Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Thursday, 22 June, 2006

خواطر"شاهد" حزين

احمد الصالحين الهـوني .. بين يدي الله

بقلم : روزبه ابن داذويه

" إنما المرء ، حديث بعده
كن حديثا طيبا لمن وعى"

غيّب الموت فى تونس ، فجر يوم الثلاثاء 18 أبريل من هذا العام ، السيد احمد الصالحين ألهوني ، صاحب جريدة ( العرب ) التى تصدر فى لندن ، وآخر وزير للإعلام فى العهد الملكي .. العهد الذى أطاح بدولته انقلاب عسكري "طريف" نفذه " جنود " بقيادة عدد من الملازمين فى الجيش الليبي ( 6000 جندي !) ، وذلك فى اليوم الأول من سبتمبر 1969 !! وقد وافت المنية المرحوم احمد الصالحين ، عن عمر يناهز السادسة والسبعين سنة أثناء عملية جراحية أجريت له فى تونس . وجرى نقل جثمانه فى نفس اليوم ليدفن فى اليوم التالي بالعاصمة الليبية طرابلس ، فى جنازة متواضعة تعمّد رموز السلطة فى " الجماهيرية العظمى " تجاهلها ، وعدم المشي فيها .. وهم الذين استعملوا جريدة ( العرب ) وكانت هي اللسان الوحيد الناطق باسمهم فى داخل ليبيا وخارجها !!

وكان المرحوم السيد احمد الصالحين الهوني ، قد ولد سنة 1929 فى بلدة ( هون ) بجنوب ليبيا وانتقل مع أسرته فى سن مبكرة إلى مصر، ليقيم والأسرة ، فى البداية ، بالصحراء الغربية ثم ليستقر المقام بها بـ " أبو المطامير" إحدى قرى الدلتا المصرية حيث كان والده يدير" حانوتا " متواضعا يعيل به أسرته .
ولم يتلق المرحوم احمد الصالحين الا قدرا قليلا جدا من التعليم ، وقضى معظم سنيّ شبابه يساعد والده فى إدارة حانوته ، وبعد إعلان الاستقلال وقيام الدولة الليبية عادت الأسرة ضمن الليبيين العائدين من مصر، ليبدأ حياته سنة 1954 باستلام وظيفة صغيرة بنظارة الزراعة ، بولاية فزان ، كان رئيس المجلس التنفيذي للولاية الشاب السيد سيف النصر عبد الجليل قد ساعده فى التعيين بها ، الا أن حكومة الولاية قامت ، بعد فترة قصيرة ، بفصله من العمل ! فاتجه إلى ولاية طرابلس حيث حصل على وظيفة مماثلة بنظارة الزراعة ، ولكنه لجأ فى الوقت نفسه إلى ( المحكمة العليا ) ليرفع أمامها ، عن طريق مكتب الأستاذين : على الديب المحامى والمرحوم احمد السيد عثمان ، قضية ضد ولاية فزان يتظلم فيها مما يعتبره " تعسّفا " فى قرار الفصل ويطعن فى صحة القرار وعدالته وسلامة إجراءاته القانونية ، ونظرت ( المحكمة العليا ) فى القضية ثم أصدرت حكمها فيما بعد ، ببطلان قرار الفصل وقضت بإعادته للعمل وعودته لوظيفته السابقة فى ولاية فزان ، بل وحكمت أيضا ، باحتساب مدة الخدمة التى قضاها خارج العمل فى الولاية واستحقاقاته فى الترقية .
وعاد احمد الصالحين بالفعل لولاية فزان التى لم يكن فى وسعها الا الرضوخ لحكم المحكمة العليا وعينته مديرا للمطبعة الحكومية المتواضعة بسبها ، الا أن إلغاء النظام الفيدرالي سنة 1963 مكنه من الانتقال إلى طرابلس وتسلمه لمنصب فى إدارة المطابع الحكومية للمملكة بعد إلغاء ولاياتها الاتحادية ، وعند تعيين الدكتور محي الدين فكيني رئيسا للوزراء خلفا لرئيس الحكومة السابق السيد محمد بن عثمان الصيد قام المرحوم احمد الصالحين الهوني بدور نشط فى حملة " المناشير السرية " التى وزعها خصوم الصيد ، للتشهير به ، ولكن الملك إدريس رحمه الله ، عبّر عن امتعاضه من حركة التشهير الظالمة هذه التى وقف وراءها أيضا المرحوم البوصيرى الشلحى ( ناظر الخاصة الملكية ) بالتعاون مع صديقه الدكتور فكيني ، بأن استدعى الملك ، رئيس حكومته السابق السيد محمد عثمان الصيد والسيدة قرينته ، إلى مقر إقامته بطرابلس حيث أقام لهما حفلة تكريم محدودة ، تأكيدا لرفضه لحملة التشهير به من طرف خصومه ، وقلده أثناءها وساما ( عالي الشأن ) تقديرا لنجاحه فى مهامه أثناء توليه رئاسة الحكومة .
بيد أن نشاط السيد احمد الصالحين فى إعداد وطبع وتوزيع " مناشير التشهير" تلك ، لفتت نظر رئيس الحكومة الجديد الدكتور محمى الدين فكيني وأثارت إعجابه به فأعرب عن رضاه بأن رقّىّ المرحوم احمد الصالحين فى درجته الوظيفية وعينه مديرا عاما لوزارة الإعلام ، خلفا لمديرها العام السابق السيد احمد الهمالى ، المحسوب على الحكومة السابقة المستقيلة ! الا أن وزيرالاعلام الجديد ، السيد عبد اللطيف الشويرف اعترض على هذا التعيين ورفض تنفيذه وأصرّ على عدم تمكين احمد الصالحين من استلام العمل بدعوى عدم كفاءته للمنصب !

