Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Monday, 4 December, 2006

في آليات كيفية إنتاج السلطة... أو في كيفية إنتاج"الحقيقة"

مختبر بنـغـازي للسيميائيات وتحليـل الخـطاب

"ان تأويلي الجديد سيمنح فلاسفة المستقبل، الذين سيكونون سادة الارض، الوقاحة الضرورية".... "إليكم أيها المستكشفون والمجربون الجسورون، إلى كل من يركب في ظل قلوع ماكرة في بحار مرعبة، إليكم يا من تدورون في فلك الألغاز والأفول، يا من نفوسكم ينقلها الفلوت إلى كل هاوية مخيفة، لا تعبئوا بأن تشقوا طريقكم فوق خيط بأصابع جبانة، وحيث تقدرون على أن تخمنوا تكرهون أن تتجادلوا."
فريدريك نيتشه/ 1888، من مقدمة كتاب"هذا هو الانسان"

أولا: ملخص تقرير التنمية الثقافية لسنة/2005،2004
(أو حكاية الأسئلة التي لم ولن يستطع مسئولو المؤسسات الثقافية الاجابة عليها!)


ـ ما هي الخدمات النوعية التي قدمتها مؤسستكم، خلال العام الماضي، ولا تشترك معها مؤسسات أخرى في هذه الخدمات، نعني الحيثيات التي وردت في قرار إنشائها؟
ـ ما هي النسبة المئوية، خلال عام، التي تضعونها لمؤسستكم، في مسيرة تحقيق أهداف مؤسستكم، وكما جاءت في قرار إنشائها؟ وما هي أسباب عدم أنجاز النسبة الباقية من المستهدف؟
ـ كيف علاقة مؤسستكم بأصحاب العلاقة: كتاب وأدباء وصحفيين، والمستهدفين بخدمة المؤسسة؟
ـ كيف كانت استراتيجيتكم وآلية برامجكم التنفيذية؛ لتحقيق الأهداف التي جاءت في قرار إنشاء مؤسستكم؟
ـ هل انتم راضون عن مؤسستكم الان، النسبة المئوية التي حققتموها؟ وماذا لو قمنا بمقارنتها بمؤسسات مشابه بالدول المجاورة،في تونس ومصر مثلا؟
ـ اذا كنتم غير راضيين، كيف ترون الآليات، التي قد تساعد على تحسين وضع مؤسستكم، خلال عا م واحد فقط (القادم)؟
ـ كيف كانت آليات اختياركم للكادر الثقافي، الفني الحرفي: من رؤساء أقسام ومدراء مكاتب مثلا، وليس الإداري والمالي والقانوني؟ وما هي الكفاءات (والأهلية)، التي تطلبونها خلال فترات الترشيح؟ وكيف تمت؟ وماذا حدث فيما بعد؟
ـ ما هي المسؤوليات الأخرى التي تضطلعون بها، ومدى تأثيرها على أشغالكم ومسؤولياتكم في هذه المؤسسة؟

كانت هذه الأسئلة، التي قدمها فريق إعداد هذا التقرير إلى مسئولي المؤسسات الثقافية في بنغازي، وعددها إحدى عشر(11 مؤسسة)، ولم يستطع مسئول واحد منهم؛ ان يجيب حتى على سؤال واحد فقط من تلك الأسئلة. رغم المبررات والحجج الكثيرة، التي تعذر بها هؤلاء؛ مثل: الانشغال الدائم باللجان المؤقتة والدائمة، والسفر والاجتماعات، والعطلات والاحتفالات الوطنية والدينية، وأكثرها كان الوقت، بالتسويف والتأجيل، علما ان هذه الأسئلة قد أعطيت لهم منذ أكثر من سبعة اشهر تقريبا، ولازال الفريق ينتظر إجاباتهم...بل ويراهن أعضاء الفريق على قدرتهم على الإجابة حتى بعد نشر هذا الملخص....

أصل الحكاية وفصلها:
1 ــ 1 نأتي للحكاية ليس من البداية ولا من النهاية. ذلك لان البداية كما هي النهاية مسالة تخص العقائد والأيديولوجيات التبشيرية؛ وحقولها اليقينية الثابتة والنهائية المنسجمة. اما هذه الحكاية/ الحدوتة؛ فهي تخص حقول العلم؛ حقول ألما بين والاقتراح والاحتمال والممكن؛ بل وحتى الشك إلى حدود الفوضى والتشتت أيضا.. كما اننا لسنا ضد اى عقيدة أو ايدولوجيا، فكل مل في الامر ان كفاءتنا لاتخولنا لان نبشر أونسوق أو نروج لأي منها، رغم إننا لا ننكر انتماءنا الشخصي؛ إلى عقائد وأيديولوجيات معينة، ولكن حقل الكلام عنها؛ ليس هنا على أي حال، كما أن الفصل بين حقول العقائد والإيديولوجيات، وبين حقول العلم، هو ضرورة عملية ومعرفية، رغم صعوبة مثل هذا الفصل، الذي قد لا يتوفر بسهولة أيضا .
1 ــ 2 يعمل فريق من باحثي مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب، منذ مدة ليست بالقصيرة؛ على (ورشة) إعداد تقرير التنمية الثقافية، واذ ينشر اليوم ملخص هذا التقرير(الجزء الأول)، وهو عبارة عن الخطاطة التي اشتعل عليها الفريق، أو برنامج تنفيذ هذه الخطاطة، كما يمكن اعتباره المقدمة النظرية والتمهيدية للتقرير، وهو جزء لا يتجزءا منه أيضا. وهو يوضح كذلك الكيفية التي تمت بها اختيار العينات (النماذج أو المدونات)، إجرائيا ومنهجيا.
1 ــ 3 أن معدي هذا التقرير؛ يودون أن يعلنوا إنهم لن يعملوا على نشر هذا الملخص في وسائل النشر العمومية، الا بموجب اتفاق خاص مشروط ؛ لعل أهم هذه الشروط ، سيكون التعهد بعدم استغلاله في أي نوع من أنواع الصراعات، السياسية منها خاصة، ذلك لأنه موجه للمهتمين فقط، سواء كانوا أشخاصاً اعتباريين (المؤسسات الثقافية)، وأشخاصا طبيعيين؛ المعنيين بخدمات تلك المؤسسات، لذلك فهم يحتفظون بحقوقهم في الملكية الفكرية، باعتبارهم فنيين؛ بالمعني ألاحترافي المهني .

2 ــ 1 يود معدو التقرير، قبل الدخول في التفاصيل، اقتراح شروط للتعاقد بينهم وبين"المتلقي الافتراضي"، الذي اشتغلوا عليه لحظة إعداد التقرير. ولانعني بالتعاقد؛ صيغة الاتفاق المتصل والنهائي والتاريخي؛ لمفاهيم الهوية (منطق أرسطو)؛ بل هواتفاق مؤقت(هنا وفقط)، بالمعنى العلمي للمصادرات المبدئية، كما هى اى رسالة اتصالية بين البشر.
2 ــ 2 كما يود "فريق ورشة اعداد التقرير" إن يعلن بصراحة ووضوح؛ انه يستهدف البحث العلمي فقط، وعلى النحو الذي سيرد فيما بعد، ولا يشتغل على تقنيات صراعات الحسابات الموتورة؛ أوالمزايدات السياسية(حروب الشعارات). كما لم يعمل على تلك النتائج؛ المتعارف عليها في الندوات والملتقيات، ليس في الجماهيرية فحسب، بل والعربية والإقليمية أيضا، التي لاتدوم أكثر من الساعات التي ينفقها المشاركون في مثل هذه التجمعات في حفلات الاختتام، وأحاديث ذكرياتهم السياحية، وطرائف تلك الزيارات المتبادلة، ونعني بها النتائج التي تعارفوا عليها تحت مسميات: التوصيات والبيانات الختامية، المليئة بالعبارات المستهلكة السمجة والمملة بتكرار عجيب، مثل:
يجب وينبغي والمفروض ولابد، ويوصي الأخذ بعين الاعتبار، ويطالب وينادي ويشدد، ولا بأس بالتنديد وشجّب وإدانة الامبريالية، وكل شياطين الأرض، ولعن كل شياطين السماء.. الخ؛ تلك التقنيات والاستراتيجيات لجماعات الخطاب (الكلام)، اما الكشف عن كيفية عمل هذه الآليات (التقنيات)؛ وكيفية انبناء (إنشاء) استراتيجيات هذه الجماعات، فأنها ستكون على رأس أولويات استهدافات هذا التقرير، وبالتالي:
2 ــ 3 لايدعي معدو التقرير انهم يتحدثون باسم احد او اى قيمة معيارية؛ تدعي: الصواب والحقيقة والواقع.. الخ،او حتى قيم المزايدات(الشعارات)، التي تزعم الدفاع، او من اجل: الناس والمجتمع والوطن؛ اوالمجتمع المدني والاهلي والعسكري؛ أوالمثقفين والكتاب والادباء والصحافة وحريتها؛ اوالتاريخ والتراث والمستقبل والحداثة والتقدم والنضال الوطني التحرري والديمقراطية والعدالة وتكافؤ الفرص؛ اوحرية الابداع والفن.. الخ، هذه الاوهام المعيارية، التى لم تعد قابلة للبيع او للتداول في سوق الكلام، والتي تتناسل ذاتيا، الى الحد الذي سيكون علينا التوقف.
2 ــ 4 اهمل التقرير مسؤوليات المثقفين والكتاب والصحفيين تجاه التنمية الثقافية، تلك التي تخص قيمة الجهد والاجتهاد (بالقراءة والاطلاع؛ وهل هناك غيرها؟) من اجل تنمية قدراتهم وكفاءاتهم (COMPETENCE)، وبالتالي كيفية اشتغالهم وحجم أداءهم (PERFORMANCE) الفكري والمعرفي . وذلك لأسباب إجرائية؛ ستتضح في تفاصيل التقريرايضا، وليس لاسباب تخص تلك الممارسات الخطابية، التي يلوكها هؤلاء الكسالى من جماعات الكلام، والبارعين في إنتاج المزايدات والبطولات المجانية فقط، والتي ملخصها (المشجب) الدائم والممل: القاء اللوم والادانة والتنديد بالدولة والتخلف والسلط السياسية والأبوية والقهرية والدينية.. الخ؛ حروب(الشعارات) للأيديولوجيات السياسية .
2 ــ 5 أهمل التقرير ظاهرة: كيفية اختيار وترشيح ووصول المسئولين التنفيذيين الى المواقع الادارية لتلك المؤسسات، سواء كانت: توازنات اوتحالفات قبلية، جهوية، عشائرية، او محسوبية وشللية وتبادل المصالح، او رشاوى او شراء وإفساد ذمم.. الخ (راجع تقرير منظمة الشفافية الدولية المختصة بالفساد الإداري وتقريرها السنوي، الذي تم تعميميه من قبل اللجنة الشعبية العامة منذ عامين تقريبا).
2 ــ 6 اهمل التقرير تجاوزات تلك المؤسسات، الإدارية والمالية خاصة، لانه يركز على عينات امثلة محدده ومختارة، تخص العملية الفنية فقط؛ لآليات ممارسة التنمية. رغم انه قد تم تجاوز ذلك الإهمال، كما تم تجاوز الالتزام الإجرائي بالمكان (بنغازي)، وان كان في حدود ضيقة جدا، وذلك لمبررات تخص تقديم مستندات (حجاجية) خاصة بتلك المؤسسات والقائمين عليها. والجدير بالذكر ان هذا الإهمال؛ ليس لعدم اهمية هذه الظواهر، بل العكس صحيح. اضافة الى ان هناك مؤسسات رقابية رسمية، فنية متخصصة، انشئت لهذا الغرض، فأن هذه الظواهر تعتبر، في علوم تحليل الخطاب، هى من الممارسات غير الخطابية ؛ بل هى التي تحدد، واهميتها تكمن هنا تحديدا، كيفية إنشاء استراتيجيات الخطاب، اوالكيفية التي تنظم؛ الاقصاءات والاختيارات؛ للموضوعات ومناسبات الكلام؛ وكذلك الأشخاص المخولين بالكلام الملائم؛ باختصار: كيف يكون الكلام؟ ومتى يقال؟
2 ــ 7 أهمل التقرير الحديث على الجامعات؛ وكافة المؤسسات التعليمية الاخرى بالجماهيرية الليبية، واهمية علاقتها الحيوية بالتنمية الثقافية، ذلك لان هذه المؤسسات، تحتاج الى كفاءة وقدرة نوعية فنية؛ بالمعنى التخصصي البيداغوجي، للاشتغال على الياتها؛ وتقدير المردودية المتوقعة منها، للمواطن أوالدولة وبرامجها. التى اقل ما يقال عنها انها تشتغل على نظريات علوم القرن التاسع عشر في افضل الاحوال، ولاتحتاج الى الكلام المكرر والمضجر بشأن فشل هذه المؤسسات؛ الذى لم يعد سرا على احد؛ بل باعتراف الدولة والمتخصيين انفسهم، بل اكثر من ذلك هو عدم قدرة اعضاء هيئة التدريس بالجامعات (خاصة النجوم منهم؛ الذين درسو بالخارج؛ بودبوس والحصادي مثال فقط) المشاركة ولو بورقة واحدة فقط ، بالدوريات العلمية المحكمة، او بالمؤسسات المصنفة دوليا؛ ولا نعني بها تلك المؤسسات التي تخضع للتمثيل والتبادل الدبلوماسي بين دول الامم المتحدة؛ او التي بينها وبين الجامعات الليبية اتفاقيات متبادلة، اوحتى مصالح مشتركة؛ من تكريس اداري؛ او تدريس الابناء والمحاسيب المتبادل..الخ. رغم انه قد توفرت لدى معدي التقرير بعض الاحصاءات؛ الخاصة بالدرسات العليا؛ ولعل منها النقص؛ بل انعدام بعض الفروع العلمية الحديثة؛ مثل: فلسفة العلوم (الابستمولوجية)؛ فلسفة اللغة والمنطق الرياضي، اللسانيات والسيميائيات وتحليل الخطاب؛ وغيرها من الفروع؛ التى أضحت اساسية في الجامعات العربية الاخرى(المغاربية خاصة). ناهيك عن انعدامها تماما بسنوات التأهيل الجامعي.
2 ــ 8 كما اعتبر معدو التقرير ان الدوريات هي مؤسسات مستقلة، رغم انها تنضوي تحت نفس المؤسسات المعنية بالتقرير، ليس من صحف ومجلات فقط (الثقافة العربية، فضاءات، المؤتمر، البحوث الاعلامية، دراسات، الفصول الاربعة)، بل حتى الملف الثقافي لصحيفة الجماهيرية، وذلك لضرورات اجرائية سنتبينها في حينها.
2 ــ 9 كما اشتغل معدو التقريرعلى الفصل بين قيادات الدولة؛ التي تضع الخطط والبرامج، ضمن حدود الاستراتيجية العليا للدولة؛ تشريعات "مصدر السيادة"، ومن جهة اخرى بين المسئولين التنفيذيين (ذوى الصلاحيات الادارية والمالية) لتلك المؤسسات الثقافية، وذلك لضرورات إجرائية تخص نوعية العينات، النماذج (PARADIGM) التي تم اختيارها. وهذه الاشكالية /الصعوبة قد قادت معدي التقرير؛ الى اشكالية نظرية اكثرصعوبة، منهجيا واجرائيا، مما فرض عليهم الاشتغال على مستندات اخرى محددة ؛ لعل منها:
2 ــ 9 ــ 1 المستندات؛ التي تعتبر ممارسات خطابية لها استقلالية نوعية، مثل بعض الندوات واللقاءات مع بعض قيادات الدولة؛ مثل: المهندس سيف الإسلام معمرالقذافي، والأستاذ احمد ابراهيم الامين المساعد لمؤتمر الشعب العام (البرلمان)، واللواء سيد قذاف الدم منسق عام القيادات الشعبية الاجتماعية، واعتبارها ممارسات خطابية ايضا؛ من حيث ان كيفية تنظيمها تندرج ضمن تقنيات جماعات الخطاب؛ في ترتيب الاقصاءات والاختيارات؛ لوظائف علاقات الخضوع والارغام وكافة تقنيات سلطة الاكراه، التى تقوم عليها علاقات القوة (فوكو، بتصرف).
2 ـــ 9 ــ 2 من المساؤئ الكثيرة لاليات وضرورات؛ كيفية اختيار عناصر محددة (اى العينات والامثلة) من الظاهرة المراد دراستها، اهمال عناصراخرى، قد تكون حتى اكثر أهمية من العناصر المختارة احيانا، ورغم ان مسألة الاختيار؛ هي ضرورة إجرائية، الا انها غالبا ما تكون متعسفة، بل وذات نوايا مغرضة ايضا. ولانه ليس هناك مجال كبير للادعاء والشعوذة في حقول العلم؛ فان معدي التقرير يقرون سلفا بهذه الاشكالية والصعوبة، اضافة الى اسباب اخرى، ساهمت فى العملية الاجرائية لمحدودية الاختيارات؛ لعل منها: العدد المحدود لفريق ورشة اعداد التقرير، واعتماده على مجهوداته الفردية المتواضعة، اذ لا يتلقى اى دعم ومساندة من أي مؤسسة عامة، اواهلية، بل اكثر من ذلك فانه يتعرض لكافة تقنيات العزل والاقصاء والاهمال، مؤامرة الصمت المنضبطة، ليس قبل تلك المؤسسات فقط، بل من الافراد كذلك، حيث يمارسون معا (تحالف محترفو جماعات الإلقاء)، كافة أنواع تقنيات معاداة البحث العلمي، اوحتى من يحاول ان يجتهد ويعمل، او من يتابع فقط ما يحدث في العالم .

