Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

Tuesday, 29 August, 2006

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها


بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي : تأسيسه ونشأته (7)
مقالة توثيقية بقلم محمد بن غـلبون

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزء من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.


الجزء السابع

(2) الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

رمضان سالم الكيخيا ..

يُعد الحاج رمضان الكيخيا (رحمه الله) من الشخصيات الوطنية البارزة على نطاق مدينة بنغازي، فقد عُرف عنه ـ بين أقرانه وأبناء جيله ـ إنه صادق الوطنية وغيور على مصلحة الوطن، فلم يبخل فى يوم بجهده وما وسعت نفسه فى سبيل تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة.
وباليد الأخرى، كان ـ الحاج رمضان الكيخيا ـ من ضمن أولئك الوطنيين النشطاء الذين أسسوا جمعية عمر المختار المعروفة بتوجهاتها الوطنية المخلصة لأهداف الأمة الليبية، فلعله لا يخفى على أحد ـ من المتابعين والمهتمين بتاريخ وطننا المعاصر ـ ماحققته هذه الجمعية من مكاسب على مستوى نشر الوعي السياسي وزرع الحس الوطني العام بين أفراد مجتمعها، وذلك فى إطار الدوائر التى شملتها أنشطتها الإجتماعية والسياسية الهادفة.
ولقد كان للحاج رمضان الكيخيا فى الفترة التى أعقبت الاستقلال بعض التحفظات حول التجاوزات ومواطن الخلل فى نظام الدولة الفتية، والذى ـ كان قد ـ نشأ من جراء التعصب والتسلط القبلي الذى شاب بعض أوجه أركان السلطة.
ولكن الحاج رمضان الكيخيا ـ فى نفس الوقت ـ كان شديد التمسك بالشرعية الدستورية المستمدة لقدسيتها من الدستور، الذى قام بوضعه ممثلو الأمة الليبية قبيل إعلان استقلال البلاد.
ومن هنا، فإنه عندما اطّلع ـ الحاج رمضان الكيخيا ـ على الفكرة التى يقوم على مفهومها الاتحاد الدستوري الليبي، لم يكن إعجابه بها وتأييده المطلق لتوجهها بالأمر الغريب عليه، فمن الطبيعي أن يفهم ويستوعب، هذا المخضرم الشديد الوطنية، عمق أهداف هذه الفكرة بكافة الأبعاد التى تحيط بها.
حيث أدرك الحاج رمضان الكيخيا ـ فى هذا الصدد ـ الهدف الأصيل الذى بنيت على أساسه هذه الفكرة بالمعنى القائم على تحقيق إعادة الشرعية الدستورية ـ فى حد ذاتها ـ لتكون النصاب الذى يرسى على قواعده أسس وأصول الحكم فى ليبيا، وليس تحديدها أو إقرانها بعودة نظام الحكم الملكي كهدف فى حد ذاته.