بقى المرحوم احمد الصالحين يتقاضى مرتبه الشهري بدون عمل مدة عشرة أشهر ، وعند إقالة حكومة فكيني فى أعقاب أحداث الطلبة فى ( يناير 1964 ) وجدت حكومة المرحوم محمود المنتصر التى تشكلت خلفا للحكومة المقالة حلا للمشكلة بتعيين احمد الصالحين فى منصب لا يحتاج إلى كفاءة علمية معينة ، وهو " وكيل " فى وزارة العمل والشئون الاجتماعية ، لشئون الحج ! وهى وظيفة عملها موسمي يقوم أساسا على التعاقد لاستئجار( باخرة لنقل الحجاج ) وتقديم التسهيلات اللازمة لتمكين الراغبين من المواطنين فى تأدية فريضة الحج من بلوغ مقصدهم وتسهيل أمور الحجيج الليبيين ورعايتهم .
ومع ذلك ، فقد تمكن المرحوم احمد الصالحين من أن يتجاوز عملية تهميشه و " ركنه " فى مثل هذه الوظيفة ، ونجح بفضل ذكائه الفطري الحاد وجرأته المثيرة وقدراته الشخصية الخارقة فى التقرّب بإمكانيات الوظيفة ، من المسئولين الكبار والصغار فى الدولة وربط العلاقات مع المتنفذين منهم واكتساب رضاهم ، بل وسهلت له هذه الوظيفة بالخدمات التى تقدمها للمواطنين ، توسيع دوائر معارفه فى أوساط المجتمع واكتساب صداقات أكثر وشهرة أوسع فى الأوساط الشعبية ، إذ كانت خدمات شئون الحج والسهر على راحة وسلامة الحجيج تحظى فى عهد الملك إدريس برعاية خاصة ومساعدات مهمة حيث كانت الدولة تقوم سنويا باستئجار( الباخرة ) التى تنقل الحجاج إلى جده وتمكنهم من أداء فريضة الحج بأسعار زهيدة ورمزية .. وأحيانا مجانية !
وكان السيد احمد الصالحين يحرص ، بمجرد تحرك الباخرة من الميناء فى اتجاه البقاع المقدسة ، على إرسال برقيات الشكر والثناء وتأكيد الولاء للملك ، باسم بعثة الحج ، والإعراب له عن شكر الحجاج الليبيين لما يبذله الإدريس من رعاية وعطف عليهم ودعواتهم له بالصحة ومديد العمر والتوفيق فى المزيد من تحقيق المنجزات والأمجاد ، ويكرر احمد الصالحين نفس البرقيات ، عند الاقتراب من شواطئ ( جده ) وأخرى عند الوصول إلى الميناء ، ثم بعد الإقلاع عند العودة ، وحتى الوصول إلى أرض الوطن .

*   *   *

بعد الهزيمة التى منى بها العرب فى حرب يونيو 1967 والاضطرابات الشعبية التى صاحبت الحرب وتسببت فى إسقاط حكومتين متتاليتين : هما حكومة السيد حسين مازق ثم حكومة السيد عبد القادر البدرى ، فوجئ الناس ، أولا ، بتعين المحامى الشاب ، ووزير العدل السابق السيد عبد الحميد البكوش رئيسا للحكومة الجديدة ! وفوجئوا ثانية ، بتعيين " احمد الصالحين الهونى " وزيرا للإعلام فى هذه الحكومة خلفا لوزيرها السابق ولعدة سنوات ، عميد أدباء ليبيا الكبير ، الأستاذ خليفة التليسى !
و بتولي احمد الصالحين الهوني لوزارة الإعلام عرفت المملكة الليبية نقلة نوعية وطفرة ملفتة للنظر ، فى الإعلام الرسمي الذى اعتمد على استخدام الإذاعة والتليفزيون ووسائل الإعلام الحكومية الأخرى بإسراف ، فى التطبيل والتزمير والدعاية المثيرة الصاخبة ، للحكومة ، ولكل مسئولي الدولة وكبار موظفيها ، وكيل المديح ، بصورة خاصة ، للملك إدريس والثناء عليه والمبالغة فى تمجيد شخصه وتعظيم شأنه ، بل .. واقام احمد الصالحين " الوزير" للمرة الأولى فى تاريخ المملكة احتفالات خاصة بعيد ميلاد الملك ، وهو أمر لم يتعود عليه الليبيون ولم يعمل به قبل ذلك ، وخاصة بالنسبة للملك " الزاهد " الذى رفض وبإصرار ، أن يطلق " اسمه " على شارع واحد فى المملكة ، ومنع وضع صورته على أوراق النقد !! .. ويعيش كالناسك فى منزل متواضع ، فى بلدة ( طبرق ) أو داخل الكثبان الرملية التى اشتراها بماله الخاص الذى اقتطعه من مرتبه الرسمي ، وعمل على تحويلها إلى " مزرعة " بطريق السوانى ، بمدينة طرابلس !!
وكان المرحوم أحمد الصالحين قد بادر ، فى خطوة جريئة وغير مسبوقة ، بجلب فنانين ومطربين من مصر وتونس لاحياء هذه الحفلات ! واستمع الناس للفنان المصري الكبير الأستاذ محمد عبد الوهاب وهو يشدو بقصيدة للشاعر المصري الكبير ، عزيز أباظه باشا التى يعدد فيها مناقب السيد إدريس ويشيد بشخصه وأسرته السنوسية ، واستمعوا أيضا لـ" الأغنية التافهة " التى شنّف بها أدانهم المطرب المصري المعروف ، المرحوم محرم فؤاد ، من خلال " لحن " يثير الاستفزاز والاشمئزاز، يردد فيها : " ادريسنا .. يا ادريسنا .. الله يخلّى ادريسنا " ! تلك الأغنية التى تسببت فى إحداث رد فعل سيئ وموجة واسعة من السخط ، فى أوساط الشعب الليبي ، الذى لم يكن يعرف هذا اللون من التهريج والنفاق والتملق والدعاية الرخيصة !

