Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

Monday, 11 September, 2006

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها


بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي : تأسيسه ونشأته (8)
مقالة توثيقية بقلم محمد بن غـلبون

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزء من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.


الجزء الثامن

(2) الإعلان عن تأسيس الإتحاد الدستوري الليبي

الحاج خليفة الزروق ..

لم يسبق لي ـ قبل تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي ـ أن عرفت أو سمعت بالبليونير الليبي الحاج خليفة الزروق، النازح من منطقة غريان، والمقيم بالقاهرة، التى يدير منها أعماله استثماراته بوضع أثير ومكانة خاصة هيأتها له الحكومة المصرية.(1)
أوعز لي أحد الأصدقاء من مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي ـ الذى ـ كانت تربطه علاقة وثيقة وحميمة بالحاج خليفة الزروق، أن اقوم بالاتصال به من أجل الحصول على دعمه المادي والاستفادة من صلاته الواسعة ونفوذه فى الأوساط السياسية العربية (خاصة فى مصر).
لم يكن للحاج خليفة الزروق ـ على الأقل بالنسبة لمعلوماتي الخاصة ـ سمعة أو شهرة وطنية يستطيع المرء بها الحكم على توجهاته، كما لم يكن من أصحاب الفكر أو العلم الذائع. فهو لا يعدو عن كونه إنسان عصامي حقق ثروته الطائلة بطريقة ما.
ولعله من المهم بمكان أن يتم الإشارة فى هذا الخصوص إلى أن مؤسسي الاتحاد الدستوري الليبي قد تبنوا ـ عند تأسيسه ـ خطا بائنا، مفاده أن يتم السعى للحصول على مصادر تمويلية لنشاطاته من العناصر الليبية الوطنية المهاجرة صاحبة السعة فى الرزق.
وترجع أسباب ذلك لثلاث معايير التزم بها أعضاء ومؤسسو الاتحاد الدستوري الليبي واتفقوا على العمل بها منذ البداية، وهى:
1. أن يقتصر تمويل نشاط الاتحاد الدستوري الليبي على العناصر الليبية الصرفة. (ولعل الحكمة من وراء ذلك جلية وواضحة)
2. أن يتم الاستعانة بصلات بعض العناصر الليبية الواسعة فى داخل الدوائر السياسية العربية والأجنبية من أجل كسب تأييد ومؤازرة دولها لتحقيق المطالب الوطنية الليبية المتمثلة فى تحرير الشعب الليبي من حكم النظام الفاسد، واسترجاع الشرعية الدستورية ـ المغدورة ـ إلى نصابها المعهود.
3. محاولة إقناع بعض الشخصيات الليبية من أهل الحل والعقد بتولى زمام قيادة الاتحاد الدستوري الليبي، من أجل الاستفادة من خبراتهم القيادية وصلاتهم الواسعة فى هذا المجال، وذلك حتى تتحقق بجهودهم الأهداف الوطنية المأمولة.