وهذا ـ بكل أسف ـ ما ذهب إليه بعض الآخرين من خلال رؤية قاصرة حددت لهم القصد من وراء فكرة الاتحاد الدستوري الليبي فى هدف استرجاع نظام الحكم الملكي بعينه، واعتقدوا ـ من ثمة ـ بأن الشرعية الدستورية الغائبة لا سبيل لعودتها إلا من خلال استعادة الملكية لعرش نظامها المعهود فى ليبيا.
ولم يكن الكيخيا الوحيد الذى استنبط القصد الصحيح من وراء الفكرة المطروحة، فقد شاركه فى فهمه الصائب بعض قلة من الآخرين، كان من بينهم عبد الحميد البكوش ومصطفى بن حليم ومنصور الكيخيا ومحمد بن يونس.
حيث فهم هؤلاء المخضرمون ـ جميعهم ـ إن الهدف من فكرة الاتحاد الدستوري الليبي هو السعى إلى إعادة الشرعية الدستورية التى أقرها الشعب الليبي بكامله قبل إعلان إستقلال البلاد، واختار لها النظام الملكي كشكل من أنواع أنظمة الحكم السائدة فى العالم المعاصر، مزكياً لها محمد إدريس السنوسي ملكاً فى إطار نظام برلماني يستمد شرعيته من قواعد الدستور الذى وضع بنود قوانينه ممثلو الشعب الليبي فى الفترة التى سبقت إعلان الاستقلال. وفى هذا الإطار، أصبح الملك إدريس السنوسي الممثل الشرعي للسلطة الدستورية القائمة فى البلاد.
ولم يكن لنظام الانقلاب العسكري الذىذ استولى على السلطة فى البلاد ـ سنة 1969م ـ بوسيلة غير شرعية أن يلغى ـ تلك ـ الشرعية الدستورية، أو أن يلغى صلاحيات ممثلها فى الحكم الملك إدريس السنوسي.
ورغم أنه قد تحقق للإنقلابيين ـ على أرض الواقع ـ إحكام السيطرة على زمام السلطة بالقوة، وتمكنوا من مباشرة حكم البلاد بسلطان القهر، إلاّ أن حكمهم ظل ـ وسيظل ـ من وجهة نظر القانون الدولي حكما غير شرعي.
ومن ناحية أُخرى، فقد كان ـ وسيظل ـ من حق أفراد الشعب الليبي السعي لإبطال سلطة النظام غير الشرعية فى حكم البلاد، والعمل على إعادة الشرعية الدستورية المغيبة إلى عهدها السابق، وإعادة ممثل تلك الشرعية محمد إدريس السنوسي ـ فى حياته ـ ليتولى مهام منصبه كحاكم للبلاد، نزولاً عند رغبة واختيار الشعب الليبي له ـ منذ البدء ـ وذلك حينما أُضفى عليه الصبغة القانونية المستمدة من قوة الدستور وشرعيته الوطنية.
ومن هنا، فقد أصبحت مهمة إعادة هذه الشرعية لنصابها الطبيعي فى البلاد، منوطة أمرها ومسئوليتها بالفئات المتمتعة بالوعي السياسي فى داخل المجتمع الليبي، والتى يقع أهل الحل والعقد على ربوع قمتها.
وذلك فى إنطلاق من البديهية المعروفة بأن شعوب العالم عامة، وشعوب العالم الثالث على وجه الخصوص، تتطلع فى تحقيق أهدافها الوطنية إلى تلك الثلة الواعية من أبنائها المخلصين، الذين يؤهلهم وعيهم وإدراكهم السياسي للاضطلاع بأمر النضال من أجل بلوغ تلك الأهداف المأمولة.