*   *   *

عند وقوع الانقلاب العسكري فى الأول من سبتمبر 1969 ، ألقى "الانقلابيون" القبض على احمد الصالحين باعتباره وزيراً للإعلام ضمن المئات ممن جرى إلقاء القبض عليهم من رجال الدولة والوزراء والنواب والشيوخ وشخصيات العهد الملكي !
وعلى الرغم من ظهوره ، اثر الانقلاب مباشرة ، على شاشة التليفزيون ، وهو يعلن ابتهاجه وارتياحه وسعادته ، بوقوع الانقلاب ، وترحيبه بـ" الثورة " المباركة وتأييده وولاءه للذين أسقطوا النظام .. النظام الملكي الذى أوصل احمد الصالحين إلى كرسى الوزارة ! مبتدءا حديثه عن " عساكر الانقلاب " بالآية القرآنية التى تقول : " انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى " ! .. على الرغم من ذلك ، فقد لبث السيد احمد الصالحين فى السجن بضع شهور ثم قدّم للمحاكمة مع رجال الحكومة ، ثم أوتى به مرة ثانية للمحكمة ، على رأس الصحفيين وموظفي وزارة الإعلام السابقين ليحاكم هذه المرة بتهمة المشاركة فى " إفساد الحياة السياسية " فى العهد الملكي واستخدام الإعلام فى التضليل والدعاية الرخيصة للعهد المباد ، ولكن الرجل واجه المحكمة بشجاعة ورباطة جأش ووقف يدافع عن نفسه مبرّر " دوره الإعلامي " السابق ، بأنه كان " مقصودا ومتعمدا " ! وأنه هو الآخر ، كان يعمل على إسقاط النظام الملكي ويحاول التعجيل بقيام " الثورة المباركة " وذلك باستعمال أسلوب المبالغة الاستفزازية فى الدعاية التى لا تخدم النظام وانما تؤدّى لتشويه صورته وتسفيه عهده وتثير حقد الشعب عليه ؟ وبذلك كانت مساهمته فى التعجيل بإسقاطه والتمهيد للثورة !!
والواقع ، فان رئيس المحكمة ، بشير هوادى وبقية زملائه من عناصر الانقلاب لم يكونوا يعرفون " البلد " ولم يكن لهم أدنى اطلاع أو معلومات عن الأوضاع فى ليبيا قبل الانقلاب ولا معرفة برجال الحكم ومسئولي العهد السابق ، ولا بما يجرى فيها من أمور .. وإلا لما فات بشير هوّادى ، أن يسأل الوزير احمد الصالحين عن واقعة " المذكرة " التى أعدها احمد الصالحين باعتباره وزيرا للإعلام وأرسل بها إلى الملك إدريس ، والتي يقترح فيها عليه ، تبنىّ "مشروع اقتراحه " وهو " تغيير" اسم الدولة من" المملكة الليبية " إلى " المملكة السنوسية " على غرار ما حدث بالنسبة للحجاز الذى سماه عبد العزيز آل سعود بعد انتصاره على الهاشميين بـ " المملكة السعودية " !؟
ولكن الملك إدريس " الزاهد " فى الملك والمملكة ، تجاهل تلك المذكرة وأزدرى بذلك الاقتراح الرخيص ولم يرد حتى بالإشارة إلى الاطلاع عليها !

وفى محاولة واضحة لاستدرار عطف " المحكمة " عليه ولفت نظر الانقلابيين إلى هويته العروبية ، وتعلقه بالرئيس جمال عبد الناصر، قال المرحوم احمد الصالحين للمحكمة أيضا : انه حاول الكثير لغلق جريدة ( الميدان ) لمعاداتها للقومية العربية والرئيس عبد الناصر.. الا أنه لم ينجح فى ذلك ؟!
ويبدو أن وزير الإعلام السيد احمد الصالحين ، كان يتوقع أن تسأله المحكمة عن هذه الواقعة وتفاصيل فشله فى إغلاق هذه ( الجريدة ) المارقة ، المعادية للقومية العربية والرئيس جمال عبد الناصر ، الا أن ( محكمة الشعب ) تجاهلت هذه " الإشارة " ولم تعر أقواله عن " الميدان " أي اهتمام ! ربما بسبب عدم وجود صاحبها بين الصحفيين فى قفص الاتهام .. أو ربما تعمدت المحكمة عدم إضفاء " الأهمية " على شخص المسعودى وتذكير الناس بقرار " قائد الثورة " الذى بادر بإغلاق الجريدة بعد شهرين من قيام ثورته !

وكانت جريدة ( الميدان ) قد انفردت دون بقية الصحف فى ذلك الزمن ، باتخاذ موقف المعارض لسياسة الرئيس عبد الناصر ! وكانت تشهّر بممارسات القمع والدكتاتورية ومعسكرات الاعتقال التى تجرى فى مصر وبتدخلات الرئيس عبد الناصر فى شئون البلاد العربية لزعزعة أوضاعها الداخلية ومحاولاته للهيمنة على المنطقة وحملات الدعاية التى استعمل فيها راديو ( صوت العرب ) بإسراف " شعارات " العروبة والقومية ومعاداة الإمبريالية والاستعمار.
ولم يشرح السيد احمد الصالحين رحمه الله وقائع تسلطه على (الميدان) ومسلسل اضطهاده للجريدة ومحاولاته المتعددة لتعطيلها وإصراره على تحجيمها .

*   *   *

وكانت " الميدان " قد صدرت بحكم من ( المحكمة العليا ) الذى أبطل إجراءً للسلطة فى ولاية طرابلس ، برفض منح الترخيص بصدورها ، وقد طعن صاحب ( الميدان ) فى هذا " المنع " لدى المحكمة العليا التى نظرت القضية على مدى ثلاث سنوات ثم أصدرت حكمها لصالحه ، أي بحق المواطن " فاضل المسعودى " فى الحصول على الترخيص بإصدارها طالما كان طلبه مستوفيا للشروط التى يحددها قانون المطبوعات والنشر .. ولكن رئيس الحكومة ، الدكتور محي الدين فكينى ، تضايق جدا -على ما يبدو - حين تم إبلاغه بالحكم ، وطلب من وزير إعلامه الأستاذ عبد اللطيف الشويرف العمل على عدم تنفيذه ، فبادر الوزير باستدعاء مستشار الحكومة القانوني السيد يوسف شلبى ( مصري ) لأخذ رأيه فى الطريقة القانونية التى تمكن الوزارة من تعطيل تنفيذ حكم المحكمة العليا أو الالتفاف عليه ؟

عاد المستشار القانوني لدراسة ملف القضية من جديد ، ثم جاء للوزير الأستاذ عبد اللطيف الشويرف برأيه القانوني فى القضية بما يحقق رغبة السلطة فىالموضوع !
وكان رأى المستشار المصري يقوم على ما يلي :

1) - لا ينفذ أي حكم للمحكمة العليا الا بعد صدور حيثيات الحكم .

