Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

Wednesday, 2 January, 2008

كلمة السيد محمد عـثمان الصيد رئيس الوزراء الليبي الأسبق
في احتفال مركز الدراسات الليبية بالذكرى الخمسين لاستقلال ليبيا

محمد عثمان الصيد، رئيس وزراء ليبيا، يفتتح مركز شبكة الهاتف
الجديد بمبنى البريد في طرابلس (أواخر عام 1961)، ويقف على يمينه
فاضل بن زكري، والي طرابلس، وأحمد عون سوف، وزير المواصلات

أبى عام 2007 أن يرحل قبل أن يخطف رجلاً آخر من رجالات ليبيا ضاع قرابة نصف عمره في المنفى بسبب ظلم حاكم لم يراع له تاريخاً ولا سناً ولا مرضاً. هذه الكلمة، التي تنشر لأول مرة، ألقيت نيابة عن السيد محمد عثمان الصيد، تغمده الله برحمته، في المؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات الليبية في العاصمة البريطانية يوم 21 إبريل 2002 بمناسبة الذكرى الخمسين لاستقلال ليبيا. ونحن ننشر هذه الكلمة، للأمانة التاريخية، لأن من مهام المركز توثيق الحقائق والآراء أياً كان مصدرها، وإن كنتُ، بصفتي الشخصية، اختلف مع بعض ما ورد فيها، إلا أنني أيضاً أقف وقفة المحزون وأنا أرى أبناء وطني يموتون في الغربة واحداً بعد آخر، وقد أوصد طاغية سرت أبواب الوطن في وجوههم، لا يراعي وجاهة الوجيه، ولا شيخوخة الشيخ، ولا مرض المريض، فمتى يشفي الله صدورنا برؤيته جثة هامدة؟

لقد كان المرحوم في غاية التواضع والتجاوب معنا في عدة مواطن، كان آخرها قبل وفاته بشهر فقط، إذ وافق رغم مرضه وهرمه على مقابلة باحثة إيطالية، بتوصية منا، لتعد كتاباً عن تاريخ ليبيا. ذهلت المرأة من حجم المعلومات التاريخية التي يحملها في ذاكرته القوية، وعزمت على أن ترجع إلى المغرب مرة أخرى لتوثق كل المعلومات التي بحوزته وتصنفها بصورة علمية ثم تضعها في أحد مراكز الأرشيف الإيطالي، ولكن المنية عاجلت فقيدنا في ديار المنفى وقبل أن تتحقق رغبته بالعودة إلى أرض الوطن الذي أحبه وشارك في استقلاله وبنائه. (يوسف المجريسي)

رسالة المرحوم إلى المركز :

بسم الله الرحمن الرحيم

الرباط بتاريخ 8 إبريل 2002

حضرة يوسف المجريسي المحترم،

تحية طيبة وبعد،

أشكركم جزيل الشكر على توجيهكم الدعوة لي لحضور المؤتمر الذي تنظمونه في لندن بعنوان "الذكرى الخمسون لاستقلال ليبيا" إلا أنه يتعذر علي السفر إلى لندن نظراً لالتزامات مسبقة يتعذر علي إلغائها.

ولهذا التمس من سيادتكم أن تعرضوا كلمتي على الحاضرين لعلها تكون مساهمة متواضعة مني في أشغال المؤتمر.

واسمحوا لي أن أؤكد أن حاضر ليبيا ومستقبل أبنائها يبقى أكثر ما يشغل اهتمامي، ولن نتمكن من بنائها إلا انطلاقاً من ماضينا، وأخذ الدروس والعبر منه.

وفي الختام فإنني أحمد الله عز وجل أن سخر لليبيا من أمثالكم يهتمون بدراسة تاريخها ويسهرون على تدوينه وتسجيله بما يخدم أجيالنا الصاعدة، والله ولي التوفيق.

وتفضلوا سيدي بقبول فائق الاحترام والتقدير.

محمد عثمان الصيد

كلمة السيد محمد عثمان الصيد للمؤتمر

يسعدني بمناسبة مرور نصف قرن على استقلال ليبيا، أن أتوجه إلى جمعكم المبارك بكلمة لعلها تكون مساهمة متواضعة مني في الجهود الرامية إلى رسم مستقبل طيب لأبناء ليبيا.

ولكي تنطلق ليبيا نحو غد أفضل عليها أن تتصالح مع ماضيها وأن يكون هذا الماضي ملكاً لكل الليبيين يفتخرون به ويأخذون منه العبر والدروس.

وقد ابتدأ تاريخنا الحديث بمجيء السيد محمد علي السنوسي إلى ليبيا واستقراره بها وتأسيسه للزاوية السنوسية التي حملت لواء الجهاد ضد الاستعمار في ليبيا وتشاد، كما أنه كان لها الفضل الكبير في بعث نهضة علمية ودينية في المجتمع الليبي، وهنا يجب علينا أن نقيم بكل موضوعية حقبة السنوسية كحركة إصلاح وجهاد، ثم حقبة السنوسية كدولة ومملكة، وأخيراً الحقبة الحالية.

هذا هو تاريخ ليبيا الحديث، وحركة الأول من سبتمبر ما هي إلا نتيجة حتمية للممارسة السياسية في العهد الملكي.

