Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

Saturday, 28 October, 2006

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها


بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي : تأسيسه ونشأته (10)
مقالة توثيقية بقلم محمد بن غـلبون

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزء من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.


الجزء العاشر

(2) الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

الحاج غيث سيف النصر ..

إن شهرة وذيوع صيت عائلة سيف النصر فى ليبيا تُغنى المرء عن التعريف بأفرادها، الذين اضطلعوا ـ من خلال أبناء الرعيل الأول ـ بفخر الجهاد ضد قوات المحتل الأجنبي لأرض الوطن، وقدموا فى سبيل ذلك أنفسهم وما تملك لأجل الذود عن تراب الوطن الزكي، فحاربوا المستعمر الأجنبي بائتلاف مع إخوانهم الآخرين الذين جاهدوا تحت رآية الحركة السنوسية.
وقد كرمت الدولة الليبية ـ بعد الاستقلال ـ وفاء وإخلاص هذه الأسرة المجاهدة بتولية بعض أفرادها، من أبناء الرعيل الثاني، مناصب اعتبارية وسياسية رفيعة، فتقلد من بينهم فى هذا السياق، الحاج غيث سيف النصر منصب والي فزان، ومنصب محافظ فزان بعد إلغاء نظام الولايات فى عام 1963م، ومنصب سفير ليبيا فى تشاد، الذى استمر فى أداء مراسمه حتى لحظة اغتصاب العسكر للسلطة فى البلاد ـ من خلال ـ انقلابهم فى أول سبتمبر عام 1969م. كما تولى ـ فى هذا الغمار ـ السيد سيف النصر عبد الجليل منصب وزير الدفاع فى بعض تشكيلات حكوماتها المتعاقبة.

*   *   *

أمضيت معظم شهر يوليو والأيام الآخيرة من شهر يونيو من سنة 1982م فى العاصمة المغربية الرباط، وقد توافق ذلك مع حلول شهر رمضان الكريم، فصمت معظمه فى أحد فنادق قاع ـ تلك ـ المدينة العريقة، التى مكثت بها حتى انقضاء عطلة عيد الفطر المبارك، باستثناء بضعة أيام قليلة قمت فيها بزيارة خاطفة إلى بريطانيا، تصادف فى أثنائها أن التقيت بالأستاذ عبد الحميد البكوش خلال زيارته لي بمنزلي بمدينة مانشستر.(1)

كان نجم تنظيم جبهة إنقاذ ليبيا ـ فى تلك الآونة ـ ينطلق فى صعود جامح لا كابح له، وكانت الرباط ـ تُعد ـ فى حينه، أحد المراكز الساخنة لنشاطاته المتنامية، التى لم يكن بمقدور التنظيمات والفصائل الآخرى مجاراته فيها.
ولقد كان من الطبيعي بمكان أن يشعر المرء، فى تلك الفترة، بتواجد أقطاب جبهة الإنقاذ وأعضائها ـ الكثر ـ فى العاصمة المغربية؛ كما كان من السهل واليسير ـ فى ذلك الإطار ـ على إدارة تنظيم الإنقاذ التزود بالمعلومات الشخصية عن الليبيين المتواجدين على أرض تلك البلاد، سواء المقيمون ـ منهم ـ عليها، أو أؤلئك الزائرون لها.