2) - فى القضايا غير المستعجلة ، تستغرق كتابة الحيثيات من طرف رئيس الدائرة التى نظرت القضية وأصدرت حكمها وقتا طويلا ، قد يتجاوز فى العادة ، السنة ! ومن واقع الحيثيات سيتضح ما إذا كان الحكم يقضى بأن " المسعودى " صاحب حق من حيث " المبدأ " فى إصدار مطبوعته أو أنه صاحب رخصة بالفعل .
فإذا كان صاحب حق من حيث " المبدأ " فعليه إعادة تقديم الطلب من جديد وتتبّع الإجراءات القانونية من بدايتها حتى نهايتها ، وذلك سيأخذ وقتا بالطبع ، يتيح للحكومة فترة من الزمن ، تتمكن خلاله من العمل على تعديل قانون المطبوعات بحيث تحذف منه " المادة " التى تلزم إدارة المطبوعات بالرد على الطلب بالقبول أو الرفض ، خلال ستين يوما من تاريخ تقديمه ، وآلا فسيصبح الطلب مقبولا إذا كان مستوفيا للشروط القانونية ويكون من حق صاحبه الحصول على الترخيص له بإصدار المطبوعة وهى" المادة " التى اعتمد عليها "المسعودى " فى كسب قضيته أمام المحكمة العليا . ويستهدف التعديل - حسب اقتراح يوسف شلبى ، اعطاء السلطة ، أي الحكومة ، صلاحية مطلقة فى قبول الطلب أو رفضه حتى ولو كان الطلب مستوفيا للشروط القانونية .
وتعديل قانون المطبوعات - كما يفتى المستشار القانوني - أمر طبيعي بعد إلغاء الولايات وبما يتناسب وتعديل الدستوروالغاء الولايات ، وتملك الحكومة إصدار التعديل المطلوب فى أقرب وقت ، ولو بمرسوم ملكي ، ثم يعرض على البرلمان للمصادقة عليه ؟
أما إذا تضمنت " حيثيات الحكم " ما يقضى بأن المسعودى ، هو صاحب رخصة بالفعل ، فهنا يتحتّم على وزارة الإعلام مواجهة الأمر بطرق أخرى .
تنفيذ الحكم يقوم أولا : على قيام مدير المطبوعات بإجراء امتحان خاص لرئيس التحرير تحدد موعده فى الوقت الذى تراه مناسبا .. وللجنة الامتحان التى يرأسها مدير المطبوعات " إمكانية " إسقاط الممتحن والحكم بعدم أهليته للقيام بالوظيفة !! وعلى صاحب الرخصة تقديم شخص آخر لامتحان ثان ، من صلاحية إدارة المطبوعات تحديد موعده ، وفى إمكانها أيضا ، إعادة نفس السيناريو السابق وهو إسقاط المتقدم الجديد للامتحان .. وبذلك تكسب الحكومة الوقت ، ويتم الالتفاف على الحكم .. ويموت الموضوع !
وشاءت " عدالة " المحكمة العليا غير ما تسعى إليه الحكومة وتشتهيه ، إذ اتضح بعد صدور حيثيات الحكم بعد ثلاثة أشهر بالتقريب أن فاضل المسعودى صاحب رخصة وليس صاحب الحق فى الترخيص من حيث المبدأ .
ومع ذلك ، فقد أصرت وزارة الإعلام فى عهد وزيرها الأستاذ عبد اللطيف الشويرف على تجاهل الأمر ، ولذلك لم تتخذ إدارة المطبوعات أي إجراء فى اتجاه تنفيذ الحكم ، من حيث تشكيل لجنة الامتحان التى تتكون من قاض وموظف مختص فى إدارة المطبوعات ورئاسة مديرها العام وتحديد موعد لإجراء الامتحان وإخطار المعنى بالحكم بموعده .. وتجمّد الموضوع عند ذلك ! وتردد فى أوساط الصحفيين والإعلاميين يوم ذاك ، أن سبب التأخير وعدم الشروع فى التنفيذ إنما يعود إلى مدير المطبوعات وهو الأستاذ احمد نجم الذى رفض الشروع فى تنفيذ الحكم حسب التوجيهات الصادرة إليه من وزيره ، وهى إجراء امتحان لرئيس تحرير الجريدة وهو المسعودى يتم فيه إسقاطه فيه بمبرر عدم التأهل !
وتردد أيضا ، أن احمد نجم رفض الاشتراك فى التآمر على حكم المحكمة العليا وعرض على الوزير، الأستاذ عبد اللطيف الشويرف ، نقله من منصبه كمدير للمطبوعات وتحويله إلى أي وظيفة أخرى .. أو قبول استقالته فى الحال !!
كان الأستاذ احمد نجم ، إلى جانب كفاءته ، معروفا لدى الجميع ، بالنزاهة والاستقامة والشجاعة ، وقد بدأ حياته مع الدولة ، فى ولاية برقة ، بوظيفة رئيس تحرير لجريدة ( برقة الجديدة ) ثم أصبح مديرا للمطبوعات فى الولاية ، ثم مديرا عاما للمطبوعات فى المملكة ، بعد التعديل الثاني للدستور، فى عهد حكومة الدكتور فكيني سنة 1963 ، ثم بفضل كفاءته واستقامته عيّن وزيرا للاقتصاد فى حكومة حسين مازق .
وبعيد الانقلاب ببضع شهور امتدت إليه " ثورة سبتمبر المجيدة " واعتقلته مع زميليه وصديقيه الأساتذة : عبد المولى دغمان ، رئيس الجامعة الليبية والمحامى المناضل ، احمد بورحيل ( حفيد المجاهد الشهيد يوسف بورحيل نائب القائد البطل عمر المختار ) واقتيد مع زميليه مخفورين إلى سجن طرابلس المركزي ، وكانوا جميعا حفاة الأقدام حليقي الرأس ، ليقحموا بتهمة ملفقة فى قضية المحاولة الانقلابية المعروفة بمؤامرة فزّان ، وليقضوا عشر سنين فى زنازين وأقبية ( بورطا بينيتو ) وبذلك دفع الرجال الثلاثة ثمن الكفاءة والعمل الشريف والموقف الصادق فى سبيل ليبيا الوطن بعد سقوطها فى يد الغدر والخيانة والتآمر الدولي البشع .

