Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Saturday, 29 September, 2007

http://www.ahmedfagih.com/main.html       موقع الكاتب الليبي د. أحمد ابراهيم الفقيه

ملحمة التاريخ الليبي المعاصر
خرائط الروح
الاثنى عشرية الروائية
بقلم : محمد غريب

((تبشر رواية احمد ابراهيم الفقيه الجديدة "خرائط الروح" بولادة رواية ملحمية عربية الى جانب "الحرب والسلام" و "الدون الهاديء")) احمد زين الدين - صحيفة الحياة

باعتبارى مواطنا مصريا عاش اعواما من صباه وشبابه في ليبيا مختلطا بتلاميذ مدارسها مرافقا لوالدي الذي كان معلما لابنائها فقد صرت احتفظت لليبيا في نفسي بمكانة تعادل مكانة بلادي مصر ، وقد ابتهجت ابتهاجا عظيما عندما قرات ان هناك انجازا روائيا عظيما خرج من هذه البلاد يستلهم تريخها الحديث المليء بالكفاح والوان المكابدة والمعاناة ويعيد تقديمه للقراء من خلال الابداع الروائي ، وصرت الاحق هذا العمل في بعض مواقع الانترنيت التي نشرت اجزاء منه مثل موقع صحيفة الصحراء المغربية وصحيفة ايلاف واخيرا موقع مجلة الكلمة ، وعرفت ان هناك طبعة محدودة خرجت في لبنان استباقا للطبعة الاوسع والاكبر فاتصلت بناشرها دار الخيال ومديرها السيد جان عموس واستطعت الحصول على نسخة من الطبعة الجديدة المتعددة الاجزاء التي جاءت في ثلاثة الاف صفحة ، فقراتها منبهرا بما استطاعت الرواية اخراجه من كنوز مدفونة في رقائق التاريخ الليبي ، وما استخلصته من هذا الركام من الاحداث والوقائع ليصبح بالتالي اشبه بعملية تقطير في بوتقة الادب ويتحول الى هذه الصفحات من سحر البيان وجماليات الحبكة القصصية التي تجعل القاري لا يلتقى بلحظة ضجر واحدة وهو يعبر هذه الروايات الاثنا عشر راضيا بان يترك كل شيء آخر ويكرس وقته كاملا لها بسبب استحواذها على كامل عقله ولبه وكنت سعيدا وانا ارى ، هذا الاندهاش وهذا الترحيب الذي اظهره بعض النقاد ، ربما قبل ان تصبح الرواية بكامل اجزائها في متناول القراء ، ترحيبا لا اعتقد ان عملا ادبيا عربيا سبق ان نال مثله او حظي بثناء واكبار كالذي حظى به هذا العمل الروئي الذي اسماه ناقد الحياة ملحمة التاريخ الليبي ،والذي يجعل كل ليبي يفخر بان تاريخه هو موضوع هذه الرواية وكاتب من بلاده هو الذي كتب اطول رواية في تاريخ الادب العربي المعاصر وحقق هذا الانجاز الذي يضعه النقاد بجوار اعظم وارقى ما عرفته الرواية العالمية من انجازات كما قال ناقد صحيفة الحياة الذي بشر العرب بظهور هذه الرواية التي تدشن عصرا جديدا للسرد الروائي العربي وتدخل به عصر الرواية الملحمية قائلا بانها تقف جنبا الى جنب بجوار الحرب والسلام والدون الهادي لذلك رايت ان انقل لقراء موقع ليبيا وطننا باعتباره اشهر وانجح المواقع المعنية بالشان الليبي هذه المقالات التي يستعد الناشر لوضعها في موقعه ، فتكرم بارسالها لي والتي اجمعت جميعها على قوة هذا الانجاز ونقلت الاخبار الطيبة للقراء بمولد اكبر رواية في العالم العربي ، وابدا بنشر كلمة الغلاف التي احتوت اقتباسات قصيرة من شهادات اربع نقاد ليبيين قراوا الرواية مخطوطة ثم القراءات التي قدمها كتاب عرب كبار لهذه الرواية بادئا بكلمة الغلاف التي احتوت الاقتباسات الاربعة المذكورة آنفا مع تعقيب للناشر ، وهذه هي فقط القطفة الاولى او القطرة الاولى من فيض المقالات التي لاشك ان هذا العمل سيحظى بها عندما يكتمل وصوله الى مكتبات الوطن العربي.

وبجوار بعض الشهادات التي احتوتها كلمة الغلاف هناك كلمة الروائي العظيم الاستاذ ياسين رفاعية التي كتبها لصحيفة المستقبل ومقالة الاستاذ احمد زين الدين التي كانت اول مقالة صدرت عن الرواية ونشرها بصحيفة الحياة موجودة هنا بنصها في الصحيفة ، ثم مقالة رابعة كتبها الاستاذ احمد سعيد للنشر في صحيفة الشرق الاوسط والمدونات الاليكترونية وانقلها هنا حسب الترتيب الوارد آنفا:

كلمة الغلاف وتعقيب الناشر

"هناك شيء من العبقرية في كتاباته " هذا ما شهدت به صحيفة الجارديان اللندنية في معرض حديثها عن الكتب المترجمة للكاتب العربي الليبي الدكتور احمد ابراهيم الفقيه بعددها الصادر بتاريخ 2000/8/19 وهي عبقرية تؤكدها مرة اخرى هذه الرواية الملحمة االتي يفخر الناشر بتقديمها للقارىء العربي ، وتاكيدا لاهمية هذا العمل الروائي الكبير فسنختار اربع شهادات لاربعة من اهل الاختصاص في مجال الدراسات الادبية ، قرأوه مخطوطا ، وقدموا افادتهم حوله ، اولهم أستاذ اللغة الفرنسية وآدابها في جامعة الفاتح ،الدكتور الهادي عبد العالي حنيش فهو يقول : بمثل ما كانت رواية مارسيل بروست البحث عن الزمن الضائع ، الصادرة في مطلع القرن الماضي ، وهي الأطول في تاريخ الأدب الروائي ، تدشينا لعصر جديد في السرد الروائي بالأدب الفرنسي ، فان هذه الرواية الملحمة لاحمد ابراهيم الفقيه " خرائط الروح " التي ربما تكون الأطول في تاريخ الأدب الروائي العربي ، ستكون بالتأكيد تدشينا لمرحلة جديدة يدخلها هذا الجنس الأدبي في بلادنا على يد هذا الكاتب الفذ". ويقول الدكتور محمد وريث ،رئيس تحرير مجلة تراث الشعب " منذ الان فصاعدا نستطيع ان نقول ان الملاحم لم تعد مقتصرة على الشعر وحده، لان خرائط الروح هي ملحمة الرواية ". ويقول الناقد والكاتب القصصي احمد سعيد " خرائط الروح هي بمثابة الامتداد والتواصل لمسيرة السرديات الكبري في الادب العالمي بدءا من ملحمتي الالياذه والاوديسة. الفقيه في خرائط الروح ليس مؤرخا ولا نبيا ، انه فقط يرسم بخرائطه امتدادا لخطوط الطول والعرض للكوميديا الانسانية التي خطها قبله سادة الكتابة . في خرائط الروح تستكشف ذاتك ، وترتحل نحو عوالم انسانية مليئة بالتناقض لتعرف نفسك ، حيث القرب مسافة ، والبعد مسافة ، وحيث النص يبقى هو القريب ، البعيد ، بلا مسافة " الروائي والناقد االذي انجز كتابا نقديا بعنوان نافخ الرماد حول ادب الفقيه عمر احمد جبريل يقول بان" هذا العمل الروائي تجاوز ما كنت احلم به للرواية العربية الليبية لانه جاء ليضع هذه الرواية في مصاف شوا مخ الاعمال السردية التي عرفها التاريخ ماضيا وحاضرا. "