*   *   *

وهكذا، فإن مهمة إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها المعهود فى البلاد، كان لابد من أن يتصدر لها أفراد من الشعب الليبي ـ من ـ الذين أخذوا على عاتقهم أمر معارضة النظام غير الشرعي الذى يسيطر على مقاليد السلطة فى بلادهم، وذلك من خلال الوسائل الفاعلة والقادرة على بلوغ ـ هذا ـ الهدف المأمول، والتى تتراوح بين ممارسة الضغوط القانونية فى أروقة المحافل والهيئات الدولية لإثبات عدم شرعية النظام القائم فى ليبيا، ومطالبة المجتمع الدولي عن طريق مؤسساته القانونية بالانحياز إلى الحق البائن عن طريق فرض إعادة الشرعية الدستورية للشعب الليبي، خاصة إذا علمنا أن هذه الشرعية قد ولدت ـ فى المقام الأول ـ بقرار من هيئة الأمم المتحدة.
علاوة على هذه الوسيلة الأساسية، فأنه يتم فى نفس الوقت إتباع الوسائل الفاعلة لتوعية فئات الشعب الليبي المختلفة بحقهم الشرعي فى العيش تحت ظل دستورهم الذى بنيت على أركانه أول دولة ليبية فى التاريخ الإنساني قاطبة، وحثهم ـ من ثمة ـ على رفض حكم النظام العسكري الذى اغتصب سلطة الحكم بوسيلة غير شرعية.
وأن يتم فى هذا الإطار العمل على تجديد البيعة للملك إدريس السنوسي ـ فى حياته ـ من قبل مجموعة من أهل الحل والعقد فى البلاد، لكونه الرمز الممثل لهذه الشرعية، ويُعد هذا الأمر انصياعا لقوة وسلطة الشرعية الدستورية التى منحته منصب الحاكم على البلاد عند تأسسها فى المرحلة التى سبقت الإعلان عن الاستقلال.
وفى حالة تعذر عودة الملك لتولى مهام منصبه، يصبح ـ بهذه الكيفية ـ من حق الشعب الليبي اختيار شكل الحكم الذى يراه مناسباً وملائماً له، واختيار الشخص المناسب لمنصب الحاكم فى البلاد.
والمعنى هنا، أن وجود الملك ـ على قمة هذا التوجه ـ يعزز من قوة المطالبة بإعادة الشرعية الدستورية أمام المحافل الدولية لكونه الرمز الممثل لتلك الشرعية. ولكن من ناحية ثانية، لا يعنى عدم وجود الملك ـ البتة ـ انتفاء أو إلغاء وجود تلك الشرعية السابقة عليه، والمستمدة قوتها وسريان فاعليتها من الشعب ذاته الذى هو مصدر القوة الحقيقية فى إطار الكيان القائمة عليه أركان الدولة، أي أن قوة منصب وسلطة الملك ـ هى ـ فى الأصل مستمدة من الدستور الذى تقوم على كيانه تلك الشرعية، والذى ـ هو فى نفس الآن ـ قد تم وضعه من قبل الشعب بواسطة ممثليه، وليس للعكس صحة فى هذا المضمار.
ولكن البعض لم ير هذا القاسم الهام عندما تم طرح فكرة تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي عليهم، واتجهوا إلى ربطها بعودة النظام الملكي، أو بالأحرى ربطها بعودة الملك نفسه. وغاب عن ذهن هؤلاء فى هذا الغمار ـ كما نوهنا أعلاه ـ بأن الشرعية الدستورية التى أقرها الشعب الليبي بأكمله عشية إعلان الاستقلال، هى ركيزة أساسية وجوهرية فى بناء الدولة الليبية.
وهى ـ من هنا ـ غير مرتبطة بشخص الحاكم أو بشكل النظام القائم، ولا يملك شخص إلغائها، لأنها عقد جماعي أصدرته الأمة الليبية بكافة أفرادها، وسنت قواعده وبنوده فى هيئة دستور تم إقراره ليكون الراعي لحقوق أفرادها والمنظم لسلوك حكامها.
ومن ثمة، فإنه فى حالة وجود الملك، يتم تجديد مبايعته ليعود إلى تولى منصبه من خلال الشرعية الدستورية التى يمثلها بتفويض من الشعب الليبي، إما فى حالة امتناعه أو غيابه، فتفرض ـ هنا ـ الشرعية الدستورية نفسها على نطاق الدولة الليبية من خلال استبيان أفراد الشعب بأسره، بالطرق والوسائل الديمقراطية، حول تحديد نوع النظام الذى يرغبه فى الحكم (ملكي، جمهوري، مجالس شورى .. إلخ)، ومن ثمة اختيار الشخص أو الأشخاص الذين سيتولون إدارة زمام سلطة الحكم فى ظل الدستور الشرعي الذى يتم تعديله أو تنقيحه بما يتلائم مع الإختيارات التى يتوصل إليها أفراد الشعب ويتم إقرارها حول شكل نظام الحكم المرغوب.
هذا المعنى السابق، لم يتوصل الكيخيا لإدراكه بمفرده، كما سبق الإشارة أعلاه، فقد شاركه البعض القليل فى استيعاب هذا الفهم السليم لفكرة تأسيسالاتحاد الدستوري الليبي.

*   *   *

لقد واظبت على رؤية الحاج رمضان الكيخيا واللقاء به فى جميع زياراتي المعتادة لوالدي فى مدينة الإسكندرية، فقد كانت تجمعهما صداقة حميمة، وكُنت فى كل مرة أرى الكيخيا فيها، يسوقنا الحديث عن النشاط الجاري للاتحاد الدستوري الليبي.
وكان، فى هذا الصدد، لا يبخل بملاحظاته السديدة التى صقلتها ـ له ـ تجاربه العميقة الممتدة لعقود زمنية طويلة، وكان (رحمه الله وجعل مثواه الجنة) من بين قلة ـ الذين ـ جادوا علي بمساندتهم المعنوية، فى الوقت الذى شح بها الكثير من الآخرين.

