Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Thursday, 6 April, 2006

موقع " ليبيا جيل" :
القبيلة في أمسية ثقافية ليبية بلندن

استضاف مركز الكوفة بالعاصمة البريطانية لندن، بالتعاون مع منبر ليبيا للثقافة مساء الإربعاء الموافق 29 مارس 2006 أمسية ثقافية ليبية رائعة كان ضيفها البحاثة الليبي في العلوم الاجتماعية والتاريخ الدكتور فرج عبدالعزيز نجم، الذي ألقى محاضرة حول القبيلة في ليبيا ببعديها الوطني والإقليمي، بحضور شخصيات ليبية وعربية وبريطانية مختلفة. كما تخلل الأمسية عرض لمجموعة من الكتب والإصدارات الليبية في المهجر.

أدار الأمسية الأستاذ عادل صنع الله مشرف موقع "ليبيا جيل"، واستهل اللقاء بالترحيب بالحضور، والتنويه إلى أن ندرة مثل هذه اللقاءات تعود إلى جفاء أبناء الجالية العربية لإخوانهم الليبيين، وتقصير وابتعاد أبناء الجالية الليبية كذلك. وقدم الأستاذ صنع الله لمحة عن موضوع المحاضرة وأهميته، مستشهدا بمواقف بعض الشعراء الليبيين من هذا الموضوع من خلال إبداعاتهم الشعرية، مثل خليفة التليسي، وأحمد الشارف، وأحمد رفيق المهدوي.

استهل الدكتور فرج نجم محاضرته بالقول بأن ثمة نقاشات تدور حول القبيلة وتأثيراتها القبلية المسُيسة في العالم العربي والإسلامي، الذي يمر الآن بمخاض ديمقراطي عسير. مؤكدا على أن الحديث عن القبيلة والقبلية تعوزه الدقة والتدقيق. سيما وأن القبيلة تتحكم في المواطن، بل المجتمع برمته في بعض أقطارنا العربية والإسلامية.

وأوضح الدكتور نجم أن المشكل كامن - في نظره - في الخلط بين القبيلة والقبلية، وعدم التمييز بين الإثنين. فالحالة الأولى ليست بالضرورة سيئة، لا سيما أنها تلتحف بالمشروعية لقوله تعالى: (إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) وهو مسوغ شرعي يبقيها إلى جانب كونها تحصيل حاصل، ووضع واقعي. ولكن الحالة الثانية- أي القبلية - حتماً يغلب عليها السوء وسلبية الأثر، من تفاضل وكبر وخرافات ما أنزل الله بها من سلطان.

ثم استعرض الدكتور نجم بعد ذلك التركيبة القبلية في ليبيا وجذورها منذ الفتح الإسلامي إلى يومنا هذا، قائلا: "فمن الإحصائيات التي أجريتها عندنا في ليبيا أنه يوجد ما يقرب من 140 قبيلة ومجموعات عائلية لها امتدادات جغرافية عبر الحدود ووشائج دم مغاربية ومشرقية ومتوسطية وإفريقية عبر الصحراء، ولكن في نظري القبائل الكبيرة التي لها تأثير فعلي، عددها لا يتجاوز 30 قبيلة وتكتل عائلي. وما لاحظته من خلال بحثي أن هناك تأثير متبادل بين القبيلة والإسلام والدولة".

مشيرا كذلك إلى أن المجتمع الليبي هو مزيج من الأعراق العربية والبربرية أو الأمازيغية والإفريقية والتركية. وأشار إلى تواصل القبائل الليبية وامتدادها إلى دول الجوار وخاصة مصر وتونس وتشاد، مؤكدا أن عدد الليبيين الذين يعيشون خارج هذه الرقعة الجغرافية المتعارف عليها بليبيا يفوق عدد سكان ليبيا بضعفين. وأن ما يقارب 15% من سكان مصر يعودون إلى أصول وقبائل ليبية.