*   *   *

فى ذلك الغمار، اتصل بي، عبر التليفون، الحاج غيث سيف النصر ـ الذى لم يسبق لي معرفته أو الالتقاء به من قبل ـ وأفصح لي عن رغبته فى زيارتي بالفندق الذى أُقيم به.(2) والحاج غيث ـ لمن لا يعرفه ـ هو من أبناء عائلة سيف النصر المرموقين، وأحد مؤسسي وقادة جبهة الإنقاذ البارزين،ونائب أمينها العام. حضر الحاج غيث فى الموعد الذى عقدناه، بعد صلاة العصر، إلى الفندق الذى أنزل به، حيث وجدني فى استقباله بالبهو، لنأخذ لنا ـ من بعد ـ ركناً خالياً نجلس على مقاعده، ونسبر أغوار الموضوع الذى من أجله كبد ـ ضيفي ـ نفسه عناء زيارتي فى ذلك اليوم المشهود.
ولقد لاحظت على زائري الموقر تميزه بإتباع الأسلوب العملي ـ البرجماتي ـ فى تعامله معي، حيث لم يبدد وقته عبثاً بالخوض فى بروتوكولات المجاملات والترحاب المديد ـ كما هى عادة الليبيين إذا جمعهم اللقاء ـ فقد دخل الحاج غيث سيف النصر إلى صلب الموضوع الذى دعاه فى ذلك اليوم إلى زيارتي دون تأنى أو ارتجال .
قال لي الحاج غيث، بتوتر وعصبية ظاهرة(3)، بأنه لا يستطيع أن يفهم، أو أن يبلغ بعقله لعين المنطق الذى دفعني إلى إتباع نهج مغاير ومخالف للخط الذى اجتمع عليه الجميع، فتأسيسي للاتحاد الدستوري الليبي ـ فى نظره ـ هو تشتيت للجهود المبذولة، وتبذير للإمكانيات الكامنة.
وقال مسترسلاً، إنه ـ كان ـ أولى بي أن انضم للركب الجماعي الذى تمثله جبهة الإنقاذ المدعومة من قبل الدول الكبرى، والحائزة على مؤازرة الدول ذات التأثير والنفوذ فى الوطن العربي، والمؤيدة من قبل معظم أفراد الشعب الليبي، وعلاوة على ذلك، المسنودة بشخصيات ليبية ثرية وذات نفوذ سياسي مؤثر. ومن هنا، فإن إصراري على الخروج عن هذا الائتلاف والتعاضد والترابط الجماعي الذى حققته جبهة الإنقاذ من خلال كيانها التنظيمي المعارض، يجعلني ـ بدون مواربة ـ كالطائر الذى يُغرد خارج سربه !.
وقال الحاج غيث سيف النصر فى إيماءة ـ منه ـ لمناداة الاتحاد الدستوري الليبي بالالتفاف حول شخص الملك وتجديد البيعة له، بأن معشر أفراد عائلة سيف النصر سنوسيون بالفطرة، ومن ثمة فالسنوسية تسرى فى دماء عروقهم !. وإذا حدث، ووجد تحت جلد بدن أحدهم عرق واحد تجرى فيه دماء تنبض بغير السنوسية، فسوف يتم ـ على الفور ـ قطعه لتسيل دمائه متبددة إلى فناء. ومن هنا، فنحن لا نقبل ـ تحت أي ظرف ـ من أحد المزايدة على ولاء عائلتنا للحركة السنوسية، أو للملك إدريس بالذات !
وواصل الحاج غيث حديثه ـ فى هذا الصدد ـ بالقول بإن هناك نية معقودة على تكريم الملك إدريس عقب القيام بتحرير ليبيا من براثن حكم نظام القذافى، ومن ثمة فليس هناك ما يدعو إلى الالتفاف حوله فى الوقت الحاضر، فهذا لن يزد أو ينقص من الأمر شيئاً !.

وهكذا ظللت ـ طوال الوقت ـ استمع لحديث زائري المشبع بسيل النقد القارص لموقفي وتوجهي المخالف لنسق وترتيب تنظيم جبهة الإنقاذ، والذى استغرقه، إسهابه فيه، لكل الوقت الواقع بين صلاة العصر، وحتى فترة وجيزة قبل حلول موعد صلاة المغرب.

*   *   *

قلت للحاج غيث سيف النصر ـ باختصار ـ بعد أن أكمل حديثه وهم بالإنصراف، أنه لدى أربعة نقاط أسردها فى عجالة كردٍ على ما جاء فى حديثه المنصرم:

ـ النقطة الأولى، إن تكريم الملك فى معناه لا يتم بعد تحرير ليبيا، باحتفال خطابي وقلادة فخرية، وأنما التكريم يتم ـ لمن يعي ـ فى منفاه وغربته القاسية وعزلته المريرة، من خلال رد الاعتبار له بالالتفاف حوله.

