Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
صحيفة "الوقت" البحرينية
Friday, 13 July, 2007

 

باحث ومفكر إسلامي مقيم في بريطانيا في حوار مع « الوقت » ( 2 من 2 )

عبدالحكيم الفيتوري : أسلمة عقل المتلقي قبل أسلمة المعرفة

الوقت - نادر المتروك:
ثمة منْ يذهب إلى أن مدارس المقاصديّة تعاني من ما يُشبه أزمة الهويّة المعرفيّة، وذلك لجهة عدم الوضوح في العناوين التفصيلية للمقاصد وضعف العمل العقلاني في أدبياتها. وهذا الرأي يذهب أيضاً إلى أن منهج ‘’إسلامية المعرفة’’ يكاد يفقد بريقه، وهو غير قادر على المواصلة المعرفيّة لأنه يفقد الأرضيّة المتينة التي يقوم عليها، حيث يستند إلى إجرائية شبه تلفيقية تعتمد على تبيئة الأفكار والمفاهيم فقط، كما أنه منهج إلغائي لأنه ينظر إلى الفكر الآخر نظرة تخطيئيّة دوماً. حول إشكالية الفكر المقاصدي وقضايا الإصلاح الدّيني والوجود المسلم في الغرب؛ يتحدّث الباحث في الفكر المقاصدي عبد الحكيم الفيتوري، محللاً أبعاد الإشكالية التي يعاني منها من ناحية التأسيس والسياق التاريخي، ومن حيث قدرته على تقديم مشروع فكري بديل. في السياق نفسه، يتحدث الفيتوري حول رؤيته للإصلاح الديني خارج سلطان المؤسسة الدينية التقليدية، مثمّناً جهود طارق رمضان وخالد أبو الفضل باعتبارها محاولات لتخليص المسلمين من التقليدية والتأثير الإيجابي في المتلقي الغربي والمسلم على السواء.

• ما هي تعليقاتكم على الانتقادات التي توجّه إلى المدارس المقاصدية المعاصرة؟
• أحسب أن إشكالية الفكر المقاصدي المعاصر مردّه إلى قضيتن، الأولى: ضبابية فهم السياق التاريخي لمرحلة تأسيس فن المقاصد. الثانية: تقديمه كمشروع فكري وليس حلاً للمشكل الاجتماعي والسياسي. مما جعله مقلداً بزاوية أخرى في القواعد والاجتهادات والأمثال، سواء كان ذلك التقليد للإمام الشاطبي أو غيره من أئمة المقاصد في التاريخ.

• اسمح أن نبدأ بالإشكالية الأولى وهي ضبابية فهم السياق التاريخي لمرحلة تأسيس فن المقاصد، كيف تعالجونها؟
• لا يخفى أن تجربة الفقيه السّياسية قد انتهت به، منذ وقت مبكر، إلى القول بشرعية المتغلّب على أن يكون مستبدا/عادلاً، إلا أنّ ظروف الانحطاط في القرن السادس، وتراكم أسبابه وتزاحم مظاهره سترغمه أن يعدّل من موقفه، وتضطره مرة أخرى إلى الفصل بين ذلك الوصف التركيبي الغريب الجامع بين الاستبداد والعدل، حيث أصبح الإلحاح على ذلك الوصف في عصور الانحطاط ضرباً من الخيال، وطمعا في محال، مادام الهدف الذي صار يطمح إليه الجميعُ ينحصر في مجرّد التوفّر على رجل السّلطة (المستبد) القادر على حفظ البيضة ومواجهة المخاطر العسكريّة المتلاحقة، داخلياً وخارجياً. أما العدل؛ فإنّ ظروف الانحطاط والتراجع لم تعد تسمح بالحديث عنه بوصفه قاعدة سلوكية أو شرطاً لا يتخلّف في الممارسة السياسية. وبذلك انتقلت الشرعية، وانتقل معها ولاءُ الفقيه من ولاءٍ (للخليفة) إلى ولاءٍ للسلطان (المتغلب)، المُظهِر للطاعة، ثم إلى ولاءٍ (للمستبد/العادل)، فولاءٌ للمستبدّ بإطلاق! وهو ما يعني على صعيد القيم؛ الانتقال من الولاء للعدل المطلق إلى الولاء للاستبداد المطلق! وبذلك يكون السّيف قد أثبت أولويته على القلم طيلة زمن الانحطاط ، ولا شك أنه كان لا بد لهذا الوضع أن يترك أثره المباشر على الحياة الفكريّة والمعرفية، وذلك من خلال إعادة ترتيب العلوم والمعارف بما يناسب هذا الوضع الذي أناخ الانحطاط بكلكله وبكلّ أبعاده السياسية والفكرية. المطلوب في مثل هذه الظروف أن تكون الثقافة في خدمة الدفاع وردّ الخارجي الذي بات يهدّد المقصدين الأولين من المقاصد الضرورية، أي الدين، والنفس.