*   *   *

الشيخ منصور المحجوب ..

لقد حرص القائمون على الاتحاد الدستوري الليبي، منذ البداية، على مخاطبة أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي، وذلك لكونهم يمثلون القوة الاعتبارية والمعنوية التى ـ من المفترض ـ أنها تملك إمكانية الرؤية الجلية فى تحديد السبل القويمة التى يمكن تبنيها لتحقيق المصلحة الوطنية.
ومن هنا فقد تم الاتصال برؤساء الوزراء الأسبقين : السيد محمد عثمان الصيد، الأستاذ عبد الحميد البكوش، السيد مصطفى بن حليم، وبالشخصيات ذات المكانة والوجاهة الإجتماعية مثل الحاج محمد السيفاط، والأستاذ منصور رشيد الكيخيا، والحاج رمضان سالم الكيخيا والأستاذ محمد بن يونس والشيخ منصور المحجوب، والحاج رجب بن كاطو وتلاهم ـ فى هذا السياق ـ من بعد ذلك الاتصال بشخصيات أُخرى سيرد ذكرها فى الأجزاء القادمة، والتى تقع ـ جميعها ـ ضمن حيز دائرة أهل الحل والعقد فى المجتمع الليبي.

كان الشيخ منصور المحجوب، الذى تولى مناصب رفيعة فى العهد الملكي(1)، لاجئا سياسيا فى الأراضي السعودية، وكان يقيم بمكة المكرمة فى رحاب الحرم المقدس.
وقد كان ـ الشيخ المحجوب ـ أحد الشخصيات الليبية التى انصب اهتمام القائمين على الاتحاد الدستوري الليبي للاتصال بها من أجل تعريفها بفكرته وتوجهه المرسوم، ودعوتها للانضمام إليه أو مساندته ومؤازرته بالقدر الذى تسمح به ظروفها السياسية.
وهكذا، قمت بإرسال مطبوعات ومنشورات الاتحاد الدستوري الليبي التى تُعلن عن تأسيسه وقيامه وتشرح فكرته عن طريق البريد للشيخ منصور المحجوب فى مقر إقامته بالسعودية. وأعقبت ذلك ـ بعد فترة وجيزة ـ برسالة شخصية استفسره فيها عن رأيه فى فكرة الاتحاد الدستوري الليبي التى حملته له المطبوعات التى أرسلتها له. وجاءني رد الشيخ المحجوب برسالة يُفيد فيها بأنه لم تصله أية مطبوعات تخص تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي(2).
فما كان مني إلاّ أن أرسلت له ـ مع ـ مبعوث من طرفي بنسخ أخرى من تلك المطبوعات، سلمها له باليد. وفى حينه قال الشيخ المحجوب لمبعوثي ـ المؤتمن ـ بعد إطلاعه على تلك المطبوعات، إنها فكرة جيدة وليبارك الله خطى القائمين عليها. ثم استرسل فى القول ـ لمبعوثي ـ بإنه بعد وصول رسالتي له ورده عليها، قد اطلع من بعض العارفين على أمر تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي وفهم كنه فكرته، وأعجب بها. وإنه ظن على الفور بأن هذه الفكرة ـ لابد وأن ـ تكون وليدة إلهام مصطفى بن حليم، أو ـ على الأقل ـ أن يكون بن حليم من وراء انبثاقها للعلن ! (3).
حيث ربط الشيخ منصور المحجوب ـ فى هذا الصدد ـ بين عامل القرابة الذى يصلني بإبن حليم وبين تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، معتقداً بأن بن حليم ـ لابد وأن يكون ـ قد اختارني كواجهة لنشاط تحقيق فكرته فى إعادة الشرعية الدستورية لليبيا !.
