Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
صحيفة "الوقت" البحرينية
Friday, 6 July, 2007

 

باحث ومفكر إسلامي مقيم في بريطانيا في حوار مع « الوقت » ( 1 من 2 )

عبدالحكيم الفيتوري : العقل السّلفي المعاصر سبب رئيس في انتشار التطرّف

• هيمنة المدني - في إطار العمل الاجتماعي، والحزبي خاصة- أفضى إلى انكسارات مفاهيمية عديدة آلمت القوّة الحضارية للدّين، على حساب الخارج المدني. كيف تقاربون هذه الإشكالية وتفاعلها من منظوركم الإسلامي الحضاري؟
- أحسب أن الإشكال يكمن ليس في الديني والمدني بقدر ما هو مشكل منهجي مرده إلى عقل المتلقي لخطاب الوحي المقدس؛ حيث لم يمايز بين الخطاب المتعالي والخطاب البشري، ناهيك أن يُمايزَ بين مستويات الخطاب المقدّس المتعالي كالآيات المعياريّة من غيرها، والآيات الإنشائية من الأخبارية، والآيات الاعتقاديّة من الآيات القصصية. كلّ ذلك جعَل عقل المتلقي يضيف إلى الوحي الكثير مما ليس منه، ويُضفي على تجارب واجتهادات السّلف من خصائص الوحي الإلهي، وبذلك وسّع دائرة الدّيني وضيّق دائرة التعاطي مع المدني، والأصل أن يكون الدّيني في دائرة الآيات المعياريّة في الاعتقاد والعبادات والأخلاق(أي الواجب)، أما ما دون ذلك فهو في دائرة المدني بكلّ معانيه من حيث المفاهيم البشرية.

عوائق تطبيق الشريعة الإسلامية

• انطلاقاً من إشكالية الدّيني والمدني والمعالجة التي تقدّمونها في هذا الشأن؛ كيف تقاربون مقولة ‘تطبيق الشريعة الإسلامية’ في الوقت الحاضر؟ هل هو شعار مبدئي يرفعه الإسلاميون (أو جانب منهم) من أجل استحضار الهويّة لا أكثر، وأنه لا يعني بالضرورة العمل الفعلي، ولا الإرادة الحقيقية، لأجل تنفيذه والعمل عليه؟
- من مسلمات الإيمان أن نؤمن بأن الإسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، وهو الحلّ الشافي والمنقذ للبشرية في كلّ زمان ومكان، وهذا القدر لا مجال لمناقشته البتة، بل مناقشة شعار يرفع في أقطار شتى من الأرض منذ سقوط الدولة العثمانية، حيث أريد به تطبيق الإسلام وتحكيمه وتجييش الأمة خلفه، ولا يُخفى أنّ هذه أهداف سامية وجليلة، ولكن الإشكال أنّ هذا الشعار رُفع بمعزل عن الفهم الصّحيح لمعانيه، وبدون وعي كامل لأبعاده وتصوّر مكتمل لمرحليّته، ولا امتلاك لوسائل تحقيقه، ناهيك عن القدرة على تنفيذه كمشروع عملي لإخراج الأمة من أزماتها المتنوعة والمتعددة! فصارَ هذا الشعار في الواقع كالدواء الذي يُصرف بمعزل عن إرشادات الطبيب المختص فاُستخدم بطريقةٍ خاطئة فكانت نتائجه سلبية على المريض، وانقلبَ الدواء إلى داء، والمشكلة آنذاك ليست في تناول الدّواء، بل في طريقة استعماله والتعاطي معه!