وهذا على وجه الدقة والتحديد ما دفعني لمقابلة الحاج خليفة الزروق فى مكتبه بالقاهرة بعد أن رتب لي صديقي المشار إليه أعلاه موعداً معه، حيث كُنت عاقد الأمل على إقناعه بتمويل الاتحاد الدستوري الليبي من ناحية، وأن يستخدم نفوذه واتصالاته وصلاته فى الدوائر السياسية العربية للتعريف بقضيتنا العادلة من ناحية أخرى.
وقد تم تحديد الموعد مع الحاج خليفة الزروق فى الوقت الذى كُنت فيه متواجدا بالقاهرة فى شهر ديسمبر من عام 1982م، التى كُنت قد أتيتها من أجل الالتقاء بمجموعة من الشخصيات الليبية.
قابلني الحاج خليفة الزروق بحفاوة بالغة، وأكرم استقبالي، لكنه اشترط عليّ بعد أن توغل بنا الحديث حول تمويل نشاطات الاتحاد الدستوري الليبي ـ الذى كان ملما بكافة أبعاده وأهدافه قبل لقائه بي فى ذلك اليوم ـ أن يتم تسليم الأموال التى سيسهم بها فى هذا الخصوص إلى الملك إدريس شخصياً !!.
وقد ادهشني طلبه من عدة وجوه، حاولت أن أطرحها عليه كرد على مطلبه، ومثلتها له فى النقاط التالية:
· إن الملك إدريس ـ كما سبقت الإشارة ـ ليس له علاقة مباشرة بالاتحاد الدستوري الليبي، فهو ليس رئيساً له أو عضواً فيه. وهو ـ فى هذا السياق ـ لا يعدو كونه الرمز الذى يمثل الشرعية الدستورية، التى يأمل ويسعى القائمون على الاتحاد الدستوري الليبي لإعادتها إلى نصابها الطبيعي فى البلاد.
· إن الملك إدريس ـ ومنذ البداية ـ قد اشترط عدم إقحامه فى ترتيبات إدارة الاتحاد الدستوري الليبي، أو فى أية نشاطات متعلقة بطبيعة عمله وخططه السياسية المرسومة، وذلك ـ وكما سبقت الإشارة فى مواقع أخرى من هذه المقالة ـ لالتزامه من ناحية بآداب الضيافة للبلد الذى يحل به، ولأنه من ناحية أخرى لم تعد صحته تسعفه لمثل هذه المهام التى عافها وابتعد عنها بمحض إرادته عندما غادر البلاد فى أغسطس 1969م.
· وعلى سبيل الافتراض، إذا ساقتنا غوليتنا إلى التغاضي عن الأسباب السابقة، وأمعنا فى تجاهلها، فأنه فى هذه الحالة ستواجهنا عقبة أخرى عويصة، لن نجد ـ لنا ـ حيالها حلاً مرضياً، وهى المتمثلة فى أن الملك إدريس لم يحمل فى حياته نقودا، ولم يستلم فى يوم نقودا أو تعامل بها، فقد كان هناك على الدوام من ينوب عنه فى التصرف والتعامل مع النقود، وهذا ينطبق ـ أيضاً ـ على الفترة التى سبقت اعتلائه عرش حكم ليبيا. وأصبحت أكثر حدة وبروزاً بعد توليه حكم البلاد، حيث سخر له ـ من قبل الدولة ـ موظف مختص يقوم بتدبير شئونه المالية المتعلقة بمعيشته. ومن هنا يصبح إصرار تسليم الملك مبالغ مالية لا تخصه ـ لكونها موجهة لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي ـ هو عمل غير لائق، ولا فائدة تُرجى من ورائه سوى إلحاق الإهانة والأذى النفسي بشخص الملك الذى وضع منذ صغره حاجزاً بينه وبين المال أو التعامل به.

*   *   *

ورغم وجاهة ومنطقية الأسباب السالفة الذكر، إلاّ أنها لم تلاق من الحاج خليفة الزروق الفهم المفترض، و استفاض فى إصراره بطلبه على الأقل أن يتم حصوله على إيصالات موقعة من الملك ذاته دون سواه !!.
وقلت للحاج خليفة الزروق ـ فى حينه ـ بأن مطلبه غير منطقي ولا يقبله العقل والفهم السديد، فالملك للأسباب التى ذكرتها ـ له أعلاه ـ لا يعنيه الأمر من بعيد أو قريب، فلماذا الإصرار على محاولة إقحامه فيم لا شأن له به !!.
وقلت للحاج خليفة الزروق فى سياق الحديث، بأنه لا مانع لدى من أن أرتب له موعداً لزيارة الملك والتحدث معه فى الشئون الإجتماعية، والاطمئنان على صحته، وبث نوع من الإهتمام والود الذى يحتاجه وأفراد أسرته فى غربتهم، وفى العزلة القارصة التى يكابدونها. وأوضحت له بأن مثل هذه الزيارة للملك وأسرته من شخص فى وضعه ومكانته التى يُحظى بها فى مصر، من شأنها أن تجلب فائدة متعددة الأوجه للملك وأسرته.
لكن الحاج خليفة الزروق، لأسباب لا أعلمها ـ ولكن يمكن التكهن بها ـ رفض مثل هذا العرض، ورفض الاقتناع بالأسباب التى ذكرتها له، وأصر بإلحاح مميت على نفس الأمرين، إما تسليم المبالغ المالية المراد تسخيرها لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي للملك ذاته وحصوله منه على رسالة شكر !! أو أن يتم تزويده بإيصالات عن قيمة المبالغ المدفوعة، تكون محررة من قبل الملك ـ ذاته ـ وممهروة بتوقيعه الشخصي !!.