ـ النقطة الثانية، إن فى الإشارة إلى عدم قبول عائلة سيف النصر بمزايدة أحد عليهم فى شأن الولاء للحركة السنوسية وللملك إدريس بالذات، وذلك من خلال تشبيه ذلك الولاء بجريان الدم السنوسي فى عروق معشر أفرادها، يُعتبر فى حد ذاته مزايدة مكشوفة.
وذلك لأن العبرة ـ فى إظهار الولاء ـ تُقاس بموقف أصحابه فى الفترة التى يعيشونها من أحداث التاريخ الجارية، أما الارتكان لمواقف تاريخ الأولين، فلا يعتد به لتبرير مسئولية الأفراد إزاء واجباتهم ـ الآنية ـ فى إظهار مقدار هذا الولاء الذى يفتخرون به.
والمعنى هنا، إن الحكم على تصرفات الأفراد إزاء المواقف التاريخية المتعاقبة، يتم من خلال المجريات والظروف السياسية لفترتهم الراهنة، وليس بالقياس على ما تم فى فترات تاريخية سابقة. ومن هنا، وحتى يلاقى التشبيه الذى ذكرته ـ سريان الدم السنوسي فى عروق أفراد عائلة سيف النصر ـ مصداقيته على أرض واقع الفترة الراهنة، فأنه عليك القيام بالتوجه للملك إدريس لتجديد البيعة له، لكونه ممثل الشرعية الدستورية التى شرفته بها الأمة الليبية ـ مجتمعة ـ عن بكرة أبيها.
ومن ناحية أُخرى، فإن التشبيه المنوه عنه، قد تم اقتباسه من عمك محمد سيف النصر، حيث قال من داخل سجنه الذى زُج به ظلماً وعدواناً من قبل أركان نظام الحكم الفاسد: " لو كان يوجد فى جسمي عرق لا ينبض بالسنوسية لقطعته "، وكان يعنى كل كلمة وردت فى قوله المذكور، الذى حدده وحصره فى شخصه، ولا أحد سواه، فلم يسحبه بالضرورة على بقية أفراد عائلة آل سيف النصر. ولم يتراجع ـ رحمه الله وجعل مثواه الجنة ـ عن هذا القول الذى يمثل رأيه الذى يؤمن به، رغم ضغوطات ومساومات سجانيه بإطلاق سراحه، وقد فضل الموت فى السجن على التنازل عن مبادئه الراسخة بقوة عزيمته وإيمانه الشديد، وشجاعته وجلده وثباته على الحق.

ـ والنقطة الثالثة، والتى ربما لا توافقني فيها الآن، لاختلاف وجهات نظرنا حولها، هى أنه رغم كافة الإمكانيات الضخمة والدعم الهائل الذى تتلقاه جبهة الإنقاذ من أجل تحقيق أهداف تحرير البلاد من حكم نظام القذافى، إلاّ أن الأمر كله محكوم عليه بالفشل الذريع، ولن يتحقق هذا الحلم فى إسقاط نظام القذافي بهذه الوسيلة بالذات !.
ولا يغرنك دعم الدول الكبرى للجبهة فى الوقت الراهن، وأعلم ـ يقيناً ـ أن لديها مخططاتها وأهدافها ومصالحها الخاصة التى لا يدخل فى اعتبارها مراعاة مصالح الشعب الليبي أو معاناته المريرة تحت حكم النظام الفاسد. وسوف تثبت لك الأيام صدق هذا التحليل.
وإذا حدث ذلك فى المستقبل ـ وسيحدث ـ فأنك أكثر من مرحب به للانضمام إلى الاتحاد الدستوري الليبي، فهو المكان اللائق بمكانة أبناء عائلة سيف النصر لتتبوء صدارته، فتاريخهم النضالي المشترك مع الحركة السنوسية وولائهم ـ لها ـ المشهود له، يجعلهم الأكثر ترشيحاً لشغل مركز الصدارة فى الاتحاد الدستوري الليبي.(4)

