندما تتصل لتسأل عنا ولتنبئنا بمكان وجودك . تركت أمر الإشراف علينا للجدة – رحمها الله – فقد كنت مطمئناَ أننا معها سنكون بخير ، فقوة شخصيتها وصرامتها في التربية حققت ماكنت تريده لنا . لقد ربتك قبلا بنفس الطريقة التي خلقت منك الرجل النموذج نعم يا أبي لقد أديت واجبك نحو هذا الوطن ، وأعطيته كل شىء ولم تطلب لنفسك شيئا ، لم تسع يوماَ إلي جاه ، لم تسع يوما إلي مركز ، لم تسع يوما إلي زعامة . وكما قال ( إبن الريف ) :

كيف الجبل صامد علي راياتك       ما أدعدعك الأحداث عن معدالك
زعيم والزعامة هي اللي راداتك       علي ذكاك من صغرك وزين أفعالك
ماسعيت للمنصب بطول حياتك       خليت المناصب هى اللى تسعى لك
مليان بالعصر لا عند يوم مماتك       لا أتطيب لك لقمة إلا بحلالك

رحمك الله يا أبي رحمة واسعة ، فقد كنت شخصية يندر وجودها في هذا الزمان ، كنت يا أبي أميناَ وصادقاَ، كنت متواضعاَ بل شديد التواضع لم تتعال يوماَ علي من حولك رغم ما وصلت من مراكز عالية ، كنت عفيف النفس ، وعفيف اليد، كنت كتوماَ للغاية وهي الصفة التي أشتهرت بها بين اقرانك، كنت يا أبي كما وصفتك ( بنت برقة ) :

صفات العابدين فيك تجسدت       تقوى وعقل عامر وصفاء
نبلك مكرمة ، وصدقك شاهد       وسماحتك ضاقت بها الأجواء

إنني يا أبي مهما كتبت عنك فلن أوفيك حقك ، فقدرتي على الكتابة محدودة ، ولكن لي العزاء في المخلصين من أبناء ليبيا الذين أحبوك وأحببتهم فهم دائما السباقون لتناول سيرتك . ولا أقول اكثر مما قاله ( إبن الجبل ) :

يا تاريخ شرفنا بزين            ويا تاريخ ما فيه الغثار
ويا تاريخ له مجد وخزين       وللتاريخ تاريخك منار
ما يطويه سافيه الدفين          ولا غربال يحجبهن أنوار
ولك مبداك ياليث العرين       وافي عهد ثابت ع المسار .

إلي جنات الخلد يا أبي .

فتحية حسين مازق


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home