بعد مجاهدة ومناهدة طويلة كاد يكل فيها فكري ولساني عن إقناع الحاج خليفة الزروق بوجهة نظري التى تدعمها الأسباب ـ الأصيلة المنطق ـ السالفة الذكر، والتى كان يقابلها من جانبه بالتصلب والتمسك برأيه المجافي لروح المنطق، والمجحف إلى حد قاتل بأصول الموضوعية العادلة. وبعد أن أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنصراف دون الوصول معه إلى اتفاق تحترم من خلاله المبادىء النبيلة والأحاسيس والمشاعر الإنسانية للأطراف صاحبة الشأن فى هذا الخصوص، قبل الحاج خليفة الزروق فى نهاية الأمر القيام بزيارة الملك بصحبة زوجته وأولاده، وبتقديم هبة مالية للملك تعينه وتساعده على مشقة العيش فى غربته وكهولته البالغة، على أن أقدمه للملك بصفته المصدر الممول لنشاطات الاتحاد الدستوري الليبي، مع الحرص على أن يكون ذلك بطريقة لا تضطر الملك للتعليق على الأمر.
وبناءا عليه تم الإتفاق مع الحاج خليفة الزروق على تمويل الاتحاد الدستوري الليبي فى نشاطاته الساعية إلى تحقيق الأهداف الوطنية السالفة الذكر على الفور. ومن هنا، زودته برقم الحساب المصرفي للاتحاد الدستوري الليبي حتى يقوم بإيداع المبالغ المالية المرصودة له.
ولكن ـ وبكل أسف ـ لم يف الحاج خليفة الزروق بأي من التزاماته التى قطعها على نفسه، ومن ثمة حاولت، كما حاول صديقي الذى تربطه به صداقة، الاتصال به لحثه على تنفيذ وعوده، فكان يقابل اتصالاتنا بالتسويف والمماطلة المتكررة. بعدئذٍ، انقطعت أخبار الحاج خليفة الزروق عني لفترة، سمعت فى أعقابها أنه قد انضم لفصيل الأستاذ عبد الحميد البكوش، وقام بإغداق مال لبد على تمويله. ثم نمى إلى علمي بعد حين آخر أنه عاد إلى ليبيا بعد أن سوى أوضاعه مع النظام الفاسد !!.

*   *   *

محمد بن يونس ..

إلى جانب المعرفة الشخصية، كانت هناك رابطة قرابة تصلني بالسيد محمد بن يونس، الذى منحه وضع أسرته المالي البارز، والمناصب التى تقلدها فى العهدين ـ الملكي والعسكري(2) ـ وجاهة ازدانت وازدهرت بملكة ذكائه الحاد وفكره المحصن بوعي سياسي واجتماعي ملحوظ.
وقد أكتست شخصية محمد بن يونس هالة من الوقار والهيبة بين رفاقه المبهورين ـ دوماً ـ بهيلمان السمات السالفة الذكر، والتى يتبلور قمة سحرها ـ لديهم ـ فى بريق سمتي الجاه والمال. وهذا الأمر لا يعد سلوكا شاذا ـ من جانبهم ـ يبعث على الدهشة أو الاستغراب، كما أنه ليس بالسلوك النادر والقاصر ـ بعينه ـ عليهم.
فهذا السلوك ـ من وجهة نظر مختلفة ـ يكاد يكون أمراً طبيعيا وشائع الإنتشار بين أهل المدن فى مجتمعات العالم الثالث، ولو أراد المرء أن يبحث ـ فى هذا الصدد ـ عن مثال حي يتجلى فيه ذيوع مثل هذا السلوك لاختار بثقة راجحة مدينتي بنغازي وطرابلس.
والمهم هنا، هو إن هذا الانبهار والإعجاب الذى كان يكنه رفاق ابن يونس لشخصيته الجديرة بالانتباه، قد انعكس على أرض الواقع فى جعله صاحب الكلمة العليا ـ الفاصلة والنافذة والمطاعة ـ بينهم كلما جمعهم فى يوم اللقاء.