*   *   *

ونعود لقضية الميدان ، فنتذكر أن حكومة الدكتورمحى الدين فكيني قد أقيلت بعد عشرة أشهر فقط من تشكيلها ، اثر أحداث الطلبة التى وقعت فى يناير سنة 1964 ، واختفى بإقالتها ومن وزارة إعلامها الأستاذ عبد اللطيف الشويرف الذى لم يبق له الا العودة من جديد لالقاء أحاديثه الدينية وكتابة مسلسلاته الإذاعية ( من قصص القرآن الكريم ) التى اشتهر بتقديمها فى كل شهر رمضان المبارك، من الإذاعة الليبية !
وعين الملك ، خلفا للحكومة المقالة ، محمود المنتصر ، أشجع الرجال وأنزه من عرفت ليبيا من رؤساء حكوماتها ، الذى اختار لوزارة الإعلام الأستاذ المرحوم حسن ظافر بركان .
وقد وجد الوزير الجديد نفسه أمام ملف جريدة (الميدان ) فعرضه بكل تفاصيله وملابساته على الوزارة فى بداية اجتماعاتها ، وهنا أبدى بعض الوزراء تحفظا على الصحفي ، فاضل المسعودى ورددوا ما كان يشاع عنه يومها من اندفاع وميول يسارية ، وما يروى عن ماضيه أيام الدراسة فى القاهرة ، بل وذكّر أحدهم ، بالوصف الذى أطلقه المسعودى من راديو ( صوت العرب ) على رئيس الحكومة التى أبرمت المعاهدة البريطانية سنة 1952 وهو ( محمود المنكسر ) ! ولكن رئيس الحكومة محمود المنتصر، لم يأبه لما ذكروه وتدخل بتوجيه السئوال التالي إلى وزير الإعلام قائلا :
- وماذا يقضى حكم المحكمة العليا ، يا أستاذ حسن ؟
- أجاب الوزير : الحكم يقضى بحق المسعودى فى إصدار جريدته .
- قال محمود المنتصر على الفور : إذن نفذ الحكم ، يا أستاذ حسن ، وبينكم وبين ( الميدان ) أو أي صحيفة أخرى فيما تنشر وما تكتب ، القانون .. القانون .

*   *   *

وصدرت ( الميدان ) أسبوعية بصورة مؤقتة ، ثم أخذت فى التطور بإمكانياتها الخاصة والمحدودة حتى أصبحت تصدر ثلاث مرات فى الأسبوع ، الا أن المرحوم السيد احمد الصالحين ، أبدى بمجرد وصوله للوزارة ، عداءً شديدا لهذه الجريدة وبادر بالعمل على تحجيمها وتعطيل صدورها وذلك بتوجيه ( إدارة المطبعة الحكومية ) التى كانت تطبع لديها معظم صحف ذلك العهد ، بالتوقف التدريجي عن طبعها ! حتى اضطرت ( الميدان ) إلى التراجع وتقليل مرات الإصدار ، فأصبحت تصدر مرتين فى الأسبوع ، ثم اضطرها الوزير للصدور مرة واحدة فقط فى الأسبوع ! وهنا اتجه " المسعودى " إلى الإسراع فى تنفيذ مشروعه بإنشاء مطبعة خاصة للميدان .
كما أمر وزيرالاعلام المرحوم احمد الصالحين ، الموظف المختص بالإعلانات الحكومية بوقف صرف فواتير جريدة الميدان ، عن ( الإعلانات الحكومية ) التى نشرتها أو تنشرها كبقية الصحف والمماطلة فى تسديدها ، واستمر هذا المنع والمماطلة طيلة الفترة التى تولى فيها المرحوم الصالحين الوزارة ، أي حتى وقوع الانقلاب فى أول سبتمبر 1969 !
بل حاول ، رحمه الله ، استغلال كتابات النقد ومواقف المعارضة التى دأبت ( الميدان ) على اتخاذها ضد الحكومة، فى استعداء مسئولي الدولة على الجريدة ، وقد كان الوزير يعلق أيضا ، الأمل على " القضية " التى رفعها المستشار الخاص للملك السيد عمر الشلحى ضد ( الميدان ) متهما إياها بنشر خبر وصورة ، يمسان بشخصه ، لكي تسهّـل له أمر تعطيل الجريدة ووقفها عن الصدور ، الا أن القضاء " العادل والنزيه والمستقل " فى عهد الملك إدريس لم يحقق له ذلك الأمل .

وقد كان كاتب هذه " الشهادة ، على صلة قريبة فى ذلك العهد بوزارة الإعلام وكان وزملاء له آخرون ، مشغولين بالبحث عن أسباب هذا العداء غير قادرين على فهم وتفسير موقف المرحوم الصالحين من ( الميدان ) وإصراره على وقفها ، والكراهية التى يحملها لصاحبها ، رغم أن صاحبها المسعودى نفى لنا وجود أية خصومة شخصية بينه وبين الوزير ! اللهم الا اذا تعلق الأمر بما كانت تتخذه جريدة " الميدان " من مواقف تجاه ما يجرى فى العالم من أحداث وما تشنه من حملات ضد التدخل الأمريكي فى المنطقة والحرب البشعة فى فيتنام وهو الأمرالذى كان يثيرعدم ارتياح الأوساط الأمريكية فى ليبيا ويتسبب فى انزعاجها الشديد ؟!
وكانت ( الميدان ) قد واصلت ما بدأته جريدة ( الليبي ) التى كان يصدرها الأستاذ المحامى على الديب وكان المسعودى يتولى منصب مدير للتحرير .. واصلت ( الميدان ) هجومها ضد التواجد الأمريكي العسكري فى ليبيا والمطالبة بإنهاء الاتفاقية الأمريكية الليبية التى مكنت الأمريكان من إقامة قاعدتهم الجوية العسكرية الضخمة فى الملاحة .. إلى جانب ما كانت تتهم به ( الميدان ) من توجهات تحررية ومعاداة شديدة للانقلابات العسكرية والأنظمة الدكتاتورية فى بلدان الشرق الأوسط ، وهى " التهمة " التى حاول احمد الصالحين استغلالها فى إصدار قراره بوقفها نهائيا عن الصدور ؟ ولكن " إشارات " صريحة وحاسمة صدرت عن رجال أفاضل فى ( الديوان الملكي) سنة 1966 ، حذرت الوزير ، من مغبّة توقيف هذه الجريدة .. وهو الأمر الذى نفذه بعيد ذلك ، وبالتحديد فى العشرين من نوفمبر 1969 قائد الانقلاب العقيد معمر القذافى ودشّن به عهد سلطته المطلقة ، بسبب مقال تناولت فيه ( الميدان ) قضية الوحدة الفورية الاندماجية التى طرحها العقيد القذافى وجعلها هي " الهدف الأساسي " من قيام الانقلاب !!