التعقيب
"اتممت الان عملا ، ليس في مقدور جوبيتير هدمه ، لا اللهب ولا الحديد، ولا الزمن الذي لا يشبع ، فليأت اليوم المحتوم متى شاء ، لن تكون له حقوق الا على جسدي ، فليضع حدا لمجرى حياتي الغامض ، الجزء الانبل في سينطلق خالدا، سيسموعلى الكواكب ، وسيكون اسمي عصيا على الفناء ، واينما توغلت روما ، بعيدا في الارض التي تسودها ستقرأني الشعوب وانا الذائع الصيت ، ولئن صدق حدس الشعراء ساحيا على مدى الزمن " هكذا كتب الشاعر الروماني اوفيديوس بعد ان انتهي من كتابة ملحمته التحولات ، ولعل كاتبا عربيا مثل احمد ابراهيم الفقيه انجز عملا روائيا ملحميا مثل خرائط الروح ، جاء بعد اوفيدوس باكثر من الفي عام ، لن يستطيع ان يخاطب جوبيتير بذات اللغة لان جوبيتير نفسه انقرض وبقي اوفيدوس ولكنه يستطيع ان يفخر بانه قدم للادب العربي عملا سيكسبه مكانة متميزة على خريطة الادب العربي ، اعطى من خلاله صوتا لمكابدات شعبه الليبي لتبقى بهذا العمل حية في ذاكرة البشر على مر العصور ، وسيحفر اسمه فوق جدار الزمن ليبقى حاضرا في ازمنة قادمة ، مقروءا من اجيال لم تولد بعد.
الناشر

الاديب السوري الاستاذ ياسين رفاعية احد عمالقة كتاب الرواية في العالم العربي يرحب بما يراه اكبر انجاز روائي يتحقق في تاريخ السرد العربي المعاصر قائلا بان خرائط الروح عمل ابداعي غير مسبوق وان الكاتب يرسم جدارية روائيةهي الاضخم والاطول في تاريخ الرواية العربية وهي مقالة تمجد العمل بعبارات بلغة قمة الثناء مثل هذا الاقتباس
((يكتب نصاً سردياً يقف جنباً الى جنب مع شوامخ الأعمال الروائية الكبيرة التي أثرت الحياة الإنسانية على مر العصور، ويمكن اعتبارها أكبر جدارية عربية.. استخدم فيها الكاتب معرفته العميقة بالتاريخ والتراث والدين والأساطير وثقافته العصرية التي تحيط بالإنجازات التي حققها السرد الروائي، وقدم نصاً ملحمياً بتنويعات أسلوبية. ولم يهمل الواقع ولم يكتف به وإنما يغنيه ويثريه بالحدس والرؤيا والحلم والفانتازيا والذهاب الى ما فوق الواقع، بمستويات من الأداء اللغوي))
ويعتبر بطل القصة احد اهم ما عرفه السرد الروائي من شخصيات قائلا ((وتفلح الرواية في تقديم بطل إشكالي بكل المقاييس، مهيمن على أجواء هذه الملحمة. فهو الشخصية الأكثر امتلاء وقوة وصدقاً وعمقاً وحضوراً وتميّزاً وفرادة)) مقارنة بما عرفته مدونة الرواية العربية من ابطال ، اما عن مجمل احداث الرواية وشخصياتها فهو يقول :

((كما أن ضخامتها تتناسب تماماً مع قوة وأهمية وضخامة موضوعها، فهي ملحمة الحب والحرب والرحيل والاغتراب، فهذه الحالات الأربع تخترق متن الرواية من أول سطر فيها الى آخر سطر، في حالة تشابك وتداخل وترابط لا تنفصم عراه، إلا في تلك اللحظات الحالكة السواد، التي يتدخل فيها الموت، فالموت حضوره القوي والضروري في هذه الملحمة الروائية التي تعادل الحياة تماماً )) ولعل الجملة الاخيرة في هذا الاقتباس هو ابلغ ما يمكن قوله عن أي عمل ابداعي يحاول اني يحاكي الحياة وكانه هنا ارتفع فوق المحاكاة ليكون هذا العمل هو الحياة نفسها. والحقيقة بانه لا يمكن نقل الاقتباسات الكثيرة التي تحتفي بهذا العمل الروائي وتعتبره احد الذرى الكبرى التي بلغها الانجاز الروائي ، لان معنى ذلك ان ننقل كل فقرات المقال ولذلك نورده بنصه كما جاء في صحيفة المستقبل اللبنانية اليومية الصادرة في بيروت يوم السبت 22/9/2007 ، تحت عنوان "خرائط الروح" لأحمد ابراهيم الفقيه

