Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز التوثيق الليبي
The Libyan Documentation Centre

الخميس 3 يونيو 2010

الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة


من أوراق فتاة ليبية (2)

2. سنوات الوحشية والقمع !

• فترة الثمانيات وطقوس الاءعدامات العلنية
ارتبطت فترة الثمانيات من القرن الماضى فى ذاكرتى بظاهرة الاعدامات العلنية وغير العلنية .
كانت سنة 84 19من اكثر السنوات قمعا ورعبا وقهرا فى ذاكرتى , واتذكر وقتها أننا سمعنا عن محاولة اغتيال القذافى فى مقر القيادة بباب العزيزية , وبعدها بدأ التليفزيون ببث صورا لشهداء سقطوا وكان من بينهم الشهيد "احمد احواس " .
كانت الجثث قد تركت لعدة ايام حتى تحللت , كان ذلك فى شهر مايو وكانت مجموعة من اللجان الثورية تهتف على الجثث ومكتوب على شاشة التلفزيون : " نهاية كلب ضال ", كان منظر فى غاية البشاعة والوحشية . كانوا فى التلفزيون يبثون صورهم على ان هولاء عملاء وخونة وأن هذه نهاية كل من تسوّل له نفسه المساس بالثورة وقائدها .
وبعد ان تم قمع الحركة شنت قوات الآمن واللجان الثورية , التى كانت وقتها لها اليد العليا فى السلطة حملات اعتقال واسعة تتم حتى للاشتباه , وكان هناك من سجن لسنوات لاشتباهه ومنهم من قضى سنوات طويلة في المعتقلات بدون اى جرم ارتكبوه .
وبعد القضاء على الحركة واعتقال افرادها , بدأت عمليات الاستجوابات والتحقيقات الحيّة على شاشة التلفزيون . كان التعذيب واضحا على وجوه المتهمين , وكانت الاستجوابات تتم بطريقة مهينة جدا , وباسلوب قمة فى االوحشية . كان اول شخص تم استجوابه على شاشة التلفزيون "أسامة شلوف" , ولازلت اتذكر وجهه جيدا , كان يرتدى قميصا أبيض واثار الدماء تلطّخه , وأثار الضرب والتعذيب واضحة على وجهه , ولم نعرف مصيره ,هل مات تحت التعذيب أم أنه هرب من المعتقل , على حسب ماكان يتناقله الناس فى ذلك الوقت . وتوالت عمليات الاءستجوابات والتحقيقات كل يوم بعد نشرة الاخبار , وكان المذيع وبكل وقاحة يعلن قائلا : " اما الآن فسوف نشاهد اعترافات الكلاب الضالة " . وأتذكرمرة أن المذيع بعد إكمال المقدمة قال :
" لنشاهد الآن ... هذا الكلب الضال " . و توالت الاستجوابات وكأننا نشاهد مسلسل , كانوا يجلسونهم على الآرض بطريقة مهينة , لم نكن نرى الاشخاص الذين يستجوبون بل كنا نسمع اصواتهم فقط , كانت نبرتهم مسعورة ووحشية , كانت الاصوات مختلفة وكان للراهبات الثوريات نصيب آيضا فى المحاكمة , ويقال أن المجرمة الثورية : هدى بن عامر احداهن .
اتذكر من بين من تم محاكمتهم على شاشة التلفزيون : اسامة شلوف , زرتى , الشيخ مصباح , العيساوى ’ عبد الحفيظ ادبيش ، الصادق الشويهدى ’ عبد البارى فنوش ’ لياس .

• "... نبو شنقه فى الميدان !"
كنّا نشاهد المحاكمات وقلوبنا تغلى بحسرة وقهر, ولكن "ماباليد حيلة" . فى تلك الفترة كان الخوف يسري في القلوب والعقول , والناس لا يتحدثون الاّ داخل البيوت فقط وبتحفظ شديد جدا .
بعدها بدأت الاءعدامات العلنية فى الساحات والملاعب الرياضية , وقد تم نقلها على التلفزيون فى شهر رمضان المبارك , كنوع من الاءرهاب والتخويف للشعب .
كان ذلك أول مرة أشاهد فيها منظر إعدام فى حياتى ,فبعد الافطار كان نشاهد التلفزيون وفجأة وفى نشرة الاخبار شاهدت اشخاصا يشنقون تصاحبها هتافات اللجان الثورية , كان ذلك فى منطقة الجبل الغربى .
بعدها توالت الاعدامات "فى شهر رمضان" , كان والدى رحمة الله عليه شديد الغضب مما كان يحدث , حاله حال كل الليبين وقد منعنا من مشاهدة وفتح التلفزيون . كنّا كلنا فى حالة ذهول وحزن على مايحدث . ولكن بدى وكأن الليبيين قد تعودوا على الاعدامات والشنق في شهر رمضان .