*   *   *

ومع ذلك ، فقد أدانت ( محكمة الثورة ) المرحوم أحمد الصالحين وجرّمت طريقته فى توجيه الإعلام وفى إنفاق الأموال فى التأثير على الصحفيين وشراء ذممهم وتحويلهم إلى أبواق للدعاية الرخيصة ، ودوره فى وقائع الإفساد السياسي فى العهد الملكي ، وأصدرت فى ختام جلساتها أحكاما ضده وضد المتهمين معه بالإدانة وبالغرامة أيضا .

*   *   *

بعد سنوات من العزلة والانطواء داخل منزله أو فى " الركن " الذى كان يقبع فيه يوميا بفندق " اغراند هوتيل " القديم بطرابلس حيث كنا نلتقي به من حين لآخر، توجه احمد الصالحين إلى لندن ليشترك فى تنفيذ مشروع الصحفي المرحوم رشاد ألهوني وهو اصدر( صحيفة عربية ) فى بريطانيا ، وقد تبنّى الملحق العسكري فى السفارة الليبية يومها ، وهو ابن عم العقيد القذافى ، سيد قذاف الدم ، .. تبنّى المشروع وقرر دعمه ماليا ، بل وعمل " سيد قذاف الدم " على إلزام عدد من التجار والسماسرة الليبيين " من المنتفعين بصفقات الأسلحة " التى تم إبرامها فى تلك الآونة ، ألزمهم بالتبرع لمشروع إصدار جريدة ( العرب ) بمبالغ هامة نشرت ( العرب ) بيانا بأسمائهم بعد ذلك . وبالفعل فقد صدرت ( العرب ) فى شهر يونيو 1977 بجهود وكفاءة المرحوم رشاد ألهوني المهنية ، والدعم المالي للملحق العسكري سيد قذاف الدم ، وقد كان رشاد ، مديرا للتحرير فى جريدة ( الحقيقة ) التى كان يصدرها فى بنغازي شقيقه المرحوم محمد بشير الهوني ، وشارك فى إصدار( العرب ) أيضا الإنجليزي ، المستر كليفت ديفز Clifton Davis ، المدير المالي فى عهد الإدارة البريطانية بليبيا والذي بقى حتى السنوات الأولى بعد الاستقلال وظهر اسمه فى ( ترويسة ) الصحيفة ! الا أن المرحوم احمد الصالحين سرعان ما اختلف مع رشاد ألهوني ، وتمكن بما له من دهاء وخبرة فى التآمر عليه ، ومن طرده والاستيلاء على الجريدة والاعتماد فى إصدارها وتحريرها على الكتاب اللبنانيين والمصريين ومحترفي العمل الصحفي من المصريين والعرب العاطلين والمتواجدين حينها فى بريطانيا .
ووضع احمد الصالحين على رأس الجريدة شعاره القومي التالي : ( العرب لكل العرب ، شعارها من المحيط إلى الخليج وطننا ، والقومية والوحدة العربية غايتنا ) !! ونجح بذلك فى استرضاء العقيد القذافى الذى ترفع " ثورته " نفس الشعار، وتمكن من التقرب أكثر من نظامه والعمل لترويج دعايته وشعارات ثورته ، وبالتالي أصبح القذافى يدعم جريدة ( العرب ) بسخاء ويستخدمها ويعتمد عليها فى تنشيط إعلامه الخارجي ، وأخذ العقيد القذافى منذ البداية على نفقته دفع رواتب الكتاب العرب وخاصة المصريين المعادين للرئيس أنور السادات ! وتتولى " الجماهيرية " أيضا ، الصرف على مكاتب جريدة العرب فى طرابلس والقاهرة حتى الآن وتتحمل كل ما تحتاجه من نفقات التسيير والعمل .

*   *   *

وكان المرحوم احمد الصالحين قد استقبل فى البداية ، من طرف المسئولين فى دول الخليج باعتباره وزيرا سابقا للإعلام فى المملكة الليبية أو هكذا قدّم نفسه لهم عند بداية الاتصال ؟ وتمكن بعدها من الوصول إلى بغداد والارتباط بعلاقة متينة وخاصة مع مخابرات حزب البعث العراقي مكنته من تنويع موارده ومكنت البعث من أن تصبح ( العرب ) صحيفته الأولى التى تنطق باسمه فى بريطانيا ؟ ولم تنجح جريدة عربية غير( العرب ) فى أن تجمع معمرالقذافى وصدام حسين فى صفحة واحدة، حتى فى أيام تأزّم العلاقات بينهما بسبب حرب الخليج الأولى ! وحين كانت بغداد تتهم القذافى بإرسال السلاح وتقديم الدعم العسكري للجيش الإيراني خلال الحرب الطاحنة التى دارت رحاها بين البلدين !! وتلك هي - فى الواقع - إحدى مواهب الرجل الخاصة وقدراته الخارقة فى العمل على مختلف الساحات العربية ، وليس غير احمد الصالحين -رحمه الله-من يصدر جريدة يومية دون أن يكون حقا صحفيا ، يمتلك الموهبة والكفاءة اللازمة والقدرة على الكتابة ! وليس غيره من يدير أعماله فى لندن وهو لا يتكلم الإنجليزية ولا يعرف أي لغة أجنبية أخرى ، وتنشر جريدته صباح كل يوم " افتتاحية " عما يجرى من أحداث تحمل اسمه الآخر وهو " احمد ألهوني " !!
وبذكائه الفطري الخارق وقدرته على اقتحام الأشخاص المهمين والتقرب منهم نجح المرحوم احمد الصالحين فى إقامة صداقات واسعة مع شخصيات سعودية ومشايخ من الخليج ، وأصبح بعد رحيل رئيس تونس المجاهد ، الحبيب بورقيبه ، صديقا مقربا للرئيس التونسي زين العابدين بن على ، الذى سهل له الإقامة الدائمة والمريحة فى إحدى مدن بلاده الجميلة ، وسهّل له إصدار طبعة خاصة لجريدته فى مطابع الدولة ، للتوزيع فى " الجماهيرية العظمى " وبلدان المغرب الكبير! ولكن المرحوم احمد الصالحين حرص على الدوام ، أن تبقى جريدته ( العرب ) لسان النظام الحاكم فى ليبيا أولاً ، ومنبر دعاياته الخارجية والمحلية ، ولذلك فقد كانت ( الصحيفة ) الأولى والوحيدة التى توزع فى ليبيا ، والصحيفة الوحيدة التى يمنحها نظام القذافى كل الحماية وكل الدعم والتسهيلات والمساعدة .