جدارية في أطول رواية عربية

قد تعتبر رواية "خرائط الروح" للكاتب الليبي أحمد ابراهيم لاالفقيه أطول رواية عربية معاصرة حيث بلغ عدد صفحاتها أكثر من ألفي صفحة من القطع الكبير، سبق أن قرأنا روايات عربية طويلة كثلاثية نجيب محفوظ و"مدن الملح" لعبدالرحمن منيف. لكن كلا الكاتبين قسموا تلك الأعمال الى أجزاء كل جزء رواية بحد ذاته. وكان يمكن للفقيه أن يفعل ذلك حتى يوفر على قارئه حمل هذا المجلد الكبير من مكان الى مكان كي لا ينقطع عن قراءته.. ويبدو أن الفقيه سيفعل ذلك بتحويل هذا السفر الكبير الى رواية. لأننا نلاحظ مع القراءة في المطلع أربع وحدات كل وحدة تضم 3 روايات.. وقد اتبع المؤلف في كتابة هذه الرواية التقطيع السينمائي، بحيث أن كل قصة تصلح فيلماً مع أن بطلها كلها رجل واحد، وأراد الكاتب أن يوحي لقارئه أنه أمام ملحمة عربية لا تقل عن الملاحم التي كتبت عبر التاريخ، وهي من أجل ذلك تمتلك "قوة الغواية" التي تجعل القارئ يتوحّد مع شخصياتها ويندمج في عوالمها ويستغرق في أجوائها بما حفلت به من زخم الحياة وحرارتها، وسيندمج مع الأمكنة التي تآلف معها وهو يشعر بالحسرة والأسف. لأن إقامته لم تكن أطول وصحبته لم تتواصل وتستمر مع شخصيات الرواية عبر أجزاء أخرى، بسبب ما تجلى في الرواية من براعة في الكشف والمغامرة والقبض على أجواء ومناخات جديدة على الرواية العربية.
"خرائط الروح" تطل علينا عبر بطل إشكالي تراجيدي يحمل ذاتاً تتحدى الظرف الزماني والمكان الذي جاء فيه الى الوجود، كما يظهره النص من خلال مكابداته الروحية ومعاناته مع معطيات الواقع. وما ينتج عن هذا الواقع القاسي العنيف من تحوّلات ومتغيّرات تنتقل بهذه الروح صعوداً وهبوطاً وضعفاً وقوة وإذلالاً وشموخاً وسقوطاً بما يجعل العنوان الكلي للرواية متحققاً في كل الأجزاء. وتتجلى قدرة الكاتب في بعده عن المباشرة، عبر أحداث تتنامى وتتصاعد بمقاصدها ودلالاتها، وذلك بكل ما تتيحه عناصر السرد واستراتيجيات القص من إمكانيات، حيث يراوح السرد بين الواقعي والأسطوري. وتفلح الرواية في تقديم بطل إشكالي بكل المقاييس، مهيمن على أجواء هذه الملحمة. فهو الشخصية الأكثر امتلاء وقوة وصدقاً وعمقاً وحضوراً وتميّزاً وفرادة. وفي هذه الأجزاء للروايات الإثني عشرة يبرز هذا البطل. فقد رحل مطروداً من بلدته "أولاد الشيخ" الواقعة على أطراف الصحراء ليعيش في طرابلس، فيعيش فيها أكثر من تجربة عاطفية إحداها مع ثريا التي ظلت تمثل العذوبة والصفاء والنقاء. والثانية مع حورية عشيقة الحاكم الإيطالي. ممزوجة بالتآمر والسياسة، فتتقاطع حياته في بعض مراحلها مع الحكم الإيطالي، ويدخل معسكرات التجنيد الإيطالية، لتكتمل بذلك الروايات الثلاث الأولى وهي: (خبز المدينة، أفراح آثمة، عارية ترقص الروح). وتبدأ بثلاثية أخرى هي ثلاثية الحرب والحب والحياة في مجاهل القارة الافريقية، حيث نلتقي هنا بالحياة البدائية التي تعيشها تلك القبائل هناك. ولا تنتهي رحلة عثمان الشيخ (الذي هو بطل الرواية) هنا حيث يكتسب في الحبشة اسماً جديداً هو "عثمان الحبشي"، إلا بتفجر الحرب العالمية الثانية التي خاضها في البداية مع الجيش الإيطالي وقد وصل الى رتبة ضابط فيه، وهنا تستغرق هذه الأحداث الثلاث روايات الأخرى: (غبرة المسك، زغاريد لأعراس الموت، ذئاب ترقص في الغابة) ثم، وتلبية لنداء المجاهدين الليبيين المناوئين للطليان والمتحالفين مع الحلفاء، يسلم نفسه لأعداء الإيطاليين، وينخرط ضابطاً في الفيلق الليبي التابع للجيش الثامن الإنكليزي، وعندما تقع ليبيا تحت حكم الاحتلال البريطاني يلتحق عثمان الحبشي بالإدارة الجديدة، ليعمل ضابطاً مسؤولاً عن الأمن في طرابلس.. لنلتقي هنا أيضاً بثلاثية حافلة بالصراع الدولي والمحلي تحمل العناوين الآتية: (العودة الى مدن الرمل. دوائر الحب المغلقة. الخروج من المتاهة) لكن قبل حلول الاستقلال يقع عثمان الحبشي ضحية مؤامرة رؤسائه في الإدارة البريطانية، الذين يحاولون تلبيسه الجرائم التي ارتكبت ضد المواطنين خلال مدة حكمهم. وتقديمه ككبش فداء.. فيهرب منهم الى عمق الصحراء، حيث نلتقي بثلاثية أخرى هي ثلاثية الصحراء الليبية بكل تراثها العربي وعمق تواصلها مع محيطها في مصر وتونس والجزائر. وصراع أهلها مع قسوة الطبيعة، واختيارهم الحياة وسط زوابعها وقيظها وعطشها باعتباره اختياراً لحياة الحرية بعيداً عن مدن الساحل التي يحتلها الغازي الأجنبي وهذه الروايات هي: (هكذا غنت الجنيات. قلت وداعاً للريح. نار في الصحراء).

الحياة الهادرة
في الواقع، لا مجال في هذه العجالة لنقل إمكانية الحياة الهادرة بالتفاصيل الكثيرة والأحداث والصراعات التي تضج داخل النفوس وخارجها والشخصيات الرئيسية والثانوية التي تتقاطع مصائرها وتختلف وتتفق وتتوحد وتنفصل في صيرورة الحياة وزخم التحولات الكثيرة التي شهدتها تلك المراحل التاريخية التي تدور فيها أحداث الرواية والتي تستغرق عشرين عاماً من عمر بطلها وعمر بلاده من منتصف الثلاثينات الى منتصف الخمسينات من القرن المنصرم، وأنها وإن تناولت ليبيا وتاريخها وتاريخ محيطها العربي والإفريقي. إلا أنها رواية الحياة البشرية في أبعادها المختلفة. ورواية الروح في شتى مجالاتها ومسالكها وانتصارها، وانتكاسها. إنها رواية الأبيض والأسود في النفس البشرية.. رواية الحياة ونقيضها، كما أنها رواية الوعي الفردي مدموجاً ومتقاطعاً مع الوعي الجمعي. ليجعل من بطل الرواية، رغم تناقضاته، وجوانب الخير والشر في أفعاله، تعبيراً عن ذات أكثر، هي ذات المجموعة الإنسانية التي ينتمي إليها، والبيئة التي ظهر منها. كما حملت الرواية تركيزاً خاصاً على بنية السلطة في المجتمعات العربية وآلياتها باعتبارها مفتاح المشاكل التي تعيشها المجتمعات العربية وآلياتها على المستوى العشائري ومستوى الحكم المحلي ومستوى الدولة، وصولاً الى بنية السلطة في الأسرة باعتبارها الجذر الأساسي للبنى الأخرى.
حاول الكاتب أن يصيغ روايته على طريقة الشعر المنثور. ليضفي عليها روح التراجيديا والأساطير والملاحم، فيدخل مرحلة جديدة، هي مرحلة الرواية الملحمة محاولاً أن يكتب نصاً سردياً يقف جنباً الى جنب مع شوامخ الأعمال الروائية الكبيرة التي أثرت الحياة الإنسانية على مر العصور، ويمكن اعتبارها أكبر جدارية عربية.. استخدم فيها الكاتب معرفته العميقة بالتاريخ والتراث والدين والأساطير وثقافته العصرية التي تحيط بالإنجازات التي حققها السرد الروائي، وقدم نصاً ملحمياً بتنويعات أسلوبية. ولم يهمل الواقع ولم يكتف به وإنما يغنيه ويثريه بالحدس والرؤيا والحلم والفانتازيا والذهاب الى ما فوق الواقع، بمستويات من الأداء اللغوي، وقد نأى فيها عن استخدام العامية، لكنه اعتنى بالمقابل بالتباين والاختلاف الذي يناسب أوضاع الشخصيات. فاللغة التي تتكلم بها الصحافية ماريانا في سردها للأحداث غير تلك التي يتكلم بها الشيخ القطعي شيخ البادية الذي ترد في روايته كلمات عصية على الفهم، التي لا يفهمها إلا قارئ قريب من البيئة البدوية الليبية. لذلك استخدم الكاتب مستويات من السرد محتفياً بتقنية جديدة عرفتها الرواية البولوفونية حيث تختلط الضمائر ووجهات النظر وتعدد الرواة والساردين، غير الراوي العليم بكل شيء، وغير تلك الأحداث التي يرويها بطل الرواية بضمير المتكلم، فإن هناك ساردين متعددين.

الحبكات
لا بد من القول، قبل الانتهاء من هذه القراءة، بأن "خرائط الروح" رغم ضخامتها وظهورها مستقبلاً في اثني عشر كتاباً، فإنها لم تفقد حبكتها ووحدتها وتماسك أحداثها، وسيطرة الكاتب على خط قصتها الذي يمضي في طريق متصاعد، توتراً وانفراجاً، حتى يصل الى ذراه الفنية العالية، هابطاً بعد ذلك الى براح النهاية المفتوحة، والمطلة رغم مأسويتها، على آفاق مستقبل يعد بالخير والحرية والأمان. كما أن ضخامتها تتناسب تماماً مع قوة وأهمية وضخامة موضوعها، فهي ملحمة الحب والحرب والرحيل والاغتراب، فهذه الحالات الأربع تخترق متن الرواية من أول سطر فيها الى آخر سطر، في حالة تشابك وتداخل وترابط لا تنفصم عراه، إلا في تلك اللحظات الحالكة السواد، التي يتدخل فيها الموت، فالموت حضوره القوي والضروري في هذه الملحمة الروائية التي تعادل الحياة تماماً بمثل وجوده الضروري في الحياة نفسها، وتثبت أن الرواية هي الشكل الجمالي الأقدر على الإلمام بحوادث التاريخ العظيمة والتحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات الإنسانية. وهذه رواية تعد إنجازاً كبيراً لهذا الكاتب الذي ظل دائماً في دائرة الإبداع عبر كل كتبه ورواياته.