وانتقد الدكتور نجم بعض الظواهر السلبية التي أفرزتها القبلية قائلا: وللأسف أصبحت القبلية في أيامنا هذه نتنة، نتيجة غياب دولة القانون والمؤسسات المدنية، وغدت شبكة الأمان للمواطن. فالمظلوم سابقاً كان يلجأ إلى القضاء، فيجد المحامي والقاضي الذي يقتص له. والباحث عن العمل كان يطرق الأبواب ويصل المؤسسات بدون حاجب. أما في أيامنا هذه، فعلى سبيل المثال لا يتيسر لك الدخول والخروج عبر المطار، إلا إذا كان لك أحد من أبناء عمومتك مسؤولاً في المطار. ولا تتحصل على بعثة دراسية أو علاجية بالخارج إلا إذا كنت من هذه القبيلة أو تلك. بل حتى ما إذا استوزر، أو أصبح شخص ما مديراً في مكان ما، وإذا بأبناء قبيلته يلحقونه، فيضطر محباً أو مكرهاً لتوظيفهم، فتصبح الشركة أو المصلحة من فصيلة واحدة.

وأشار الدكتور نجم إلى أن هذه الظاهرة مأساة تحتاج منا إلى وقفة شجاعة في التعامل معها، لأن المؤشرات تقول أن هذا ليس بالضرورة من تشجيع الحكومات وساساتها فقط، وإنما فعل أبناء القبائل أنفسهم كذلك. فنحن في حاجة ماسة إلى وقفة تمعن فيما وصلنا إليه من تخلف وانحطاط.

وأكد الدكتور نجم في ختام محاضرته الغنية في معلوماتها، الشيقة في طرحها، على أن القبيلة موجودة، ولا نستطيع إلغائها أو تجاوزها، ولكن بالإمكان أن نوظف إفرازاتها وتأثيراتها- أي القبلية - توظيفاً عصرياً إيجابياً.

تلى المحاضرة نقاش ثري ومداخلات من عدة شخصيات ليبية وعربية (عراقية، سودانية، مصرية وغيرها) تركزت حول ظاهرة القبيلة والقبلية في ليبيا والعالم العربي. معتبرا البعض أنها ظاهرة متخلفة، وأن المجتمعات العربية لن تتقدم وتنعم بالديمقراطية إلا اذا تحولت إلى مجتمعات صناعية. بينما أكد آخرون أن الاسلام لا ينكر القبيلة كظاهرة ومكون اجتماعي، ولكنه سبغها بمفاهيم ومبادىء الإسلام العظيمة، التي تلغي وتصلح من أية ممارسات قبلية أو فردية متخلفة خاطئة. وأشار آخرون إلى أن التعليم يمكن أن يكون له دور إيجابي في التقليل من سلبيات القبيلة المثمثلة في الثقافة القبلية المتعصبة لروابط القبيلة على حساب الانحياز للقيم السامية. وأكد آخرون على ضرورة التعمق في بحث ودراسة ظاهرة القبيلة في ليبيا ومجتمعاتنا العربية، وخاصة ما إذا كانت تمثل أحد معوقات التطور نحو الديمقراطية ودولة المؤسسات وسيادة القانون التي تتطلب بدورها وجود مجتمعات مدنية وليس قبلية، ووجود مؤسسات مجتمع مدني قوية فاعلة يتمحور أعضائها حول مبادىء ومصالح عليا، وليس حول روابط وانتماءات قبلية بحتة.

لا شك أن الأمسية كانت رائعة، تفاعل وتواصل فيها عدد من المثقفين والأكاديميين الليبيين والليبيات مع أشقائهم العرب الآخرين، وقدموا إسهامات وآراء عميقة هادفة تؤكد أن العنصر الليبي مازال بخير. وأن عطائه وإبداعه يمكن أن يتألق ويضاهي أقرانه ما توفرت له أجواء الحرية والأمان. وأن الثقافة والفكر هما أفضل أرضية يمكن أن يلتقي ويتفاعل فوقها الجميع بروح أخوية حضارية عالية.

كما نأمل أن تستفيد الجالية الليبية في بريطانيا وغيرها، من أجواء الحريات والاستقرار التي تعيشها، بأن تبادر بالمزيد من التواصل مع الجاليات الأخرى. ونأمل من "منبر ليبيا للثقافة"، وموقع "ليبيا جيل"، المزيد من المناشط الثقافية والفكرية والأكاديمية التي تسبر أغوار واقعنا سياسيا واجتماعيا وثقافيا، وتغوص إلى أعماق المسببات الحقيقية لهذا الواقع المتردي التي لابد أنها مرتبطة بدائرة الأفكار والمفاهيم، وليس فقط التعاطي مع إفرازات هذا الواقع الظاهرية. وصدق المولى سبحانه وتعالى الذي يقول: (وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض).


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home