واعتقد المحجوب، فى هذا المنوال، بإنه إذا لم تكن هذه الفكرة من صميم إلهام بن حليم وتدبيره، فإنه ـ والحال كذلك ـ لابد وأن يكون يقف وراء دعمها والدفع بها إلى النجاح، وذلك لكونها ـ من ناحية ـ وحسب اعتقاد المحجوب قد لاقت إعجاب وقبول بن حليم. ومن الناحية الأخرى، فقد كان لفروض صلة القرابة تأثيرها وسطوتها على بن حليم لتقديم العون والمساعدة والشد من أزري فى هذا الخصوص.
وقال الشيخ المحجوب لمبعوثي فى حينه، بإنه بناءاً على الاعتقاد السابق ـ الخاطىء ـ قد قام بتهنئة مصطفى بن حليم على هذا التوجه السديد عندما التقى به عقب إطلاعه على أمر الاتحاد الدستوري الليبي. لكنه فوجىء بردة فعل بن حليم الغاضبة التى استهجن فيها مؤدى افتراضه الذى يربطه ـ أي بن حليم ـ بفكرة الاتحاد الدستوري الليبي، والذى وصف توجهه بالنهج الأخرق، ونعت صاحبه بالجنون.
واسترسل الشيخ المحجوب فى حديثه لمبعوثي بأن بن حليم الذى كان غاضباً بشكل لم يره عليه من قبل قد نوه له بأن يبتعد عن الاتحاد الدستوري الليبي وصاحبه، وقال له بأن يتذكر دوماً بأنه لاجىء سياسي فى بلد لا تقبل سلطاته من المقيمين على أرضها مزاولة أية نشاطات سياسية قد تتسبب فى إحراجها مع الدول الأخرى، وهى فى هذا الخصوص لا تتهاون مع من لا يحترم آداب الضيافة على أرضها.
وهكذا، قدم الشيخ المحجوب اعتذاره لمبعوثي على عدم إمكانه الانخراط أو مساعدة القائمين على الاتحاد الدستوري الليبي، هذا على الرغم من احترامه وتقديره الشديد لي، وإعجابه المفرط بفكرة الاتحاد الدستوري التى يتمنى من الله أن يباركها حتى تصل إلى أهدافها المأمولة.
وانقطعت صلتي بالشيخ المحجوب حتى سنة 1997م، حيث قابلته فى أثناء زيارتي للأماكن المقدسة، فرحب بي كثيراً، وداعبني مازحاً بقوله: "لماذا لم تبق على سنك الصغيرة المتوجة بالشعر الأسود الذى كان يعلو رأسك ويكسو ذقنك فى الصورة التى كانت تضمك مع الملك إدريس (رحمه الله) ؟ إن قضية إعادة الشرعية الدستورية تحتاج أن يرتادها ويقودها شباب الوطن وليس كهولته، فقد ساد الاعتقاد على مدى الدهور الماضية بأن الملكية فى ليبيا ـ والتى تمثل الشرعية الدستورية فى البلاد ـ كانت دائماً مرتبطة بالمتقدمين فى السن من الكهول، حتى جاءت مناداتك بعودتها عن طريق الاتحاد الدستوري الليبي، وأنت الشاب الصغير، لتبطل هذا الاعتقاد وتؤكد على أن الشباب له ـ هو الآخر ـ اهتمام بها ".
وكان يقصد بدعابته ـ تلك ـ أن مظهري قد تغير منذ رآه فى صورتي مع الملك إدريس التى أخذت فى أوائل الثمانينات من القرن المنصرم، بينما شكلي الحالي ـ عندما التقيته ـ يبدو عليه مظاهر التقدم فى السن، وذلك بعد أن اشتعل شعري بلهيب الشيب، بينما صورتي السابقة مع الملك ـ التى أشار لها ـ لم يكن للشيب مكان فيها.

*   *   *

رجب بن كاطو ..