الكتاب: خرائط الروح.
الكاتب: أحمد ابراهيم الفقيه.
الناشر دار الخيال

***

الناقد الادبي لصحيفة الحياة ، الاستاذ احمد زين الدين ، المتخصص في الكتابة عن الروايات العربية يكتب مبشرا بظهور عصر جديد للرواية العربية هو عصر الرواية الملحمة بمناسبة صدور خرائط الروح:

«خرائط الروح» ملحمة التاريخ الليبي الحديث
أحمد ابراهيم الفقيه يكتب أطول رواية عربية... في ألفي صفحة
أحمد زين الدين الحياة - 03/09/07//

تبشّر رواية أحمد إبراهيم الفقيه الجديدة «خرائط الروح» (دار الخيال، 2007) بصفحاتها التي تقارب الألفي صفحة بولادة رواية ملحمية عربية، الى جانب «الحرب والسلام» و «الدون الهادئ»، وغيرهما من الروايات العالمية. إذ تضيء بأحداثها العظمى والصغرى تاريخ الصراعات الدولية التي تتقاطع على الأرض الليبية وما جاورها، عشية الحرب الكونية الثانية. وتقذف هذه الصراعات بشخصية روائية إشكالية هي عثمان الشيخ، ليعاني ما يعانيه من أزمات روحية، وتقلبات في الظروف والأحوال، وتحولات واختبارات مصيرية، تجعل منه بطلاً تراجيدياً، يقارع الأقدار من دون جدوى، وينشد خلاصاً مستحيلاً. خلاصاً فردياً، لا يمكن أن ينفصل في أتون حرب ضروس على بلده، عن الخلاص الجماعي. ويمثل مسار عثمان الشيخ منذ مغادرته قريته منبوذاً، أو شبه منبوذ لفعلة شنيعة قام بها، الى عودته المظفرة الى بلدته «أولاد الشيخ»، حاملاً رتبة عالية من الجيشين الإيطالي والانكليزي المحتلين، ثم قائداً لحركة المقاومة الشعبية، قبل أن يلقى حتفه. يمثل هذا التواشج الذي لا تنفصل عُراه بين مصير الفرد ومصير الجماعة. وهذه المحاولة المخفقة، التي حاول من خلالها البطل التراجيدي، أن ينسلخ عن بيئته وثقافته وتاريخ بلده القديم والحديث.
وفي أسلوب «نيو كلاسيكي» مستخدماً الضمائر المتعددة في بعض محاور الرواية، يضيء الفقيه الأحداث من زوايا رصد مختلفة، من دون أن يتخلى عن البؤرة السردية الأساسية التي تدور حول بطله عثمان الشيخ. لأن التماهي بين العام والخاص، يبلغ ذروته في حياة هذه الشخصية. فعثمان هو ضمير ليبيا، وسيرة عثمان ملتحمة بمسار التاريخ الليبي الحديث، وتداعياته السياسية والاجتماعية. والروائي الفقيه حاضر في هذه الرواية، لا عبر شخصيته، أو تدخله في مجريات الوقائع، إنما عبر ثقافته العميقة التي يمنحها لبطله عثمان القروي البسيط، الذي لا يتعدى تعليمه المتواضع ما حصله من قراءة وكتابة في بعض الكتاتيب، والتي لا تتلاءم مع ما يتحفنا به في الفصول الأولى من الرواية، من معلومات عن طرابلس في حلتها الإيطالية، على لسان من هو غريب عنها، فيتحدث عن هندستها المعمارية والجمالية، وآثارها التليدة، وعن التحديث والتقليد، وعن الإضافات واللمسات الفنية الإيطالية، وعن الفنون والمقاهي والأحياء الشعبية والراقية. وغير ذلك من أوصاف تشكل فضاء الرواية المكاني وتثريه، وتدل على عظمة طرابلس عهد ذاك، لكنها أوصاف تصدر عن الكاتب الملمّ، لا عن بطله المتواضع. وهذه الوقفات الوصفية تتعدد في معظم فصول الرواية، وتستهلك الصفحات الطوال، وعلى رغم غناها بالتفاصيل والمعطيات، إلا أنها تبطئ من انسيابية السرد المشوّق.
في «خرائط الروح» ينفض أحمد إبراهيم الفقيه غبار الإهمال والنسيان عن تاريخ ليبيا، ويقدم في هذه الرواية الملحمية سرداً تتزاحم فيه روح المؤرخ وروح الفنان، لينسج لنا تاريخاً انسانياً ووجدانياً حياً، في زمن الاحتكاك بين الحضارات والقوى والمصالح والأفكار، وهو احتكاك حوّل طرابلس آنذاك، الى مختبر عظيم للتيارات والمفاهيم كافة. حيث ظهر وجهها الكوزموبوليتي، الذي يقوم على وجود جاليات أجنبية من كل الأجناس والأعراق والثقافات والتقاليد والأذواق، تتعايش الى جانب أهل البلد، وتترسّب أو تتجاور فيها الطبقات الحضارية والتاريخية.
وهذا المزج عند الفقيه بين المهارة الروائية الدرامية، والمعطيات التاريخية التي تتجلى في معاينة ما يدور على أرض المعارك الحربية، في صحراء ليبيا وفي الحبشة وعلى الحدود. وما يُحاك في داخل القنصليات وبيوت الولاة والحكام الأجانب من دسائس. إنما تخدم أفكاراً عدة تنضح بها الرواية، أهمها أن مصير الإنسان، كما هو مصير الأمم تصنعه الحروب. فالحرب هي سُنّة من سُنن التحول في الدول والمجتمعات. ورحاها هي اختبار للقوة والإرادة وإثبات الذات.

صعوبة الخيارات
يمثل تاريخ عثمان المحارب رغماً عنه، في الجيش الإيطالي ثم الإنكليزي، موضوع الصراع بين القوي والضعيف، والتحام القضية العامة بالخاصة. ويعيد طرح معنى الولاء الوطني والخيانة، حيث الخيانة ليست خياراً حراً، في ظل هيمنة القوي على الضعيف. إنما ثمرة صراع مرير في داخل الإنسان. والكاتب هنا يعيد النظر بتاريخ الاستعمار، على غير ما درجت عليه الأدبيات السياسية الوطنية العربية، من تعارض مطلق بين الخير والشر. الخير الذي يمثله دائماً أبناء الوطن، والشر الذي يمثله المحتل. في حين أن مثل هذه الحدود غير موجودة في الواقع. إذ يذكر الفقيه في روايته أن بعض شعراء الوطنية القدامى من الليبيين، كانوا يكتبون قصائد التمجيد لحاكم ليبيا الإيطالي. ويذكر الى جانب الجنرال الفاشي جرسياني الطاغية المستبد، والنقيب توسلي، المارشال ايتالو بالبو، الحاكم المتنور والمتسامح الذي كان يرعى شؤون الليبيين، ويشيد لهم الصروح.

