Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

Sunday, 11 June, 2006

       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها


بسم الله الرحمن الرحيم

الإتحاد الدستوري الليبي : تأسيسه ونشأته (1)
مقالة توثيقية بقلم محمد بن غـلبون

سيطّلع القارىء فى حلقات هذه المقالة التوثيقية على سرد لوقائع تاريخية حدثت مجرياتها فى فترة هامة من تاريخ بلادنا، رأيت من الواجب الوطني تسجيلها ونشرها، حتى لا تندثر ونفقد معها صلتنا بجوانب هامة شكلت جزء من تاريخنا المعاصر. ولأن هذه الوقائع والأحداث تتعرض لمواقف بعض الأشخاص الذين كانوا أطرافا فاعلين فيها، فكان لابد من تسجيل مواقفهم كما حدثت فى سياق مواضعها فى تلك الوقائع والأحداث المعنية. ومن ثمة، فإن نشرها فى الوقت الحاضر، وبعد مضي ما يقرب من ربع قرن من الزمان على حدوثها، ليس الغرض من ورائه نقد أو تجريح أؤلئك الأشخاص، بقدر ما هو محاولة متواضعة للتعريف بجزء من تاريخنا المسكوت عنه. ولهذا، أرجو أن لا يتم تأويل هذا الغرض، وأن لا يتم تحميل كاتب هذه المقالة ذنب سوء ظن الآخرين بما أحتوت.


الجزء الأول

(1) في صدد الحصول على موافقة الملك إدريس

تمهيد ..

لقد جاءت فكرة كتابة هذه المقالة التوثيقية كضرورة أملاها التساؤل الذى طرحه الأستاذ فرج الفاخري فى أحد أجزاء مقالته الفرص الضائعة، والذى قال فيه:
" لماذا لم ينجح تنظيم الإتحاد الدستوري الليبي فى جذب وإستقطاب فلول المعارضة الليبية حول شعاراته التى نادى بها فى تلك الفترة المبكرة ؟ وهي نفس الشعارات التى تبنتها وترفعها معارضة اليوم ! خاصة أنه من ضمن شعارات الإتحاد الدستوري التى نادى بها عند قيامه، الإلتفاف حول شخص الملك الذى كان لا يزال على قيد الحياة فى حينه، وهو ما يمثل ـ فى حقيقة الحال ـ إلتفافاً حول رمز رأس الدولة الليبية الشرعي ".(1)
ويسترسل الفاخري فى مقاله المذكور متمنياً أن يقوم مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي، فى المستقبل، بتقديم تفسير "لكافة الملابسات التى أدت إلى ضياع الفرصة التى أتاحها تنظيمهم للمعارضة الليبية فى مطالبته لها بالإلتفاف حول الدستور، منذ ربع قرن من الزمان، والذى لم يلتفت إليه أحد فى حينه، ليتغير الموقف ويصبح اليوم أحد المطالب الرئيسية للمعارضة الليبية".(2)
ويعقب الفاخري ـ فى سياق حديثه ـ على تساؤله حول عدم نجاح تنظيم الإتحاد الدستوري الليبي فى تحقيق أهدافه المشار إليها أعلاه، بتساؤل ـ آخر ـ ذو شقين، يقول فيه: "هل كان سبب هذا الفشل يرجع إلى عجز وقصور أصحاب تنظيم الإتحاد الدستوري ـ فى تلك الآونة ـ فى شرح فكرتهم وتوصيلها للغير ؟. أم أن السبب يكمن فى تعارض الأفكار والمفاهيم بين قوى المعارضة المتنافسة" ؟. ثم يختم الفاخري حديثه بتمنيه من أصحاب الشأن إجلاء غموض تساؤلاته المذكورة أعلاه (3)
أي أنه طلب ـ بمعنى آخر ـ من مؤسسي الإتحاد الدستوري الليبي تقديم تفسير وجواب لحقبة مليئة بالأحداث والوقائع والأسرار، كانت فى مجملها السبب فى إضاعة تلك الفرصة التى تسائل عنها الفاخري فى مقالته المذكورة.

ومن ناحية أُخرى، لقد كُنت دائماً لدى العزم والنية للحديث عن هذه الحقبة الهامة من تاريخ وطننا، إلاّ أنه كان يثنيني عن ذلك ـ على الدوام ـ خشيتي من إساءتها لبعض الذين شاركوا فى أحداثها، وذلك بسبب من مواقفهم غير المشرفة. وكُنت على الدوام أرجئ الحديث عنها لفترة قادمة، تنضج فيها الظروف وتصبح أكثر تهيؤاً وتقبلاً لها. ولعل ظروف الوقت الراهن هي الأكثر ملائمة للتطرق لهذه الأحداث الهامة من تاريخ بلادنا المعاصر.

