Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union
الاتحاد الدستوري الليبي

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

السبت 19 سبتمبر 2009


بسم الله الرحمن الرحيم

وماذا بعد الأربعين إلا التوريث ؟

محاولة لفهم مايجري على الساحة الليبية، وقراءة لما هو آتٍ

شدّت تحركات سيف القذافي وتصريحاته خلال السنوات القليلة الماضية جميع فئات الشعب الليبي في الداخل والخارج، كما لفتت انتباه المراقبين المعنيين بالشأن الليبي، وولّدت علامات استفهام عديدة لدى الكثيرين، وعلامات تعجّب لدى البعض الآخر.  كما جرّت عدد من أصحاب المواقف الوطنية المعارِضة لسياسات سلطة الانقلاب في ليبيا إلى الجري وراء سراب الاصلاح الذي أعلنه سيف وأكّد على التزامه به وعاهد على فرضه على الساحة الليبية وأوحى بموافقة أبيه على توجهاته.

وتنازلت نسبة كبيرة من الشعب الليبي عن حقوقها على النظام وثاراتها معه، وتناست ما جرّعها من مهانةٍ وذُلٍّ، وما أذاقها – متعمداً وبلا جريرة – من ويلاتٍ وقهرٍ عبر سنوات ظلمه الحالكة، فشرحت صدورها للشاب الواعد بالإصلاح والتعويض والتصحيح، وأهدته قلوبها في مهرجانات من الحب والتأييد عكست حالة القنوط واليأس الذي تعاني منه وتسليمها بعجزها عن تغيير واقعها وترحيبها برضا الدكتاتور وفرحتها بتغيّر مزاجه حتى وإن جاء هذا الرضا بطريقة غير مباشرة من خلال ابنه.

ثم ازدادت علامات الحيرة والاستفهام والتعجّب عندما بدأت محاولات الشاب الواعد تبدو وكأنها تصطدم بإصرار الأب على منهجه القديم الذي أفرزه تخبّطه في دهاليز عالم الظلمات باحثاً عن ذاته ومحاولاً حلّ رموز قَدَرِه وفهم أسباب تصادم مكونات شخصيته التي كانت تقضّ مضجعه وتنغّص عيشه حتى تمكن أخيراً – على أشلاء قرابينه من الليبيين وإيقاع صراخ وتأوّهات الأحياء منهم – من التعرّف على نفسه والتمكّن من قوى الظلام واتقان طلاسمه بدرجة عالية جداً خضع لها ملوك ذلك السُّـفْـل التقليديون فتخلّوا له عن التاج والخاتم والصولجان، وبايعوه ملكاً عليهم، وأعطته المقدرة على التأثير في إرادة ملوك وزعماء العرب والعالم وارباكهم وتكدير صفوهم إن تصادموا معه أو حتى حاولوا اعتزاله.

وقد فسّر بعض المراقبين ما يبدو أنه صراع بين الأبن والأب بأنه تصادم مع "الحرس القديم"، ورأى بعضهم أنه تصادم مع أصحاب المصالح و "القطط السمان"، وفسّره غيرهم بأنه ناجم عن شعور الأب بتهديد سلطته المطلقة التي تعوّد عليها والتي لن يرضى بأن يشاركه فيها غيره حتى وإن كان ابنه الذي حصل على موافقته نظرياً. وأمّلوا أنفسهم بأنه – الأب – يحتاج إلى بعض الوقت حتى يتعوّد على التغيير، وأنه على الابن أن يخفف من سرعة تحركاته لتجنب الاستفزاز وتفادي التصادم والعراقيل!

ثم ازدادت الحيرة عندما أخذ مظهر ذلك الصراع يتلوّن بلمسة –مقنّنة – من العنف، حيث تم سجن أحد أعوان سيف المرموقين أثناء غيابه عن أرض الوطن، وبعدها صودرت محطة تلفزيونية يملكها، تبعتها تهديدات صريحة بأنه – سيف - سيهاجر عن أرض الوطن، ثم هاهو يشرع في نقل مركز نشاطه إلى لندن حيث سيؤسس مملكةً صغيرةً فيها بموافقة الحكومة البريطانية - بلا شك - وتحت رعايتها وتشجيعها. 

هنا لزم التوقّف عن النظر في هذا الأمر على أنه مجرّد شطحة محليّة من شطحات القذافي التقليدية والتأمل فيه لسبر غور هذه المسرحية الدولية لإدراك الهدف من ورائها وقصد لاعبيها.