يتماهى عثمان في بعض مراحل حياته مع المحتل، وهو تماه يذكرنا به «فرانز فانون» باعتباره سلوكاً تعويضياً تتماثل فيه الضحية بجلادها، في ظروف القهر والاستعمار. وفي سعيه الى اكتساب نفوذ شخصي وهيبة اجتماعية، يبدأ عثمان خطوته الأولى في معسكر التدريب الإيطالي، حينما يؤدب المجندين من أبناء وطنه، نيابة عن الشاويش عنتر، ثم بالأصالة عن نفسه. ويترقى في عمله مع الزمن، ويخوض غمار حروب عدة في صفوف الإيطاليين والإنكليز، ليقوم أخيراً مقام رؤسائه الكبار في إدارة شؤون البلاد. إلا أن هذا الانزلاق الى حضن المحتلين يُرجعه الى ظروف قاهرة، تورّطه أكثر فأكثر في علاقته بهؤلاء. لكن بطل الرواية ينطلق في أساس تكوينه الشخصي، من رؤية تعتبر خلاصه الذاتي أولوية، بصرف النظر عن خلاص الجماعة. فعنوان حركته «دع عقلك لا ينشغل بأي شيء آخر غير خلاصك الشخصي». وهي حركة نرصدها، لكن في ظروف أخرى، في روايات نجيب محفوظ، حيث تصبو بعض شخصياته الى الارتقاء الطبقي، والوصول الى الثروة والوجاهة، عبر التزلف والمداهنة، وعبر التخلي عن الكثير من المبادئ والقيم التي تربّت عليها. هل كان عثمان انتهازياً ووصولياً، أم كان واقعياً براغماتياً؟ هل كان مصيره محتوماً، أم هو الذي قاد نفسه الى ما كان يرتجيه ويتمناه؟ تلك هي الإشكالية التي تطرحها الرواية، فلا ندري إن كان ما يحدث لعثمان عن سابق تصور وتدبير، أم محض مصادفة غير منتظرة. أو إن كان منطقه الذي يقول انه يخدم بعلاقاته ونفوذه أبناء وطنه، ويعينهم بما مُنح من سلطة، على تجاوز ما يتعرضه من صعوبات وعوائق، منطقاً وطنياً واقعياً أم تسويغاً ذاتياً؟ ومن خلال كل هذه الإشكاليات يتمكّن الكاتب عبر سلوكية بطله وأفكاره، أن يطرح التساؤلات عن السياسة وعن المصير الإنساني. فالرواية بهذا المنظور اختبار حي لأفكار كثيرة تدور حول دلالة الوجود، وحول تجربة الصراع الدارويني من أجل البقاء، والعيش في الحروب على حافة الموت، وحول الحرية والعبودية، والقضاء والقدر، والتقدم والتأخر، وعلاقة الشرق بالغرب... وإعادة النظر في معنى الوطن والمواطنية في ظل العجز والخوف والجوع. وسوى ذلك من موضوعات يحرص الكاتب على تظهيرها، من خلال الأحداث وعلى ألسنة أبطاله العديدين.
في رواية «خرائط الروح» تتصاعد حركة الأحداث في مسار ينطلق من الداخل، الى خارج الحدود الليبية، الى مصر والحبشة. ومن العاصمة الى مناطق الصحراء، ومن الجبال والبحار الى الغابات والواحات. وتتشكل صورة بانورامية عن الحياة داخل الثكنات، وداخل السجون والقصور. وعن العادات والعقائد والأنظمة الاجتماعية، والتحولات في العمران والاقتصاد والسياسة. وعن اختلاف النظرة الى الموت والجنس والحرية والدين. وتعبّر هذه الحركة التي تتقاطع خطوطها وتتداخل عن انفتاح الفضاء السردي وتنوعه واتساعه، الذي يتفاعل معه بطل الرواية، ويكابد ما يكابده من مخاطر وصعوبات، لتصهره في أتون التجربة الإنسانية الشاقة، وتطهره من ذنوبه. وهذه حال البطل الإشكالي الذي يقف عادة، على مفترق صعب من الخيارات الملتبسة والمفارقات الحادة.
وفي فصل «ميرانا» من الرواية ترسم الصحافية الهندية، سيرة عثمان لترسلها الى صحيفتها، بعد أن قُتل في غارة فرنسية، على إنها حياة صنعتها المعاناة، والعبور المضني من الشك الى الإيمان، ومن القلق الإنساني البسيط من أجل لقمة العيش، الى البحث الدؤوب عن معنى الحياة. شخصية ظلت حتى بعد موتها في سبيل الوطن، شخصية ملتبسة اختلف الناس في النظر اليها اختلافاً جوهرياً. فعثمان هو رجل المفارقات الصارخة، فقد انتقل من كونه وصولياً وماجناً ولاهياً، وصاحب فحولة خارقة، ومتعاملاً مع أعداء الوطن. الى معالج روحي وصاحب كرامات. ومن جندي ثم ضابط في جيش المحتل، الى مقاوم شريف يسعى الى دحر الأعداء والمحتلين.

المرأة المثال
وعلى عادة خليل الإمام بطل الفقيه في «ثلاثيته»، تشكل مغامرات عثمان النسائية محوراً أساسياً في الرواية الجديدة، فتحيط به ثريا وحورية وفرنشيسكا ونورية وإيزابيلا وسارة وعايدة. وتحتل «تيمة» المرأة المثال مركز القلب. وهي هنا حورية وثريا. أما السنيورة حورية الليبية عشيقة حاكم البلاد الإيطالي المارشال ايتالو بالبو، فهي تتحول بين يدي عثمان الى هالة نورانية، حيث يترقى من وصف مفاتنها الأنثوية، وجموحه الإيروسي، الى حال من الإشراق والصفاء الروحيين. وتغدو الأمكنة التي يكون فيها مع المرأة، أمكنة أثيرية تتضافر فيها الأحاسيس مع الخيالات والمشاعر، لتشكل لوحة شاعرية، يتمازج فيها جمال المرأة بجمال الطبيعة (وصف فرنشيسكا وهي تستحم في الغابة الأثيوبية). وكل جسد أنثوي هو بين يدي عثمان، كما كان بين يدي خليل الإمام، في الثلاثية رعشة فردوسية. أما ثريا فهي الحبيبة الأولى. وهي الأيقونة التي يبهت بريقها مع الزمن، وتتداعى صورتها، بعد عودته من الحرب، وتتوارى في الظل، ليبقى طيفها ذكرى من ذكريات البطل المتكاثرة. كذلك تثير علاقته مع فرنشيسكا المراسلة الحربية الإيطالية مسألة فرويدية، هي الارتباط بين النزعة الجنسية والموت.
بيد أن المرأة ليست في «خرائط الروح» موضع الغُلمة ومثار الشهوة فحسب، إنما هي قضية تطرح مسألة التقدم الاجتماعي والفكري الذي تمثله في الرواية عايدة. إذ تربط تحرير المرأة من التقاليد البالية كشرط من شروط التحرر الوطني. كذلك لا يمثل طلب حورية الملحّ من عثمان أن تنجب منه طفلاً، التماساً للأمومة المنشودة عند كل أنثى، بقدر ما هو طلب للانتماء الى هذه الأرض، لتكون أماً مجبولة بتراب الوطن، وجزءاً من هويته الوطنية. في رواية الفقيه هذه، بل في معظم رواياته وأقاصيصه يحمل بطله اعجاباً بالتقدم التكنولوجي، والإنجازات العلمية. وهو يرجعهما الى الحضارة الغربية، التي تمثلها في الرواية إيطاليا، فقد جاء الإيطاليون بالطعام والدواء والتقدم الزراعي والطرق الحديثة. ولأنه يؤمن بدور العلم كرافعة للنهوض الاجتماعي. فإنه ينتقد اعتصام أهل بلده بالكتاتيب، بدل التعلم في المدارس الإيطالية الحديثة. وعلى رغم العمق الديني عند أبطال الرواية بمن فيهم عثمان نفسه، فهو يرى الى العقائد الشعبية الأسطورية والخيالية، والى التعازيم والرقى والشعوذات والكرامات والتنبؤات عاملاً من عوامل كبح العقل عن حل المعضلات الاجتماعية والسياسية، بالاعتماد على قانون الطبيعة وسنن الحياة. ويدعو الى الإصلاح السياسي والاجتماعي، والى التسامح الديني ووحدة الأديان التي تمثلها سارة اليهودية، التي يتعاقب الى الزواج منها، رجال من الديانات السماوية الثلاث، وتمارس طقوس هذه الديانات معاً من دون تفرقة أو إيثار. لا يرسم الكاتب في «خرائطه» خطأ مستقيماً ووحيداً للنفس البشرية، بل خطوطاً متعرجة ومتداخلة هي من طبيعة النفس وجوهرها. وبهذه الرؤية يشبه بطله عثمان كثيراً من الناس الذين يعانون صعوبة تحديد خياراتهم. ومن أجل هذا ربما احتل عثمان موقع النموذج والرمز في الرواية العربية الحديثة .