*   *   *

وهكذا، أرسلت، فى فترة تأسيس الاتحاد الدستوري الليبي، للسيد محمد بن يونس ـ الذى كان يقيم فى ذلك الحين بمصر ـ الكتيبات التى تشرح فكرة توجهه، والتى دعمتها برسالة تفصح عن إعلان تأسيسه. ولم أتلق منه رداً على رسالتي التى كررتها فى ظن بأن الأولى لم تصله بفعل سعاة البريد ! ولم يكن نصيب الرسالة الثانية من الحظ أكثر من سابقتها، حيث لم يصلني عنها رد هى الأخرى، وبهذا يمكن تبرئة ساحة سعاة البريد من اللوم !.(3)
فى خريف عام 1982م، أتى السيد محمد بن يونس إلى مدينة مانشستر لزيارة شقيقه مصطفى ـ المقيم بها ـ وكان برفقته السيد يوسف الشيباني والسيد علي السلاك.
اتصل بي السيد محمد بن يونس طالباً مني الإلتقاء به، فدعوته ورفاقه إلى منزلي على مائدة العشاء، التى امتدت سهرتها حتى الساعات المبكرة من صبيحة اليوم التالي.
وقد أحسست ـ فى حينه ـ بأن اتصال محمد بن يونس بي، وطلبه مقابلتي، لم يكن فى مجمله ـ خالصاً ـ للاطمئنان على أحوالي الخاصة وأوضاعي الأسرية. فقد ألمح فى حديثه منذ البداية أنه قدم لمناقشة كنه الاتحاد الدستوري الليبي، وفى تلك اللحظة ـ بالذات ـ سألته إذا ما وصلته رسائلي التى بعثتها له فى مطلع السنة الجارية، والتى أرفقت له معها كتيبات الاتحاد الدستوري الليبي، فأجاب بنعم ! وبرر عدم رده على رسائلي بإنه قد رأى من الأنسب أن يؤجل ذلك لحين الإلتقاء بي شخصياً !.
وهكذا، دار النقاش فى تلك الليلة حول فكرة الاتحاد الدستوري وتوجهه، والتى أثنى الحاضرون عليها بعد أن شدت إعجابهم، وقال بن يونس، فى ذلك الصدد، بإنه يرى فيها الفكرة الملائمة التى يمكن لها ـ إذا تم الإلتفاف حولها ـ أن تحقق أمل شعب ليبيا فى التخلص من النظام العسكري الحاكم، وإعادة الشرعية الدستورية إلى البلاد.
فما كان مني ـ والحال كذلك ـ إلا أن عرضت عليه الانضمام الى الاتحاد الدستوري الليبي من أجل أن يقوده نحو تحقيق الهدف المنشود، وهذا ـ على وجه التحديد ـ ما فعلته من قبل مع عبد الحميد البكوش ومنصور رشيد الكيخيا، وذلك فى انصياع لسياسة ـ حرصت على اتباعها ـ يؤدى مفضاها إلى تصدير الشخصيات الليبية المأثورة من أهل الحل والعقد لقيادة هذا العمل الذى يحتاج بشدة إلى نفوذها، وصلاتها الواسعة، وخبرتها الطويلة فى المجال السياسي، حتى يتم له النجاح المطلوب.
طلب محمد بن يونس مني مهلة لتمحص الأمر وتدبيره، فهو فى حاجة إلى وقت كاف للتفكير فيه بتروى، والتشاور حوله مع بعض من رفاقه فى ساحة العمل الوطني، وإنه سيقوم بالرد علي بخصوصه فى وقت لاحق. فقلت له بأني قادم إلى القاهرة فى غضون الشهور التالية، وسأقوم حينئذ بزيارته لمعرفة رده فى هذا الشأن.