• أفهم من كلامك أنّ شعار تطبيق الشريعة أو الإسلام هو الحل.. أصابه تشويه كثير، فما هي المداخل التي تسبّبت في ذلك؟
- الإسلام كقيم ومبادئ هو دواء ناجع لكلّ ما تعانيه الأمم من ظلم وتخلف وقهر واستبداد، فهو يحمل في طيّاته قيم التوحيد، والعدل، والمساواة، ويمنح حقّ الحريات، ويحفظ الكرامة الإنسانية، ويصون المثل الحضارية.. إلا أن شعار (الإسلام هو الحل) قد أُلصقت به شوائب شتى مما جعله جزء من الداء وليس عين الدواء، وطرفاً في المشكلة وليس حلاً لها كما تصوّره رافعوه، ومردّ هذه الشوائب الخطيرة جملة من المفاهيم المغلوطة التي أحاطت به، منها؛ عدم تحرير نصوص الإسلام من الفهم التاريخي، وفصل القيم عن الذات، وكلام الشارع عن الشارح، وقيم الدين عن أشكال التدين. لذلك فإن عقل رافعي شعار (تطبيق الشريعة) قد أصيب بعجز عن القدرة التي تأهّله للتمييز بين المقدّس والبشري، وبين الدّيني والمدني، وبين الواجب والمباح، وبين الشكل والمضمون، بالتالي كان هذا الخلط والالتباس بين الدّين وأشكال التديّن، وبين القيم والذات، وبين البشري والمقدّس، وبين المطلق والمقيّد عند رافعي هذا الشعار.

• وكيف يمكن معالجة هذا الوضع الإشكالي في رأيك؟
- المدخل لمعالجة هذا المشكل المنهجي لابدّ فيه من الاعتماد على قاعدةٍ هامة مفادها أنّ تحمّل الشريعة يدور على منهجين لا غنى لأحدهما عن الآخر. وهما منهجُ فهم النص، ومنهج تطبيقه. فمنهجُ الفهم يقوم على الاستكشاف والتجريد والتعميم، وأما منهج التطبيق فهو يهدف إلى إجراء الأحكام المجرّدة على واقع المستجدات والأوضاع بملابسات وعوامل المتغيّر الذي لا ينضبط بالمنطق المجرّد الثابت، وكلّ ذلك جارٍ وفق ضوابط عملية معروفة عند أهل الأصول والمقاصد من تخريج، وتنقيح، وتحقيق المناط. وبهذه الإجراءات المنهجية تتم عملية التمييز بين (إسلام النصّ وإسلام التاريخ). فإسلام النصّ هو ما قاله وقرّره سبحانه في كتابه (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله)، وطاعة الرسول كما لا يخفى تتمثل بالالتزام بسنته (ص) خاصة التشريعية منها. فهذا إسلام النص، والقدر المقدّس الذي له مطلق الزمان والمكان، والذي له قوة الإلزام، وما عدا ذلك فهو نسبي بشري مقيّد لا يتمتع بهذه الخاصية وإنْ جاورَ النصّ في التاريخ والتصنيف، ومحاضن العلم والتعليم، فلكلّ شيء قدر.

التمييز بين إسلام النصّ وإسلام التاريخ

• ما هي النتائج المترتبة على هذا التمييز مما يمكن أن يكون له ثماره العملية؟
- لا يخفى أن عملية التمييز بين إسلام النصّ وإسلام التاريخ تتبعها العملية التالية؛ وهو فرز القدْر الواجب واللازم من مساحات المباح، ووضع الضوابط والحدود الحاسمة والواضحة لكلّ دائرة منهما؛ الواجب والمباح، وهذه العملية تعدّ حجر الزاوية في بناء العملية التشريعية والفقهية والسياسية برمتها، إذ إنّ عدم الفرز ووضع الضوابط والحدود بين دائرة الواجب ومساحات المباح تنشئ حالة من الفوضى الفكرية، والاضطراب الاستدلالي، والتدمير العقلي؛ التي تسمح لقبول المتناقضات، والتسوية بين المختلفات، والتفريق بين المتماثلات، ولعله حال حركات الإسلام السياسي في المنطقة نموذج لتلك الفوضى والاضطراب! فبالضرورة المنطقية والبرهانية، فإن العقل الذي استطاع أن يميّز بين نصوص الوحي وأقوال البشر، وبين المطلق والنسبي، وبين الواجب والمباح؛ يمكن له أن يلج إلى العملية الأخيرة بسلاسةٍ ووعي.