يُعتبر رجب بن كاطو (رحمه الله) أحد الشخصيات المرموقة فى ليبيا، حيث تولى إبان العهد الملكي مناصب وزارية مختلفة، وشارك ـ فى بعض فترات ذلك العهد ـ فى صناعة القرار السياسي.
وكان ـ بن كاطو ـ معروفا بين معاصريه بقوة الشخصية والصلابة فى مواقفه التى يتخذها تعبيراً عن قناعاته الخاصة. ولقد قمت بالاتصال بالسيد رجب بن كاطو فى فترة الإعلان عن تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، لإعلامه بكنه فكرته وأهدافه المرسومة، وذلك من خلال المنشورات والمطبوعات السابق الإشارة إليها، والتى تم إرسالها لبقية الشخصيات الليبية التى تناولتها هذه المقالة، أو ـ تلك ـ التى سيأتى الذكر عليها فى الأجزاء القادمة.
وجاءني رد بن كاطو فى رسالة دافئة عبر فيها عن مكنون معزته الشخصية لي، وتأييده المعنوي لتوجهي الذى بلورته فكرة الاتحاد الدستوري الليبي(4).
ورغم إن بن كاطو لم ينخرط فى عضوية الاتحاد الدستوري الليبي، ولم يسهم أو يدعم نشاطاته، وظل طوال الوقت، منذ الإتصال به وحتى مماته، على قدر من التضامن المعنوي، إلا أنه ـ من ناحية أُخرى ـ كان خير عضد وسند لوالدي(5) (رحمه الله) فى مواجهة ـ تلك ـ الحملة الشعواء التى كان يقودها الحاج محمد السيفاط والأستاذ عبد الحميد بن حليم، والتى تم الإشارة إليها فى بعض فقرات الأجزاء السابقة.
ومن الجدير بالذكر ـ فى هذا الخصوص ـ الإشارة إلى موقف معين حدث فى مدينة الإسكندرية، عله يبين ـ على سبيل المثال وليس الحصر ـ عمق مناصرة رجب بن كاطو لوالدي فى تلك الآونة.
وكان ذلك، عندما حل والدي ضيفاً على مآدبة غذاء جمعت معظم الليبيين المقيمين فى مدينة الإسكندرية، وضمت على رأسها الحاج محمد السيفاط والأستاذ عبد الحميد بن حليم، وكعادة الآخيرين ـ ومن فى ركبهما ـ أن أنهالوا على والدي بسيل من الإنتقادات اللأذعة لتوجهي السياسي.
ولم يملك والدي بعد أن زادت حدة سعير تلك الإنتقادات، وتحولها إلى زبدٍ لغطي ـ هو ـ أقرب إلى التجريح، وأبعد مكاناً عن الموضوعية، إلاّ أن ربأ بنفسه وغادر ذلك المكان الذى ضمته المأدبة المعنية، وذلك بعد أن فشل فى إقناع مقارعيه بإلتزام الموضوعية حول الموضوع المثار.
وكان رجب بن كاطو (رحمه الله) هو الشخص الوحيد الذى غادر المكان، اعتراضاً وتعبيراً عن الرفض لمظهر ذلك السلوك الذى اعتبره غير سوي، ودفعه ـ من ثمة ـ إلى التضامن مع والدي من خلال رفضه المكوث فى مجلس تسوده روح أهواء غير مسئولة.

يتبـع ..

محمد بن غـلبون
chairman@libyanconstitutionalunion.net
29 أغسطس 2006

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لقد تقلد الشيخ منصور المحجوب منصب رئيس المحكمة العليا وكذلك منصب رئيس جامعة الامام محمد بن علي السنوسي الإسلامية.
(2) مرفق أدناه صورة من رسالة الشيخ منصور المحجوب (ملحق رقم 1).
(3) لم يكن الشيخ منصور المحجوب الشخص الوحيد الذى تكون لديه الاعتقاد بأن فكرة تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي نابعة من إلهام فكر مصطفى بن حليم، أو أنه يدعمها ويقف من ورائها، فقد تكرر هذا الموقف مع عدة أشخاص آخرين كانوا يحملون نفس هذا الاعتقاد.
(4) مرفق أدناه صورة من رسالة السيد رجب بن كاطو المشار إليها أعلاه (ملحق رقم 2).
(5) لقد جمعت بين والدي ورجب بن كاطو صداقة متينة امتدت على مدى دهور طويلة.

ملحق رقم (1)

ملحق رقم (2)

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home