وفى شهر ديسمبر ـ من نفس السنة ـ توجهت للقاهرة، وما أن استقر بي المقام فيها حتى اتصلت بالسيد محمد بن يونس عبر الهاتف، وأبرمت معه موعداً لزيارته فى مقر سكنه، من أجل التعرف على رده ـ ووجهة نظره ـ حول عرضي المنوه عنه أعلاه. وفى الموعد المضروب، وفى داخل بيت محمد بن يونس ـ بالقاهرة ـ وجدته فى انتظارى مع ثُلة من رفاقه المقربين، كان بينهم السيد يوسف الشيباني والأستاذ سامي الجربي والدكتور محمد القندوز.
وما أن بدأت فى شرح وتوضيح فكرة الاتحاد الدستوري الليبي لابن يونس ورفاقه الحاضرين، حتى انبرى سامي الجربي بمهاجمة الملك إدريس بإسلوب استفزازي كان جل معناه بأن الملكية غير مرغوب فيها بين الليبيين، بعد أن عفى عنها الزمن وعافها !!. وإن توجه الاتحاد الدستوري الليبي، فى هذا الإطار، محكوم عليه بالفشل المحتوم، لأنه حبس كيانه ـ بتأثير من قصر النظر والرؤية المحدودة ـ فى قالب الإرتباط بالملك والملكية !!.
وقد كُنت ـ فى البداية ـ محتفظ برباطة جأشي أمام تراهات الجربي وكلامه غير المنطقي، وكُنت على وشك الرد عليه بما يقنعه ببطلان كلامه الخارج عن حدود اللياقة والموضوعية، والبعيد عن الصحة كبعد الحق عن الباطل. غير إنه لم يمنحني الفرصة لمحاورته، وواصل حديثه غير المتحلى بآداب الحوار الجاري، والذى لا يليق الخوض فيه، متمادياً فى استهزائه بالملك إدريس (رحمه الله)، حيث قال فى معرض حديثه الساخر:
" هل الملك ـ حقيقة ـ مازال على قيد الحياة أم إنه مات ؟ إنه من الحفريات القديمة التى دثرها الزمن ونساها !! ولا أعقل البتة أنه لا يزال على قيد الحياة !! وأخال بأن المصريين قد حنطوه، فهم بارعون فى فن التحنيط الفرعوني، وذلك حتى يبقوا عليه كخيال من الفزاعة يستعملونها عندما يقتضى الأمر لذلك !! ".
فى تلك اللحظات التى كان يزبد فيها الجربي بسخف كلامه المستهزئى بالملك، بدون أدنى مراعاة لقيم الآداب السلوكية، ما كان مني إلاّ انبريت لتقريعه برد يلزمه حدود الآدب الذى لم يصونه، لكن محمد بن يونس كان أسرع مني لتلقف طرف الموقف من خلال قيامه بلوم الجربي على كلامه المعيب.
ومن هنا، لم يكن من المعقول الاستمرار فى الحديث حول الموضوع الذى أتيت من أجله، بعد أن سمم الجربي الجلسة بكلامه غير المسئول، ولبدها بجو لا يصلح معه النقاش فى ذات الموضوع، ومن ثمة انتحى الحديث فى تلك الجلسة مجرى آخر له، لكى تهدأ وتخلد النفوس إلى سكينتها المعتادة.
وفى نهاية تلك الجلسة وجه يوسف الشيباني الدعوة لي ولبقية الحاضرين للالتقاء فى منزله على مأدبة غذاء بعد يومين، لاستكمال الحديث الذى لم نبدأه بعد.
وهكذا أنفض ذلك اللقاء الذى كان من المفترض أن يدور حديثه حول فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، ليأخذ له ـ عوضاً عن ذلك ـ منحى منحرفاً ساده لغط كلامي لم يكن له ما يبرره.