***

وهذه كلمة احد الاصوات الشابة في مجال النقد الاستاذ احمد سعيد احد المريدين لامير الرواية الراحل الاستاذ نجيب محفوظ واقرب الادباء الشباب اليه ،التي يرحب فيها بهذا الانجاز مسميا اياه الادويسة الليبية

الاوديسة الليبية
ملحمةعثمان الحبشي - رواية الفقيه الاثنى عشرية

أحمد سعيد*

صراع الذاكرة مع النسيان هذا ما تصوغه الملحمة الاثناعشرية " خرائط الروح " للروائي الليبي الكبير احمد ابراهيم الفقيه ، ذات الأبعاد الأسطورية ، والتداخلات الدرامية والتقاطعات الإنسانية ، حيث هي رواية عابرة للاماكن والأعراق والثقافات ، مع ثراء في التنوع الدلالي والتشكيل السردي ، والفضاء الزمكاني للقص ، المخيال الواسع ، والتجول بين ثنايا الذات والمكان والتاريخ.

نرتحل مع عثمان الحبشي الهارب من الملاحقة الأخلاقية والنبذ القبلي في صحراء قاحلة تعجز عن إدراك إمكانياته ، واستيعاب طموحاته ، ليخرج عثمان الشيخ كما خرج عوليس ، واخيل ، يرتحل من جحيم المفازة الصحراوية ليفوز بذاته ، وكما ارتحل وخرج موسى من ارض العبودية ، وكما خرج عيسى ليضع عهدا جديدا ،ويعيد عبر طريق الألم الدرامي ، والدخول في خرائط الروح ، قيامة الإنسان الجديد ، عثمان الشيخ في تحولاته الكثيرة ، الذي اصبح عثمان الحبشي ، الطريد ، العاشق ، السلطوي ، الوطني ، الصوفي ، الأسطورة .

خرج عثمان الشيخ من قريته ذليلا ، حقيرا ، بعد ضبطه متلبسا مع عزيزة ، فكان خروجه تحقيقا للذات ، عبر المعاناة المرة ومكابدة الحصول على خبز المدينة ، مدينة طرابلس التي يصل اليها معدما في زمن الاحتلال الإيطالي ، فترة حكم المارشال ايتالو بالبو ، ومباشرة بعد اعدام شيخ الشهداء عمر المختار، و انتهاء الثورة المسلحة التي قادها ، وانحسار حركة التحرر الوطني ليهنا الاستعمار بالسيطرة على البلاد ، وليجد عثمان الشيخ نفسه ، امام واقع مختلف عن واقع الواحة الصحراوية التي جاء منها ، فيعمل إسكافيا، لان تعليمه الديني لا يؤهله لأي عمل آخر في دولة الاحتلال الإيطالي ، ثم يجد نفسه منخرطا في الجيش الإيطالي الذي تعده إيطاليا لغزو الحبشة ، ليكون ضمن جنود هذه الحملة ، ولتشهد الملحمة التي يخوضها في الحياة واحدا من اكثر فصولها قوة وإثارة حيث يقع في الأسر الحبشي وينجو من الذبح باعجوبة ، و يحقق بطولات تتيح له فرص الترقي والاعتراف بمهاراته القتالية ، ومن حرب الحبشة يجد نفسه مقذوفا به في الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية ليبدأ محاربا في صف الإيطاليين ضد الحلفاء ثم ينتقل بسبب ظروف وملابسات محلية ودولية الى ان يصبح محاربا مع الجيش الشعبي الليبي المنخرط في صفوف الحلفاء ويسهم في هزيمة الجيش الإيطالي ، الألماني . إحدى المفارقات الكبيرة التي عاشها جيل من الليبيين كان الحبشي رمزا وتعبيرا عنه ، متعايشا مع تلك المتناقضات ليصل بتفكيره البرجماتي الى ان يكون مساعدا للوالى البريطاني الذي استلم الحكم بعد سقوط الإدارة الإيطالية في طرابلس . وتتواصل المسيرة عبر أسلوب مليء بالتوتر ولحظات التصعيد والانفراج واستخدام تقنيات سردية كثيرة التنوع، وتلوينات في المعالجة والتناول يدخل فيها الديالوج والمونولوج واللغة المتدفقة ، ذات الأبعاد التراثية والشعرية، واللعب بين تخوم الواقع والفنتازيا، والحقيقة والخيال ، وعدم الاكتفاء بالسارد الواحد العليم بكل شيء، وانما يستخدمه بجواره يستخدم ضمير المتكلم وضمير المخاطب ، ويجلب شخصيات تتكلم بنفسها داخل النص غير بطل الرواية ، وينتقل بسهولة بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل ، مستفيدا من واقع يزخر بالأحداث والتحولات الكبرى المعجونة بطين الحياة الشعبية وعبير الأرض والناس حيث لا يكتفي برصد الصراعات السياسية التي تظهر على السطح وانما يغوص بعمق وقوة ودربة وفهم للوقائع التاريخية والنفسية التي تصنع الأحداث وتتمرر كل هذه الأحداث من خلال فكر وفعل ووجدان هذا الإنسان الذي يدور حوله هذا العمل الكبير عثمان الحبشي لنرى صورته معكوسة فوق كل المرايا وتحت مختلف الأضواء ، فلا يبقى جانبا من حياته ، الا وظهر للقارئ واضحا كل الوضوح ، في ضعفه وقوته ، في لحظات انكساره وانتصاره ، في استجابته لقوة الغريزة او مقاومته لها ، لتكون الرواية بحق رحلة مع خرائط الروح والمسالك التي تسلكها والمنعرجات التي تعبرها والمنخفضات والسفوح التي تسقط فيها أو الذرى التي تصعد اليها ، نراه وهو يمر باختبار القوة والسلطة ، ثم سقوطه من هذه السلطة هاربا باتجاه الصحراء التي خرج منها ، ونحو الحمادة الحمراء التي شهدت سنواته الأولى وهو يدرج في هذه الحياة ، بعد ان عاش رحلة ثرية ، وسلك دروبا صعبة وعرة ، وانتقل من الغابة الى مدن الرمل ، ومن الرقص مع الذئاب في الأدغال الى التبرك بغبرة المسك في حلقات الصوفيين ، ومن زغاريد الحرب والقتال في حقول الموت والقتل الى زغاريد الجن في حقاف وكهوف الهروج السود في الصحراء الليبية ، وهنا تمثل الرحلة في الصحراء والعيش في متاهتها ، رحلة للتطهر وعودة للجذور ومواجهة للذات مع نفسها والتقاء بجوهرها الانساني الذي تاهت عنه لسنوات طويلة ، انها رحلة علاج من التشوهات التي اصابته بها مرحلة الانخراط في جيوش الاحتلال والعمل تحت اوامر الاسياد الاجانب في الحرب والسلم بما يتناقض احيانا مع قناعاته وحسه الوطني ، بسبب الخوف او بسبب الطمع والاستجابة لاغراض دنيوية صغيرة. في الصحراء يتحقق الالتقاء بين عثمان الحبشي القديم ، وبين عثمان الحبشي الجديد ، الذي بدا يتواصل مع جذوره وتاريخ اهله ويعيد شحن ذاته بتراث اهله واجداده بما في ذلك الاتصال بذلك الطابع الصوفي الذي ميز الحياة في الصحراء .