استعادة الذاكرة وتقديس السّلف

• لنتحدّث عن الأثر الدّاخلي لهذه الثقافة الجديدة، ما الذي نتجَ عن غلبة السّيف على القلم؟
• على المستوى الداخلي؛ فإنّ أوضاع الصّراعات والتنازعات على السّلطة قد جعلت من النظام العسكري القائم على مجرّد القوة والسيف - كما يقول ابن جماعة - ‘’أكثر الأنظمة ملائمة’’، وأوجبت أن تتراجع الثقافة أمام أولوية الدفاع الموكول عادةً إلى رجل السيف. وهو الأمر الذي ما كان ليمرّ دون أن يترك بصماته على هذه الثقافة أو المعارف السّائدة في عصر الانحطاط. كما نلحظ طابع ذلك في انفصام هذه العلوم بفعل العامل السّياسي، ولأسباب اجتماعية واقتصادية أخرى؛ تشكو أكثر من أي وقت مضى من ابتعادٍ عن الواقع المعاش، حتى ضاقت العلاقة بين (أبواب الفقه) وبين الواقع المعاش إلى درجة التقلّص، فصارت لا تتجلى بوضوح إلا في نظام الأحوال الشخصية والعبادات والمواريث، وهي مجالاتٌ أقرب ما تكون إلى الحياة الفردية منها إلى الحياة الاجتماعية والسياسية. واعتباراً لهذا التخلف، فقد تولّد عن ذلك شعورٌ بخوفٍ دفين على الذات تجلّى على المستوى المعرفي (والعلمي) في ذلك النشاط الفقهي الرّامي إلى الحفاظ على الذات واستعادة الذاكرة الثقافيّة والمتمثل في تقديس تراث السّلف وتحديد معالم، وتحريم الخروج عليه، وإعلان إغلاق باب الاجتهاد بقصد تثبت صورة أولئك السّلف! ولعلّ حصْر الاهتمام بهذا الشكل في العبادات والأحوال الشخصية هو الذي يفسّر من جهةٍ أخرى؛ إجماع فقهاء العصْر على تحريم الخروج على الإمام الجائر.

• ما الذي نستخلصه من هذه الملامح العامة التي طبعت المعارف الرسمية المتداولة في عصر الانحطاط وما تولّد عنها من ممارسات سياسية واضطراب مجتمعي وفكري؟
• ما نودّ الإشارة إليه من خلال هذا السّرد التاريخي؛ هو أنّ ضغوط عصر الانحطاط قد حملت فقهاءه أكثر من أيّ وقتٍ مضى على إبداء نشاطٍ تأويليّ زائد، اعتباراً لما تتطلبه ظروفُ العصر العصبيّة من ابتكار مختلف لوسائل التكيّف مع (المحظورات) وإيجاد تبريراتها (الشرعيّة)، والتي تستهدف في النهاية خدمة رجل السّيف. وقد جاء ذلك على لسان ابن جماعة (733) حيث قال: ‘’.. فإن خلا الوقت عن إمام عادل مستحق للإمامة، فتصدّى لها منْ هو ليس من أهلها وقهرَ الناس بشوكته وجنوده بغير بيعةٍ أو استخلاف؛ انعقدت بيعته ولزمت طاعته لينتظم شمل المسلمين وتجمع كلمتهم. ولا يقدح في ذلك كونه جاهلاً أو فاسقاً في الأصح، إذا انعقدت الإمامة هكذا بالشوكة والغلبة لواحد، ثم قام أخر فقهر الأول بشوكته وجنوده انعزلَ الأول وصار الثاني إماماً لما قدمناه من مصلحة المسلمين وجمع كلمتهم’’.