3 ــ 1 لان التقرير رسالة اتصالية تعاقدية، تستهدف تقديم الاقتراحات العلمية؛ فأنه سيهتم بالتركيز على أولوية: ـ الجهاز المفاهيمي لهذا التقرير؛ من عدة وأدوات نظرية، أي عنصر المرجعية أو(السياق CONTEXT).
ـ الإجراءات، أوالخطاطة والبرنامج؛ اللتان سارعليهما معدي التقرير، اى عنصرالشفرة، أو(القواعد CODES).
وذلك حسب نظرية العوامل الستة لعلوم نظريات الاتصال (مرسل، متلقي، رسالة، قناة اتصال، سياق، شفرة)، وعلى النحو الذي أنجزه رومان جاكبسون في أبحاثه العلمية الباهرة، من أن كل عامل من تلك العوامل الستة؛ تقابله وظيفة اتصالية تكون لها صفة الهيمنة والأولوية على بقية الوظائف الخمس الأخرى. وبدون الدخول في تفاصيل فنية، فأن ما يهمنا هنا هو: الوظيفة المرجعية، التي تؤدي إلى الإبلاغ والإخبار(INFORMATION)، والوظيفة المعجمية، أوالإيضاحية (اللغة الواصفة METALINGUISTIC)، وهاتان الوظيفتان شرطي التعاقد في اى كلام يستهدف الدقة العلمية؛ والانضباط المنهجي، وهما اللتان تحددان كيفية الاشتغال بالبحث العلمي، التي على المرسل أن يعلنها بوضوح وشفافية أيضا؛ لعل منها: ــ

أولا : الإقرار بذلك الفصل المبدئي والمنهجي والذي غالبا ما يكون احتماليا وتعسفيا بين الظاهرة وكيفية مقاربتها . ثانيا : الضبط الإجرائي في البحث عن كيفية المقاربة والاشتغال على الظاهرة باعتبارها مادة طبيعية فيزيائية أيضا وهذا يتطلب:
ـ تحديد الحقل الإطار النظري؛ بالاشتغال على أسئلة الكيفيات (كيف؟) لان العلم لا يشتغل على أسئلة الماهيات (ماهي؟)، الخاصة بالعقائد المطلقة واليقينيات النهائية التي لامجال للشك فيها، كما لايشتغل على اسئلة (لماذا؟)، او البحث عن ما وراء الظاهرة من أسباب ودوافع، و جوهر الأفكار، والمضامين الصافية النقية .... الخ، أو بتبسيط مخل للغة الحياة اليومية ، بما تسمى النوايا والرغبات، والطموحات الكبيرة المهووسة بالوصول إلى الحقيقة والواقع...الخ، تلك الأفكار النهوضية التبشيرية الممتلئة بالرغبات، وعقد الاضطهاد في قهر الأخر الأوروبي، والتفوق عليه التي اقل ما يقال عنها خطاب العنصرية في أخر طبعة لها بالألفية الثالثة.
ـ تحديد حقل الظاهرة / المادة: بالمعنى الفيزيائي، وهي هنا "علاقة مؤسسات الدولة المعنية بالتنمية الثقافية". وتحديدا؛ كما هى بالوثائق والمستندات: من قرارات إنشاء هذه المؤسسات (كأهداف)، اولوائحها الداخلية (التنفيذية)، أي بما هي عليه هذه المؤسسات ( فعلا)، ومدى التزامها بتلك القرارات، التشريعية والقانونية، والتي هي مبرر وجودها. كما سيبحث التقرير ايضا، في الآليات التنفيذية، التي وضعتها المؤسسات لنفسها، من خلال الأنشطة العامة التي لها صفة الخدمات التي تقدمها للمعنيين، مثل صناعة الكتب، والدوريات، الاحتفاليات، ملتقيات، ندوات ..الخ.
ـ كما يتطلب الضبط الإجرائي تحديد زمان ومكان حقل( (FIELDونموذج (PARADIGM) للظاهرة المشتغل عليها، الزمن بالمعنى الجغرافي، الذي غالبا مايأتي كعنوان فرعي (ثانوي) للمقاربة، وليس بالمعنى التاريخي، كما هي الكتب، ذات العناوين العامة والتعميمية، اى بدون عناوين فرعية، التي أزعجت المطابع العربية؛ بتحديثها عن الكليات (كل شئ)، في التاريخ والأدب والاجتماع والسياسة.. الخ، مثل: الأدب العربي في العصر العباسي، النقد الأدبي الحديث، وذلك بدون تحديد نصوص؛ اوأسماء معينة، أو زمن محدد.

3 ــ 2 لكل ذلك وغيره؛ حاول معدو التقرير تحديد حقل محدد، فكانت "المؤسسات الثقافية في بنغازي"، مابين عامي (2004ـ 2005)، هى العينة (النموذج) المختارة لظاهرة: علاقة المؤسسات الثقافية والاعلامية بالتنمية الثقافية، وذلك لضرورات إجرائية ستتضح فيما بعد، وبالتالي فان المعدين، غيرمعنيين بأساطير التأريخ والتوثيق أو خرافات مايسمى "بعلم التاريخ"؛ ومفاهيمه المتصلة، واستمرارية عناصرة الايجابية، والسلبية في التراث التاريخي..الخ، أوهام مركزية الهوية (جاك دريدا). فأن الثمن الذي كان على التقرير دفعه مقابل ذلك، هو التضحية بعدة ظواهر أخرى رغم أهميتها الفائقة. ذلك لانها تخرج عن النماذج (العينات/ المستندات) التي ارتضاها معدي التقرير لانفسهم، إضافة إلى بعض المحظورات المنهجية والصعوبات والإشكاليات النظرية التي لم يستطع التغلب عليها تلك التى تخص:
3 ــ 2 ــ 1 ما ورد بالتقرير لبعض المصطلحات مثل: علوم الاتصال (أوعلوم النص) الظاهرة اللغوية، باعتبارها ظاهرة طبيعية بالمعنى الفيزيائي..الخ. فان معدي التقرير يعلنوا إنهم بذلك، يشتغلوا على النظرية العلمية الحديثة لعلوم الاتصال (أوالنص)، علوم جينولوجيا المعرفة، كما هي لدى مدرسة الاختلاف الفرنسية وامتداداتها فيما بعد (أوتطوراتها العلمية)، المدرسة الأميركية (التفكيكية) والمدرسة التأويلية، وبشكل أكثر تحديدا على المتابعات الجادة والمثابرة للمدرسة المغاربية (والجزائر خاصة)... والتي من بين انجازاتها العلمية في هذا السياق (أن العلوم الإنسانية لا تشكل "علوما خاطئة" فحسب، بل إنها لاتشكل علوما مطلقا.. والتي ستختفي بميتة جميلة من دون أن نتمكن من التوقع ماهي النوعية الابستمولوجية الجديدة التي ستستبدلها ..) "ميشيل فوكو".
3 ــ 2 ــ 2 اذا كانت العلوم البحتة (الطبيعية) قد تطورت بشكل مذهل، تطبيقيا وتجربيا، خلال القرون الأخيرة خاصة، فربما يكون احد أسباب ذلك؛ أن الظاهرة (في الطب، أوالزراعة مثلا) تكون منفصلة عن ادوات ومعدات مقاربتها وتحليلها. واذا كانت علوم تحليل الخطاب، من حيث طموحها كمشروع علم، تعتمد حقول ومجالات "الظاهرة اللغوية(اوالكلام /الخطاب)، بالمعنى فيزيائي، وليس مجالها التصورات والأفكاروالتخيل والرغبات.. الخ، وهو ما يمنحها شرعية الدخول بجدارة إلى حقول العلوم ( التطبيقية). فأن الاشكالية التي تعرض سبيل تقدم هذه العلوم؛ فضلا عن انها في الطور الجنيني، اواقتراح تحت التأسيس أيضا، ان الظاهرة (اللغة/الخطاب)، اوالمادة الفيزيائية المستهدفة بالبحث والمقاربة؛ هى نفسها الأجهزة والأدوات؛ المفهومية؛ التى تستخدم في التحليل والبحث،عكس العلوم التطبيقية؛ كما ذكرنا .

مصادرات غـير مهـمة :
4 ــ 1 ان معدي التقرير يستهدفون تقديم اقتراحات، بالمعنى الواسع والعلمي للكلمة. تختلف وفقط ، اى تنتمي لحقول كلام مختلف عن عبارات: الراي والراي الاخر اوالمعاكس والمعارض.. الخ. اما ماهو الغرض اوالجدوى العملية، بالنسبة لفريق ورشة مختبر بنغازي، على المستوى الشخصي؟ فسيتم تأجيله الى ختام هذا الملخص. اما بالنسبة لاقتراحات التقرير للتنمية الثقافية، فان الملخص مضطر لايراد بعض من دوافع كتابة هذا التقرير، رغم خشيته من الاطالة والملل، لعل منها:
4 ــ 1 ــ 1 ان الاقتراحات التى يتقدم بها التقرير، بشأن البحث في آليات كيفية الممارسات الخطابية للمؤسسات الثقافية فقط، وخاصة انه سيكون تقرير دوري شبه سنوى،(كما يود فريق التقريران يعلن) الا اذا سئموا من التكرارغير المجدي، لانعدام المتلقي الفعلي الفاعل، واذا توفرت لهم الرغبة والشجاعة (؟!) مرة اخرى. كما يدعي فريق التقرير؛ ان اقترحاتهم؛ قد تشبة اقتراحات المشاريع الاستثمارية الاستراتيجية (نتائج المدى البعيد)، وهى ليست كاقتراحات مشاريع استثمارات البيع والشراء الانية (البورصة مثلا)، دون التقليل من شان الاخيرة بالمعنى المعياري ألقيمي أيضا. اذ ان ارباح المشاريع الاستراتيجية تتميز بصعوبة تحديد معدلاتها؛ اوقياس المردودية العملية للمدى القريب. وحتى يزيد معدي التقرير الأمر وضوحا يستشهدون بالمثال التالي :
عندما بدات مشاريع الاعداد الاولى؛ لرحلات الفضاء، منذ نصف قرن تقريبا، كانت التساؤلات؛ بل حتى الاتهامات بشان الميزانيات المقترحة الهائلة؛ المزمع تخصيصها لهذا المشروع. وحتى بعد الشروع فى التنفيذ؛ استمرت هذه الاتهامات والتساؤلات: ما هي الجدوى من وراء كل ذلك؟ الم يكن من الاجدى صرف هذه الاموال في مشاريع اكثر فائدة؛ في التعليم او الصحة؛ اواى مشروع آخر؛ قد يساهم في رفع من رفاهية للمواطن الامريكي؟ لماذا تبديد الأموال في هذا الترف العلمي؛ الذي لا معنى له؟ هل يجب علينا مسايرة هؤلاء الحالمين المتباهين المغرورين؛ ممن يطلقون علي انفسهم العلماء الجدد لعلوم الفضاء؟ ثم بعد ذلك؛ عندما هبط الانسان على القمرلاول مرة؛ قالوا: هل يعقل صرف هذه الاموال الهائلة من اجل حفنة تراب وبعض الصخور؟ وهذا ما يحدث ايضا في يومنا هذا، بشأن الميزانيات الضخمة المخصصة لمشروع رحلات كوكب المريخ، اذ يتساءلون عن جدوى هذه الرحلات والخشية من انها قد تكون عبث ولاطائل من وراءها؟
4 ــ1 ــ 2 كل ذلك؛ ولم يستطع العلماء، وخطاب البحث العلمي، تقديم اى حجة اوبرهان واحد، فيما يخص النتائج السريعة، أوالفوائد المباشرة والارباح الملحة، لمشاريعهم البحثية. ولم يكن لديهم سوى رد بسيط وضعيف، انذاك على الاقل، ولكنه كان يجد اذانا صاغية وفاعلة (متلقي فعلي)، من ذوي اصحاب العقلية الاستراتيجية المنفتحة، وهم الذين قدموا لهم الدعم اللازم، اى الرغبة والشجاعة، لاى اجتهاد وشغل مستقبلي واستراتيجي. اذ كانوا يبحثون ويشتغلون وفقط . ولكن فيما بعد ذلك بسنوات فأن النتائج؛ وما ترتبت عليها كذلك؛ فقد كانت جد عملية ومفيدة، الى الحد انها لم تكن تخطر على بال منتقديهم فقط ، بل ولا حتى على بال العلماء انفسهم. بل واكثر من هذا وذاك، فأن منتقديهم؛ هم من كانوا الاكثر حظا في الاستفادة من الفوائد والرفاهية التى اسفرت عنها هذه نتائج الابحاث العلمية لتلك الرحلات الفضائية، والتى تمثلت في حصاد هائل من الانجازات، للحد الذي سيكون من الصعوبة؛ حتى حصرها عدديا فقط ، امثلة فقط : ثورة الاتصالات العالمية من؛ فضائيات وانترنت وهواتف نقالة، بل حتى في مجالات اخرى ليس لها علاقة بالفضاء الخارجي مثل الهندسة الوراثية؛ والطب والعلاج، كما ساعدت على بعض اكتشافات أعماق البحار، والتى لم يكن يحلم الانسان بالوصول اليها، عن طريق التوصل الى تصميم غواصات خاصة تقاوم ضغط المياه الشديد.. هذا كان خلال النصف القرن الماضي فقط ، اما النتائج التي سيكشف عنها المستقبل، فعلم ذلك عند الله وحده .اما عن هذا الرد البسيط والضعيف، فقد كان الحجة الكلاسكية، التي لا يملك البحث العلمي غيرها، التي تقول:
ان ابحاث ونظريات، الفرد نوبل والبرت اينشاتين، النتائج المذهلة والباهرة؛ لم تكن لم تكن نتائجها سريعة ومباشرة، بل لم تكن لتخطر على بال أي منهما؛ حتى فى احلامهما. وهو الامرالذي حدث فيما بعد؛ وهم على قيد الحياة ايضا. فقد كانت من هذه النتائج؛ جوانب تنذر بتدمير؛ وافناء للنوع البشري نفسه (الاول اخترع الديناميت، والثاني النسبية الخاصة، التي ترتبت على بعض نتائجها؛ اختراع القنبلة الذرية)، الى درجة ان الاول كرس حياتة؛ من اجل محاصرة تلك النتائج، اذ انشيء مؤسسة ترعى البحث العلمي السلمي، التي خصصت جوائز لهذا الغرض، حملت اسمه (جوائز نوبل). والثاني باعترافه باخطاءه، حتى العلمية منها، وكيف انه لم يستوعب تلك النتائج بنفسه ( الخلافات الشهيرة، بين الكبار الثلاثة: بوهر وهايزنبزغ وانشتاين، في مؤتمر الفيزياء الدولي الاكثر شهرة (1927؛ ان لم تخني الذاكرة)، بل واعترافه بصحة ما قاله له " هايزنبرغ"، بشأن حاجة النظرية النسبية الشديدة ، لنتائج ابحاث "ماكس بلانك" (نظرية الكوانتم)، وكذلك نتائج نظرية "علاقات الارتياب" (لهايزنبرغ نفسه)، وكان هذا رد على الكلمة الشهيرة التي قالها (انشتاين)؛ انذاك : "ان الله لم يكن يلعب النرد؛ حين خلق الكون"، واعترافة بمدى سذاجتة وعدم استيعابه؛ هو نفسه لنتائج النظرية (للنسبية)، الا بعد حوالى ثلاثة عقود (في كتابه تطور الفيزياء، 1938).