اوجه عثمان الحبشي
عثمان الحبشي تعبير اذن عما حدث للذات الليبية التي ترتبط بجذورها الصحراوية وتحاول ان تتواصل مع الحداثة ، وتحمل داخلها وفي عمقها ، الزماني والمكاني ، الارض والتاريخ ، تلك الرقائق الحضارية التي صنعت تراثها ( الاساطير ، ووطقوس اللاهوت الصوفي الصحراوي اذا جازت التسمية ) كما تحمل في طبيعتها النارية تمردا وفحولة ومجابهة للبيئة القاسية وظروف الحياة الشاقة ، وثورات متواصلة ضد موجات الغزو الاجنبيى ، وبطولة نادرة في المحافظة على جوهر الحرية الذي يمثل جوهر العيش والبقاء بالنسبة لابن الصحراء ، وهي فصول عاشها عثمان الحبشي نضالا وتحررا واستشهادا ، دون ان تكون الرواية رواية صحراء حقا ، ما عدا في جزء منها ، لا يزيد عن ثلاث روايات مكرسة تكريسا كاملا للصحراء ،وهي هنا صحراء عربية بتراثها العربي ، وليس كما في روايات كتاب اخرين ، صحراء افريقية اوطاريقية مسلوخة ومعزولة عن الثقافة العربية ، فسيرة اهل الصحراء هي السيرة الهلالية وابطالهم هنا هم ابطال العرب بدءا من عنترة العبسي الى غومة المحمودي البطل الاسطوري الليبي الذي تحتفى الرواية في جزئها الصحراوي بتاريخه ، اما بقية اجزاء الرواية ، التي تنقل بالتالي اجزاء من حياة عثمان الحبشي ، فهي متوزعة على مختلف البيئات والبلدان في حالة اشتباك مع اوطان وثقافات ومجتمعات غير ليبيا فهي في الحبشة وادغالها في العمق الافريقي، هي في الحرب العالمية واطرافها من عرب ليبيين وعرب مصريين والمان وبريطانيين ، ومسرحها طبعا في الصحراء الغربية بجانبها الليبي والمصري ومشاركة من جنود مجلوبين من قارات العالم الخمس ، ثم هي في النضال ضد الفرنسيين الذي يتوحد فيه الليبيون مع الجزائريين مع التونسيين وتجسيد هذه اللحمة التي ربطت بين الشعوب الثلاثة ، كما ظهرت في الرواية شخصيات كثيرة ،اجنبية اوروبية ، اغلبها ايطالية في العهد الفاشي دون ان تكون كلها شخصيات فاشية ، ثم شخصيات كثيرة نسائية محورية مثل ثريا وحورية من طرابلس وفرانشيسكا الايطالية وسارة اليهودية وميرانا الهندية البريطانية ، حيث تتوهج لحظات الحب في هذه الرواية حتى لتصبح في بعض اجزائها روايات حب وجنس بامتياز ، وفي بعضها روايات تصور الحرب والصراع والسياسة على المستوى الوطني والعربي والدولي ، دون ان تتحول في أي جزء من اجزائها الى رواية اطروحة سياسية ، انها باختصار رواية الحياة ، والبحث عن جوهرها ومحاولة الوصول الى وضع خريطة لروح الانسان من خلال المكابدات التي يعيشها ابطالها وفي مقدمتهم بطل الرواية عثمان الحبشي باوجهه المتعددة والمتقاطعة والمتوازية والمتداخلة ، يقدم من خلالها الكاتب طوبوغرافيا الذات والوجود والوعي ويصوغ في النهاية ذاتا مستقلة بنفسها ، قابضة على مصيرها ، تسوقها ارادة قوية للخروج من دوائر الرمل وصحراء المتاهة وصولا الى الحب والعقل والسلام ، ونلتقي به شخصية في الفن اكبر واكثر حضورا من اية شخصية في الحياة كما هو الحال مع ابطال السرديات الكبرى واعمال الابداع التي عاشت عبرالتاريخ.

الاوديسة الليبية
كما صاغ هوميروس التاريخ البطولي الملحمي لليونان ، كتب الفقيه هذه الملحمة المستمدة من التاريخ الليبي الحديث ، لتتواشج وتتكامل مع تلك الملحمة التاريخية وغيرها من ملاحم عرفها تاريخ الادب تتحدث عن رحلة الشعوب عبر دورب الحب والحرب والكفاح والسلام والهدم والبناء والغزو والاحتلال ، كما في خرائط الروح التي كتبها الفقيه متشابكا ومتقاطعا مع تاريخ المنطقة العربية ، واقدارها من خلال الاستعراص المكاني والتطور الدرامي وفضاءات االعالم الروائي ومناخاته، بادئا بالصحراء وعائدا اليها ومنتقلا منها الى رحلات في العمق الافريقي وداخل الغابة ، واخرى عبر متاهة البحر ، وثالثة في خضم الحرب الليبية الايطالية والحرب الايطالية الحبشية وصولا الى الحرب العالمية الثانية باطرافها المتعددة واماكنها المتوزعة على رقعة الصحراء الغربية والشمال الافريقي والشاطيء الجنوبي للبحر الابيض المتوسط ، واذا كانت الدراما في الملحمة الاغريقية تصنعها الالهة التي تديرالعالم من جبال الاوليمب ، فان للملحمة الروائية الجديدة الهة ممسوخة تعبث باقدار البشر من امثال هتلر وموسيليني وتشرشل وجرسياني وبادوليو وغير هؤلاء من ضباط يديرون الصراع على ارض المعارك كما كان الحال مع رومل ومونتوجمري ، دون ان ننسى آخرين يديرون الصراع السياسي كحكام محلييين امثال بلاكلي وكلايتون وبالبو، كل ذلك في خطوط تتوازى وتتقاطع مع جوانب اجتماعية واقتصادية و عاطفية وجمالية وابعاد انسانية فوق قماشة عريضة ثرية بالوانها التراثية وتنوع العادات والتقاليد والعقائد والمواريث التي تحفل بها البيئة الليبية وما فيها من تباين بين مناطق الجبل والصحراء والساحل والواحة والمدينة ، زاخرة باساطيرها وفنونها ورؤاها الاجتماعية ومستويات المعيشة ووسائل الانتاج واساليب التعبير ومفردات الحياة اليومية مع ما تضيفه الاثنيات الكثيرة التي كانت تعيش مع الليبيين من ايطالييين ويونانييين ومالطييين وارمن وعائلات ذات جذور تركية، من لون ونكهة وما يحصل بينها وبين محيطها الليبي من تداخل وتمازج ، دون ان يفقد البناء القصصي في الرواية تصاعده ، او يتوه بالقاري ويضيع به بين تفاصيل الاحداث التاريخية التي تزخر بها المرحلة ، وانما تبقى جميعها مسخرة لخدمة البناء الدرامي القصصي وتعميقه واضافة زخم وقوة ودفع لتصاعده واضطراده ، ليشد القاريء الذي يقرأ هذه الرواية الطويلة مستعجلا على تقليب صفحاتها في سباق مع احداثها واستمتاع بلغتها السردية المتدفقة ذات النفس الشعري الذي يضيف حركة الى حركة الاحداث ولا يشكل عبئا عليها بل ايقاع سريع ، كنبض القلب لهذا العمل الملحمي الذي يشكل سجلا جماليا للتاريخ الليبي المعاصر، دون ان يكون عملا تاريخيا ، فالتاريخ هو الخلفية لعالم الرواية التي يبقى موضوعها الجوهري كما يشير اليه العنوان هو الروح وتتبع الخرائط التي تسلكها .