ـ والنقطة الآخيرة ـ فى هذا المنوال ـ يمكن استنباطها من تساؤل برىء ـ ذي شقين ـ يستطيع أي إمرءٍ بسيط الإجابة عليه دون مشقة أوعناء، والتساؤل هو: لماذا هذا الإضناء الذى يتكبده بعضكم فى محاولة نقد توجهي السياسي ومحاولة ثنيي عنه ؟ فهل ـ بالفعل ـ يكمن فى توجهي المذكور العائق العصيب أمام جهودكم المبذولة من أجل القضية الوطنية ؟.
والجواب يأتى من لدن كلامكم ونقدكم الموجه لي، حيث جاء على ألسنة منتقديكم ـ فى أكثر من مناسبة ـ بأن توجهكم النضالي غير قابل للفشل، ونجاحه محتوم، لأنه يستمد عوامل نجاحه من الدعم المطلق للقوى الدولية والعربية والإقليمية، ومن قوة المال والعتاد والرجال التى اكتسبها فور انبثاقه.
إذن، ليس هناك مشكلة، فأنتم ستحققون النجاح الذى تصبون إليه تحت أي اعتبار، ولن يغير توجهي من هذه الحقيقة ولو بقيد أنملة. فدعوني ـ والأمر كذلك ـ لشأني، طالما أنه ليس هناك خشية مني ومن توجهي على تحقيق أهدافكم.

*   *   *

وهكذا، انتهى حديثي مع الحاج غيث سيف النصر، الذى لم يعجبه ردي، فعبرت عنه تقاسيم وجهه الغاضبة، فما كان مني إلاّ أن ألحيت عليه، ووقت صلاة المغرب يوشك على الإيذان، أن يقبل دعوتي لتناول الإفطار سوياً فى مطعم الفندق الذى أُقيم به، لكنه رفض دعوتي وتمتم بالقول وهو يلوح بيده، مديراً ظهره لي فى طريق خروجه من باب الفندق، إن إفطاري ينتظرني بمنزلي، وغادر فى طريقه إلى بيته.
قضيت ـ كما سبق الإشارة ـ معظم أيام شهر رمضان الكريم وعيد الفطر المبارك فى العاصمة المغربية التى كانت تعج بعض بيوتها وفنادقها بأعضاء جبهة الإنقاذ، الذين ـ كانت ـ تربطني ببعضهم علاقات شخصية، إلاّ أنني لم أر منهم أحدا !.
وقد كانت صلتي الوحيدة بالليبيين فى تلك الفترة ـ وفى ذلك البلد ـ منحصرة فى علاقة الصداقة التى ربطتني بالسيد محمد عثمان الصيد، الذى كان يدعوني من وقت لآخر لتناول وجبة الإفطار معه.

*   *   *

سيف النصر عبد الجليل سيف النصر ..

من الطبيعي أن يكون السيد سيف النصر عبد الجليل ضمن قائمة الاتحاد الدستوري الليبي الخاصة بالشخصيات الوطنية ـ من أهل الحل والعقد ـ المزمع الإتصال بها لدعم ومؤازرة توجهه الوطني، وذلك لما كانت تحوزه شخصيته من مكانة إجتماعية وسياسية مرموقة فى المجتمع الليبي.
لقد ربطتني بالسيد سيف النصر عبد الجليل ـ فيم مضى ـ علاقة ودودة، كان لها دورها فى تسهيل أمر الاتصال به، ومن ثم تحديد موعد للقاءه فى شتاء سنة 1982م. حيث استقبلني بحفاوة وترحاب فى شقته الكائنة بمدينة القاهرة التى يقيم بها بصفة دائمة.
وقد شد انتباهي منذ الوهلة الأولى التى ولجت فيها إلى غرفة استقبال شقة سيف النصر، صورة كبيرة الحجم للملك إدريس، يحوطها برواز فخم المظهر.
وكان جمال تلك الصورة التى ـ كانت ـ تُزين الحائط الذى يحملها، يُرغم الناظر إليها بإطالة التملى والإمعان فى جمالها الفوتوغرافي الذى يعكس بإتقان دقته بهاء ووقار هيئة صاحبها.