علم المقاصد والمشكل السياسي

• ننتقل إلى البعد الآخر الذي طرحته وهو ‘’عدم تقديم فن المقاصد كحل للمشكل الاجتماعي والسياسي’’.
• كلّ ما ذكرته يمهّد تمهيداً أساسياً نحو الحديث عن مفهوم مقاصد الشريعة عند أبي اسحاق الشاطبي، واعتبارا للعلاقة الجدلية بين هذا المفهوم الأخير وبين مفهوم قواعد الأحكام كما تجلّت في كتاب ابن عبدالسلام، بل إن حديث هذا الأخير وقبله الإمام الغزالي عن مفهوم المصلحة ومحاولتهما ضبط قواعدها العامة؛ يعدّ من جهة أخرى مجرد استمرار على نفس الدرب الذي شق طريقه بوضوح إمام الحرمين قبلهما، وقد تغذّيا كثيراً على كتاباته. بل إنّ تلمّس ابن رشد الحفيد نفسه لأسباب الخلاف، ومحاولته التقعيد والبحث عن المعقول، والمقصد من التشريع، لا يخرج عن نفس النهج، في تبيين العلاقة بين المصالح والمقاصد القطعية، وتوظيف هذه المفاهيم الشرعية توظيفاً سياسياً واجتماعياً، خاصة لأجل اقتراح حلولٍ لأزمة الانحطاط. ليس هناك إذن صعوبة في إدراك نوع من الاستمرارية بين الأصوليين خاصة مذ عصر الجويني حتى عصر الشاطبي، إلا أن ازدياد تأزّم الظروف السياسية والمجتمعية في القرن الثامن للهجرة عمّق من حدّة الثقة برجل السلطة السياسية، خاصة بعد توالي تراجعه أمام العدو الخارجي في المشرق والمغرب، علاوة على تراجع نفوذه السياسي على المستوى الداخلي، الأمر الذي سيدفع الجمهور من الناس إلى تحويل ولائهم وثقتهم من الموقعين عن السلاطين، إلى حاملي علم النبوة والموقعين عن رب العالمين، باعتبارها سلطة علمية منقذة من الهوة السياسية والمجتمعية على المستويين الداخلي والخارجي.

• وكيف تحرّكت وتطوّرت العلاقة بين المقاصد والأزمة السّياسية؟
• برزت العلاقة المتينة بين الوعي بمفهوم المقاصد ووظيفيته، وبين مشكل الممارسة السياسية والانقاذ الحضاري؛ بفضل ما تتميّز به المقاصد من طابع المعقولية واليقين والكلية، وإمكانية تقديمه كحلٍّ لمشكلة البُدع وأزمة الانحطاط، وكوسيلةٍ ناجعة في التكيّف مع الظروف. لذلك ينبغي تقديم مشروع فن مقاصد الشريعة وإبرازه كمفهوم قائم بذاته ومهيمن على باقي العلوم الشرعية بأمرين اثنين: تميّزه بقواطع أدلته، وبتجاوزه للخلاف واستقلاله عن المذاهب الفقهية الفروعية، بل وعن أصول الفقه الظنية نفسها. وكذلك ربط مفهوم مقاصد الشريعة بالمشكل السياسي والاجتماعي، وإناطة مهمة الإنقاذ السّياسي والاجتماعي به.

• وفي هذا السّياق، ما الذي يتطلبه مشروع إسلامية المعرفة؟
• إنّ مشروع إسلامية المعرفة ينبغي أن تسبقه عملية ‘’أسلمة عقل المتلقي’’ لهذه المعرفة، والدّفع به إلى الإحساس بأنّ ثمة مشكلاً سياسياً واجتماعياً في الواقع المعاش، مما يترتّب عليه ضرورة النهوض وتغييره وفق فن المقاصد المتجدّد والكلي والقطعي الذي لا ينتمي لمذهبٍ ولا لمدرسةٍ ولا لحقبةٍ تاريخية معينة، وإنما للكلي القرآني وبعقل مقاصدي يتجادل مع الواقع الاجتماعي والسياسي ليغيّره، لا ليضفي عليه قداسة أو يجامله. فكما أن الفكر المقاصدي المتجدّد يُجدّد الواقع، فإن الواقع المتغيّر يؤثر في فكره نحو تجدُّد مستمر وفق قيم الوحي. ومن ثم فإن التكلّس على فكرةٍ، أو موقف، وإقصاء وتهميش المخالفين في الفكر؛ ليس له سبيل إلى الفكر المقاصدي التجديدي، وإنما سبيله إلى الفكر التقليدي.

