Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Tuesday, 23 May, 2006

كان زعـيما .. وبامتياز

كلمات في حق الزعـيم الوطني الليبي الراحل السيد حسين مازق

عـلي بن زيدان

الزعامة مكانة سعى إليها العديد من البشر ، بطرق متنوعة وأساليب مختلفة ، فوصل الكثير من هؤلاء إلى مراتب متقدمة، ومراكز عليا في سلم القيادة والإدارة والسياسة والاقتصاد ، ومستويات رفيعة من العلم والمعرفة.. ولكن القليل من هؤلاء كان قمينا بأن يحسب زعيما أو يسّمى كذلك.

استعمل البعض صندوق الإقترع وطريق الديمقراطية المشروع .. واستعمل آخر الوجاهة والعائلة والقبيلة والحسب والنسب، فورث الحكم أب عن جد .. وابتغاها بعضهم بالثروة الطائلة، وتكديس الأموال واستعمالها لشراء قبول الناس وتحقيق مكانة لديهم .. ومنهم من امتطى صهوة الدبابة وأمتشق البندقية، واستولى على الحكم فصار رئيسا أو حاكما.. وفئة استعملت التزلّف والتملّق والوصولية، وخطب ودّ السلطان طمعا في الوصول لتلك الغاية .. ورأى البعض أنّ المعارضة السياسية، ومحاربة أنظمة الحكم الجائرة، وقيادة التنظيمات والأحزاب المعارضة؛ طريقا سهلا للزعامة والريادة .. وغالبا ما بددت صعوبة الدرب ومشقة النضال تلك الأماني والأوهام.. وتستعمل ألة الإعلام بكافة أصنافها ومسمياتها من أجل الدعاية وإبراز صفات وأخلاق ومواهب واستعدادات قد يتصف ببعضها المعنيون، إلا أنّ معظمها امتداح وإطراء لا يعبر عن الواقع البتة.

ولكن في الغالب الأعم لايصل أحد من هؤلاء الى الزعامة حتى وإن وصل إلى الحكم ، فليس كل من يحكم زعيما .. وليس كل من ينال الشهرة ويذيع اسمه، ويعرف بين الناس يصير زعيما.

وبالمقابل هناك من البشر من لم يترأسوا الدول أو يصلوا إلى الحكم.. أو أنهم حكموا وتركوا الحكم لسبب ما.. ولكن مع ذلك كانوا زعماء.. كانو زعماء قبل أن يحكموا..وزعماء وهم في سدة الحكم.. ولم تنسلخ عنهم صفة الزعامة بعد تركهم للحكم بالتقاعد أو الاستقالة أو الإبعاد.. بل أكثر من ذلك لم تتأثر زعامتهم بظروف ألإقلال والقهر النفسي وكبر السن والشيخوخة.. فكانت زعامتهم في كل الأحوال زعامة ثابته ملتصقة بشخوصهم ممتزجة بذواتهم، وكأنها سليقة جبلوا عليها تجري في عروقهم مجرى الدم.. فتكون زعامتهم زعامة بامتياز وتفرّد.. وهي زعامة طبيعية تلقائية ـ يعززها الاقتدار والتمكّنـ قلّ أن يكررها التاريخ في شخصيات أخرى، وهذا ما ينطبق على شخصية الفقيد العزيز السيد حسين مازق رئيس الحكومة الليبية الأسبق رحمه الله رحمة واسعة.

ما هي تلك الزعامة التي اتصف بها السيد حسين مازق، وتميز بها عن كل نظرائه في المسؤلية، ورفاقه في العمل السياسي والاداري، وماهي مقومات هذه الزعامة، ولماذا اتسم بها السيد حسين دون أقرانه؟

توفرت في السيد حسين مازق صفات أهلته للزعامة بامتياز لم تتوفر فيمن عاصروه.. في تقديري أهمها مواصفات ثلاث أوجزها في: المصداقية.. والإرادة.. والمشروعية.

فالمصداقية لها بعدان؛ بعد أخلاقي وآخر يرتبط بالقدرة العملية والكفاءة.. فالبعد المتعلق بالجانب الأخلاقي من مضامينه : ـ أن تجسّد أعمال وممارسات الزعيم ما يصدر عنه من أقوال أو مزاعم.. وأن تكون ألاستقامة وحسن المسلك سمة ثابته وأصيلة في شخصيته، لاتبهت بالمحن، ولاتهزها المغريات.. وأن يكون الزعيم أمينا على مقدرات الناس؛ أعراضهم وحرماتهم وأموالهم.. لاتستهويه بروق المطامع فتعطل سلامة تفكيرة.. ولايغره لمعان الدنانير فيستحل المال العام، وتطول يداه في الكسب غير المشروع.. ولا تغريه السلطة فيرتاد دروب البغي والرذيلة إشباعا لنزوات نفس يستحيل إشباعها في الحياة بغير التقى والعفاف.. أن يكون كتوما لايتكلم الا بقدر ما يقتضيه الحال .. يحفظ الأسرار، ولايبوح بها رغم كل مايمكن أن يتعرض له من استفزازات أوضغوط، ولا يفرّط في ذلك مهما اختلف مع من تتعلق بهم تلك الأسرار.. أن يكون رزينا لاتهزه تقلبات الزمن وصروفه ولاتدفعة لاتخاذ مواقف غير محسوبة بدقة.. أن يكون عادلا غير محابي أومجامل على حساب حق عام.. يستوى في ذلك أنصاره وخصومه، أقاربه والأباعد.. أن يكون ذا قلب كبير يسموا على الخصومات وتصفية الحسابات الشخصية وشخصنة الشأن العام والانتقام من الخصوم وأن لايحوّل الاختلاف حول أمور في الشأن العام الى مغارمة وعداوة تنحدر به إلى مستويات لاينبغي له أن ينحدر اليها.