*   *   *

التقيت بالسيد محمد بن يونس ـ مجدداً ـ فى منزل يوسف الشيباني بعد يومين من لقائنا الآخير، وهناك قال لي ـ ابن يونس ـ بأن الفكرة التى بنى الاتحاد الدستوري الليبي أهدافه الوطنية على عمادها، هى الفكرة الصائبة لمرحلة الكفاح الوطني من أجل تحرير ليبيا من حكم العسكر، وأنه من المحزن أن يتبرم عنها المعارضون ولا يساندونها.
وقال السيد محمد بن يونس مواصلاً حديثه حول فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، بإن معظم المعارضين المنضوين تحت فصائل وتنظيمات معارضة ذات ثقل مبين، يؤرقهم ويقلق مضاجعهم وجود تيارات معارضة ـ أخرى ـ منافسة لفصائلهم وتنظيماتهم، خاصة إذا كانت هذه التنظيمات تحمل فى كيانها من العوامل الكامنة ما تستطيع به سبر غور جذور العلة فى وجود واستمرار النظام العسكري فى حكم ليبيا.
بمعنى آخر، إن الكفاح من أجل تحرير الوطن من نظام حكم (محلي) فاسد، سيجد له بالضرورة قوى معارضة وطنية تتصدى له بالرفض، وتسعى إلى إسقاطه أو تغييره، لكنه ليس بالضرورة، فى معظم الحالات أن تتحد هذه القوى ـ المنضوية تحت أجنحة معارضة مختلفة ـ من أجل تحقيق الهدف الموحد.
بل إنه ـ كما حدث فى كثير من الحالات المشابهة فى العالم ـ قد يدفع السباق المحموم حول تحقيق هذا الهدف السامي بين رفاق النضال إلى تحويلهم ـ بسهولة ويسر ـ لغرماء وأضداد شرساء يكيل كل منهم للآخر البغض والغبن والكراهية.
ويرجع السبب فى ذلك إلى الطبيعة البشرية ـ الكامنة فى النفوس ـ التى تبحث على الدوام عن الأثرة والتميز، للدرجة التى ـ قد ـ يناصب فيها المنافسون العداء والكراهية لبعضهم البعض الآخر فى غمار تنافسهم على تحقيق الهدف الواحد المنشود.
وهناك ثلاث حالات ـ استثنائية ـ تتحد فيها قوى المعارضة لتحقيق هدف الأمة فى التحرر من ربق ظالميها، والتى يمكن تلخيصها فى النقاط التالية:
· عند وصول أفراد هذه الجماعات إلى الوعي والسمو والرقي الإنساني الذى يؤثر فيه الفرد أو الجماعة ـ ذات المصالح الشخصية المشتركة ـ المصلحة العامة على مصالحهم الذاتية المحدودة.
· فى حالة التمحور حول عقيدة أو إيمان تزول أمامه كافة المطامع والمطامح الشخصية، وتتحد الأهواء النفسية من أجل تحقيق الهدف الرئيسي المشترك الذى تعم فائدته الجميع.
· فى حالة أن يكون المسيطر على حكم ومقدرات البلاد محتل أو مستعمر أجنبي. فهنا يُصبح المصير واحد لا خلاف ولا نزاع حوله، ويصبح ـ من ثمة ـ التعاون والتعاضد واجب وطني لا يحيد عنه أحد.