وقبل الولوج في ذلك لا أظن أنه من الصعب علينا بداية أن نُقرّ بأن سيطرة القذافي في ليبيا كاملة وأن ابنه لا يستطيع أن يقوم بأي تحرك أو يرسم أي مخطط للمستقبل بدون إيعاز من أبيه، وإلا فلماذا لم يتحرك أي من الأبناء الآخرين ليحاكوا أخاهم أو ينافسوه؟  كما أنه ليس من الصعب التسليم بأن أياً من "مراكز القوى" أو "أصحاب المصالح" أو "الحرس القديم" لا يمكنه أن يتحدى القذافي الإبن ومخططاته الحائزة على موافقة أبيه.

وكذلك فإنه لا يمكن تجاهل أن فصول هذه المسرحية قد تزامنت مع تسوية القذافي لملفات شائكة مع الغرب ظلت معلقة لفترة طويلة بتقديمه تنازلات باهضة اشترى بواسطتها إعادة تأهيله وقبوله في المجتمع الانساني المتحضر.

وليس من العسير كذلك فهم أسس علاقات الغرب – تحت قيادة أمريكا – بالدول التي يصنّفها على أنها "العالم الثالث"، وأن تلك العلاقات مبنية على مصلحة الغرب واستفادته من تلك الدول كأسواق لمنتجاته وكمصادر غير مشروطة للطاقة وامتداد للنفوذ العسكري والسياسي، وقد أثبتت سياسته في العقود الماضية تفضيله التعامل مع الحاكم الفرد بصرف النظر عن سياسته الداخلية في بلاده. كما شهَدنا مراراً وتكراراً على أنه كلّما أوشك نظام حاكم فرد على التهاوي يسارع الغرب – بتخطيط الـ سي آي أي _ للتعاون مع عسكر بلاده أو معارضتها لينصّب فرداً آخر يرتبط استمرار حكمه بتأمين مصالح الغرب. 

وانطلاقاً من هذه المسلّمات والحقائق فإننا قد لا نختلف كثيراً حول أن الغرب قد وصل إلى القناعة الراسخة – بعد العبث الأمريكي بالمعارضة الليبية – بأن الشعب الليبي قد أصبح عاجزاً عن تغيير واقعه بيده، وأن القذافي باقٍ في السلطة مدى الحياة، وهو أمر لا يقلق الغرب؛ فمصالحه مكفولة مع نظام الإنقلاب - وما عليهم إلا الاستمرار في احتواء تداعيات مفاجئاته مثل احتفاله أخيرا بإطلاق المقرحي على غير ما هو متفق عليه - لكن ما يقلق الغرب هو احتمالات ما بعد القذافي وما يمكن أن يعرقل أو يهدد المصالح الغربية في ليبيا بعض الشئ؛ كاختلاف أبناء القذافي فيما بينهم أو تصادمهم مع بعض المتنفذين من أقاربهم أو غير ذلك مما قد يخرج عن حساباتهم. 

ولاحتواء جميع الاحتمالات يبدو أنه قد تم التنسيق مع الحاكم الأوحد من أجل إرساء وحماية سلطان سلالته على البلاد لفترة طويلة جداً بطريقة تبدو حضارية تضمن السلامة لمصالح الغرب بدون أن تكون مصدر إحراجٍ لحكوماته أمام شعوبه وبرلماناته، كما تؤمّن الشعبية المحلية والاقليمية للأسرة المالكة الجديدة مع القبول المفعم بالإحترام الدولي، وذلك بتبنيّ الفكرة الدستورية ليدخل بها القذافي الابن إلى الحكم – بعد أبيه – عن طريق المعارضة.

ولذلك ابتدأت تصميم وحياكة فصول مسرحية الرغبة في الإصلاح ومزاعم التصادم الذي يعيقها لتمهد الأرضية لكتابة تاريخ نضال يتشدّق به مستقبلاً من على كرسي الحكم كما يفعل أبيه الآن بـ "قصة الثورة" التي حبكها ثم أخذ في تعديلها واضافة بطولات جديدة إليها قبيل احتفالات سبتمبر من كل سنة. 