5 ــ 1 لذلك يعلن فريق التقرير؛ انهم يشتغلون، في مقاربة الظاهرة، على الاقتراحات فقط؛ وعلى نحو اكثر دقة؛ على نسبة الخطأ فى مقاربتهم كذلك، اما من يبحث عن الشكل الوحيد، اوالنقطة المركزية؛ التى تنحدر منها كل اشكال الظاهرة، اوالتعبيرات والمظاهر التى تحكم الظاهرة، اوحتى من يبحث عن المواقف والاراء والمزيدات التى تعارض وتناهض وتناضل ضد السلطة، فان معدي التقرير يقولون لكل هؤلاء وغيرهم، دون ان يخشوا الملل والتكرار: انكم تبحثون في المكان الخطاء، فلسنا إبطالا أسطوريين. ويرددون مع رولان بارت (في درسه الافتتاحي لكرسي السيمولوجيا): "انهم قلة ضئيلة وهامشية جدا، ولكنها حيوية ونشطة وهي عسيرة القراءة ايضا ولكنها بحاثة "، وربما بفضل ذلك وبالرغم من ذلك ايضا.
5 ــ 1 ــ1 والجدير بالملاحظة هنا؛ ان ادارة ورشة التقرير؛ قد مارست هذا الامر حتى على نفسها كذلك. اذ كتب احد اعضاء الفريق في بداية اشغال الورشة، عدة اوراق بطريقة متسرعة، بدون بحث او أي مجهود يذكر، اذ لم يستغرق كتابتها سوى عدة ساعات فقط. ولكن لان ادارة الورشة لا تعترف بقيمة اى عمل ، الا بعدد الساعات التى تنفق في في انجاز هذا العمل .. فقد قامت بلفت انتباه الباحث لهذا الامر، كما شددت على ضرورة الاشتغال على هذه الاوراق، واعتبارها مادة خام، يمكن الاشتغال عليها. والا فهي مضطرة، رغم قلة عدد الفريق، لاستبعاد هذه الاوراق من التقرير. واعتبارها مجرد اراء ومواقف ضد المؤسسات والقائمين عليها، بالرغم من شجاعة وجراة هذه الاوراق والتى تقدرهما بشدة كذلك ايضا. كما قد يكون لها مكان ما اخر غير هذا التقرير، حيث ستجد رواجا كبيرا لها، ضمن بضائع سوق (حروب الشعارات والمزيدات السياسية والشخصية)، ذلك؛ وكما يقول، ج . دسنتي: "من يصرخ : لا لسلطة الدولة، هو ذاته يهمس: نعم لحزبه او لشلته او اى جماعة اخرى ينتمى لها. ففعل السلطة قائم في/ وراء هذه الـ "لا"، او هذه الـ "نعم"، او كما استنتج هــ . لوفيفر: "ان الدهاء الاقصى للسلطة هو في اعتراضها على ذاتها طقسيا، لكي تتوطد فعلا بصورة افضل".

6 ــ 1 رغم خشية التقرير من التكرار الممل الا انه في بعض المسائل التى تخص الاجراءات المنهجية، فانه يستهدف التكرارلاسباب تخصصية، فنية وحرفية، لعل منها: ان الاشتغال على الظاهرة اللغوية (الممارسات الخطابية)؛ لاعلاقة له بالرغبات، الحب اوالكراهية، اوالمواقف الشخصية للباحث من الظاهرة. الا هذا الامر لايتعارض مع معنى الرغبة والحب التى يمنحها الشغل والعمل والاجتهاد، اى معنى الاحساس بالجدوى من الحياة تحديدا. (هذا اذا سمحت لنا مؤسسة النقد الادبي العربية، واذا كان في ليبيا شيء منها، بكتاباتها التى لاتخرج عن الحب اوالكراهية للنصوص والاشخاص، والتي تحددها شبكة علاقات المصالح، من تكريس وتلميع متبادل..الخ.
كمن يشتغل على ظاهرة اعماق البحار؛ اوالشفرة الوراثية؛ اوحتى الفيروسات المسببه للامراض الفتاكة.. الخ، فأن الامر لا علاقة له بالحب اوالكراهية، بل الامر الحاسم؛ وهو مايعطي نتائج عملية ومفيدة فيما بعد؛ هوالاجتهاد والجدية والاخلاص فى الشغل فقط .
كما ان نتائج البحث العلمي؛ ليست نهائية وكاملة دفعة واحدة، كالوصفات والتعاويذ السحرية، التى تتحدد فاعلياتها ونتائجها؛ من المرة الاولى فقط . فاما ان تكون ايجابية واما ان تكون سلبية وغير فعالة؛ وهوالامر الذي لايستوعبه متعاطي الادوية والعلاج، برغباتهم في الشفاء العاجل، رغم المحاولات اليائسة التى يبذلها الفنيون (الاكلينكيون، من اطباء وصيدلانيين) في شرح هذا الامر للمريض، من ان الوصفة الطبية ماهي سوى اقتراح فقط ، وهويحتاج الى المراجعة والمتابعة المستمرة (OBSERVATION)، والحد الادنى اسبوع في حالات المرضية البسيطة، من اجل مراقبة ارشيف ظاهرة المرض النوعية لدى المريض، وكذلك وردود فعل جسده؛ بعد تعاطي تلك الادوية، وان اى تحسن لايعنى ايضا الشفاء التام، كما يأمل المريض دائما، بل ان العلاج والتحسن بالنسبة للاطباء، يعني السيطرة على واقعه المرض؛ بعدم استفحاله وهزيمة الجسم، الامر الثاني تخفيف الآلام للمريض الى أقصى حد ممكن. وكل ذلك ضمن استراتيجية (الحرب مع واقعة المرض) تعمل على استمرارية تعديل الاقتراحات(الوصفات الطبية)، اوحتى تغييرها باقتراحات جديدة ومختلفة وهكذا. هذا مع الأخذ بعين الاعتبار شرط أساسي، هواعتراف المريض بمرضه، ومن جهة اخرى رغبتة الشديدة في الشفاء، أوإرادته القوية في الحياة، التى تستلزم منه الصبر والجلادة، في متابعة المساعدة الطبية اللازمة، من تجريب ومراقبة وغيرها.

7 ــ 1 كما ان ورشة اعداد التقرير؛ لاتشتغل على اسئلة الماهيات: ماهي سلطة المؤسسات؟ وماهى ممارساتها؟ اوحتى كيف هي السلطة؟ اوكيفية هى مظاهرها؟، بل كيف تمارس؟ وهي الممارسة التى لاتتطلب اقامة نظرية سياسية في السلطة، بقدر ماتحتاج الى مقاربات وصفية تحليلية تبين كيفية عمل اليات هذه ا لممارسات الخطابية، الكيفية التى تعمل بها تقنيات جماعات الخطاب. لا كما يجب او كما ينبغي ان تكون ممارسة السلطة. ومنهجية هذه النوعية من المقاربات، هى التي تخلص البحث العلمي من امراض الايديولوجيا، وحمى المذهبية التبشيرية، كذلك من ادعاءات الافراد، وكل من هب ودب، للتنظير السياسي، اوالدعوة لاقامة بديل سياسي افضل واحسن واكثر وطنية او دينية او تقدمية اوعلمانية ومدنية وليبرالية.. الخ.
7 ــ 2 " كما لايتعلق الامر بتحليل السلطة على مستوى القصد اوالقرار، فلا يجب اخذها من الجانب الداخلي كما لايجب طرح هذا السؤال (الذي يشبه الدوامة التى لا مخرج منها): من يملك سلطة المؤسسات الثقافية؟ او مالذي يدور في روؤس مسئولي هذه المؤسسات؟ بل كيف تعمل سلطة هذه المؤسسات؟ وكيف تمارس في شبكة علاقات القوة؟ الآليات (الميكانيزمات) والتقنيات التى يكون فيها الافراد؛ في وضع الخاضعين اوالممارسين للسلطة (الصلاحيات الادارية والقانونية)، فالافراد المعنيين بخدمة هذه المؤسسات لهم، هم ليسوا ضد او مقابل (صلاحيات) مسئولي هذه المؤسسات، بل هم جميعا، احد اثار السلطة، اوهم نتيجة من نتائجها كذلك، ربما لأنهم مرغمين بواسطة شبكة علاقات الاكراه (القوة)، اوهى سلطة انتاج خطاب الحقيقة، التى تقتضيها سلطة هذه المؤسسات من اجل ان تعمل.
7 ــ 3 كما لا يمنح معدي التقرير اى ميزة لقوانين وقرارات هذه المؤسسات (قوانين انشائها لوائحها الداخلية التنظيمية او قراراتها التنفيذية الصادرة عنها) كمظهر لسلطة هذه المؤسسات ذلك لانهم اعتمدوا نتائج ابحاث "ميشيل فوكو" العلمية، التى منها: سيكون من المجدي والمفيد عمليا مقاربة الكشف عن مختلف التقنيات القسرية لهذه المؤسسات، باعتبارها مجموعة من التعليمات المنظمة لكافة اشكال الاقصاءات والعزل والاختيارات وبمسائلة شبكة هذه التعليمات نفسها، في علاقاتها الاكراهية (علاقات القوة)، باستنطاق ممارستها الخطابية، كأحداث ونتائج، ومتابعتها كما تتبدي وكما هي كائنة فعلا (*).
7 ــ 4 وحتى يزيد الملخص الامر وضوحا، يقول ان اشغال ورشة هذا التقرير لاتعمل ضد مؤسسات الدولة بل "معها"، رغم ان "معها" هذه؛ ليست بالمعنى السياسي ايضا (اواستراتيجيات تحشيد الانصار، ننوه بنجاح أجندة د. عبدالله عثمان؛ بهذا الخصوص رغم ان الغالبية الساحقة لهؤلاء الانصار لايعول عليهم؛ فى اى تنمية ثقافية تذكر)، بل "معها"، بمعنى النزاهة العلمية التي تعني؛ والشرف الفكري الذي يفرض : الاقرار بان تلك المؤسسات لم تفشل فقط في تحقيق الحد الادنى من التنمية الثقافية، بل ايضا في قدرتها على أنتاج مشكلات يومية تبتلع الوقت وتستنزف جهد الافراد وخاصة العاملين في مجموع اجهزة الثقافة والاعلام، بأختصار لم تعد قادرة على انتاج خطاب الحقيقة (اوبالتعبيرالساذج المعياري المبتذل: فقدت مصداقيتها)، وهى الوظيفة العملية التى وجدت من اجلها، وبالتالى فقدت مبررشرعيتها، كسلطة.
7 ــ 5 لان المسالة، كما يستنتج فوكو، لا تنتمي لنظرية السيادة ، من قوانين وتشريعات دستورية، ذلك لان سلطة هذه المؤسسات؛ تكمن في كيفية ممارسة صلاحيتها (سلطاتها)؛ بواسطة انتاج الحقيقة ، فنحن جميعا دون استثناء ملزمون ومرغمون؛ على الاعتراف بالحقيقة؛ وعلينا ايجادها، ونجاح السلطة في عدم توقفها عن المساءلة؛ عن مساءلتنا لانها تؤسس البحث عن الحقيقة و تجعله احترافيا وتمنحه مكافأة.

8 ــ 1 لان فشل مؤسسات الدولة الثقافية، ليس سر من الأسرار، بل هو حديث معلن؛ حتى لدى مسئولي المؤسسات أنفسهم؛ في ندواتهم ولقاءاتهم الرسمية، فضلا على انها جزء من ظاهرة اعم: فشل أنظمة واستراتيجيات مؤسسات النظام الإقليمي العربي. اذ تكفي نظرة سريعة للفضائيات العربية لاكتشاف هذا الامر دون ادنى عناء يذكر.
8 ـــ 2 ومع ذلك؛ لابأس من تكرار المستند/المثال؛ وليس حصرا، والذي اشتغل عليه معدي التقرير أيضا، اى الأسئلة التي وردت في بداية هذا الملخص، والتي تم تقديمها لهؤلاء المسؤلين للاجابة عليها. ولكن ما حدث، وهو الامر المتوقع ايضا، انهم جميعا وبدون استثناء؛ رفضوا،او فشلوا، اوعدم قدرتهم،او لم يستطيعوا (بأمكانك ان تختار ما تشاء من هذه الالفاظ)، الإجابة حتى على البعض منها فقط . ولعل في ذلك؛ بعض من كيفية إنتاجها؛ للمشكلات والعراقيل اليومية، اوللمنح المجاني، الغريب والعجيب، لتلك البطولات المجانية والوهمية، لهؤلاء الكسالى؛ الذين يعانون من قلة الموهبة؛ والبطالة الادبية والعلمية (عدم الجدية والاجتهاد؛ بالقراءة والإطلاع: هل هناك غيرها؟).
8 ــ 3 اما اذا اعتمدنا وبوضوح، كما يقول معدو التقرير؛ نتائج ابحاث (ميشيل فوكو) العلمية، الخاصة بفشل السلطة (ليس بالمعنى السياسي فقط) في كيفية انتاج الحقيقة. عند أنهيار توازن علاقات ارادة القوة، وبالتالي انهيار شبكة العلاقات بين اعضاء محافل جماعات احتراف الإلقاء، سواء كانو داخل المؤسسات او خارجها، ذلك لان علاقات القوة، في جملة استراتيجياتها وتكتيكاتها؛ وفي كل أشكالها للإخضاع والهيمنة، تؤدي الى علاقات الحرب. من حيث ان السلطة؛ هى استمرار للحرب بوسائل أخرى، هذا إذا قلبنا مفهوم "استراتيجيات الحرب؛ لكلوزفيتس"، الذي يقوم على مقولة: ان الحرب هى استمرار للسياسة بوسائل آخرى. فأن الأمر ينذر بكارثة كبيرة، قد لا تخطر على بال هؤلاء السذج الواهنين، أصحاب دعوات الأخلاق الحميدة والنزاهة الانسانية؛ ومطالب التفاهم والحواروالانفتاح؛ وقيم والتسامح والمحبة والإخاء؛ والذين يشاركون أيضا في إنتاج هذه الكارثة ألان بكتب، مثل: شرمولة هدرزة في بنغازي وسريب الدولة والمجتمع في ليبيا ومسارب مقاربات حقوق الإنسان وعراجين توطين العلم ومسرحيات، مثل: اسمي توقف واصفر والمومياء الليبية...
8 ــ 4 بالحديث عن فشل أجهزة مؤسسات الدولة الثقافية؛ يكون هذا الملخص قد تسلل خلسة؛ الى ما يعتبره أنصار الحريات الطبيعية (الليبرالية): نتائج قهر وقمع الدولة، أوهى حريات التعبير والراي والصحافة..الخ، ولكنها ليست كذلك بالنسبة لفريق إعداد التقرير، بل هى مسألة تقريرية، أوهى المعطيات والمصادرات، أوهي مجموعة التيمات (THEMES) الخام والأساسية، لإشغال ورشة عمل التقرير. ذلك وكما سبق ان اوضح هذا الملخص في الامثلة السابقة (نوبل، اينشتاين)، من ان نتائج البحث العلمي لا تكون معروفة سلفا، بل تتكشف فيما بعد، اوحتى خلال وإثناء، البحث والشغل، فضلا عن طبيعة إشغال ورشة التقرير، التي لا تستهدف نتائج؛ او توصيات؛ كما هو متعارف ومتداول، ذلك لأنها تبحث في علاقات الظاهرة (الفشل) نفسها، وليس حتى في آليات فشل المؤسسات في التنمية، باعتبارها آليات لأسباب ثابتة وقارة، اوهى جاهزة ومنجزة، وما على الباحث؛ اوصاحب الراى الحر؛ سوى معرفتها والتعبير عنها، ذلك لان إشكاليات الظاهرة؛ اعقد واصعب بكثير مما هو متوقع، حتى بالنسبة لمعدي التقرير أنفسهم.
8 ــ 5 اما كيف يمكن اعتبار الفشل مسالة تقريرية تحصيل حاصل؟ فان الضرورة الاجرائية، الشكلية ان شئنا، تفترض على الأقل تثبيت عنصر واحد من عناصر شبكة علاقات اى ظاهرة؛ عند مقاربتها بالتحليل والدراسة. فقد اعتبر معدو التقرير؛ ان عنصر فشل المؤسسات في التنمية الثقافية، هو العنصر الثابت والقار، في مقاربتهم لآليات عمل اجهزة هذه المؤسسات. معتمدين (الحجاج) على الامثلة/المستندات التى وردت سلفا، فإنهم أيضا، اعتمدوا مثال/ مستند واحد فقط، لانها أكثر من ان تحصى، كيف؟