لقد كان محمد بن يونس يرمى من وراء حديثه المسهب، الذى لخصته فى الأسطر القليلة السابقة، أن قوى المعارضة الوطنية المتواجدة على الساحة، قد تتفق فى توجهاتها من أجل تحقيق الهدف الوطني المنشود، لكنها تختلف فى الأساليب والوسائل المتبعة، التى تكاد تجتمع فى وسيلتين، أولهما العمل العسكري القاضي إلى تغيير نظام الحكم الفاسد بالقوة، وثانيهما الخطاب الإعلامي المعتمد على روح الدعاية السياسية من خلال المنشورات والمطبوعات التعبوية التى تهدف إلى خلق حالة من الوعي الجماعي وإثارة أفراد المجتمع الليبي.
لكن توجه الاتحاد الدستوري الليبي، يخرج عن نطاق هذا الخط المرسوم للمعارضة الليبية، بمسه لعصب المشكلة الحقيقية التى تقع فى معضلتها العويصة مآساة الشعب الليبي، والتى يُقدم لها ـ الاتحاد الدستوري الليبي ـ فى إطار فكرته المعروضة، الحل الأنجع لتحقيق الأهداف المأمولة، عن طريق كفاح قانوني ونضال سياسي ومثابرة إنسانية يعبر عنها ويشرحها خطابه الذكي الذى يطالب بإعادة الشرعية الدستورية للبلاد.
فى هذا الخضم، وللأسباب التى تم ذكرها، هاجم الكثير من المعارضين هذا التوجه الذى فى ظهوره تقزيم لمجمل التوجهات المطروحة، والتى لن تجد لها ـ فى هذا الخصوص ـ نصيب من الفلاح المتوقع والمنتظر لتحقيق الأهداف المنشودة.
واصل السيد محمد بن يونس حديثه مشيراً إلى أن كل ما سلف ذكره كان ـ هو ـ السبب الرئيسي وراء إطلاق بعض شخصيات المعارضة لحملة ـ محكمة الإتقان ـ تهدف للحط من قدر توجه الاتحاد الدستوري الليبي والتشكيك فى نجاحه، وذلك من خلال ربطه وإقرانه بالملكية والملك، وتجاهلها ـ عن عمد ـ الإشارة إلى الأساس الذى ترتكز عليه فكرة الاتحاد الدستوري الليبي، والذى يتمثل فى إعادة الشرعية الدستورية إلى نصابها الطبيعي فى البلاد !!.
ثم أردف ـ محدثي ـ مستدركاً، بأنه يعلم يقيناً بأن الفكرة القائم عليها توجه الاتحاد الدستوري الليبي يكمن فى نواتها حل القضية الليبية، وإنه ـ من ناحية أُخرى ـ لا يرى مقدار ذرة من الصحة فى الفهم الذى يحاول البعض إشاعته لتشويه الفكرة من خلال تجريدها من جذورها التى بُنيت عليها وهى إعادة الشرعية الدستورية لنصابها السليم، بغض النظر ـ هنا ـ عن وجود الملك على رأسها من عدمه، أو فى اختيار ـ الشعب الليبي ـ للنظام الملكي كشكل للحكم أو أن يقوم باستبداله بغيره؛ ولكن هؤلاء المغرضين ـ رغم ذلك ـ قد اختاروا، عن إصرار وتعمد، الترويج للفكرة بمفهومها المبتور، المقتصر فى معناه على ضرورة وجود الملك والنظام الملكي !.

وصل السيد محمد بن يونس فى حديثه الطويل إلى النقطة الأساسية فى جعبته، والتى أعد لها مسبقاً فى حوار ذلك اليوم، والتى سيتم الحديث عنها فى الجزء القادم من هذه المقالة.

يتبع ..

محمد بن غلبون
chairman@libyanconstitutionalunion.net
11 سبتمبر 2006
________________________________________________

(1) حاز على عضوية مجلس إدارة بعض البنوك العاملة فى مصر؛ كما تم تعيينه ـ من قبل الحكومة المصرية ـ كمستشار فخري فى وزارة الاقتصاد؛ إضافة إلى تعيينه ضمن أعضاء الفريق الاقتصادي المصري الرسمي الذى يقوم بمهمة إجراء المفاوضات التجارية وإبرام الصفقات المالية مع الدول والهيئات الأجنبية.
(2) شغل السيد محمد بن يونس فى العهد الملكي منصب رئيس نيابة بنغازي، ومنصب عميد بلدية مدينة بنغازي، كما تولى فى بدايات فترة الحكم الفاسد منصب محافظ بنغازي، ثم منصب وزير الخدمة المدنية، وبعد ذلك عين فى منصب وزير الوحدة (المزعومة بين مصر و ليبيا) و كان مقره فى القاهرة، ثم انشق عن النظام في بداية الثمانينيات لبضع سنوات.
(3) لقد حررت ـ وبعثت ـ رسالتي الأولى للسيد محمد بن يونس بتاريخ 16 يناير 1982م، والثانية ـ التى أرفقت نسخة منها مع هذا المقال ـ بتاريخ 16 فبراير 1982م.


       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home