أما مضامين المصداقية المتعلقة بالاقتدار والكفاءة من أهمها : ـ أن تكون للزعيم قدرات يتميز بها عن غيره في شتى مناحي الحياة تقنع الجمهور بشخصيته وأداءه ، وقد تكون ملكات ومواهب طبيعية ولد بها، مجبول عليها ، أو خبرات ومعارف عملية ومهارات اكتسبها الزعيم بالتعليم أو من محك مدرسة الحياة العامة والممارسات العملية.

أما الإرادة فهي قوة ذاتية بارزة تدعمها النوايا والرغبات والقدرات والمعارف.. وتترجم عمليا في التصرفات والمواقف وتبين استعدادات الشخص لتحمل تبعات واستحققات الزعامة.. بما فيها من تضحيات ومغارم مكلفة يتوجب على الزعيم تحمّلها واستيعابها.. ودفع ثمنها الباهظ من صحته وماله ووقته وحياته الخاصة .. ومن تجليات الإرادة في شخصية الزعيم اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب دون تعجّل أو إبطاء.

أما المشروعية فهي تزكية للزعيم من غالبية الشعب وقبول به ، واعتراف من الأمة للزعيم بأهليته لهذا المقام كفأة ومسلكا وخلقا.. وتستقر هذه المشروعية في قلب الأمة ووجدانها وفي عقلها وإدراكها وفي ضميرها الواعي المتابع . وبارتهان المشروعية لهذا التموقع تكون المشروعية بعبارات أخرى هي المحبة والقبول والإحترامـ من قبل الرأي العام للزعيم ـ والإعتراف به المشفوع بالمتابعة المستمرة والدائمة.

وقد تابعت سيرة السيد حسين مازق ـ من موقعي كمواطن ليبي ـ وبما تيسر لي من أسباب وأدوات ومعلومات حتى توفاه الله ، فيمكنني القول وبكل وثوق أن صفات الزعامة والريادة قد توافرت باكتمال وتجسدت بامتياز في شخصية السيد حسين مازق رحمه الله، وفقا لما عرفنا وسمعنا عن سجاياه وخلاله وإمكانياته وكفاءته ، وبكل تأكيد مالم نعرفه من الجوانب الإيجابية في شخصية هذا الرجل أكثر بكثير.

لم يسع السيد حسين مازق للزعامة ، ولم يتهافت عليها.. لم يخاصم بفجور من أجلها.. ولم يستهن بواجب.. أو يفرّط في حق عام أوخاص ليصل اليها أو يتمسك بها.. لقد شُهد للسيد حسين مازق بخصائص الإداري الكفؤ الدريب والسياسي الحصيف العريف المحنّك.. والدبلوماسي الكيّس الهادئ البارع.. وشيخ القبيلة الحسيب النسيب الحكيم المهاب.. والأب والجد العطوف الحنون.. وقبل كل ذلك الابن البار بوالديه المحسن اليهما.. ألا يحق لمن تجتمع في شخصيته كل هذه الصفات أن يكون زعيما بالفطرة.؟ بل زعيما وبامتياز؟

وحري بمن يتوق الى الزعامة والريادة ـ في وقتنا الليبي الراهن ـ أن يتأمل بإمعان هذا البحر الهادئ العميق المسمى حسين مازق، و ينهل من سيرته التي كانت في كثيرها أفعال وممارسات وندرها قول أو تنظير.

هذه هي الزعامة بحق وهذا هو الزعيم بكل الجدارة والاقتدار بل الامتياز. لعل قول الشاعر القرشي عبدالله بن قيس الرقيات :ـ
إنما مصعب شهاب من الله       تجلت عن وجهه الظلماء
ملكــه مـلك عــــــز ليس         فيه جبروت ولاكبرياء

يصدق وبكل تأكيد على شخصية وسيره حياة المرحوم حسين مازق .

ربما يلاحظ القاري الكريم سمت عاطفي طبع كتابتي لهذه الخاطرة ولذلك سميتها خاطرة.. فهي من عفو الخاطر وفيض الوجد وأخص مكامن القلب.. توهمت أني سأكتب بموضوعية علمية جافة؛ فوجدت نفسي اناجي وطني وأواسي نفسي في مصاب جلل أهتزت له أركان الوطن.. وأرتج له وجدان ليبيا بأسرها.. وكيف لا! والفقيد السيد حسين مازق عمود الوطن الثابت المتين، وركنه الراسخ الركين.. الذى لم تهزه العواصف.. ولم تقتلعه الزلازل.. ولم تسفهه الخطوب والابتلاءات.

ما كنت أحسب أن موت شخصية وطنية يكون له هذا الوقع على نفسي حتى قرأت خبر وفاة السيد حسين مازق، لا جدال في أني أحترم الفقيد وأكبر واقدّر مواقفه الوطنية وجهوده في بناء الوطن، ولكن لم يدر بخلدي أن هذا الرجل يحظى بهذه المحبة في وجداني.. وأن وقع خبر وفاته سيكون بهذ القسوة والوجيعة على القلب. ولعل بيت أبي الطيب المتنبي يصف بدقة ردود فعل الكثير من الليبين أمثالي بعد سماع خبر وفاة هذا الرجل الكبير :

كـأن الموت لم يفجـع بنفس       ولم يخــطر لمخلوق ببـال

رحم الله دولة الرئيس الزعيم حسين بي مازق رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

عـلي بن زيدان
ميونخ ـ المانيا
alibenzeidan@yhoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home