*   *   *

احمد الصالحين ألهوني ، المتواضع النشأة ، المحدود التعليم ، ظاهرة متميّزة فى ليبيا تلفت النظر وتستحق الدراسة والتأمل ، من حيث الجرأة والذكاء الفطري والقدرة على اقتحام الشخصيات الكبيرة والمهمة والاستيلاء على إعجابها والظفر برضاها والتقرب منها ، وقد أنجبت ليبيا من هذه " العينة " عددا من الأشخاص الموهوبين فى القدرة على استرضاء الحاكم والتحول إلى أداة طيعة فى يده متفانية فى خدمته ، فهناك الكثير من أمثال المرحوم الصالحين وعلى شاكلته ، وهم وان كانوا على قدر أوفر من الكفاءة التعليمية والمهنية الا أنهم لم يبلغوا قطعا ما بلغه الرجل من نجاح وحظوة ومركز، رغم أن دورهم ، ربما كان أخطر فى التنظير للنظام والدفاع عن أباطيله والترويج لدعاياته وتبريرنا يتورط فيه من أعمال ومن أقوال .. ! ومن هؤلاء على سبيل المثال ، الأساتذة الكبار بالطبع : على مصطفى الظراط الشهير بـ" المصراتى" وعلى فهمي خشيم وإبراهيم بشيرالغويل ورجب بو دبوس و " شاعر الشباب " على عبد القادر الزيات الشهير بـ على صدقي عبد القادر ، .. الا أن الراحل ، المرحوم احمد الصالحين كان بحق ، ذا موهبة خاصة ومتميزة وخارقة وذات قدرة عالية على ممارسة كل شئ يمكنه من الفوز بحظوة خاصة فى قلوب " الحكام " ورجال السلطة ، فى الجماهيرية " العظمى " ويظفر بمنافعهم وعطاياهم ، ومتميز الذكاء أيضا فى التعامل مع كل حكام العرب ، فى كل الأوقات وفى جميع الظروف ! عدا السلطان قابوس ورجال مملكته فى دولة عمان ! فلقد جرب المرحوم الصالحين ربط علائقه بالسلطنة ولكنه منى بفشل ذريع سببه ارتكابه ( خطأً ) صغيرا أقفل فى وجهه بعد ذلك الأبواب نهائيا وباءت مساعيه وكل محاولاته لاختراق السلطنة بالفشل الذريع وظل بعيدا عنها حتى رحيله .. والخطأ الذى وقع احمد الصالحين فى مطبته حدث يوم التقى بوزير الخارجية العماني السيد يوسف العلوي ، وقدم نفسه إليه باعتباره " ابن عم " الرائد عبد المنعم الهوني الذى يحمل اسمه ، وكان الرائد عبد المنعم ألهوني يومها يتولى منصب وزير خارجية الجمهورية العربية الليبية ويتولى فى الوقت نفسه منصب مدير للمخابرات العسكرية وهو قبل ذلك كله أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة ، ولكن العمانيين ما لبثوا أن اكتشفوا الكذبة ، فاسقطوا احمد الصالحين من حسابهم وأوصدوا أبواب بلادهم فى وجهه إلى الأبد .
بيد أن الذى يساعد هذه العيّنة من البشر ، على بلوغ تلك الغاية من الوصول إلى الحكام والارتماء فى أحضانهم والاستحواذ على قلوبهم والنجاح فى تقديم كل ما يرغبون فيه من خدمات هو أن لا يكون لهؤلاء المتزلّفين - فى الواقع - أي وازع من ضمير أو رادع من خلق أو دين ، يقلل من تهافتهم على الخدمة واستعدادهم لتقديم كل شئ يمكنهم من النجاح فى أدائها .. ولكن الموهبة والنجاح شئ .. وقيمة العمل وسلامته شئ آخر!