حضرات السيدات والسادة:

يقال إن الولايات المتحدة الأمريكية دولة حديثة، ولكن دستورها ونظامها السياسي يعتبران من أقدم الأنظمة والدساتير في العالم، ثم لم يحدث في تاريخها أي انقطاع مع الماضي، وهذا ما جعل لأمريكا إدارة قوية وصلبة استطاعت أن تتغلب على خصومها، إذ إنها تعتبر من أثرى الإدارات من حيث الرصيد التاريخي والاستقرار السياسي.

لقد أردت ضرب هذا المثل لأجعله مدخلاً لكلامي عن ليبيا.

لقد أخطأت الثورة يوم نفت وألغت كل ما سبقها، ألغت في حقيقة الأمر ما اكتسبته ليبيا من خبرة في السياسة والإدارة والتجارة والعلاقات الدولية، وابتدأت من جديد، أو بالأحرى على أساس وحيد، هو أن كل ما سبقها خطأ وضلال، وبادرت بدون تفكير إلى تبني سياسات معاكسة لما كان يطبق قبلها حتى وإن كانت غير صائبة.

كان على الثورة أن تقول للشعب الليبي لقد استولت على الحكم لأسباب معينة وتسردها للشعب، ثم تقول أنا الآن سوف أوطد نفسي في الحكم، ولكني جئت لمصلحة ليبيا لذا سأعطي نفسي الوقت الكافي لتوطيد حكمي ولدرس الأوضاع وجمع الآراء وتقييم الوضع السابق بكل موضوعية، ثم نضع سوياً إطاراً عاماً للدولة، وسياسة عامة تسير عليها. لو اتبعت الثورة هذه الطريقة لكانت النتيجة أفضل، ولكان الجميع اقتنع بالثورة واعتبرها من مقدسات الوطن.

ولكن ها نحن الآن بعد خمسين سنة من الاستقلال ليست لنا هوية سياسية ووطنية موحدة، ليست لنا أية مقدسات، وليست هناك ثقة بين الحاكم والمحكوم.
أرى أنه من المناسب والأجدر أن نستغل هذه الفرصة التي ربما ستكون الأخيرة لكي نتصالح مع ماضينا ومع أنفسنا ونجلس وجهاً لوجه حول مائدة واحدة، نحدد مقدساتنا، نتبادل الآراء ونرسم سوياً إطاراً لمستقبل أبنائنا. ليس المهم من يحكم البلاد، ولكن المهم كيف يحكم وإلى أين يسير بها.

ليس هذا وقت ولا أوان تمجيد العهد الملكي والبكاء على أطلاله فإنه المسؤول الأول والأخير عن ضياع حكمه، ولو أراد البقاء في الحكم لكان الأجدر به أن يدافع عنه، وهذا أمر لم يقم به مع كامل الأسف.

أنا هنا لا أمس الملك إدريس السنوسي بأي سوء فإني كنت ولازلت اعتبره أباً روحياً لي، والكل يعلم التقدير والاحترام والمحبة التي أكنها له.

حضرات السيدات والسادة:

لنبادر جميعاً إلى إنقاذ بلدنا بتبني أسلوب الحوار والنقاش فإن الشجاعة والنزاهة تقتضي منا إقناع الحكام أنه آن الأوان لإصلاح ليبيا من الداخل والخارج، وأن نثري تراثنا بالأخذ من مزايا وتجارب كل الحقب التي توالت على ليبيا، وأن نكف عن السب والقدح والشتم.

إن العالم يتقدم بسرعة رهيبة، وأساس هذا التقدم هو الإنسان بكل ما يحققه من اختراعات وابتكارات، والتي لولا الاستقرار والراحة لما استطاع تحقيقها.

لننظر إلى أوروبا وأمريكا فهي أكثر بلدان العالم تقدماً وأقواها في حين أن سكانها من أقل سكان العالم الذين يشاركون في الانتخابات.

ما أريد قوله من هذا كله أن الإنسان بطبعه لا يريد الحكم، وإنما يريد الاستقرار والراحة، وأن يبرز نفسه في ميدانه.

تتوفر لليبيا كل المؤهلات لكي تغدو في يوم من الأيام من أرقى دول العالم فلديها الإمكانيات المادية والأراضي الخصبة والموقع الاستراتيجي، ولديها شعب نال قسطاً وافراً من التعليم، ورغم كل هذا فإننا نلاحظ أن:

• السياحة فيها منعدمة
• اقتصاد راكد
• شبابها يهاجر بكثرة
• فلاحتها ليست متطورة
• أهلها يعالجون في الخارج
• أبناؤها يتعلمون بجامعات أوروبا

أرى أنه لو وفرنا لأبناء ليبيا جواً صحياً وسليماً لأمكنهم المساهمة في التطور التنكلوجي في العالم، ولأمكنهم جعل ليبيا من أكثر الوجهات السياحية، ولأمكنهم جعل ليبيا أهم مركز تجاري في حوض البحر المتوسط، ولأمكنهم جعلها أيضاً مركزاً للعلاج والتعليم، ولكن لن يتحقق هذا دون مصالحة مع الماضي ومع أنفسنا.

فليبادر حكام ليبيا إلى الجلوس مع جميع مكونات البلد حول مائدة واحدة لتحديد معالم جديدة للدولة الليبية.

والله ولي التوفيق

محمد عثمان الصيد


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home