بالبو وحورية
جدلية الحياة تحت الاحتلال
التاريخ في الرواية ، كما يعلم القاريء يختلف تماما عن ذلك الذي نقرأه في كتب التاريخ ، وايتالو بالبو مرشال الفضاء الذي ارسله موسيليني ليكون حاكما في ليبيا خلال عقد الثلاثينيات ، له هنا وجه انساني ، رغم هويته الفاشية الاستعمارية ، لا يستطيع ان يرسمه الا عمل سردي روائي ، يهتم بالجانب الاخر له كانسان عاشق ، يحب فتاة ليبية هي حورية ، التي كانت عونه في طموحة لان يستقل بليبيا عن ايطاليا، خاصة بعد ان انضمت ايطاليا الى المانيا في الحرب العالمية ، وهي شراكة كان يعارضها ، وحاول تخريبها من خلال القيام بشيء يشبه ما عمله الجنرال ديجول وهو ينشىء خارج فرنسا وفي معارضة لحكومة فيشى دولة فرنسا الحرة ، هذا الحاكم الذي مات قتيلا بما اسموه نيرانا صديقة ، في ذلك الوقت ، اتضح فيما بعد ان رمي طائرته بقنابل المدافع الايطالية لم يكن خطأ وانما باوامر من موسيليني الذي تسربت اليه عن طريق مخابراته وعن طريق الجوستابو مخابرات حليفه هتلر بعض نوايا هذا الحاكم الذي تقدمه الرواية منذ البداية حاكما مختلفا عن سابقيه الدموييين واشهرهم جزار ليبيا جرسياني ، فقد جاء بسياسة الاستيعاب بدل سياسة الانهاء والاقصاء لسابقيه ، لتظهر شخصيته على المستوى الروائي شخصية شديدة التركيب والتعقيد ، يختلط فيها الضوء بالظل والشر بالخير والحب بالحقد والكراهية ، وتؤمن به حورية ، عشيقته الليبية ، الى حد ان تدفع حياتها ثمنا لهذا العشق . ولكن ليست قصة بالبو ومصرعه او دراما حياته وموته هو الهدف ولكن الهدف هو تقديم الايات السلطة وابنيتها من خلال هذا الحاكم وحكام اخرين قبله وبعده باعتبار ما تعنية بنية السلطة في الحياة امس والوم وغدا من تاثير على المسيرة البشرية ، فالرواية معنية بهذه القضية التي اولتها في كل اجزائها اعتبارا خاصا في تفاعل واشتباك مع بنية النص نفسه حتى لتصبخ جزءا منه . الحاكم الاستعماري ليس دائما كثلة من الشر ، كما ان البطل الاسطوري ، الذي يمثل النضال من اجل الحرية مثل شيخ الشهداء عمر المختار ليس دائما كتلة من النور، فهناك من نراه يصرخ فوق صفحات الرواية من بؤساء الليبيين باعتباره ضحية لهذا البطل الاسطورى ، وهكذا نجد الكاتب يقلب كل الاحجار ، ويناقش كل المسلمات ولا يرضى بسرد ما هو معروف وثابت تاريخيا ، وانما يبحث في التاريخ نفسه عما اهمله التاريخ ليقوم بتسجيل المسكوت عنه في تفاصيلة الانسانية والجمالية التي لا نلتقى بها الا في مثل هذا العمل الملحمي السردي الذي يقف شامخا يوازي اعظم ما انتجته عبقرية الخيال عند الادباء قديما وحديثا

اليهود الليبيون
لا ادري ان كانت هناك اعمال قصصية او روائية ليبية تناولت العنصر اليهودي في ليبيا كما عمل ادباء اخرون في مصروتونس والمغرب والعراق والشام وغيرها ، لان هذه الرواية الاثنى عشرية بالنسبة لي هي اول عمل روائي ياتي من ليبيا ويشكل فيه الحضور اليهودي احد مفردات الواقع الليبي الحديث ، خاصة في الفترة التي تتحدث عنها الرواية وهي الثلاثينيات والاربعينيات والى منتصف الخمسينيات حيت كان اليهود يمثلون ملمحا بارزا من ملامح الحياة الشعبية في مدن وقرى ليبيا ، ويظهر الفقيه في خرائط الروح حراكهم الاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، ودورهم كطائفة مهمومة بالهم الليبي ، وتداخلهم مع المجتمع الليبي دون تعرض للتمييز او الاضطهاد ، وبمثل ماهناك شخصيات تمثل شخصية الجيتو اليهودي المنعزلة فان هناك شخصيات في الرواية ذات افق مفتوح على المجتمع والحياة الحديثه مثل سارة التي تعتنق بجوار اليهودية الديانتين الاسلامية والمسيحية ، وبنجامين ركاح الذي كان اول من جلب مطبعة الى طرابلس ، وغيرهما من شخصيات تدل على روح التسامح التي كانت تسود بين الاعراق والاديان في ليبيا ومدى تسامح واريحية الشعب الليبي عندما كان يعيش بعيدا عن التأثيرات السلبية التي انتجتها مضاعفات الصراع العربي الصهيوني واحتلال فلسطين .
السياسة ليست بعيدة عن خرائط الروح ، ولكنها بجرعات محسوبة ، باعتبارها جزءا من حقائق الحياة ، وعاملا من عوامل تكوين وصياغة المجتمعات ، عدا ذلك فان خرائط الروح هي رواية علاقات انسانية ، تقدم بانورما عريضة ، زاخرة بالايحاءات والصوروالاحداث والنماذج البشرية ، تتشابك فيها مصائر الناس وتتداخل فيها ثقافيا وحضاريا وانسانيا الى حد تضيع معه العوالم التي استمد منها الكاتب مادته ، لتصنع عوالم جديدة هي الحياة في صيرورتها الكبرى نلتقى بها ونتفاعل معها ونجد فيها صورتنا مهما تباعدت المسافات بيننا وبين البلاد التي استوحي منها الكاتب كتابه ، ليبيا الحديثه ، لان خرائط الروح ، هي بجدارة وقوة واقتدار ملحمة انسان العصر الحديث اينما كان من هذا العالم الذي نعيشه ، وخطوة متقدمة على طريق المنجز الروائي العربي ، لا ابالغ اذا قلت انها تشكل تدشينا لعصر جديد في الرواية العربية.

* كاتب مصري
_________________________________________________________

تحمل الرواية الاثنى عشرية خرائط الروح العناوين الفرعية التالية وهي: خبز المدينة – افراح آثمة – عارية تركض الروح – غبرة المسك –زغاريد لاعراس الموت – ذئاب ترقص في الغابة – العودة الى مدن الرمل - دوائر الحب المغلقة – الخروج الى المتاهة – هكذا غنت الجنيات - قلت وداعا للريح – نار في الصحراء (هي نشر مشترك بين دار الخيال اللبنانية ، ودار الفرجاني الليبية) .
وارجو في رسائل لاحقة الى هذا الموقع ان اقدم تلخيصا للاجزاء الاثنا عشر لهذه الملحمة الروائية لعلها تكون تحفيزا وتشجيعا على مطالعتها كاملة انشاء الله ولعل هذه المواضيع التي ساقدمها خلال شهر رمضان تحمل المتعة والفائدة لقراء هذا الموقع الكرام فتهنئة لهم جميعا بحول الشهر الصيام وافضل اشهر العام ، اعاده الله على البشرية جمعاء بالخير واليمن والهناء والسلام انه سميع مجيب.

محمد غريب


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home