Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Tuesday, 25 December, 2007

دبلوماسية المخاطرة
صحيفة "لو موند" العدد رقم 19562 ( الافتتاحية )

تـلخيص وتـعليق : الباهي بن يدر

تعتبر جريدة لوموند الباريسية في مصاف صحف الواشينجتون بوست و نيويورك تايمز الأمريكية، والتايم والغارديان البريطانية، والديفلت والديتسايت الألمانية، فجريدة لوموند هي أكثر الصحف الفرنسية مصداقية ورصانة. لهذا رأيت أنه من المفيد أن أنقل بعض ما جاء في افتتاحية عددها الصادريوم 15 ديسمبر 2007 الماضي والتعليق ،عند الضرورة ،على بعض ما جاء فيها: وحتى يتسنى لقراء الموقع متابعة رحلة "السائح الفريد" الذي أربك الدبلوماسية الفرنسية على عراقتها وزاد من تيه حاشيته التي جلبها معه من جماهيريته (العتيدة).
تقول الافتتاحية: على الرغم مما كان وما أصبح عليه العقيد القذافي، من (طباع) وما اتخذه من (مواقف)، فهو لا يستحق إلا القليل من التقدير (والاحترام)، بل حتى هذا القليل يعتبر كثيرا على كل حال. فقد أصبح من غير المجدي الآن، بعد أن أقام في باريس لمدة خمسة أيام والتي بدت كأنها ضعف تلك المدة، أصبح فعلا إعادة طرح السؤال - بنعم أم لا- غير مجدي لمعرفة ما إذا كان علي الرئيس ساركوزي استقبال الديكتاتور الليبي في باريس؟!
ويستطرد كاتب الافتتاحية قائلا: كان من المفروض ألا يترك العقيد الذي جاء بكل زلاته إلى قلب العاصمة الفرنسية، ليقوم فيها بتصرفات مثيرة وحركات متنوعة، حيث ترك له الحبل على الغارب، واضعا برنامج إقامته على هواه، والذي جاء غنيا بالأحداث ومليئا بالفصول الهزلية، بدءا من سيارات الليموزين وبنات الأمازون (الراهبات الثوريات)، مرورا بعوامات نهر السين والخيمة البدوية، وانتهاءا بأحداث فندق الريتس الذي التقى فيه مع بنيامين نتنياهو. ونظرا للمقلب السيء الذي يدعو إلى الاشمئزاز، كنا في الواقع نتوقع وننتظر الأسوأ، خاصة عندما بدأ الانقسام في صفوف الجمهورية وانشطارها إلى أربعة واضحا..بسبب ذلك البهلوان المفاجيء ذي التصرفات غير المحسوبة،حيث يتكلم على كل شيء وفي كل شيء، مهادنا أحيانا ومهددا أحيانا أخرى، مدافعا عن المرأة الأوروبية ومدافعا أيضا عن مهاجرينا الذين – حسب وجهة نظره- تساء معاملتهم، مناقضا أقوال الرئيس ساركوزي بخصوص حقوق الإنسان ومتبنيا وجهة نظره في أحداث الجزائر.
وتتساءل لوموند في افتتاحيتها..هل يمكن تكريم الضيف، بدون إلحاق ضرر الإهانة بمن يقوم أو قام بتعذيبهم؟! أليست الدبلوماسية هي فن وزن المرء لكلماته وفن ضبطه لتصرفاته... فمهما قيل عن (القذافي)، بأنه قد تخلى عن الإرهاب وتوقف عن تمويل منظماته التي لاتحصى والمنتشرة في أرجاء العالم، وأنه قام بتعويض ضحايا لوكاربي وطائرة ال UTA وأنه تخلص من أسلحة الدمار الشامل وأنه قام أخيرا بإطلاق سراح الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني الذين سبق اعتقالهم وتعذيبهم ظلما. أليس كل ما ذكر أعلاه هو الذي جعل من "الريّس" الليبي شخصية مرغوبا فيها، (بعد أن كان غير مرغوب فيه عالميا) ؟!
ولولا أن الواجب يقتضي إكرام الضيف، لما تم الاحتفاء بهذا النيرون، بحجة أنه قد أعيته النار وملّ منها. وعلى كل حال، فتجاوز الذكريات السيئة لا يعني نسيان ذكراها.
فليبيا اليوم (أي جماهيرية القذافي) لا زالت نظاما شرسا، قاسيا على معارضيه وقاسيا على الصحافة ، كما أن اقتصادها – ابتداءا من الاستثمارات الأجنبية وحتى توزيع عوائد النفط – لا يزال رهينة تتصرف في شؤونه عصابة الدكتاتور.