9 ــ 1 ان فشل، أو كساد، اى منتج (بفتح التاء) يكون عمليا، في عدم وجود؛ اوعزوف المستهلكين المفترضين لهذا المنتج، واذا كان هذا معيار الفشل، فان الامر ينطبق تماما على حالة خطاب المؤسسات الثقافية، المتعين هذا الفشل تحديدا، بعدم فاعلية آليات أنتاج الحقيقة بالنسبة للمستهلكين المفترضين الأفراد، وإرغامهم بالتالي على انتاجها ايضا .
ان ما يعنيه معدو التقرير بـ عدم الفاعلية فهو تحديدا: عدم كفاءة (أوعدم أهلية) المؤسسات التنفيذية الثقافية؛ في تشغيل أجهزة المعرفة، اى وسائل مراكمة المعارف وكيفية تنظيمها وتداولها ومراقبتها، وكافة عمليات الإقصاء والاختيارات، والتي لا تترافق بالضرورة؛ والصرح الإيديولوجي للدولة، الذي أساسه الاختيارات الفكرية والنظرية لمصدر السيادة .
9 ــ 2 اما المثال/ الحجة على فشل هذه المؤسسات الرسمية، والذي اصر عليه هذا الملخص، فهو في خسارة المعركة(وإرادة القوة) الإعلامية، على ارض هذه المؤسسات نفسها، لصالح مؤسسة إعلامية أخرى؛ استطاعت تكتيكيا استثمار الفراغ الناتج عن هذه الخسارة (اوالهزيمة) لإدارة كيفية إنتاج الحقيقة. وما يزيد من فداحة هذه الهزيمة، بأن وصل الأمر الى مسئولي هذه المؤسسات نفسها(وهل هناك معنى اخر للهزيمة غير استسلام قادة المعركة ؟)، وعلى النحو الذي سيذكر بعد حين.
9 ــ 3 ــ 1 هذه المؤسسة الاعلامية ليست بالعالم الاوروأمريكي، كما قد يتصور بعض الواهمين من مدمني تعليق خيباتهم على الازمات، أصحاب عقليات التأزيم والتآمر، ازمة التخلف والتطور؛ومؤامرات الاستعمار الغربي؛ أوالعولمة، اوالأخر.. الخ، وليست ايضا مؤسسة عربية، بل هي موقع الكتروني. وبعيدا عن اى اعتبارات اخرى، بشأن التساؤلات حول مصادر دعم هذا الموقع، الا انه من الواضح، ان امكانياته جد متواضعة، اذ لاتقارن بتلك الامكانيات الهائلة لميزانيات مؤسسات الدولة الليبية؛ باجهزتها الادارية والفنية والقانونية المتضخمة؛ (تملك ليبيا (4 مليون) وحدها،اكثر من ثلاثين مؤسسة ثقافية، اكثر حتى من عدد مؤسسات ثقافية لدولة مثل الصين (مليار)!؟).
كما يعمل بهذه المؤسسات أعدادا لا حصر لها من العاملين. في نفس الوقت؛ فان عدد العاملين بهذا الموقع/ الصحيفة الالكترونية، لايتجاوز عددهم اصابع اليد، وليس لديهم سوى مراسل رسمي واحد فقط في ليبيا، رغم ما يقال عن هذا المراسل؛ والذي هو نفسه المحرر الرسمي ايضا؛ لـ "مجلة المؤتمر" ببنغازي (التي تصدرعن المركز العالمي لابحاث ودراسات الكتاب الاخضر). هذ الموقع الالكتروني؛ هو صحيفة الكترونية سياسية تسمى (ليبيا اليوم). واذا قدمنا هذا الموقع، ليس لانه الافضل، بل لانه موقع مجموعة تحترف (بالمعنى التقني المهني) الصحافة، كما تحترف السياسة، ولكن ليس بالمعنى الضيق لبرامج واهداف ايديولوجيا محددة، بل بمعنى تركيزالاهتمام على السياسة المحلية، دون إلغاء او نفي الايدولوجيا السياسية عن هذا الموقع ايضا، او ما يسمى بمقاهي المثقفين؛ والمتداول بالصحف عادة،"الاهتمام بالشأن العام"، ولعله يكون السبب في قدرته على استقطاب هذا العدد الكبيرمن الكتاب والمثقفين؛ داخل وخارج الجماهيرية. ولعله يكون ايضا السبب فى اختياره، الذي لا ينكر معدي التقرير انه اختيارا متعسفا ومغرضا ايضا؛ شأن كل ارغامات آلية اى اختيار، اى هى ضرورة اجرائية، الكلام على عينات لها مواصفات محددة وبعينها، حتى يكون التحليل، وصفيا وتطبيقيا؛ بشكل عملي ومجدي ايضا. ولذلك لا يجب ان لا ينسينا هذا الاختيار موقع اخر(ليبيا جيل)؛ له نفس مواصفات العينة المختارة، لا ينطبق عليه شرط: التفرغ والاحتراف المهني، ففضلا عن انه موقع فردي، رغم منافستة الشديدة، بل والتغلب احيانا على موقع (ليبيا اليوم) في كثير من الموضوعات، ليس مجال الحديث عنها بالتفصيل في هذا الملخص، اما المواقع الاخرى النوعية، الأدبية والثقافية (المقتطف مثلا)، او المواقع الاكاديمية العلمية (ليبيا وطننا مثلا)؛ فأنها تخرج عن إطار شروط هذا السياق فقط، ولكنها لا تخرج من سياق التقرير نفسه.
9 ــ 3 ــ 2 وبغض النظر عن اى اعتبارات أخرى؛ بشأن مؤيدي ومعارضي هذا الموقع، بما يقال عن عدم دقة الاخبار والمعلومات، أو حتى المبالغة في صناعة الحدث، لصالح إلايديولوجيا السياسية (= حروب مزيدات الشعارات)، أواعتبارات الترويج المتبادل وصداقة التحالفات الشللية (لمجلة المؤتمر وأصدقاءها وصديقاتها)، فان معدي التقرير اعتمدوا، وهو ما يعنيهم بالبحث والدراسة، كيفية انبناء (إنشاء) استراتيجيات الخطاب، من إجراءات واستهدافات؛ اى النجاح في كيفية ادراة تقنيات الاتصال بالأفراد.اما كيف وصل هذا الموقع الالكتروني الى هذه النتيجة في النجاح؟ أليكم المستند التالي: بداية لقد تقررت النتيجة سلفا، بمجموع الارغمات التي مارستها آليات إنتاج خطاب هذا الموقع، حتى اصبح المسؤولين عن النشر في الدوريات والمطبوعات الرسمية للدولة؛ هم انفسهم الكتاب الرئيسيين لهذا الموقع الالكتروني ايضا. بل اكثر من ذلك، بالهيمنة عليهم وإجبارهم؛ على إنتاج إرادة القوة، لصالح خطاب الايدولوجيا السياسية لهذا الموقع، وليس لصالح خطاب الهامش/ خطاب الاجتهاد والبحث العلمي ، الذي لا يعاني من صعوبة النشر في تلك المؤسسات فقط، بل يعاني من كافة انواع الاقصاء والعزل والنبذ (مؤامرة الصمت) ايضا، بما في ذلك هذا الموقع نفسه (ليبيا اليوم)؛ الذي يطالب بالديمقراطية والحريات الصحفية؛ قد صادرعدة مقالات لمشرف مختبر بنغازي، محررهذ الملخص،(هل هناك معنى آخر لشعار: حرية الصحافة والتعبير؟).
اما هؤلاء المسئولين عن النشر في الدوريات والمطبوعات الرسمية للدولة؛ وهم انفسهم الكتاب الرئيسيين لهذا الموقع الالكتروني، فهم على سبيل المثال لا الحصر:
ـ الكتاب الرئيسيين؛ وكذلك مسئولي التحرير والنشر؛ بالملف الثقافي في صحيفة الجماهيرية، الذي يعتبر اهم دورية ثقافية متخصصة موجودة الان في ليبيا.
ـ رئيس تحرير مجلة الثقافة العربية؛ وأيضا مدير تحريرها.
ـ أمين (الوزير) لأمانة الأعلام والثقافة .
ـ رئيس للهيأة العامة للصحافة، وهى المؤسسة الصحفية الرسمية الوحيدة، وتضم ثلاثة صحف (الفجر الجديد، الشمس، الجماهيرية) إضافة لمجلتي البيت والأمل.
ـ رئيس تحرير مجلة المؤتمر، وهو النقيب السابق للصحفيين.
ـ الأمين العام السابق لرابطة الأدباء والكتاب.
ـ مشرفي واستشاري إصدارات (سلسلة كتب) مجلة المؤتمر، وهم أنفسهم مسئولي رابطة الكتاب والأدباء وكذلك مسئولي النشر في مجلة الفصول الأربعة.
ـ أكثر من عشرة أعضاء (سابقين وحاليين) للجنة الإدارية؛ لمجلس تنمية الإبداع الثقافي.
9 ــ 3 ــ 3 في الوقت الذي لا يشارك فيه، هؤلاء اوغيرهم من كتاب النت؛ في أي نشاط تقيمه اى مؤسسة رسمية أخرى ليست لهم؛ اولاصدقاءهم فقط (العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم فقط)، فأن الامر يصبح؛ اقرب الى الاحاجي والالغاز؛ ويستعصي على الفهم، او يحتاج إلى ألمعية خاصة وذكاء حاد؛ لإيجاد طريقة لاستيعاب مثل هذه المسائل.

10 ــ 1 إذ ارتضى معدو التقرير، تلك المقدمات السابقة (أو المصادرات)، النظرية والإجرائية، فقد كان لزاما عليهم، تحمل ما يترتب على ذلك من نتائج، أو بالأحرى كل نتيجة تكون قد ظهرت بين الحين والآخر، من خلال التجريب وتعديل النماذج والعينات المختارة. ولكن قبل عمل جرد لأرشيف هذه النتائج/ الاقتراحات، فقد كان عليهم القيام بإجراء أخير؛ للفصل بين مسألتين؛ اوهما نظامين من اهم انظمة الخطاب، اللتين لا يساهمان في عملية إنتاج؛ آليات الهيمنة والاكراه فقط (إرادة القوة/ الحقيقة)، بل في اخفاءها وتوريتها، بخبث ودهاء.
10 ــ 1 ــ 1 ذلك لان عدم القيام بهذا الأجراء من شأنه ان يؤدي بالمقاربة والبحث الى؛ متاهات "نظرية السيادة"، التي تنتمي الى القرن 17 / 18، كما قد يؤدي إلى إحدى الأسباب، إضافة للأسباب التى ذكرها الملخص سابقا، التي اتاحت الفرصة للانتشار الكبير للموضة السائدة؛ هذه الأيام، من ادعاءات البطولات المجانية والوهمية، لهؤلاء المتحثين عن كل شئ، إلا ذواتهم الشخصية، في الوقت الذي لا يملكون فيه، الا هذه الذات فقط ، ببساطة شديدة؛ لانهم أشخاصا طبيعيين، وبالمعنى القانوني أيضا، ولا صفة اعتبارية لهم. تلك الكائنات الغريبة الناطقة، التي لا تتحدث فيه؛ عن أهدافها ومقاصدها ورغباتها الشخصية، تتحدث بإسهاب كبير عن كل شيء تقريبا، وبتغيير الألفاظ حسب مناسبات الكلام. تلك الكائنات المتنسكة الزاهدة؛ في كل ماله علاقة بالذاتي والشخصي والجسدي، أرباب مصانع إنتاج القيم، والتي لها علاقة بكيفية إنشاء استراتيجيات جماعات الخطاب، وباختصار وبوقاحة ضرورية، تلك التي لها علاقة بتقنيات كيفية تنظيم القطعان البشرية.
10ــ 1 ــ 2 اما عن تلك الاستراتيجيات وكيفية قواعد تكونها، أشكالها، آلياتها، إجراءاتها كسلطة/ معرفية (أوإدارة القوة)، أو كما يقول فوكو:
"هي السلطة الانضباطية التي لا يمكن تسويغها، ولا وصفها بعبارات النظرية القانونية للسيادة، لأنها مختلفة عنها جذريا .. ولهذه الإنضباطات خطابها الخاص، مبدعة لاجهزة المعرفة، وللحقول المختلفة للمعرفة، وهو خطاب له قاعدة، ليس بمعنى القاعدة التشريعية المشتقة من السيادة، بل من القاعدة الطبيعية (أوالمعياروالمألوف norm)، والتي تحددها تشريعات ليست مشتقة من القانون، وإنما من كيفية جعل شئ ما (خطابا) طبيعياً ومألوفاً وعادياً(Normalization)، وستكون لها مرجعيتها بالضرورة، ضمن افق نظري، لن يكون الصرح القانوني، بل حقل العلوم الإنسانية، وسيكون فضاء هذه الانضباطات هو المعرفة العادية المألوفة .. وإجمالاً، فان ما أردت إظهاره، والكلام لا يزال لفوكو، وأن الصيرورة التي أدت إلي قيام خطاب العلوم الإنسانية هو التقريب والمواجهة بين آليتين ونمطين من الخطاب متضادين بشكل كلي: فمن جهة هنالك انتظام قانون حول السيادة، ومن جهة أخرى هناك آلية الإكراه، والممارسة بواسطة الانضباط ، ومنذ القرن التاسع عشر إلي يومنا هذا، ما تزال السلطة تمارس من خلال القانون والتقنيات في الوقت نفسه ، وإن هذا التقنيات الانضباطية تحتاج إلي إجراءات قانونية، وأنه إذا كانت الإجراءات المعيارية إجراءات قانونية، فإن هذا يفسر العمل الكلي لما سميته بـ (مجتمع التطبيعي)، ومن أي كيفية جعله مألوفا بشكل طبيعي .. وأن هذا الأخيرة ، كانضباط تعمل اكثر فاكثر ضد النظام القانوني للسيادة . لقد ظهر هذا التعارض اكثر من مرة، وكان هنالك دائما شكل من الخطاب المراقب، وشكل من السلطة والمعرفة، التي تم تقديسها لكي تظهر بشكل محايد".
كان هذا الاقتباس الطويل، نسبيا، إحدى نتائج أبحاث (ميشيل فوكو)، والتي لم يرغب معدو التقرير قطع تسلسلة، رغم تصرفهم فيه أيضا، وذلك استئناسا بنتائج تلك الأبحاث، التي أظهرت لهم، كيف أن هناك آليتين يعملان معاً ضمن تقنيات الهمينة، سلطة الإكراه والإقصاء والاختيار والإرغام ، رغم تغيرهما واختلافيهما، بل وصراعهما على إدارة القوة. (أن الأقوياء لا يتحدون ، فهذه قيمة من قيم الضعفاء ، ولكنهم يتفقون، بدون اتحاد على ممارسة إرادة القوة، ضد الضعفاء الواهنين – نيتشه).
10 ــ 1 ــ 3 وكما تبين من نتائج تحليل (عينات) تلك الممارسات، مستندات معدي التقرير، وفي شبكة علاقاتها كأحداث، التي عملت آليات سلطة المعرفة الانضباطية، على إظهارها وكأنها ابدية (منذ بداية التاريخ إلي ما لانهاية)؛ وطبيعية وعادية ومألوفة (Normalization)، كما تبين في واضحة النهار، أنها ليست كما تبدو إلي هذا الحد من البراءة والعفوية، بل هي منظومة من آليات سلطوية، مدعومة بإجراءات قانونية للمؤسسات أيضا، لها ضوابطها واستراتيجياتها وقواعدها المحددة، ويكاد لا يخرج من هيمنتها أي خطاب، كما هى الكيفيات التي تتم بها: إقامة الندوات والاحتفالات والمهرجانات، وكيفية اختيار أسماء دون غيرها، لعضوية اللجان المنظمة والمعدة لهذه المناشط، وكيفية كتابة البيانات الختامية، الى انتهاء هذه المناشط بكتابة سطر في جدول تقارير هذه المؤسسات السنوية، أو منح هذا الكاتب الصديق، او ذاك الاديب القريب امتيازا ما، من نشر وصرف مكأفات ومنح تذاكرالسفر(شيلني ونشيلك، هل هناك معنى اخر لكلمة نفوذ؟)... وأخيرا، وربما تكون أولا؟، كيفية التحرش الجنسي: تلك العبارة التي استعصت علي ترجمتنا لها للعربية، ربما لعدم وجود حقل دلالي يعول عليه، ولكن يجازف فريق إعداد التقرير، ويقترح: ان اغواء الرجل/ الذكر للمرأة؛ لا يعتمد على جاذبيتة الشخصية (SEX APPEAL)، بل يعتمد اساسا، بالترهيب أو الترغيب، علي الابتزاز بالنفوذ والسلطة؛ التي تمنحها له صلاحياته (السلطة) الإدارية والقانونية للمؤسسة التي يعمل بها، وهذا الامر لا يعتبر اغواء بهذا المعنى؛ بل هو استغلال مزري لحاجة المرأة للعمل ، باعتبارها لا تملك أي مؤهلات للعمل والاجتهاد، سوى جسدها الأنثوي، الذي هو ايضا جزء من الجسد الاجتماعي؛ المستهدف ايضا للامتلاك، من قبل آليات الهيمنة والتسلط ،(راجع، تاريخ الجنسيانية، فوكو).
10 ــ 1 ــ 4 كل ذلك وغيره من مستندات (الامثلة العينية)، سترد بالتفصيل في التقرير، تلك المستندات/الممارسات الخطابية التي تتم ضمن تبادل، أوعمل تلك آلاليتين معاً، ورغم تعارضهما وصراعهما، كما ذكر آنفا، ذلك لحاجة بعضيهما للآخر، ولأجل ممارسة السلطة ... حاجة آلية سلطة المؤسسات إلي آلية سلطة المعرفة؛ في الانضباط لإنجاز تشريعات المعيار (NORM)، والتي تنفذها أجهزة المعرفة بحقولها المختلفة (حقول العلوم الإنسانية، والمثال البارز في هذا السياق، تلك العادة الرديئة، لتصحيح الأخطاء النحوية والصرفية، والمولعين بالتعريب، في كل ندوة أو أمسية ثقافية). تلك التشريعات الانضباطية، سلطة المعرفة، التي يتقنها المحترفون، حسب الكفاءه والموهبه الشخصية. وفي المقابل يحتاج خطاب الانضباط هذا؛ للشرعية التي تمنحها له الإجراءات القانونية للمؤسسات التنفيذية.
10 ــ 1 ــ5 عندما يتم ا إصدار "قرار سيادي" بإنشاء مؤسسة ثقافية ما ، فأن ما يأتي في مواد هذا القرار، فيما يخص صلاحيات الهيأة المديرة (أمانة عامة، لجنة إدارية.. الخ)، سيكون على النحو التالي، على سبيل المثال لا الحصر : وضع الخطط التنفيذية به والسياسات الإجرائية لتنفيذ أهداف هذه المؤسسة ... أن ما يحدث هنا، بهذا القرار تحديدا، أن هذه الجهة السيادية ، انها لم تعد تملك اى سلطة، أوعلى الأقل فقدت صلاحياتها (قدرتها)، ولا تملك بعد ذلك ؛ لاجل استعادة سلطتها؛ سوى حل هذه المؤسسة، أو أنشاء آخرى جديدة لتحل محلها... ذلك لان المسألة ليست مشكلة السيادة ، ومن الذي يحكم ؟ أومن يملك الصلاحيات القانونية والإدارية، كما هي نظريات السيادة ، منذ العصور الوسطى حتى الحديثة (هوبز، لوك، رسو)، التي لايزال يلوكها المثقفون والأكاديميون العرب؛ حتى يومنا هذا، خاصة أبطال أساطير المعارضة منهم. بل ان المسألة في كيفية ممارسة السلطة (هل هناك معنى لهذه الكلمة، غير كيفية التنفيذ؟). فالإشكالية ليست في الغاء مؤسسة فاشلة؛ واستحداث أخرى جديدة وبديلة، كما ليست أيضا في البحث عن الذمم المالية للمسؤولين، أوفي فسادهم الإداري أوالقانوني أوالأخلاقي (التحرش الجنسي). ذلك لان تحديد السلطة، كما يقول فوكو:
"لا ينظر إليها انطلاقا من مركزها السيادي، أومن آلياتها العامة، أوآثارها الإجمالية، بل من أطرافها البعيدة وملامحها الأخيرة حيث تصبح هشة ودقيقة، والتي تقل فيها شيئا فشيئا الممارسة القانونية. وليست المهم القيام بنوع من استنباط للسلطة من المركز، وبعد ذلك ينظر في امتدادها في القاعدة، أوفي الأسفل، وفي اية ظروف واعتبارات يتم إنتاجها، ويتم إيصالها بالعناصر الأكثر ذرية وجزئية في المؤسسة. اعتقد، والكلام لا يزال لفوكو، أنه بالعكس، يجب القيام بتحليل تصاعدي للسلطة، أي انطلاقا من الآليات القليلة والضئيلة والمحدودة والصغيرة جداً، كما اعتقد أنه يجب تحليل الطريقة أو الكيفية التي تظهر فيها السلطة في المستويات السفلي". وتلك كانت المسألة الأولى ...
10 ــ 2 اما المسألة الثانية ، فهي تخص الإدارة (أوالاستراتيجية) السياسية، التي تختلف عن الاستراتيجية العليا (حسب تعبيرالمفكرالاستراتيجي، ليدل هارت)، وليست ايضا بالمعنى القديم لنظرية السيادة، بل بالمعنى الوصفي والشكلي؛ الذي سبق الاشارة اليه هنا. أوهي الإدارة، بمعنى قيادات الميدان (في علوم الحرب وفنون القتال)، التي لا تملك أي سلطة مركزية، أو صلاحيات إدارية (بالمعنى التنفيذي)، بل هي التي تعمل على صياغة الأهداف الاستراتيجية العليا للدولة، ومراقبة وضبط تنفيذها، أوهي حسب الوصف الرسمي للجماهيرية الليبية، "القيادات الشعبية"، والتي يقوم جزء منها على صياغة قرارات المؤتمرات الشعبية، وكما جاء في هذا الملخص (فقرة 2ـ9)، من أن أشغال ورشه هذا التقرير، التي لا تعنى كثيرا بالنظرية القانونية للسيادة، من: قرارات وإجراءات؛ او كافة المدونات القانونية والتشريعية، ففضلا عن أنها قديمة؛ فأنها لا تساعد كثيرا على تبيان أو كشف آليات الهيمنة/السلطة، التي لم تعد مجدية؛ وغير عملية في البحث عن كيفية ممارسة آليات الانضباط/ سلطة المعرفة. فبدلا من دراسة القانون(المدونات)، يجب دراسة كافة التقنيات والآليات الاكراهية التي تنفذها (المؤسسات التنفيذية)، والتي هي بعيدة عن شبهة السلطة، إلي الحد أنها تعلن عن معارضتها وتذمرها من السلطة السيادية، وربما تكون تلك إحدى أخطر تقنياتها أيضاً، وعلى النحو الذي ذكره هذا الملخص نظرياً؛ (هنري لوفيفر، فقرة... )، وكما سيوضح فيما بعد تجريبياً وتطبيقياً.