*   *   *

ما أن فرغنا من تجاذب أطراف الحديث حول ذكريات الماضي المشتركة، وشجون الحاضر المتمثلة فى نكبة الوطن تحت حكم النظام الفاسد، حتى أدرت دفة الحديث لمناقشة فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، الذى يُعد ـ أمره ـ هو الدافع الأساسي للقاء سيف النصر فى ذلك اليوم، متطلعاً من وراء ذلك لمعرفة رأيه وموقفه من تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ومن توجهه المطروح.
وقد وفر علي إلمام سيف النصر بكافة تفاصيل فكرة ونشأة وأهداف الاتحاد الدستوري الليبي عناء جهد الشرح والتفسير، حيث تمكن ـ سيف النصر ـ من الاطلاع على كافة المنشورات الصادرة عن الاتحاد الدستوري الليبي فى وقت سابق على ذلك اللقاء.(5) وعندما سألت سيف النصر عن رأيه وموقفه من فكرة الاتحاد الدستوري الليبي الداعي برنامجه، فى ذلك الحين، للالتفاف حول الملك إدريس كخطوة تمهيدية يقود محضاها للهدف الأساسي المتبلور فى إعادة الشرعية الدستورية للبلاد، والتى ـ فى هذا الإطار ـ يمثل الملك إدريس رمزها الوطني، بعد أن اجتمعت الأمة الليبية على اختياره حاكماً عليها وممثلاً لشرعيتها الدستورية المقننة فى دستورها الموقر، الذى وضعته وأقرته عشية الإستقلال المجيد.
وأعقبت بالقول لسيف النصر، فى محاولة لتوضيح كنه سؤالي السابق، مفصحاً ـ بذلك ـ عن مكنون رغبتي الصادقة فى مناشدته لتحقيق ـ هذا ـ الالتفاف المطلوب حول شخص الملك كخطوة داعمة فى طريق المطالبة بعودة الشرعية الدستورية للبلاد، وهى الهدف الأحادي الذى تبناه الاتحاد الدستوري الليبي ويسعى بشتى الوسائل إلى بلوغ غايته.
وهنا اعترض سيف النصر على مطالبتي له بالالتفاف حول الملك إدريس، فهذا ما يرآه ـ فى ذلك السياق ـ إهانة له ولأفراد أسرته الذين دأبوا على تقديم أسمى صور الوفاء والإخلاص والولاء للحركة السنوسية منذ إنبثاقها فى أوآخر القرن الثامن عشر.
وقال سيف النصر مسترسلاً بأن الولاء للملك إدريس ـ هو ـ واجب وفرض عين على كل فرد فى عائلة سيف النصر، ولا يحتاجون معه من أحد أن يحثهم على إظهاره أو البرهنة على صدقه.
واسترسل سيف النصر فى تأكيد محبته وولاءه للملك إدريس بعبارات حماسية كان يقوم فى أثناءها بإلصاق أصبعي سبابته والوسطى معاً، ثم يرفعهما لأعلى رقبته، بعد أن يحنى رأسه على صدره، ويقول وهو يُشير بيده الآخرى إلى صورة الملك إدريس المتربعة على الحائط الذى أمامه، بأن رقاب أفراد عائلة سيف النصر لم تخضع ـ ولا أدانت بالولاء فى يومٍ ـ لأحد سوى لهذا الرجل.
فما كان مني ـ فى حينه ـ إلاّ أن أقريت بصحة إحتجاجه المسرود، وذلك لعلمي اليقين بتاريخ عائلته فى التفانى لخدمة الحركة السنوسية والولاء لها ولسادتها، وقلت له بأنه ليس هناك مشكلة إذن ! فليقم ـ وهو سيد مطاع فى قومه وبين أقرانه ـ بجمع نفر من الشخصيات الليبية المرموقة من المتواجدين بمصر وغيرها من الدول الأخرى، ويتوجه بهم إلى الملك لمعاضدته وتجديد البيعة له.
وقلت له ـ فى هذا الصدد ـ إن العبرة فى نهاية الأمر تقاس بمدى النجاح الذى تم تحقيقه على مستوى المصلحة العامة لقضيتنا الوطنية، ولا يعنى ذلك البتة احتكار التوجهات المؤدية إلى تحقيق المصلحة المنشودة.
بمعنى آخر، إن الاتحاد الدستوري الليبي لا ينشد من الآخرين الإنزواء تحت جناحه من أجل تحقيق المصلحة المشتركة، بل يشجع ـ وبشدة ـ على تعدد محاور العمل فى الإتجاه المؤدى إلى بلوغ الأهداف المعقود عليها آمال شعبنا.
والمعنى هنا، إن سيف النصر لم يكن يحتاج إلى الاتحاد الدستوري الليبي لتبيان عضده ومؤازرته وولاءه للملك إدريس، فالمجال مفتوح له ولغيره، لكى يصححوا وضع الصورة المقلوبة لقضية بلادنا، والتى لم يكن لها أن ترى نصابها الطبيعي بدون الالتفاف حول الملك كخطوة تفضى إلى إعادة الشرعية الدستورية المغدورة إلى سابق عهدها فى ربوع البلاد.
وزيادة فى الحرص على إتمام المراد، عرضت على السيد سيف النصر أن أرتب له لقاء مع الملك إدريس لزيارته بصحبة نخبة من الشخصيات الليبية للتعبير ـ له ـ عن ولائهم وإخلاصهم. فشكرني بإمتنان شديد على عرضي، وقال بأنه لا يحتاج لواسطتي، فطريقه إلى ـ زيارة ـ الملك أبوابه مشرعة له حين يشاء ويرغب.
وهكذا، ودعت سيف النصر وسريرتي مفعمة بانطباع أن ينمى إلي مسامعي خبر يُفيد بزيارته للملك إدريس مصحوباً بثلة من أعيان الليبيين لمؤازرته ودعمه وتجديد البيعة له، ولكن عوضاً عن ذلك سمعت ـ بعد فترة وجيزة ـ بخبر انضمام سيف النصر لتنظيم الأستاذ عبد الحميد البكوش؛ والبقية تاريخ يعلمه كل من أطلع عليه، فقد توفى الملك إدريس (رحمه الله وأسكنه فسيح جناته) دون أن تتحقق تلك الزيارة المأمولة فى هذا المنوال.