ومرّة , ومن باب الفضول , فتحت التلفزيون و شاهدت بالصدفة عملية إعدام المرحوم : الصادق حامد الشويهدى , وظلّ المنظر عالقا فى مخيلتى وهو مكتوف الايدى راكعا على الارض و الثوريين يهتفون " مانبوش كلام لسان ... نبو شنقه فى الميدان !" كان من بينهم المجرمة الثورية : هدى بن عامر . وقد تناقلت الآخبار حزن والدته وإنفطار قلبها على قتل إبنها بتلك الوحشية ومرضها من جرّاء ذلك .
ومن الصور المؤلمة العالقة فى ذاكرتى كذلك , عملية إعدام عبد الباريء فنوش فى مدينة جالو , ولطم احد الثوريين على وجه الشهيد بعد إعدامه. كان الجو العام فى مدينة بنغازي كئيب وحزين للغاية , وكان أغلب الناس كأنهم مرضى , يملؤهم الغضب وغير راضين , ولكن الخوف من اللجان الثورية كان المسيطر على اجواء المدينة , لآان "اللجان الثورية" كانت فى أوج طغيانها وأغلب اعضائها كانوا مدججين بالسلاح . ولقد تم منع أهالي الضحايا من إقامة المآتم , وهددوهم بالاعتقال .
فى تلك الفترة قامت اللجان الثورية بشن عمليات إعتقالات لآناس ابرياء , وخصوصا من رجع حديثا من أميركا و بريطانيا, وحتى ذويهم لم يسلموا من موجة الاءعتقالات والتحقيقات فى ذلك الوقت .
أذكر أن شخصا تم اعتقاله بسببب اجراء مكالمة تليفونية مع شقيقه فى امريكا وقد سجن لمدة 10 سنوات , حتى المكالمات كانت تتم مراقبتها من قبل اجهزة الدولة المخابراتية .
اتذكر حادثة وقعت لاصدقاء لنا فى ذلك الوقت عندما كانو يجرون اتصالا هاتفيا بأبنهم الموجود فى امريكا , واثناء المكالمة قطع الاءتصال من البريد وتم تهديد تلك العائلة بعدم الاءتصال بأبنهم مرة اخرى .

• "مهرجانات" السحل والقتل
فى تلك السنة أيضا , وفى شهر ابريل تم إعدام أستاذنا فى مادة الرياضيات "نورى الودّانى " , لا نعلم كيف ولا أين تم إعدامه, لكننا فى المدرسة سمعنا ان الآستاذ نورى قد تم إعدامه , اخرون قالوا أنه مات تحت التعذيب , والله اعلم .
وفى نفس الشهر كان مهرجان الاعدامات حافلا , ففى جامعة قاريونس , وفى كلية الآداب تحديدا , تم شنق مجموعة من الطلبة أمام المكتبة المركزية وأجبر الطلبة على مشاهدة عمليات الاعدامات الحيّة, وقد أغمى علي العديد من الطالبات من بشاعة المنظر ووحشيته.


• حملات على المساجد
وفى شهر فبراير سنة 1987 سمعنا أن المجرم الثوري : أحمد مصباح الورفلى قد قتل , وكان احمد مصباح شخصية مكروهة من سكان مدينة بنغازى , حيث كان يمنع الخضروات من الدخول إلى مدينة بنغازى وهو ثوري معروف باءجرامه وتعسفه , حيث كان يصادر سيارات الخضارلمنعها للدخول إلى المدينة كنوع من الحصار على سكانها , بعدها بأيام عرض علينا التلفزيون, مرة أخرى , مجموعة من الشباب من ذوى الاتجاه الاسلامى يحاكمون بنفس الطريقة المهينة , وبعد أيام قليلة تم صدور حكم الاعدام "طبعا بدون محاكمات" عليهم , حيث أعدمو جميعهم فى المدينة الرياضية شنقا , وكان من بينهم شابا لم يتجاوز 18 من عمره ويدعى" عصام البدرى" . أما" منير عبد الرازق منّاع" فقد تم إعدامه رميا بالرصاص , لكونه ضابطا فى البحرية . ومن الآسماء التي أتذكرها من بين الذين تمّ شنقهم :
"المحجوب ,الزيدانى’ البرعصى , والشيخ اقطيط , و يقال أنه من اصدر الفتوى لقتل احمد مصباح , لكنه لم يتم شنقه كونه كبيرا فى السن , وبعد خروجه من السجن سنة 88 , يقال انه ذهب الى افغانستان , هؤلاء من اتذكرهم .
بعدها توالت الحملات على المساجد وكانت تستهدف الشباب المتدين , حتى لمجرد مظهرهم وملابسهم, وأضطر الكثير من الشباب الى حلق لحاهم خوفا من مطاردة أجهزة الآمن لهم , فقد كانت حملات الاءعتقال فى تلك الفترة تشن على المسا جد وعادة تكون وقت الفجر , وكانت حملات عشوائية يتم إعتقال كل من يشتبه فيه من الشباب المتدين , حتى أن الكثير من العائلات منعت أبنائها من صلاة الفجر خوفا عليهم .
تلك كانت أيام الرعب في جماهيرية الخوف , التي سوف تعيش في ذاكرتي حتّى يوم خلاصنا من القذافي ونظامه الفاشي .
راجع : مركز التوثيق الليبي : حول أكاذيب المعارض المزيّف.. بل رقصتم على جثث الشهداء أيها القتلة - موقع "ليبيا وطننا" 18 يوليو 2009

الحلقة القادمة : الجيل الذي سُرقت أحلامه !

________________________________________________

ـ ملاحظة من "مركز التوثيق الليبي" :
وصلت هذه الآوراق إلى "مركز التوثيق الليبي" من فتاة ليبية من داخل الوطن , وسوف ننشرها في عدة حلقات مثلما وصلتنا , دون تغييرات أو إضافات من عندنا , سوى في إختيار العناوين .
وحتما سوف تكون هذه الآوراق شهادة مهمة تسجّل و توثّق تاريخ وذاكرة الشعب الليبي , في ظلّ سنوات الرعب والخوف التي عاشها تحت نظام الدكتاتور القذافي . وتبقى أهميتها في كونها دوّنت من قبل مواطنة ليبية , ليس لها علاقة بالتحليل والسرد الآكاديمي .
إنها أوراق عفوية "كتبت من القلب" ... كما تقول مدوّنتها : بنت المختار .

محمد مخلوف
31.5.2010


arabscreen@yahoo.com
24/5/2010


الحلقة الأولى    الحلقة الثانية    الحلقة الثالثة    الحلقة الرابعة    الحلقة الخامسة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home