11 ـ 1 كما اعتمد معدو التقرير، على مستندات آخرى، غير رسمية بالمعنى القانوني، ولذلك لن يذكر الملخص، الصفات القانونية (الشعبية) لهذه الشخصيات، وقد أختار منها ثلاث مستندات/ نصوص، تلك التي جاءت علي لسان كل من : *) المهندس سيف الإسلام معمر القذافي، في لقائه بالكتاب والصحفيين، بشأن الصحافة والأعلام، في العام الماضي (9/2005).
*) مقالة "سيد قذاف الدم"، بصحيفة الجماهيرية عدد " 482"، بتاريخ 25 /1/2006، بعنوان "انتهاز.... الفرصة".
*) لقاء الأستاذ احمد إبراهيم، بالمجلس الثقافة العام، وبعض الكتاب والصحفيين (6/2006).
11 ــ1 ــ1 ان مثل هذه اللقاءات (النصوص) قد تكشف لنا الكيفية التي تتم بها بعض الممارسات الخطابية (التي منها كيفية تنظيم وإعداد مثل هذه اللقاءات، وما يحدث بعد ذلك، كما غيرها من المناشط الأخرى)، تلك التي لها علاقة بالإجراءات الأربعة، للسلطة الانضباطية، والتي حددها بفوكو بتفصيل شديد؛ ودقة متناهية: الانتقاء والضبط والترتيب والتركيز .. وللاختصار سيختار هذا الملخص الأجراء الثاني، الخاص بتقنيات العناية بانتظام وضبط المنطوقات العبارية، التي يجب أن تقال، ولا يجب ان تقال، ما هو المناسب وغير المناسب، وما هو المقبول وغير المقبول، أو أشكال الرقابة على آليات الضبط الداخلي للمعارف، من إدانة وإقصاء، حتى لو كانت صحيحة علمياً ومنتجة عمليا، ولعل منها:
11 ــ 1 ــ 2 الاهتمام الفائق بمعرفة من سيتحدث، وإذا كان مؤهلاً للكلام، وفي ايه مجموعة يمكن إدراجه أو تصنيفه، وإلي أي أساس ينسجم مع الأشكال الأخرى (لحقول) الممارسات الخطابية، أي كيفية اختيار، بالانتقاء أو بالإقصاء، الأسماء والشخصيات التي ستحضر مثل هذه اللقاءات (أوغيرها).. الخ؛ تلك الطقوس والإجراءات التي لا تحدد قواعد الكلام؛ ليس فقط أيام الأعداد لهذه اللقاءات فقط، بل حتى قبل ذلك بكثير. التي غالباً ما يتم الاعداد بسرعة وعجلة (وهى ايضا أحدى اهم تقنياتهم: اذ لا يتم الاعداد بالعشوائية التي يتصورها بعض السذج؛ دائمي التأفف والتذمر)، من خلال انتقاء أسماء معينة دون غيرها، للأعداد والأشراف على هذه المناشط /الممارسات الخطابية للسلطة، أي هناك بعض القواعد، المحددة بدقة شديدة، بشأن كيفية الترشيح للكلام؛ أو لمهمة؛ لعضوية لجنة، بل وحتى في كيفية إقامة العلاقات الشخصية؟ ومتى؟ واين؟. مع من يجب السهر؟ ومن توجه له الدعوة للمناسبات الخاصة، ومن يجب رفضه واقصاؤه ومقاطعته، من االحقراء المنبوذين؛ الذين وجبت عليهم اللعنة والعزل. (راجع،الانثربولوجيا البنيوية، اشتراوس، فصل: السحر والساحر).
11 ــ1 ــ3 اذ تتميز هذه اللقاءات، بنوعيتها الخاصة، لأنها تتم تحت عنوان: لقاء شخصية مهمة! وهي تختلف عن الندوات والملتقيات الأخرى من: أوراق ومحاور ومداخلات.. الخ، وهو التمييز النوعي في تلك الطقوس والإجراءات، ابتداء من تقنيات البث والانتشار في تداول المعارف (أو بالتعبير القديم، الذي لا يزال يدرس في الجامعات العربية، ويلكونه هؤلاء الكسالى من المثقفين: الإشاعات وتأثيرها على الرأي العام، وعدم حرية تداول المعلومات)، الى تشكيل لجان للمتابعة، تحت شعار تنفيذ توجيهات الادارة السياسية، وهو أقصى استعراض لمهارات إرادة القوة/ سلطة المعرفة، والذي يكون أقوى واشد تسلطا ، كلما نزلنا اسفل سلم الإدارات التنفيذية، من رؤساء الإدارات والأقسام، إلي عضوية اللجان الدائمة، اما الأكثر بطشا وتسلطا فستكون تلك التي تسمى: باللجان المؤقتة...وهكذا.
11 ــ1 ــ 4 ولعل ما يوضح ويكشف كيف تتم آليات هيمنة التقنيات المعرفية من جهة، والإجراءات الإدارية والقانونية من جهة أخرى، من قبل جماعات الخطاب، في إحدى أهم واخطر إجراءاتها في أنظمة إنتاج الحقيقة، وهى ليست الوحيدة على اى حال، على سبيل المثال :
عندما تعلن إحدى الشخصيات الاعتبارية للسيادة (رئيس دولة، وزير،أو حتى رئيس منظمة إقليمية أو دولية)، باستعراض الأهداف الاستراتيجية للسيادة، فأن الذي يحدث غالباً، وفي الأنظمة البرلمانية خاصة، ستقوم المعارضة السياسية؛ باتخاذ مواقف ومزايدات (حروب الشعارات)، ضمن تقنيات التحشيد، او تقنيات الترويج ألإشهاري، من اجل الحفاظ على زبائن خطابهم، او كسب آخرين جدد، في سوق خطاب الأوهام. كما هم ضحايا السحر والشعوذة في المجتمعات البدائية (هل نحن فعلا مجتمعات متحضرة؟). كما ستنهال أسئلة التشكيك في مصداقية كلام هذه الشخصية الاعتبارية مثل: أين مصداقية الفعل؟ أين التطبيق العملي لهذه الأهداف؟ انه كلام استهلاكي وإشهاري فقط ؟ ماذا يفيدنا الكلام؟ وماذا نفعل بهذه المقولات والأهداف؟ وما هي مسئوليتكم تجاه الواقع ؟ وأنتم مركز السلطة ، وتملكون السيادة والتشريع، وانتم من منحناكم ثقتنا، ووليناكم علينا.. الخ، تلك الأسئلة/التقنيات، التي تستهدف، خطاب إرادة القوة، كسب شرعية وملكية مصانع إنتاج القيم المعيارية (إنتاج الحقيقة)، أما في افضل الأحوال، دون الخروج من هذه الآليات والإجراءات أيضا، توفر بالنوايا الطيبة، والرغبة الجادة للمشاركة في أهداف قرارات السيادة، فأن سؤالهم سيكون: ماذا بعد؟
بل ويذهب معدو التقرير إلي ابعد من ذلك، عندما قالوا: ان لعبة الاختفاء والانكشاف (أوالاستغماية، أو وابيس، أو قاش قاش؛ حسب التسمية المحلية لكل منطقة)، أولعبة توزيع أدوارهذه الطقوس المسرحية (بالمعنى التاريخي؛ لدراما الطقوس الدينية الإغريقية)، التي يمارسها المسئولين التنفيذيين للمؤسسات، بهذه الاسئلة السابقة، هي: كيف يصبحون اكثر المزايدين، واكثر المعارضين لاهداف السيادة الاستراتيجية. (فمن المعروف والشائع، أن المعارضين السياسيين الحاليين، هم من كانوا مسئولين إداريين تنفيذيين سابقين، (لاحظ كثرة الصفات التي تتقدموهم، في لقاءاتهم بالفضائيات السياسية العربية!؟)، وذلك عبر النغمة (التيمة) السائدة، في تعليق خيباتهم وفشل مؤسساتهم، بإلقاء اللوم على قلة الإمكانيات وشح الموارد المالية المخصصة لهم. ضمن هذه الاعيب من التمويه والانكشاف، ما حدث مؤخرا بتلك الندوة الخاصة بالأعلام والفضائيات، التي نظمها ثلاثة من كبار المسؤولين التنفيذيين (أما بقية المسئولين لـ 26 مؤسسة ثقافية، فلم يحضروا كالعادة!)، اذ لم يتحدثوا فيها، ولو بإشارات عابرة، عن هذين اللقاءين المهمين ( ا.احمد ابراهيم، المهندس سيف الاسلام معمر القذافي)، وما طرح فيهما من أهداف الإستراتيجية، واشكاليات البحث عن خطاب أعلامي حيوي يستجيب للمتغيرات الجديدة، والتي تغير فيها المتلقي النوعي (للشباب خاصة)، نتيجة لتطور ثورة الاتصالات و تبادل المعلومات، كما لم يتحدثوا عن كيفية الخطط التنفيذية والإجراءات العملية، لتنفيذ ما جاء في هذين اللقاءين؛ بحكم مسؤولياتهم على الاقل. وبدلا من ذلك؛ تساءلوا عن أسباب فشل خطاب الدولة الإعلامي (وكأنهم ليسوا مسئولين عنه؟)، بعد ان تحدثوا بإسهاب كبير عن أهمية الأعلام والمعرفة والثقافة، وإسهاب اكبر عن نشأة تاريخ الصحافة والاعلام، وكالعادة انتهوا، بالتوصيات والمطالبات، بمزيد من الدعم والإمكانيات للكتاب والأديب والصحفي، لأن المعركة شديدة وخطيرة ضد الإمبريالية وهيمنة القطب الواحد، كما نددوا بشدة بالغزو الثقافي والعولمة والفضائيات العربية، وحتى الأجنبية، التي تهدد الهوية والأصالة.. الخ، هذا فيما يخص انتاج الحقيقة، أما كيفية الهيمنة والتسلط، فتلك كانت من خلال إجراءات وطقوس : كيفية توزيع الكلام (المداخلات وسلطة المنصة)، توزيع إدوار البطولة والنجومية، حسب أهمية النفوذ وتبادل المصالح، من توزيع المكافأت (الهبات!) والمناصب والتكريس المتبادل (اشكرني ونشكرك، لمعني وانلمعك.. الخ).
11 ــ1 ــ 5 كل هذا يحدث بعد لقاء؛ ا.أحمد إبراهيم؛ بالكتاب والصحفيين؛ الذي تم تنظيمه ايضا ضمن آليات الاختيار والإقصاء والعزل لأسماء معينة دون غيرها، والذي قال فيه، بتشديد وتأكيد: "أن مجلس الثقافة العام ليس ملكا لأحد، بل اعتبر أن مهمتي الأساسية هي تمكينكم منه، لأنه ملكا لكم.... وليس المهم من معي ، بل الأكثر أهمية هو الحوار مع من اختلف معه، لصالح إنجاز أهداف هذا المجلس".
11 ــ1 ــ 6 فأن ما يحدث في تلك الأطراف البعيدة، وامتدادتها (التنفيذية) في الأسفل، هوالعكس تماماً (هل هناك معنى آخر للسلطة، غير كيفية التنفيذ ؟). إذا لا تسمع، من مدير إدارة؛ أو رئيس مكتب، سوى : سأعطيك/ سأمنحك/ سأنشر لك كتابك/ لا نملك ميزانية ولا موارد مالية/ ولكني سأحاول؛ وعلى مسؤوليتي الشخصية/ انهم لايريدون ثقافة حقيقية؛ ولايرغبون في إعلام فعال/ كما يجب احترام الكاتب والصحفي والاديب/ لايريدون الشغل/ انهم يحاصرونا بالقرارات والتشريعات/الله غالب.. الخ. ورغم كل هذا؛ فأن معدى التقرير يقبلون التحدي، للدخول في رهان ومقامرة، بالمعنى الحجاجي: أن يعلن أي مسؤول تنفيذي (حتى لو كان عضو لجنة مؤقتة، أو رئيس مكتب)، ويقول نفس كلام، الأستاذ أحمد إبراهيم، وحرفيا: أن هذه المؤسسة هي مؤسستكم، وليست ملكا لي، أو لأحد أخر....
11 ــ 1 ــ7 يقول معدو التقرير هذا؛ ولديهم مستند، يكشف ويوضح هذا الامر بشكل لا يقبل اللبس او سؤ الفهم. حدث مع احد هؤلاء المسئولين التنفيذيين، عندما طالبه أحد الكتاب (وهوأحد فريق إعداد التقرير أيضا)، بالاحتكام الي القانون واللوائح الداخلية (التنفيذية) للمؤسسة التي ينتميان لها، فقال له مهددا، ومستخدما لضمير المتكلم، المنفصل والمتصل، وملمحاً أنه يتحدث باسم الاستاذ أحمد إبراهيم شخصياً، وبناءعلى توجيهاته ايضا، وفي إجابة واضحة وصريحة وصارخة، قد لا تحتاج إلي أي تأويل يذكر:
"صحيح نحن لم تصدر هذه القوانين، فلسنا مصدر السيادة، سلطة الشعب، ولكنها تصدر بناء على توصياننا، ونحن الوحيدين الذين نعرف هذه القوانين، ونعرف كيف ننفذها، وفي الوقت الذي نريد، وفي المكان الذي نحدده... أما انتم فليس لديكم أي حقوق تذكر، بل نحن وفقط ، ويجب ان تعرفوا من انتم، وما هو حجمكم الحقيقي، وما هي حدودكم؟".