يتبـع ..

محمد بن غلبون
chairman@libyanconstitutionalunion.net

19 أكتوبر 2006
________________________________________________

(1) تفاصيل هذه الزيارة واللقاء بالأستاذ عبد الحميد البكوش مدون بالجزء الرابع من هذه المقالة.
(2) ذهب ظني عندما أفصح لي الحاج غيث سيف النصر ـ فى اتصاله التليفوني ـ عن رغبته فى زيارتي، بأن ذلك من أجل دعوتي لتناول الإفطار فى بيته.
(3) نحى تفكيري لتفسير تلك العصبية والحدة البالغة التى كان يخاطبني بها الحاج غيث سيف النصر آنذاك إلى كونها لا تتعدى أحد أمرين. أولهما، إنه كان واقع تحت تأثير الصيام الذى ينتاب البعض ـ تحت جبروت سطوته ـ شعور بالعصبية والتوتر !. وثانيهما، إن تلك العصبية والحدة الظاهرة، هى من سيماء طبيعته التى جُبل عليها، ويتعامل بها مع الآخرين !. لكنني وقعت فى مغبة الخطأ المبين، عندما اكتشفت ـ لاحقاً ـ عدم صحة تأويلي فى كلى الأمرين !!.
(4) لقد حدث ـ وبكل أسف ـ كافة ما توقعته فى هذا الخصوص.
(5) لقد أرسلت للسيد سيف النصر، عن طريق البريد ـ أسوة بالشخصيات الليبية الآخرى ـ كافة المطبوعات الصادرة عن الاتحاد الدستوري الليبي مدعمة برسالة شخصية، وذلك ضمن حملة المراسلات التى تبناها الاتحاد الدستوري الليبي فى فترة الإعلان عن تأسيسه. وقد لمحت له فى رسالتي المشار إليها، والمرفق صورة منها أدناه، بأن يرسل نسخ من مطبوعات الاتحاد الدستوري الليبي إلى الحاج غيث سيف النصر، الذى لم أتمكن من الحصول على عنوانه، وفى غضون الوقت يهمني أن يحاط علماً بماهية الاتحاد الدستوري الليبي وتوجهه، وذلك من أجل كسب تعاونه وتأييده. وقد أشرت للحاج غيث سيف النصر فى رسالتي المذكورة ـ من باب الخطأ ـ كشقيق للسيد سيف النصر عبد الجليل، ليتضح لي فيم بعد بأن الآخير عمه، وليس شقيقه كما كُنت أظن، حيث صحح لي سيف النصر هذا الالتباس عندما التقيته لاحقاً.

*   *   *

نسخة من رسالة الاتحاد الدستوري الليبي
إلى السيد سيف النصر عبدالجليل سيف النصر بتاريخ 5 فبراير 1982

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home