من المؤكد أن زيارة (القذافي) لباريس لم تكن زيارة رسمية تقليدية كما هو متعارف عليه بروتوكوليا، غير أنها تخللتها بعض المراسم التي أضفت عليها شيئا من الطابع الرسمي...صحيح أنها لم تحظ بالطوابير العسكرية على جانبي الإليزيه، ولم توضع أعلام الدولتين متلازمة معا. كما أنها لم يجر بها احتفال الصداقة – الذي عادة يقام في القاعة الكبرى لقصر الرئاسة أثناء الزيارات الرسمية ، فزيارة القذافي إلى باريس لم يكن بها شيء من هذا، غير أنه تم استقباله في الجمعية الوطنية- حتي وإن كان باردا، نظرا لمعارضته من قبل مجموعة ليست بالقليلة- من النواب، ومن داخل الحكومة أيضا، والتي أحدثت شرخا في قمة الدبلوماسية الفرنسية فهو استقبال على كل حال. إن الصدمة الحقيقية ليست في مجيء القذافي (إلى العاصمة الفرنسية)، بقدر ما هي في الطريقة التي تمت بها ملامسة ظهره (أي الطبطبة عليه)، وذلك بتركه ينتشر متبخترا على هواه داخل العاصمة باريس، وبشكل مستهجن (وأخذ راحته على الآخر)..فهذا ما يسميه الفرنسيون بدلال الأمراء وشطحاتهم وما نسميه نحن (بطروح عساكر سوسة وتصرفات الرديف).
إن نيكولا ساركوزي، باستقباله لقائد الثورة الليبية، قد قام- في واقع الأمر – بتكذيب نفسه، ألم يعد (في حملته الانتخابية) بأن قضية حقوق الإنسان ستكون (ركيزة) لسياسته الدولية؟! وألم يصرح بأن نهجه سوف يكون الدبلوماسية الأخلاقية ؟! مع العلم بأنه لم يكن مجبرا أو مضطرا لتلك الوعود.
وكما يقال، فإن الواقعية لا تلغي المباديء. فما هي إذا "الصفقة – الساركوزية" ياترى؟ إن منطق الأشياء هو الذي يفرض – في الواقع – اختيارالمخاطرة، فالرئيس يلعب بنار أهل الحل والعقد، أولئك الذين بأيديهم الورق الرابح. أما ما يخص القذافي وخوفه من أن يحترق (خوفه علي عرشه ومستقبل نظامه)، فتراه متعاونا في مكافحة الإرهاب، مساندا مشروع اتحاد البحر المتوسط، مقدما خدماته "كوسيط" لإفريقيا..فهو الذي يستطيع تشتيت فرق الهجرة و تجمعاتها القادمة إليه من إفريقيا السوداء ومن دول المغرب،عبر ليبيا والمتجهة إلى أوروبا وتحويل مساراتها.
وهنالك أسباب عديدة تستحق أن يخاطر بها ساركوزي، فهو الذي أراد أن يدخل الرهان.. ويأخذ على عاتقه مهمة جعل ذلك الرجل – غريب الأطوار والمفاجيء بتصرفاته الرعناء – يقوم بما تريده منه فرنسا...(ساركوزي مروض القردة في سيرك المتوسط).ولم لا...وبخاصة إذا ربح ساركوزي الرهان ، وصار له سند قوي في الضفة الأخرى المقابلة من حوض البحر الأبيض المتوسط، وتحصل على عقود صناعية (كبرى) – التي لم يتم التفاوض حولها بعد – وإذا نجح في تطوير "الريّس" وجعله يتجه نحو ممارسات أكثر توافقا مع احترام الحريات (حلم إبليس بالجنة).
وفي جميع الأحوال، فإن الرئيس ساركوزي لم يكف،عن التعبير عن ميله إلى دبلوماسية المخاطرة والتي أظهرها مرارا مع بشار الأسد في سوريا، وشافيز في فنزويلا، وهوجينتاو في الصين، وبوتين في روسيا، ومع حزب الله، وربما غدا مع الرئيس أحمدي نجاد... حتى يجعله يعدل عن فكرة تخصيب اليورانيوم وليحمله على انتهاج الشفافية في نشاطاته النووية.
ولم لا وألف مثلها...فالغرب أيها الليبيون لن يقاتل من أجلكم ولن يحرر لكم ليبياكم ... وما قصة حقوق الإنسان وحكاية الديمقراطية إلا ورقة ابتزاز يضغط بها على حكام العمالة متى شاء عندما تفرضها الحاجة لتستخدم كقميص عثمان ... فلا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ... فالقذافي ذهب إلى أوروبا ليقوم بوضع ليبيا في المزاد العلني ... وبالفعل استطاع أن يؤمن عرشه إلى حين ... فحكايتنا معه تتلخص في قول شاعرنا المجاهد المرحوم الشيخ خالد رميلة الفاخري، في إحدى معلقاته:

وهى تريد عيطات وهجوم(*)
وقلوب ناسيات الحنانه
وتريد قوم تنطح على قوم
وتخش سوق نار وقدانه
________________________________________________

(*) المصدر: راجع ديوان الشعر الشعبي (المجلد الأول)


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home