12 ــ 1 ضمن محاولات، اغلبها كانت فاشلة، فريق ورشة أعداد التقرير، للتخلص من آفة الادعاء، تلك التي يبدو لا نملك غيرها في الأوساط الثقافية والمعرفية العربية، ومع انتشار وباء عبقريات النبوغ المبكر، وهوس الأبطال الأسطوريين في اختراع مشاريع نهضوية عربية شاملة. وبالرغم من اعتراف، معدو التقرير، واقرارهم بأن هناك فعلا مواهب فذه وعبقريات مبدعة، كهؤلاء أصحاب الاكتشافات العلمية الباهرة، التي تعيش البشرية عالة على انجازاتهم (اديسون، موزارت، اينشتاين، نيتشه، وغيرهم)، وهي مسألة طفرات طبيعية نادرة؛ ولا تتكرر كثيرا، وغير متاحة لكل من هب ودب من الأدعياء، اذ لا علاقة لها برغبات هؤلاء المرضى المهووسين.
لكل ذلك؛ فأن كل ما تعول عليه، ورشة التقرير، هوالجهد والاجتهاد والبحث فقط لاغير، وهو ما يمنح القيمة العملية والمجدية لأي عمل، كما انهم لا يأتون بجديد، سواء على المستوى النظري، كما هو واضح من إرهاق المتن (باستشهادات فوكو خاصة)، أوعلى المستوى التطبيقي، وكما هو واضح من (مقاله سيد قذاف الدم) تلك الحرقة التي تؤكد عدم امتلاك السلطة، ليست السياسية والضيق للكلمة؛ بل بالمعنى الواسع الذي اوضحه الملخص فيما سبق، وهى الحرقة التي تؤكد ما ذهب اليه تحليل معدي التقرير، من ان هناك معرفة جد دقيقة؛ لتقنيات آليات الهيمنة والتسلط الاداري التنفيذي والقانوني. ليس فقط من عنوان المقالة، الصارخ البيان (انتهاز الفرص)، بل من خلال وصف تلك الآليات والاجراءات بالمتن ايضا، رغم ادبية وحميمية ضمير المتكلم في اسلوب المقالة،(من المعروف، ان اللواء سيد قذاف الدم، هو احد كتاب المقالة الادبية في ليبيا؛ وله العديد من الكتب في هذا الجنس الادبي). او كما جاء في هذه المقالة :
" انا انتهازي..الى الحد لا يلموني احد، لانكم كذلك..!! ان اكون انتهازيا، وهذا الخيار افضل من ان ينتهز احد، فرصة مواتية ليصل بالوشاية، والمصلحة العامة تتطلب ذلك، وكذلك المصلحة الخاصة...".
12 ــ 2 اما النص/المستند الثالث، فهو لقاء المهندس سيف الإسلام معمر القذافي؛ مع الكتاب والصحفيين(9/2005)، والذي تحدث فيه عن فشل الصحافة؛ وانعدام الحريات الصحفية بالجماهيرية، بصراحة شديدة وجرأة متميزة، الى درجة انه لم تكن هناك اى مساحة ممكنة لمزايدات نجوم البطولات المجانية، كما كان تحليله بوقائع محددة وأحداث بعينها، وليس كمثل الكلام المكرر؛ الممتلئ بضجيج التجريد والتعميم البليد، الذي لا لون له ولا رائحة، الذي يردده محترفو الإلقاء، ليس قي ليبيا فحسب؛ بل حتى بالفضائيات العربية؛ السياسية والمملة منها خاصة. كما لم يتحدث مثلهم؛ عن كل المشكلات السياسية والاجتماعية؛ وجميع أسباب الإشكاليات التاريخية والثقافية، اصلها الجوهري؛ وفصلها المركزي. مؤكد انه:
"ليست هناك مشكلة فشل الصحافة فقط، بل هناك كارثة آخرى؛ كادت ان تحدث، ولكنها اوقفت فى اللحظات الاخيرة؛ وهى مشروع قانون جديد للمطبوعات. فبعد ان قرأ بعض من مواد هذا القانون، تساءل من الذي يملك الحق قي منع انسان آخر من الكلام؛ والتعبير عن رأيه؛ وبالوسيلة التي يراها مناسبة له وللاخرين، وهو ما تكفلة التشريعات السيادية لدينا، بل ترعاه وتدافع عنه حتى خارج الجماهيرية(سلطة الشعب, الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الانسان)، وغياب الحريات الصحفية، ليست في قانون جديد للصحافة والمطبوعات؛ ولا حتى في تعديل او تطوير القوانين الموجودة الآن، كما كان سيحدث مع هذا القانون الجديد"... وهذا ما ذهب معدو التقرير في هذا الملخص وبإجراءات أخرى: من ان مشكلة السلطة، لا تكون بالبحث عنها في السيادة القانونية والتشريعية.
بل ومؤكدا ما يقول؛ بان قرأ على الحاضرين؛ بعض من مواد قانون المطبوعات لسنة 1970، الذي صدر عن مجلس قيادة الثورة، قائلا:
"اين هذا من المشروع الجديد؟ وهل هناك من يستطيع؛ القول: ان فيه ما يتعارض مع الحريات الصحفية؟ اوان مواده تتنافى مع حرية النشر؟. بل ان الحل تملكونه انتم؛ اذ ليس هناك ما يمنعكم من تطوير الصحافة والاعلام، كما هو واضح... الا اذا كنتم تريدون الامر كما هو عليه، بأمكانكم ان تعتبروا كلامي؛ كأن لم يكن"... هذا النص لم يكن حرفيا؛ بل نشر كخبر فقط، وهو نقلا عن اثنين، من فريق اعداد التقرير، حضرا هذا اللقاء، اما كيف حضرا؟ فهذا ما سيأتي بعد حين.
12 ــ 2 ــ1 اما المفاجأة؛ فقد كانت مع اعلانه: انه شخصيا قد تعرض لاضطهاد وقمع لحريته في التعبير عن رايه، وذلك بعد ان منعت مقالة له من النشر في احدى الصحف المحلية. وقالو: انها تحتاج الى موافقة واستشارة بشأن نشرها، وهنا تساءل بأستغراب شديد: موافقة من..!؟ بل واكثر من ذلك، عندما اعترض عليه، احد هؤلاء المسئولين الإداريين، قائلا: نحن في الجماهيرية لا نصادر كلام احد، وليس لدينا، كما لا نعرف مصطلح: الممنوع من النشر، فهذا مفهوم غربي ليبرالي، ونحن ضد مفاهيم الحريات الفردية المطلقة الليبرالية، إذ نحن مع حرية كل الجماهير؛ وكل السلطة للشعب.
12 ــ 2 ــ 2 رغم إصرار معدي التقرير، بعدم الحديث عن المسائل الشخصية، الا ان الاستثناءات مبرره أحيانا، خاصة إذا كانت لضرورة إجرائية يفرضها السياق/ كمستند، كما هو الحال هنا، امام هذا السيل من مفاجآت ذلك اللقاء، وخاصة اذا اتفق مع أحدى شروط التعاقد؛ التي وردت في بداية هذا الملخص؛ عدم ادعاء البطولات المجانية؛ وهو ما حدث في هذا اللقاء فعلا، عندما همس احد الحاضرين، وهو محرر التقريرايضا، لزميلة الجالس بقربه: هل يعقل ان يحدث هذا؟... منع مقالة لشخصية؛ تملك كل هذا الثقل السياسي والادبي، ليس محليا فقط، بل اقليميا ودوليا ايضا!؟ هل استطيع شخصيا؛ المزايدة والتبجح؛ بانه قد منعت لي مقالة او ثلاث بصحيفة الجماهيرية (من اصل اكثر من مئة، وهو اقل ما يحدث في اى صحيفة بالعالم!)، وكانت لاسباب حسبات شخصية، تخص تبادل مصالح علاقات الهيمنة والنفوذ(وكما ذهب فوكو) من ان السلطة؛ ليست في اعلى الهرم الاداري والتنفيذي، بل تكمن في اضعف مكان من هذا الهرم، وأكثره هشاشة: مسئول صفحة اوملف ادبي مثلا، (هل هناك معنى اخر لمصطلح بيروقراطية؟).
12 ــ 2 ــ3 رغم الجدية المسئولة والدقة الشديدة؛ لما جاء في لقاء المهندس سيف الاسلام معمر القذافي، فأن السؤال؛ الذي لايزال قائما: من هو المتلقي الافتراضي لهذا الخطاب؟
خاصة بعد اقتراح، معدو التقرير، تقسيم الحاضرين الى ثلاث مجموعات/ محافل، كما هو حضور اى ندوة/ ملتقى/ لقاء ثقافي عام:
ـ الأولى جماعات محترفي الالقاء والكتابة، أوتقنيات الآليات المعرفية، باعتبارها رأسمال رمزي/اجتماعي (كما يصف بورديو) .
ـ الثانية جماعات محترفي الإجراءات الإدارية والمالية، أو تقنيات الآليات القانونية والتنفيذية.
ـ الثالثة خطاب القلة الهامشية، حسب وصف بارت السابق، البحث العلمي من حرفيين وفنيين.

مصادرة لا محل لها من الإعراب الخاص "بنحو وصرف النص"، وليس بنحو وصرف الجملة :
13 ــ 1 ضمن محاولات هذا الملخص؛ التقليل قدر الامكان من الإسهاب والإطناب؛ الذي قد تسببه الصفات والإضافات (المضاف إليه) للمصطلح/المفهوم، فأنه وفيما سيأتي؛ سيستخدم عبارة: "آليات الهيمنة والإرغام"، اختصارا لما فصل فيه لاحقا، بشأن تقنيات جماعات الخطاب المحترفين، وكما ورد منذ قليل بشأن الآليات المعرفية من جهة، والآليات القانونية والإدارية من جهة أخرى، وتقنياتهما في كيفية ممارسة سلطة الهيمنة والإكراه، وفي كيفية انشاء (تكون) ممارسات واستراتيجيات الخطاب، فضلا عن أنها أحدى النتائج العلمية؛ لابحاث "ميشيل فوكو"، التي اشتغل عليها معدي التقرير، ومن رغب في المزيد من التفاصيل، عليه العودة لمرجعية الكلام، خاصة: دروس ميشيل فوكو(سنوات 70-71 ، 75-76)، حفريات المعرفة/ نظام الخطاب/ جينولوجيا المعرفة/ ارادة المعرفة .
13 ــ 2 يتقدم معدو التقرير بهذه النصوص/المستندات الثلاث وغيرها، ليؤكدون صحة تجربة إجراءاتهم التطبيقية؛ واختياراتهم النظرية، من ان الإدارة الاستراتيجية للدولة، هى أيضا مهمشة، وليس لها اى سلطة فعلية، بل ولا حتى السيطرة، المراقبة والمحاسبة والمتابعة، على آليات الهيمنة والإرغام. ولعل هذا ما يفسر تجاهل هذه الآليات، وخاصة المجموعة الثانية منها، لاهداف ومشاريع الادارة السياسية في التنمية الثقافية، يصل الى حد المزايدة بخطاب الحقيقة (وهذا تحديدا هو الحقل الدلالي للحرقة والأسف في مقالة: انتهاز..الفرص)، ولا يزال مثال الندوة، التي سبق الإشارة إليها؛ الخاصة بالاعلام والفضائيات والعولمة؛ التي نظمها ثلاثة من كبار مسئولي المؤسسات الثقافية في بنغازي، صالحا للمحاججة؛ وقد تكون مثال صارخ على تلك المزيدات والتجاهل.
لكن السؤال هو: لماذا؟ وهل هناك مبرر ما؛ لكل ذلك الضجيج؟ من ندوات وملتقيات ومؤتمرات ثقافية وأدبية، تلك التي يقوم بها جماعات الخطاب، ليس في ليبيا فقط؛ بل المنطقة العربية ايضا، فأن معدو التقرير يقترحون :
ان اقامة هذه النشاطات؛ من كيفية تشكيل لجان للاعداد والضيافة والاستقبال والاعلام؟ كيفية اختيار اعضاء هذه اللجان؟ كيفية اختيار العناوين والمحاور؟ ولمن توجه الدعوات؟ ومن من نجوم المنصات والمتحدثين الرئيسيين سيتكلم، الى كيفية توزيع المكافآت والنثريات..الخ تلك الطقوس/الممارسات غير الخطابية؛ اللا مفكر فيها، التي تعتبر من العاب/ طقوس تقنيات السلطة؛ في الاختفاء والتمويه. كما انها ليست عبث؛ او هى ممارسات لا معنى لها، كما يتصور بعض السذج، او هى مجرد وسيلة لتبديد وسرقة المال العام فقط، كما يتصور بعض الطامحين للارتقاء؛ بمؤهلات البوليس الجنائي، بل هي ممارسات/ طقوس/ تقنيات؛ تقوم بعدة وظائف؛ لعل منها:
13 ــ2 ــ1 الأولى: باعتبارها تنتمي الى نفس تقنيات السحر والشعوذة بالمجتمعات البدائية، لوظيفة علاقة الساحر بالطوطم، وبشكل خاص طقوس الاحتفاليات الدورية للقرابين المقدسة، التي تستهدف الاخضاع والهيمنة، أو ممارسة السلطة/ ارادة القوة، على الضحايا من البشر. اما الطقس الدوري للاحتفالات نفسها، اوتقنية التكرار، والتي لاتزال مستمرة حتى يومنا هذا، ليس فقط في تلك التعبيرات: الاحتفالات السنوية، الخمسينية، المئوية..الخ، بل ايضا في تلك الارساليات الاشهارية؛ لدعايات المنتجات التجارية، المحافل الرياضية والفنية، الحملات الانتخابية للسياسين، وكافة اهداف المنظمات الاهلية والحكومية وبرامج الايديولوجية للاحزاب.
13 ــ 2 ــ 2 الثانية: هي وظيفة الشروط المتعاقد عليها ضمنيا(غير مكتوبة)، وهي تؤدي نفس وظيفة الشروط الواضحة والمكتوبة ايضأ، لاى لعبة/ طقس، تتطلب توزيع الأدوار بين اللاعبين، وهى الشروط الضرورية والعملية، لانجاح عملية اللعب نفسها. ونعني يها وظيفة التعاقد الضمني؛ المتمثل في شرط الولاء التام والمطلق، التي يجب على الآلية القانونية والتنفيذية تقديمها لمصدر السيادة؛ بشكل علني ومتكرر ايضا، ومهما كان شكله العيني: طوطم متجسد في تمثال خيالي غريب او حيواني، في شخص الدلاي لاما، الفرعون، الملك، او في شكل مدونة دستور، برلمان. ولذلك غالبا لا يتصل مصدر السيادة، بشكل مباشر، بالبشر من الضحايا، بل عن طريق وسطاء دنيويين تنفيذيين: الكهنة او الكتبة؛ كما كان يطلق عليهم أحيانا لقب؛ وكلاء الآلهة..!
13 ــ 3 ففي الوقت الذي تعلن فيه ورشة اعداد التقرير تعاطفها وتأييدها لخطاب الاهداف الاستراتيجية (المستندات الثلاثة)، وجدنا انهم سرعان ما تراجعوا عن هذا التعاطف. ربما لان المسألة لا تتعلق بالتعاطف والحب والحماس، بل ولا حتى الكراهية الموتورة؛ من مزايدات تسجيل المواقف، مبدأ مع او ضد؛ لحروب الشعارات السياسية (هل هناك فرق بينها، وبين الحماس والتأييد، لنوادي كرة القدم؛ او للفنانين؟). ذلك لان البحث العلمي؛ يشتغل على اقتراحات تساؤلات(كيف؟)، وبدون الجرأه حتى على اقتراح مجرد اجابة واحدة فقط. ذلك لانه سيتورط، شاء أم آبى، في حقول أيديولوجيا البديل. وبالتالي فان المسألة ليست اقتراح استبدال اشخاص المسئولين، أومؤسسات بأخرى؛ او استحداث مؤسسات ثقافية جديدة، بديلة للمؤسسات القائمة، لتكون قادرة على تنفيذ طموحات الاهداف الاستراتيجية الاعلامية والمعرفية للدولة، وتستجيب للمتغيرات الدولية للقرن(21). كما ان المسألة لا تكمن في سوء اخلاق وقيم المسئولين(مثل فساد الذمم المالية)، او في النمو السرطاني لاصحاب النفوذ والهيمنة. كما ليست في اقتراح لجان لتطوير الخطاب الاعلامي والثقافي،التي تنتهي قبل ان تبدأ، او حتى في انشاء مجلات ودوريات،اومواقع الكترونية(وما اكثرها!)، كما ان المسألة ليست مشكلات تحتاج الى حلول، بل هي اشكاليات تحتاج إلى اقتراحات عملية وتجريبية في الآليات نفسها، بالمعنى العلمي التطبيقي، او كما يصف "انشتاين": "ان التطور العلمي ليس عملية هدم بناء قديم لتشييد آخر جديد مكانة، بل هو اقرب الى إشكاليات وتقنيات تسلق جبل، فكلما تقدمنا؛ كلما ظهرت صعوبات جديدة تحتاج إلى حل، وعلينا إيجاد اقصر السبل وأكثرها عملية للتغلب علي هذه المشكلات؛ وتذليل الصعوبات. فكلما ارتقينا؛ وصعدنا للاعلى؛ تصبح الرؤية أوضح وأوسع، ولكن الإشكاليات تزداد صعوبة؛ وتصبح اكثر تعقيدا أيضا".