*   *   *

كان المرحوم احمد الصالحين من المبهورين والمعجبين جدا بالإعلامي العراقي الكبير يونس بحري الذى التقى بهتلر وعمل مع النازيين وأسس القسم العربي فى إذاعة برلين أثناء الحرب العالمية الثانية وأطلق من هناك " هتافه" المشهور ( حي العرب ) عند بداية البرنامج .. ولكنه اختفى عند نهاية الحرب وهزيمة هتلر وظهر بعد ذلك فى باريس ! وأصدر منها جريدته ( العرب ) التى تطبع فى فرنسا وتوزع فى البلدان العربية ، ولم يتتبع من طرف الحلفاء بعد انتصارهم فى الحرب باعتباره نازيًا !
وكان المرحوم احمد الصالحين يحلم بأن يقوم بدور مماثل ليونس بحري ويبلغ ما بلغه هذا الإعلامي العبقري من صيت وشهرة ، على الرغم من أن يونس بحري على خلاف المرحوم احمد الصالحين ، كان عالما واسع المعرفة ومثقفا عراقيا كبيرا ، ومذيعا ذا قدرات صوتية وكلامية وكفاءة إذاعية وموهبة فنية متميزة لم تتكرر على امتداد المنطقة منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن ! كان يونس بحري أشهر مذيع عربي وأقوى وأجمل صوت عربي يسمعه العرب من إذاعة برلين خلال العرب العالمية الثانية مبتدءا برامجه بمقولته الشهيرة : " حيّ العرب " منافسا فى الوقت نفسه ، عمالقة الإذاعات الكبرى فى ذلك الزمن .. من أمثال أستاذنا الكبير ( منير شمّا ) أطال الله فى عمره ، والمرحوم خليل صباغ أشهر الإذاعيين وأبرز من سمع الناس أصواتهما من إذاعة لندن .
الا أن الذى يثير الأسف ويبعث على الحزن أن صديقنا المرحوم احمد الصالحين لم يكن صاحب قضية ولا تحكم مسلكه قيم مبدئية ولا حدود أخلاقية ولا مثل عليا ولا ثوابت سامية ، وليس له أيضا أية اهتمامات جدّية وصادقة بآي قضية قومية أو وطنية أو إنسانية .. ليس لديه سوى " السعي " المتواصل لجمع المال ، والتسلق لتحقيق الظهور وكسب الشهرة وجنى المنافع الشخصية .. والاندفاع فى هذا الاتجاه والعمل بأي طريقة وبأي ثمن ، ولذلك فلم تكن " ليبيا " فى الواقع ، هي التى تشغل باله ، ولم يكن شعبها هو الذى يعنيه ولم يكن كل ما حل بالوطن من كوارث وفواجع ومحن ودمار ، على يد " عسكر البدو وغوغاء الثورة الهمجية " أو ما شهدته من أحداث جسام ، يقضّ مضجعه أو يحتل حيزا فى ذهنه ولا مساحة فى وجدانه .

وقع الانقلاب المشبوه وأسقطت دولة ليبيا الفتية وتدافع " الانقلابيون الجهلة وعساكر البدو الرحل " لقطع مسيرتها فى اتجاه البناء والتنمية والتقدم .. أطاح الانقلابيون والوافدون على ليبيا بعد تفجّر النفط بالملك الصالح الذى كان احمد الصالحين الهونى يضرب على صدره وهو يصرخ فى وجوهنا بالولاء له ويفخر بالتفانى فى خدمته و بأنه قبل ذلك وبعده " سنوسى " حتى النخاع !!
وبفضل تلك الدولة عليه ورعاية ملكها الصالح للجميع ، ومناخ التسامح والاستقرار فى ربوعها وسيادة القانون ، تمكن الرجل من انتشال نفسه من قاع النشأة المتواضعة ، وتهيأت له فرص الصعود إلى مراتب الوزراء وكبار رجال الدولة .
ولكنه أدار ظهره لكل ذلك ، وهرع للترحيب بـ " الانقلاب " الذى ألغى اسم " ليبيا " وخرب مشروعها الحضاري وهدم كل ما حققته من منجزات ثمانية عشر سنة من الاستقلال والحكم الوطني الراشد .. بل ، وأباد نخبتها المؤهلة والمثقفة وكوادرها الكفأة ، وألغى ركنا من دينها الإسلامي وهو السنة المحمدية ، وعلق طلبة الجامعة والرجال الشرفاء والأبرياء على أعواد المشانق .. فى الميادين العامة !! وعاث غوغاؤه وميليشياته فى ليبيا الفساد ، ومكن أولاده وأسرته وقبيلته وعناصر مخابراته والمرتزقة ، من قهر ليبيا ونهب ثرواتها وسرقة قوت شعبها وتمريغ سمعتها فى التراب .. جرى كل ذلك .. ولم ينبس المرحوم احمد الصالحين ببنت شفة .. بكلمة احتجاج واحدة أو يبدى لفتة تعبرعن إحساس بالأسف على ما يقع ، لقد أعطى ظهره للناس أجمعين وأنشغل فقط بتوثيق صلاته برجال السلطة فى ( دولة الحقراء ) وواصل تزلفه ومديحه " للقائد الأممى" معمر القذافى والإشادة بمنجزاته والدعاية الكاذبة لصالح جماهيرته ليس فقط على وريقات جريدته التافهة .. بل حتى من على منابر الفضائيات العربية النفطية المشبوهة ، عندما يستضيفونه !!
كان وطن الصالحين ، فى الحقيقة ، هو " ذاته " وكان شعبه هو " شخصه " ولا شىْ أبعد من ذلك .. وكان كل همه فى هذه الدنيا ، هو جمع المال واللهث وراء ما يعود على شخصه من منافع ، ولا توجد أية حدود يمكن أن تقف فى وجه ما يسعى إليه من منافع لنفسه ، وهو مثل غيره من أدوات السلطة وخدمها وبقية عناصر طغمتها الحاكمة ، ، هو غافل عن " الحقيـقـة الكـبرى " ولا يعمل لها أي حساب على الإطلاق .. غافل عن " المـوت " وناسٍ أن " الموت " هو وحده الذى ينتظر كل إنسان ، فى نهاية الطريق ! شأنه فى ذلك شأن كل" الغافـلـين " المتمترسين بسلطة الباطل .
ولكن الموت لا بد أن يدركهم جميعا ولو كانوا فى بروج مشيّدة داخل الثكنات " المسلحة " أو الخيام " المصفحة والمكيفة " المنصوبة بين كثبان الرمال فى غياهب صحراء ( سرت ) القاحلة ؟ ولا بد أن تأخذهم " حتميته " أخذ عزيزٍ مقتدر .. طال المدى أو قصر ..
وكثيرا ما تنتاب " المرء " حيرة قاسية وشك مرير : كيف ينسى هؤلاء البغاة والطغاة ، الموت .. ويغفلون حقيقته ؟؟!!
وإذا كان هؤلاء القوم ، حقا " مؤمنين " ومسلمين ؟ .. إذا كانوا كذلك ، فكيف لا يتذكرون البعث .. والنشور .. واليوم الآخر.. والمثول بين يدي الله ومواجهة الحساب و العقاب .. ؟ .. !!

" فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ، ووفيت كل نفس
ما كسبت وهم لا يظلمون "

" أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات
كالمفسدين فى الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار " ؟

صدق الله العظيم

روزبه ابن داذويه


السيد أحمد الصالحين الهوني

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home