الإصلاح الديني وسلطان المؤسسة الدينية

• مع اتساع أنماط المفكرين الإسلاميين الأكاديميين والنشطاء في التبليغ والتنظير الفكري الإسلامي ممنْ لا ينتمون إلى المؤسسة الدينية؛ هل يمكن إنجاز إصلاح ديني من خارج المؤسسة الدينية، وعلى يد مفكرين ومثقفين لا ينتمون رسمياً إلى مؤسسة رجال الدين؟
• الملاحظ في العقود الأخيرة أنه حصل نوع من التراجع لسلطان المؤسسة الدينية التقليدية على عامة الجمهور، خاصة في جوانب القضايا المستجدة في الفكر والاقتصاد والسياسة، وانحصر تأثيرها في قضايا الأحوال الشخصية والفتوى التقليدية. ولا شك أن هذه الملاحظة تشير إلى أن ثمة فرصة لعملية التأثير الإيجابي في الواقع والمواقع من قبل ذوي الفكر والقلم الحر، خاصة إذا فُتحت لهم كوّة في مجالات التأثير المباشر في الجمهور كالإعلام والصحافة والمنابر الأكاديمية. كذلك علينا أن نأخذ في الاعتبار أن عملية إجراء إصلاح فكري على مناهج دينية ووسائل تقليدية وعقول قد تكلّست منذ قرون بعيدة ليس بالأمر الهيّن، مما يتطلب الصّبر والروّية لأن تطوير أيّ جانب من الجوانب المتصلة بعقل الإنسان وإصلاح مناهجه يعدّ أمراً بالغ الأهمية؛ ولأن النجاح فيه قد يكون بعيد الأثر إذ يدفع بالأمة من القاع إلى القمة. وليس لنا أن ننسى أن ذلك من وجه آخر لا يتم إلا ببطء شديد، فهو يحتاج إلى صبر لا يقبل النفاد، وإلى عناية فائقة، لكن لا توجد خيارات ولا بدائل عن النهوض بالإنسان خاصة في جانب فكره وتفكيره إلا هذا، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومن هنا يمكن القول: إذا ما أردنا السّير في سلم الرّيادة والقيادة بين الأمم، فإن علينا أن نشجّع كلّ ما يؤدي إلى الثراء الذاتي، وذلك من خلال تشغيل أجهزتنا الفكرية والنفسية والجسمية.

«يفقه الجاليات المسلمة» في الغرب

• كيف تقاربون مجموع الأفكار ‘التجديدية’ التي تطرحها النخبة المسلمة في أوربا بغرض إحداث معايشة هادئة، وسليمة مع الوسط الأوروبي، وفي الوقت ذاته تقديم إسلام ‘عصريّ’؟
• المشكلة أن قضية تواجد المسلمين في الغرب الأقصى أو الأدنى يُنظر إليها من خلال عقلين، عقل سلفي تقليدي، وعقل مقاصدي. فالعقل السلفي القياسي بنى نظرته على أساس فتاوى الأسلاف التي بُنيت على أحكام الضرورات والاسثئناء قياساً على أحكام قافلة عابرة لأرض المخالفين. أما العقل المقاصدي التجديدي فأعادَ النظر في مسألة توطين المسلمين والإسلام في الغرب عبر الكليات المقاصدية للوحي متجاوزاً الرؤية التاريخية التقليدية في تقسيم الدّيار وعلاقة الحرب والصراع مع المخالف؛ إلى رؤيةٍ جديدةٍ تخدم عملية توطين الإسلام باعتباره مكوّناً من مكوّنات الاجتماع السياسي في الغرب، وهذا يستلزم مزيداً من البحث العلمي العميق والاجتهادات العملية الجريئة، حتى تؤدي الجالية دورها المنوط بها بفاعلية وتأثير. وبالضرورة المقاصدية؛ لا يمكن أن يُبنى فقه الجالية في الغرب خاصة في المعاملات (العادات) على الأخذ بالعزائم وأقوال الجمهور، ولكن باعتبار الأصلح والأرجح، والتمييز بين الأحكام المنوطة بالأمراء والعلماء، وبين أحكام العبادات والمعاملات، وهذا التفريق الوظيفي في توزيع المهام والأدوار يساعد بصورةٍ أو بأخرى في عملية طرح قيم الإسلام كقيم عالمية وليست خاصة بالمسلمين فقط، كذلك يُسهم في عملية اندماج المسلمين مع مجتمعاتهم الجديدة وبهويتهم. وأحسب أن الأخوين طارق رمضان وخالد أبو الفضل ينتهجان هذه الرؤية الأخيرة بغية إخراج قيم الإسلام من الطرح التقليدي، وإحداث عملية التأثير الإيجابي في عقل المتلقي الغربي والمسلم.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home