اعتراضات واسئلة افتراضية مسبقة وقديمة :
14 ــ 1 طيلة هذه الصفحات السابقة، وانتم تحاولون تبرئة او ايجاد المبررات، بطريقة ما، "لمؤسسة الدولة"، وهي دعايات رخيصة، وهو تسويق وترويج ارخص، لقيادات الدولة. وبكل وقاحة غطيتم عجزكم المنهجي والعلمي، في ذلك الفصل بين مفهومي السيادة والسلطة. او الفصل بين ما أسميتموه، مفاهيم الاستراتيجية العليا والادارة الاستراتيجية من جهة، وبين جماعات الخطاب من جهة اخرى، سواء كانوا المسئولين الاداريين (التنفيذيين)، او النخبة المثقفة الواعية، ضمير ووجدان الشعوب، وهم الطليعة التي تدافع عنها دائما، كما يعترف التاريخ و وثائقية. وكيف تقذفون في الفراغ تلك الاختلافات، ليس بين المسئولين والمثقفين فقط، بل ايضا بين تلك الفروقات الفردية، لكل ذات متكلمة، وتفردها النوعي وتميزها الخاص.
14 ــ 2 كما تظاهرتم بأنكم لا تتبنوا التحليل الإيديولوجي؛ او مناهجه ومفاهيمه المعيارية، رغم ان الهدف هو نجاح التنمية الثقافية، الا يكون استهداف النجاح هو: قيمة معيارية ايضا، وبدلا من ذلك قمتم باختلاق كل هذا العدد من الشواذ والغرائب، لترويج بعض الموضوعات الفكرية الاساسية لنظريات الاخر الغربي، ليس بمجوداتها الاختبارية الرصينة، بل بموضوعتين او ثلاث من موضوعاتها الفكرية الاساسية، والتي هي تعميمات استقرائية؛ اكثر منها مباديء ضرورية.
14 ــ 3 ان ما يستخلصه المرء من اوراقكم هذه، هي انها ليست علما، كما انكم لا تقدمون حلول، من اى نوع لاى مشكلة، سواء كانت اجتماعية او سياسية او ادبية ثقافية، بل تقولون انها مجرد تحليل لآليات جماعات الخطاب،الية المعرفة والكلام وآلية القانون، وتركتم المسائل الخطيرة، التي تخص نهضة وتقدم شعبنا، في حالة مائجة ومترددة؛ بمنحها تلك الصفة المريبة؛ الا وهي التحليل الوصفي، او حتى صفة الاقتراحات التجريبية، لفرع معرفي لازال يشق طريقة، او هو واحدا من تلك المشاريع التي تبرر نفسها بما لا تفعله، مؤجلة باستمرار إلي ما بعد، جوهر مهمتها يتمثل فقط في لحظة تأكيدها، او حتى واحدا من تلك التدشينات التي اعلن عن عدد كبير منها منذ اكثر من قرن: اذ نعلم جيدا ان ما يستهوينا ابتكاره في الحقل النظري الحديث، ليس البتة منظومات قابلة للبرهنة، بل فروع معرفية تفتح باب امكانيتها على مصراعيه؛ نرسم برنامجها، ومن بعد نكل للاخرين مسؤولية مستقبلها ومصيرها. وما يكاد رسم نقاطها ينتهي، حتى تختفي هي واصحابها. فيبقى الحقل الذي كان عليهم تهيئته واعداده عقيما الى الابد.
14 ــ 4 لكن.. من انتم؟ وماصفتكم، وصفة خطابكم؟ وما مصدره؟ وما هي مرجعيتة الفكرية والعلمية؟ اذ ترفضون بقطعية غريبة وشاذة، وجود معنى للايدولوجيا، او اليقين والثبات والمنطق والانسجام والانتظام والاتساق، بل اكثر من ذلك تدعون للفوضى والتشتت والعبث. وما هو الاساس القانوني والادبي، الذى يصدر عنه خطابكم؟ وما حجتة وسنده؟ هل من منطلق الحرية؟ تلك القيمة الانسانية السامية، التي لا ترفضونها فحسب، بل ترفضون كل القيم المعيارية(الاخلاقية)، لصالح من؟ ولماذا؟ وكيف؟ اما اذا رغبتم في وضع خطابكم في المستوى، الذي نضع فيه انفسنا نحن، فأنتم ستندرجون في اطار لعبتنا؛ وستخدمون قضيتنا، بل وستصبحون استمرارا للابعاد التي حاولتم التخلص منها.
14 ــ 5 اننا مع الحرية، تلك القيمة المتعالية (الترنسدنتالية)، التي تمنح اى خطاب آلقة وحيويتة، تلك القيمة التي حاولتم استغلالها؛ بشكل بشع وغريب، والتى تمنع الاخرين حق التصرف بها، بتعاليها وتساميها ايضا. اذ منحتم أنفسكم حقول فضاءات طليقة، هل سهوتم عن تعهداتكم؛ على عدم الزج بخطابات الاخرين في منظومات قواعد وتقنين؟ هل تناسيتم كل تلك القيود والمصادرات؛ التي اسهبتم في عرضها؟ الم تنزعو من الافراد حق التدخل الشخصي في الوضعيات التي يتحدد خطاباتهم داخلها؟ فحينما يتعلق الامر بكم، كل شيء مباح وسهل، حتى الثورة على القيود، اما عندما يتعلق الامر بالاخرين، فأن كل شيء يغدو صعبا ومستحيلا. ومن الافضل لكم، بدون شك، ان تكونوا على وعي اوضح بالظروف التي تتكلمون ضمنها، على ان تكونا مقابل كذلك، على ثقة كبرى في العمل الحقيقي للبشر وفي امكانياتهم .
14 ــ 6 بكل هذه الحيل والألاعيب الرامية الي تغيير وجه المسألة والتغافل عن جوهرها؛ هي بطبيعة الحال متناسقة ولا غنى عنها. وهي تنطوي على مغنم ثانوي يتمثل في الميل نحو سائر اشكال الخطابات المختلفة والمتعارضة، التي ينبغي التساهل معها؛ والتي تم التنازل لها في عدة اشياء. الم نكتب: ان الحب والمسامحة هما اساس الحوار، وان الاختلاف لا يعني الخلاف، الذي لا يفسد للود قضية..!!
هل ادركتم ماذا سيكون مصيركم، ان تجرأتم على تلك المجادلات الخاصة بنا، سوف تصطدم طرقكم، التي قد يحالفها النجاح في مجالات اخرى، ارجعوا إلي تلك المجالات التي ربما (وممكن واحتمال) تكونوا قد بسطتم فيها سيطرتكم، شرط ان نتظاهر، منذ الان فصاعدا، اننا قبلناكم ما دمنا نحن الذين نرسم لكم حدود ذلك. اذ اننا لن نقبل ان يمس التاريخ ورموزه الوطنية، الذى هو تاريخنا؛ لن نقبل بقطع تلك الخيوط التي تربطنا بالاصل والهوية والذاتية، وليعلم كل من يقترب من ذلك المعقل؛ الذي نتحصن فيه؛ وحريصون على الذب عنه بقوة، باننا سنرد بحركة توقف كل انتهاك لحرمة المقدسات، واليكم جمعيا: حذار من ان تمسوا ذلك...

15 ــ 1 يعلم معدو التقرير هذه الاقوال والاسئلة وغيرها، بل لا يملكون سوى الاعتراف، لعله اضعف الايمان، بعدم قدرتهم على الرد والسجال، حتى لو ادى ذلك الى هروب بعض من متلقي خطابنا، وهو امر مرغوب فيه بشدة ايضا، وان كل ما يملكونه من ردود، وهي المفاجأة/ الساخرة (تراجيدي كومك) ايضا :
أليكم المفاجأة/الرد... وحتى تعلموا بما انتم عليه؛ وان حروبكم ليست جديدة، اذ هى تقنيات خطابية منضبطة ومرسومة بدقة شديدة، ذلك لأنها وردت في ختام الكتاب التدشيني حفريات المعرفة (ميشيل فوكو)، ردا على جماعات الخطاب هناك ومنذ اكثرمن نصف قرن تقريبا، وهي نفس اقوالكم واعتراضاتكم واسئلنكم،... وكل ما فعله معدو التقرير؛ انهم غيرا صيغة المفرد إلى صيغة الجمع، اذ ان "فوكو" قد كتب هذه الاسئلة، والردود عليها ايضا، بصيغة المفرد، كما حدث تصرف في بعض مواضع النص، لضرورات الاختصار والاختزال، ومن اراد متعة وسخرية اكثر، عليه العودة للمصدر المذكور، اذ هناك المزيد منها، فضلا عن ردود "فوكو" نفسه ...
15 ــ 2 فإذا كان هذا حال المركز الحضري، في عاصمة النور والثقافة؛ فرنسا فوكو، ديلوز، دريدا، اوهو حال عاصمة العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات، نيويورك توماس كون وتشارلز موريس، فكيف لنا ان نتصور حال ممارسات الخطابية، ليس في ليبيا فحسب، بل اللسان العربي عموما؟ وكيف نتصور حال هؤلاء المسئولين الاداريين والكتاب والادباء والصحفيين؟ وكيف نتصور قيام هؤلاء بتنمية ثقافية وعلمية؟ لا نشتط فنقول للمساهمة والمشاركة في التطورات والانجازات العلمية، بل ملاحقة ومتابعة فقط، ولانبالغ ونقول: التي تحدث بالعالم، بل التي تنجزالان، في اليابان وكوريا وماليزيا فقط..! تظل مسألة أخيرة، وهي ايضا تركها معدو التقرير لـ "فوكو" نفسه، الذي قال:
15 ــ 3 " لماذا كل هذ الحشد من الكلمات والعلامات المسجلة؛ على هذا العدد الهائل من الاوراق المعروضة على العديد من الانظار، وكل ذلك الحماس المبالغ فيه؛ من اجل الابقاء عليها بعيدا عن الإيماءة؛ التي بينتها وعبرت عنها؛ كل تلك التقوى العميقة المولعة بالاحتفاظ بها وبنقشها في ذاكرة البشر...أكل ذلك الانشغال الفكري؛ الذي يسعى الى ان يجد متنفسا يفرج عنه فيها، ومن تلك الحياة المنتهية، التي لم يبق لها من بعد سواها كي تخلد؟ او ليس الخطاب في عمقه"اثرا"؟ او ليس همسه مكانا لتخليد الذكر على مر ألازمان؟ هل يلزمني ان افترض ان حياتي الآخرة داخل خطابي، ليس في خطر؟ وأنني حينما أتكلم لا أتأمر على الموت لأهرب منها، بل أمكنها، او افسح بالآحرى كل ذاتية في ذلك الخارج الذي بلغ حدا من عدم الاكتراث بحياتي ومن الحياد، حدا ينتفي معه البتة كل اختلاف بين حياتي ومماتي؟.... فهم لا يستطيعون تحمل سماع (وهنا لا نجد لهم غير قليل من العذر) ما يقال لهم، من ان: "الخطاب ليس هو الحياة: وان زمنه ليس زمانكم، فيه لا تتصالحون مع الموت، ومن الممكن ان تكونوا قتلتم الله تحت ثقل كل ما قلتموه، لكن ان لا تعتقدوا أنكم سوف تصنعون، بكل ما تقولونه، إنسانا سيعمر أطول منه".
15 ــ4 اما بخصوص الفهم وعدمه، او تنوع واختلافات التأويل المتعددة، فلا يستطيع معدو التقريراضافة، كلمة واحدة، لما قاله "نيتشه"، منذ اكثر من قرن:
"سأكون متناقضا مع نفسي أن أتوقع أي ترحيب بحقيقتي اليوم، فاليوم لا أحد ينصت لي، ولا يعرف كيف يتلقى ما أعرضه، وهذه المسألة ليست مفهومة فقط، بل حق أيضا". اوعندما اشتكى له احدهم، استاذ جامعة اكاديمي، وبصراحة بأنه لم يفهم شيئا من كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، فكان رده:
"هذا هو بالضبط ما يجب أن يكون، أحيانا تكون في كتبي أعلى نقطة ممكنة للبشر، ألا وهي السخرية... إن القطيع من بين معارفي، الألمان فحسب، يساعدونني على أن أفهم أنهم ليسوا دائما من رأيي... وإن كل تلك القضايا التي يتفق عليها كل إنسان، ولا أذكر الفلاسفة ورجال الأخلاق التقليدين وغيرهم من أصحاب العقول الجوفاء المملوءة "كرنبا".... تلوح لي على أنها مجرد فضائح ساذجة : مثل الإيمان بأن الغيرية ولأنانية (ألانا والأخر) متناقضان، عندما لا تكون "الأنا" إلا أرجوحة ناعمة.... ليست هناك وسيلة أكثر تأكيدا لهذه الغاية عن التعليم الجامعي والسراويل وحقوق التصويت مثل القطيع..."
"إليكم أيها المستكشفون والمجربون الجسورين وإلى كل من يركب في ظل قلوع ماكرة في بحار مرعبة، إليكم يا من تدورون في فلك الألغاز والأفول، يا من نفوسكم ينقلها الفلوت إلى كل هاوية مخيفة، لا تعبئوا بأن تشقوا طريقكم فوق خيط بأصابع جبانة، وحيث تقدرون على أن تخمنوا تكرهون أن تتجادلوا ".

" ان تأويلي الجديد سيمنح فلاسفة المستقبل، الذين سيكونون سادة الارض، الوقاحة الضرورية "....