• أين مواضيع التمييز هذا في داخل التكوينات القيمية والثقافية للإسلام؟
- لا ريب أن الإسلام قد راعى المضمون وأوجبه وترك النوع والشكل ولم يوجبه، ففي إطار المضمون أوجب إقامة قيم العدل والمساواة، والحريات، والإنصاف والإكرام، واحترام المواثيق والعهود، وغير ذلك من القيم الرائعة والحضارية التي كانت من أبرز معالم الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، إلا أنه في المقابل لم يلزم في تحقيق تلك القيم والمبادئ والأخلاق العادلة شكلاً أو إطاراً محدّداً، وإنما ترك ذلك للعقل البشري أن يجتهد في اختيار الوسائل الناجعة التي تمكّنه من تحقيق تلك القيم وإيقاعها في الواقع والمواقع، لأن القيم والمبادئ في دائرة الواجب، والشكل وتنوّعه في دائرة المباح الذي يتغيّر حسب تغيّر الزمان والمكان والإنسان والبيئات. لذلك فإنّ إدخال الشكل ضمن دائرة المضمون والخلط بينهما يُعدّ من قبيل الافتئات على دائرة التشريع التي هي من أخصّ خصائص الألوهية.

العقل السّلفي.. الهوية والبنية

• ظاهرة اللا تسامح والتطرف والغلو الدّيني من الأمور التي تُطرح في مقام تشويه الإسلام وتقديم قراءات مبتسرة لمفاهيمه. ما هو تحليلك للعقل السلفي؟
- لا يخفى أن العقل السّلفي هو ذلك العقل الذي بات يتعامل مع أسئلة الماضي على أنها مسلّمات، ومع أسئلة الحاضر على أنها قدَر الله، ومع أسئلة المستقبل على أنها في علم الغيب. ذلك العقل الذي لا يتعاطى مع الواقع، ويكرّس النقل على حساب النقد، والحرفية على المقاصدية، وهذه نتيجة طبيعية لحصار العقل من قِبل من هم أشبه بمقاولي المعرفة، الذين مارسوا عمليات اغتيال العقل المقاصدي الذي أسّسه القرآن الكريم فترة نزوله، وأقاموا على أنقاضه ذلك العقل القياسي الذي يتعاطى مع الوحي بحرفية وجزئية دون كلية مقاصدية، ويحاكم واقعه المتجدّد وقضاياه المتشابكة إلى وقائع تاريخية عفى عليها الزمان.

• وهل ثمة علاقة بين التفكير السّلفي وانتشاره واتساع مظاهر التطرّف الدّيني اليوم؟
- إنني أحسب العقل السلفي المعاصر سبباً رئيساً في عمليات انتشار التطرّف الديني اليوم.. من إقصاء الآخر وتهميشه، بل وقتله إنْ لزم الأمر! ومردّ هذا إلى أن العقل السّلفي عقلٌ قياسي يقايس الواقع المتجدد على الماضي المتحنط (قياس الحاضر على الماضي)، مما يعني أن الماضي مقدس (بدون فرز بين إسلام النص - وإسلام التاريخ) في الفهم والسلوك (فلا يكن لك قولا ليس لك فيه سلف)، وعلى هذا الأساس منْ أتى بأقوال جديدة، وآراء مغايرة لِما كان عليه السّلف؛ فلا يلومن إلا نفسه! فإن قاموس السلف التاريخي به كثير من الأحكام والمفردات التي تدين المجتهد والمتمرّد على تلك المنظومة الكلاسيكية في الفهم والسلوك؛ من تبديع وتفسيق، وهجر وتكفير!

• ما هي بنية هذا العقل السلفي؟ ما هي تأسيساته العميقة؟
- حقيقة نحن إزاء مشكل منهجي معقد وجذوره عميقة في التاريخ، والغريب أن هذا المشكل المنهجي ساهم في تأصيله ونشره وذيوعه الفكر الحنبلي أكثر من غيره وذلك عبر محطات ثلاثة، محطة ابن حنبل وتأسيسه للعقل السلفي وما تلاها من فتاوى بالتبديع والتكفير والقتل. ومحطة ابن تيمية وتشييده للعقل السلفي وما أحاط بها من صراعات مع البيت السني والشيعي، ومحطة ابن عبد الوهاب ونشره للعقل السلفي وقضايا التكفير والتبديع بصورة أوضح من ذي قبل. وعلى أسس هذه المحطات الثلاثة تأسّس العقل السّلفي المعاصر، حيث كان يخوض حروباً طاحنة بالوكالة مع خصومه التاريخيين في مسائل الأسماء والصفات، وقضايا التصوف، والسنة والبدعة.


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home