وقد سهّل عليهم غياب الملك ادريس السنوسي (رحمه الله) التجاسر على الفكرة الدستورية وتعديلها لمصلحتهم فاستعاضوا عن دوره الرئيس فيها بإعادة عقار مُصادر في طرابلس تعود ملكيته للملكة فاطمة السنوسي وسط تغطية إعلامية مكثفة، كذلك، وفي نفس السياق، جاءت رحلة سيف القذافي – محاطة بتغطية إعلامية لا تقل كثافة عن سابقتها - في شهر أبريل الماضي إلى واحة الجغبوب، المعقل التاريخي للحركة السنوسية، وزيارته لمسجد وزاوية الإمام السنوسي وتعهّده بإعادة جثمانه إلى مرقده الذي نبشوه سنة 1984، ولم يفِ بذلك التعهّد حتى يومنا هذا، ولا أحسبه يفعل إلا بعد وصوله للحكم واستلامه مقاليد السلطة، لاحكام هذا الفصل من المسرحية. 

ومن البيّن أن قيادتيّ الغرب قد تقاسمتا أهم أدوار هذه المسرحية وأكثرها جديّة؛ فبريطانيا ستحتضن وريث ليبيا وتساعده أثناء وجوده فيها على أن يكون جزءً من العالم الحر وتؤهله للحكم بطريقة عصريّة متحرّرة - ولو شكلياً - من تأثير عهد أبيه وأساليب حكمه، ثم ينتقل منها إلى السلطة متى حان الوقت حاملاً دستوراً للبلاد احتكرت أمريكا دور صياغته ولم يُترَك لليبيين إلا مناقشة اختيار تسمية له؛ دستور أو وثيقة أو أي تسمية أخرى. ومع هذا الدستور المتقن صياغته – سيكون وريث البلاد والعباد محاطاً بثلّة لا يستهان بها -عدداً ومكانةً – من المثقفين والمعارضين السابقين وأصحاب الرأي والمواقف الوطنية المعروفين ممن انطلت عليهم المسرحية أو من الذين أخذوا قراراتهم تحت تأثير الطمع أو اليأس والقنوط، أو ممن باعوا ضمائرهم. وأنا هنا لا أُقاضي ولا أدين أحداً فلكلٍ اجتهاداته وأسبابه ودوافعه وظروفه. 

*   *   * 

لا شك أن هذه القراءة اجتهاد – قابل للمناقشة الواعية والتصحيح الجاد – في سياق محاولة فهم مايجري واستقراء ما هو آتٍ، وتقدّم تفسيراً منطقياً لما يدور في ساحة السياسة الليبية. 

وفي الختام أوجه الخطاب مباشرة – ولأول مرّة – لـ "ملك الملوك" لأقول: 

تكون واهماً إن صدّقت التعهدات والتأكيدات التي وُجّهت في الظاهر إلى الشعب الليبي ولكنها صُممت في الواقع لتخديرك حتى تطمئن على دورك – الذي تعتبره تاريخياً – في مستقبل ليبيا السياسي، وإنهم سيتمسكون – بعد غيابك – بما سميته "الديمقراطية المباشرة".  أعني تلك التعهدات والتأكيدات التي جاءت في خطاب ابنك في أغسطس 2007 الذي أكّد فيه على ما أسموه "الخطوط الحمراء" في السياسة المستقبلية.

تكون واهماً لأن العمود الفقري لفكرتنا – كما طرحناها في سنة 1981 - بعد الملك (رحمه الله) هو دستور 1951. فالرجوع إليه لتصحيح الحاضر، والانطلاق منه – بعد تعديله شعبيا - إلى المستقبل هو ما يجعل هذا الحل ينبثق من صميم القضية الوطنية وجهاد الشعب الليبي وخياره الحر، ليمدّ فروعه في أروقة هيئة الأمم المتحدة باستحقاق تاريخي قديم، وليس بأمانيٍ وأحلامٍ جديدة. وبذلك تجعل هذه الفكرة الحاكم الذي يتبنّى تطبيقها بطلاً شعبياً حقيقياً، وملكاً محبوباً ومحترماً، ويسجّل اسمه في التاريخ الليبي -بجدارة- في نفس خانة عمر المختار. كما تجعل عهده عهد ثورة تصحيحية حقيقية لا تحتاج إلى "كتابٍ أخضرٍ" ولا إلى مقولات ارتجالية. 

فهل تَرى أن ابنك سيتمسّك – أمام هذا الإغراء- بتعهداته لك حتى وإن كان مخلصاً فيها الآن؟   

أم أنك بالفعل تصدق أن الشعب الليبي سيجبره على التمسّك بها وفاءً لذكراك ؟

محمد بن غلبون

رئيس الاتحاد الدستوري الليبي

chairman@libyanconstitutionalunion.net

29 رمضان 1430 الموافق 19 سبتمبر 2009

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home