4) سيميائية المعنى وتأويل الرموز البصرية...
مطوية احتفالية التليسي نموذجاً


".... فاللغة المكتوبة إذن معادلة حرفاً بحرف, إذا استعرنا لغة الرياضيين, لنظيراتها المنطوقة, والأشكال المكتوبة هي رموز ثانوية للأشكال المنطوقة، أي أنها رموز لرموز، والتطابق بينهما كبير ليس فقط نظرياً, بل في التطبيق الحي لبعض من يقرأون بعيونهم أو ربما في بعض أنواع التفكير إلى حد استبدال الأشكال المنطوقة بأشكال مكتوبة به، ومع ذلك ربما كانت الترابطات السمعية والحركية فطرية دائماً على أولئك الذين يقرأ ون ويفكرون دون أن يرفعوا أصواتهم ولو قليلاً فهم يتداولون وسيلة دواره بينهم من الرموز البصرية التي تقوم مقام الرموز السمعية الأساسية كما تقوم النقود مقام البضائع والخدمات.."
ادوارد سابير، من كتابه الوحيد المسمى (اللغة)

وبعد أن انتزعت من صديقي غير الحميم وعدا؛ بالحديث عن بعض النماذج للرموز الأدبية في ليبيا، وقبل أن يكمل حديثه عن احتمالاته الممكنة؛ أو استنتاجاته المقترحة بشأن المتوسط الحسابي؛ للكيفية التقريبية لتوزيع عدد ساعات اليوم الواحد في حياة محترفي الإلقاء، وكان عبدالرحمن بدوي نموذجا ، وكيف أنهم وببساطة شديدة، ليس لديهم وقت للقراءة والاطلاع والبحث، بل الوقت المتبقي كان مكرساً لممارسة الكتابة فقط، أوهوس النشر وهستيريا نجومية الكتابة، أو العلوي)، في دراسته القيمة عن (ابن باجة) وتحقيقة لمؤلفاته، التي تعرض فيها بالنقد لمن سبقه، ومنهم بدوي؛ الذي لم يعتمد على نصوص (مخطوط اكسفورد) ابن باجة نفسه، بل انه تحدث عن مخطوط مفقود ايضا (مخطوط مكتبة برلين) ، حتى ان المخطوط (طشقند) الذي اعتمده، لم يطلع عليه بالطريقة العلمية الدقيقة والمتبعة في تحقيق مثل هذه الاشغال. بل اعتمد علي شغل المفهرسين فقط. كما أثبت هذا الباحث أن بدوي لم يكلف نفسه حتى طلب قائمة مخطوطات ابن باجة، ليعرف أنها رسائل كثيرة ومتنوعة، وليست قليلة أو مفقودة كما ادعى بدوي....وعندما قاطعته، باستفزاز مقصود، بسؤالي: ولكن ما علاقة كل هذا بمجلس تنمية الإبداع الثقافي والاحتفالية التي أقامها لتكريم الأستاذ خليفة التليسي؟ قال:
اعتقد أنها في تلك العلاقات فيما بين محافل (مؤسسة الخطاب) سواء كانت التقنيات الإدارية والتنفيذية، أو التقنيات المعرفية لجماعات الإلقاء (الكلامنجية). أوقد تكون الإجابة في كيفية عمل آليات هذه العلاقات النوعية. ولكن ما يعنينا هنا منها؛ تقنيات الإشهار والترويج، وخاصة تقنية تكرار التيمة (الموضوعة Theme)؛ حتى تصبح، حقيقة ويقين وبديهية..الخ، غير قابلة للشك أو الطعن أو النقد أو حتى إعادة النظر. اذ تكفي نظره سريعة على الملصقات الملونة والفاخرة؛ وكروت الدعوات الفخمة والأنيقة والمطويات الأكثر أناقة وفخامة لهذه الاحتفالية، حتى نكتشف بسهولة ويسر مدى وكيفية اشتغال هذه العلاقات/الآليات/ التقنيات.
اما إذا أخذنا مثالاً واحداً فقط من كل ذلك، ولتكن المطوية التوثيقية والكتيب الخاص للتعريف بالمحتفي به، وهي بعنوان: البحر.. التليسي موسوعة ورياده، وهو نفس عنوان الاحتفالية أيضاً، وتتكون من (32) صفحة من القطع الصغير جداً جداً، وبغضّ النظر عن عدم دقة التوثيق والتسرع مما ورد بها من معلومات، وعدم ذكرها للمصادر والمراجع، وذلك موضوع آخر، كما لانملك العدة أومؤهلات الخوض فيه أيضاً، ونتركها لمن هم اكثر اهلية وكفاءة منا؛ في هذا الخصوص "اسماء الاسطى" مثلا.
وفي مقدمة هذه المطوية، يتحدث المجلس عن نفسه، وبأسلوب إشهاري دعائي ركيك: عن مهمتة التاريخية في الثقافة والإبداع ومن أجل تقدم المجتمع والأمة، وعن تأسيسه وتفعيله للبيئة الإبداعية. في حين ان الأمر لم يتعدَ إنشاءه لمبنى فخم ومهيب، وأمسيتين شعريتين ومشاركة في ندوة عن الطفل. اما اذا ذهبنا الي التعريف الشخصي، أوالسيرة الذاتية للمحتفي به، ثم بعد ذلك فقره (الأعمال التأسيسية) وهي: تأسيس عدد ست مجلات شهرية وفصلية، وست مؤسسات رسمية كبيرة: من وزارة الثقافة والإعلام ووكالة الأبناء الليبية ، الي اللجنة العليا لرعاية الفنون والآداب واتحاد الكتاب والادباء وجمعية الفكر، واخيرا الدار العربية للكتاب .. وبعد ذلك تأتي فقرة الجوائز والأوسمة والعضويات، ثم فقرة مجالات الكتابة،التي تجاوزت عشر تخصصات نوعية، ولعل في ذلك التنوع تأتي صفة الموسوعية، كما هي الصفة المجانية التي منحت لبدوي وكافة المفكرين والكتاب التنويريين النهضويين العرب، فهل لنا في اقتراح/ تساؤل هنا:
هل هناك إمكانية في الجمع بين هذه التخصصات – الصفات، بالمعنى العلمي الحديث للتخصص؟ إذ من المعروف أن صفة "الموسوعية"، هي صفة قديمة وتاريخية، وربما لا تصلح (كصفة) في عصر الانترنت، أو ربما هي تأكيد من جهة أخرى، على مدى تخلفنا وتأخرنا بالمعنى الزمني أيضاً .. فمن المعروف أن الكتّاب القدامى وحدهم , كانوا يكتبون في كل شيء، ربما بسبب من محدودية الحجم الكمي للمعلومات والمعرفة، اذ لم تكن الطباعة قد اخترعت بعد، كما كان الاعتماد أساساً على الشفاهية في التعلم والمعرفة، وربما هذه الشفاهية، هي أحد معاني الموسوعية أيضاً، فقد كان القدماء رسامين وعلماء طبيعيات ومخترعين وأطباء وأدباء وشعراء ونقاد ومؤرخين ..إلخ، والأمثلة أكثر من أن تحصى : دافنشي , ابن سينا , الفارابي، وأخرهم ديدورا كما هو معروف.
وبعد ذلك تأتي فقره مؤلفات التليسي، التي تجاوزت الخمسين مؤلفاً، وكلها تقريباً نصوص تاريخية،عن الانجليزية والإيطالية، كما تقول المطوية أيضاً، وبدون الدخول في تفاصيل، قد نختلف أو نتفق عليها، بشأن إشكاليات الترجمة، أوكيفية آليات الاختيار للترجمات، التي قد تستجيب لمتطلبات سياسية محددة في زمن ما؛ قد لا تكون مطلوبة في وقت آخر... فهل كان المطلوب سياسيا، بالمعنى الإيديولوجي للسبعينيات القرن الماضي، الكلام عن جهاد الليبيين ضد الاستعمار، بالمفهوم الإمبريالي للاحتلال الحديث؟ وليس بالمفهوم الديني لجهاد الليبيين انذاك، ومنهم عمر المختار شخصيا؟ (فقد كان من اتباع طريقة الإخوان الصوفية)، وخاصة اذا عرفنا أن قضية فلسطين (القضية المركزية للعرب) كانت علي راس اولويات القيادة السياسية في ليبيا؛ حتى قيام السلطة الفلسطينية بقطاع غزه. فهل كانت ترجمات التليسي، تستجيب لهذه المتطلبات السياسية الإيديولوجية؟ ام هي لمتطلبات البحث العلمي، أوالتوثيقي والتاريخي؟ ام لمتطلبات الوطن والثقافة ووجهه الله تعالي فقط؟ ام...؟
أما الصفة ألادبية، وهي خمسة كتب من أصل خمسين، عبارة عن مختارات شعرية ومعجمية، وبغض النظرعن القيمة العلمية للكتب النقدية الثلاثة، اذ لم تعتمد على اى من النظريات الحديثة؛ للسانيات علوم اللغة، تلك التي شهدت انتشارا كبير فيما بين الحربين، وخاصة انه يجيد ثلاثة لغات؛كما جاء في هذا الكتيب، بل ولا اعتمد حتى علي البلاغة القديمة. فإني أقترح هنا تساؤل/ مغامرة حسابية رياضية، لأرقام المتوسط الحسابي التقريبي؛ لعدد الساعات التي أنفقها التليسي في الكتابة، أو في القراءة، أو في تأسيس وإدارة هذه المؤسسات.. إلخ، ولتكن علي النحو الآتي:
1ـ إذا كان عمر التليسي الكتابي هو خمسة وثلاثين سنة تقريبا، منذ أول إصدار له، في 1957 (الشابي وجبران) إلى 1990 (معجم النفيس) .
2 ـ وإذا افترضنا أن هناك ثمان ساعات نوم، إضافة إلى ثمان ساعات عمله المهني، إضافة إلى 4 ساعات؛ لمتطلبات أمور العناية الشخصية والأسرية من زيارات وتواصل اجتماعي وعلاج وأكل وشرب..إلخ، فأن عدد الساعات المتبقية له للقراءة والكتابة هي أربع ساعات تقريباً لليوم الواحد.
*) أي أن 24 ساعة – 20 (8 نوم + 8 عمل + 4 احتياجات شخصية) = 4 ساعات تقريباً، هي كل ما تبقى له للقراءة والكتابة في اليوم الواحد، أي أن :
*) 365 يوم × 35 سنة × 4 ساعات = 50.000 ساعة تقريباً، هي المتوسط الحسابي لعدد الساعات التي أنفقها التليسي خلال عمره الكتابي أو القرائي (أن وجد)، المتبقية له خلال الخمسة وثلاثين (35 سنة).
3 ـ وإذا كانت مؤلفاته قد تجاوزت الخمسين كتاباً، في متوسط 200 صفحة لكل كتاب تقريباً، فإن مجموع عدد الصفحات؛ التي كتبها التليسي في كل حياته، ستكون عشرة آلاف صفحة تقريباً .
*) 50 كتاب × 200 ورقة = 10.000 صفحة هي كل ما كتب التليسي الي الآن.
4 ـ وإذا كان متوسط عدد الساعات التي تستغرقها كتابة أي ورقة اربع ساعات تقريباً، من المسودة والتخطيطات الأولية، الي التبييض والتصحيح ومراجعة بروفات الطباعة.. الخ، حتى تكون جاهزة للنشر في كتاب، ذلك بدون حساب عدد ساعات القراءة والإطلاع السابقة للكتابة.
5 ـ فإن متوسط عدد الساعات؛ التي يحتاجها التليسي لكتابة ما كتب خلال حياته الأدبية هي، عشرة آلاف صفحة في خمس ساعات، ستكون: خمسين ألف ساعة تقريباً.
*) 10.000 صفحة × 5 ساعات = 50.000 ساعة، هي كل ما يحتاجها ما التليسي، ليكتب ما كتب خلال حياته الادبية.
6 ـ وإذا كانت الخمسين ألف ساعة المتبقية للتليسي، والمخصصة لنشاطه الادبي، هي نفسها الخمسين ألف ساعة التي انفقها أيضاً في الكتابة فقط، فإن النتيجة الكارثة هي: أن التليسي لم يكن لدية الوقت الكافي للقراءة والاطلاع والمتابعة..الخ!!
ولكن عندما سألته عن؛ ممكن؛ واحتمال؛ وقد؛ وربما: تكون هناك مبالغة في هذه العمليات الحسابية والأرقام، أوالكيفية التي تمت بها؟ أو ما يعرف باختيارات الحد الأدنى؛ والحد الأعلى، قال:
على العكس، فقد حاولت جاهداً التعامل مع هذين الحدين، الاعلي والأدنى، لصالح الرجلين (بدوي، التليسي)، ولكنها الارقام/ الصدمة .. مثلا:
إذا أخذنا في الحسبان أن هذه الساعات الثمانية فقط؛ قد لا تكفي لمثل هذه الأعمال الادارية التأسيسية، فضلاً عن توليه مواقع قيادية إدارية، وخاصة أنها ليست مواقع عمل إداري عادي، بل هي مواقع ذات حساسية خاصة ومسؤوليات سياسية ونقابية وثقافية وحتى؛ الدبلوماسية، وما يتطلبه ذلك من اجتماعات، في الداخل والخارج، من تحشيد للأنصار و إقصاء للخصوم، وإعداد وسفر وتبادل زيارات ووفود وتوقيع معاهدات و بيانات..الخ.
7 ـ وحتى لو قمنا بعملية حسابيه أكثر بساطة:
*) 35 سنة على خمسين كتاباً (35 ÷ 50 = 1,4)، فإن النتيجة ستكون كتاباً ونصف في السنة تقريباً، أو كتاباً كل ثمانية أشهر. هذا اذا أخذنا بعين الاعتبار صعوبة، إن لم تكن استحالة، الاستمرار والتواصل وبدون انقطاع وعلى مدى ثلاث عقود ونصف، إصدار كتاب كل ثمانية أشهر، هذا اذا اخذنا في الاعتبار العيوب الاجرائية للمتوسط الحسابي، وحتى لا اكرر ما ذكرته في مقالة الاسبوع الماضي بالنسبة لعبد الرحمان البدوي.. اى اذا ما حدث اى طاريء؛ ولأي سبب من الاسباب؛ ولم يتمكن التليسي من انجاز كتاب خلال ستة اشهر فقط، فسيكون علينا اخذ ذلك بعين الاعتبار، وبالتالي حساب انه عليه الانجاز كتابين خلال نفس المدة التي يتوجب انجاز كتاب واحد(اى انجاز كتابين أو اربعة خلال عام واحد فقط)، وما هوحدث فعلا، اذا لا يعقل استمرار روتين (حسابي) ما، لأي بني ادم، خلال ثلاثة عقود، ولاحتى خلال سنة، ونبالغ ونقول شهرا واحد فقط؛ دون ان تحدث له ظروف طارئة. ولتكن المسئولية الادارية؛ التي تتطلبها الوزارة أو تأسيس ورئاسة اتحادي الكتاب أوالناشرين، كما اسلفت منذ لحظة!!
أوقد تكون الخمس ساعات في كتابة الورقة الواحدة غير كافية أيضاً، إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر ما كتب في الترجمة والمختارات، من شعر ونصوص تاريخية ومعجمية، وما يتطلبة ذلك؛ لحظة الكتابة نفسها؛ من استنزاف للوقت، من أجل المراجعة ودقة الترجمة؛ ومقارنات وضبط للألفاظ والمصطلحات والمصادر والمراجع.. الخ، وخاصة أنها في تخصصات متنوعة ومتعددة الاختصاصات، وحسب ما ورد في المطوية نفسها، فقد كانت أكثر من خمسة عشر صفة : مفكر وشاعر ومؤرخ وأديب ومترجم ومعجمي وجغرافي.. الخ. وفي كل الحالات و الاقتراحات , كما هو شأن عبدالرحمن بدوي , فإن الاستاذ لم يكن لديه وقت كاقي للقراءة أو الإطلاع تقريباً!؟
وخاصة أن أغلب ما كتب التليسي كانت مختارات، هل يمكن التساؤل عن كيف كانت هذه الاختيارات؟ وما تتطلبه،عملية الاختيار نفسها، من قراءة أكبر عدد ممكن من النصوص، وحتى يكون هناك اختياراصلا؟ أم أن المسألة لم تكن سوى تقنيات الاشهار والترويج والتكريس، تلك التي تمارسها "مؤسسة الخطاب"، كما هي احتفالية مجلس تنمية الإبداع الثقافي هذه، أو كما جاء في فقرة (قالوا في النفيس)؛ بنفس الكتيب الاحتفالي، وفي شخص التليسي حصريا. فكلهم تقريباً , أكثر من ثلاثين كاتباً وأديباً، ليس من ليبيا فقط بل من عدة دول عربية اخرى، وكلهم جميعا قد نشرت لهم؛ الدار العربية للكتاب كتابا أو اكثر، وهي نفس الدار التي يرأس مجلس إدارتها أيضاً الأستاذ خلفية التليسي شخصيا، ومنذ تأسيسها في (1973ف) الي الان.
أقول كل هذا ليس بشأن التليسي وبدوي فقط , بل لكل من أصدر أكثر من خمسين مؤلفاً أيضا. هؤلاء الفلاسفة النهضويون العرب , مكتشفي اسباب وعوامل التخلف ومرشدي الأمة العربية عن طريق نهضتها وبعث أمجادها وانتصارها على الآخر الغرب..الخ، من حسن حنفي وزكي نجيب محمود وأدونيس، إلى محمود العالم، وحتى علي خشيم والحصادي وبودبوس .... فإن كثير من علامات الاستفهام والتساؤل , عن كيفية القراءة والإطلاع والبحث .. وفي نفس الوقت، أفكر في هؤلاء العلماء،الذين بحثوا وأنجزوا، لم يتجاوز العشرين مؤلفاً بأي حال من الأحوال، من كان أكثرهم أنتاجاً: رولان بارت , ميشيل فوكو , جاك دريدا , إينشتاين , ريكور , ادورد سابير , دي سوسير , والأخيرين لم يصدرا سوى كتاباً واحداً فقط، وهما رائدان في علوم اللغة البنيوي.
ولكن هناك كلمة حق اخيرة بشأن اختلافات حقول اشتغال كل من بدوي والتليسي. فأذا كان الاول موهوبا، كباحث ودارس ومحترف للتدريس ايضا، فأن الثاني، هو على العكس من ذلك، فقد كان موهوبا في المسائل الادارية والنقابية فقط، تحشيد الانصار( القطيع)، واقناعهم بقدراتة الفذة، التي لا تتوفر لهم بالضرورة. رغم ان الموهبة محل اختلاف، ولا يملك احد تجاهها مستندات حجاجية. فأنه يجب مساءلة الثقافة واللسان العربي علي مثل هذه الكوارث: كيف يبني البشر امجادهم علي تجاهل الاخرين!؟ كما وصف "جاك دريدا" سارتر، وحال الثقافة الفرنسية.

مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب
Moh2003ly@yahoo.com


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home