ومن هنا عندما عزمت على الكتابة لهذه الأحداث الهامة والشائكة رأيت من المناسب ـ لظروف عدة ـ أن أعرض على الأستاذ فرج الفاخري، وهو صاحب التساؤل الذى يكمن فى جوابه التطرق لكل هذه الأحداث، أن يقوم بصياغة وتحرير محتوياتها.
ولهذا قمت على الفور بالإتصال به تليفونياً، وعرضت عليه أمر اللقاء به من أجل الإجابة على تساؤله السابق، وسألته عن إمكانية قيامه بصياغة وتحرير فحوى هذه الإجابة، ثم إعادتها لي لمراجعتها من أجل نشرها فى المواقع الليبية.
وكان جواب الفاخري على عرضي السابق، هو القبول والترحيب بصياغة وكتابة هذا العمل المضني. ومن ثم قمنا بتحديد موعد للإلتقاء فى مدينته ليدز لبدء العمل فى سرد معلومات هذه الحقبة ـ عليه ـ مع تسجيلها على أشرطة كاسيت، ليقوم هو بعد ذلك بتفريغها وتدوينها فى أجزاء سيتم نشرها تباعاً بعد مراجعتي لها، وهكذا كان.
حيث بدأت لقاءاتنا فى شهر رمضان المبارك (الموافق أكتوبر 2005) بحضور أخي هشام، وتم الإنتهاء من سرد كافة الوقائع المطلوبة فى ست جلسات متفرقة. ليصبح ـ بعد ذلك ـ أمر تفريغها من أشرطتها، وإعدادها وتحريرها وتجهيزها للنشر مهمة مناط أمرها بالأستاذ فرج الفاخري الذى قبل بها مشكوراً.

وبدأ الآن يفد عليّ بعض ما تم للفاخري تفريغه وصياغته وتدوينه، لأجل مراجعته وإرساله للمواقع الليبية، لنشره فى أجزاء متتابعة. وسيكون الحديث فى هذه الأجزاء مروي بمنطوق صفة المتكلم المنسوبة لي، وذلك بنفس الكيفية التى تم به سرده على محرره.

*   *   *

البداية ..

عندما قررت، فى أوائل الثمانينات، تحويل فكرة إنشاء الإتحاد الدستوري الليبي المختمرة فى ذهني ـ منذ فترة سابقة ـ إلى واقع معاش، كان علي أن أجرى الإتصال بالملك محمد إدريس المهدي السنوسي (رحمه الله)، صاحب الشرعية الدستورية فى حكم ليبيا.
ذلك الحكم الذى أستولت على زمامه زمرة عسكرية من صغار ضباط الجيش بواسطة إنقلاب عسكري فى سبتمبر 1969م.
وتباعاً، لم يكن للخطوة الأولى لتأسيس الإتحاد الدستوري الليبي أن تتجاوز صاحب الشرعية الدستورية فى حكم البلاد، والتى هي إحدى الأسس والمبادىء التى قامت عليها فكرة تأسيسه.
ومن هنا بدأت فى محاولة الإتصال بالملك إدريس، ولم يكن ذلك بالمهمة السهلة المنال، بل على العكس من ذلك، فقد كانت مهمة شاقة وصعبة لم يتأت لي تذليلها وتكليلها ببلوغ هدفها المنشود دون المرور بمشقة معاناتها المحيطة بها.
فقد كان الملك الراحل ـ كما هو معروف ـ يقطن فى مدينة القاهرة كلاجىء سياسي منذ قيام الإنقلاب العسكري فى ليبيا. وكان محظوراً عليه من قبل السلطات المصرية التعامل فى الشئون السياسية، أو إستقبال أي أشخاص يخوضون فى العمل السياسي المناهض لنظام الحكم العسكري فى ليبيا.
وقد عُين له فى هذا الشأن أحد رجال أجهزة الأمن المصرية المتمرسين، ليقوم بمهمة مراقبة الإتصالات التى يتم إجرائها بالملك فى هذا الخصوص، وذلك تحت غطاء أنه يقوم بحمايته والحفاظ على سلامته بمعونة أفراد الحراسة التابعين لأجهزة الأمن المصرية، الذين كانوا يحيطون بالفيللا ـ التى خصصتها الرئاسة المصرية كمقر لإقامة الملك ـ فى حي الدقي بمدينة القاهرة.
لقد كان من الصعوبة بمكان أختراق الرقابة الأمنية المفروضة على إقامة الملك والوصول إليه عن طريق السبل الأعتيادية، فقد كانت تلك الرقابة المحكمة الإتقان على شخص الملك وعلى تحركاته، قد عزلته عن العالم الخارجي، إلاّ من بضعة قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة، من الأشخاص الذين كان مسموح لهم بالتردد عليه بحكم القرابة أو الصداقة الوثيقة السابقة.
ومن هنا لم يكن هناك وسيلة متاحة أمامي للإتصال به سوى عن طريق أحد هؤلاء الأشخاص القلائل الذين يترددون عليه وعلى أسرته الكريمة.

*   *   *

الإتصال بالملك ..

بعد إتصالات عديدة فى محيط علاقاتي الخاصة، وتقصي دؤوب للمعلومات من كل حدب، أستطعت بتوفيق من الله أن أجد شخصا ـ مؤتمنا ـ من الأفاضل الكرام، على إتصال مباشر بالملك، فطلبت منه أن يقوم بتبليغه رسالة تحمل رغبتي فى زيارته بخصوص مفاتحته بعزمي على تأسيس الإتحاد الدستوري، وبأني عاقد النية على تجديد مبايعته أصالة عن نفسي ونيابة عن أفراد أسرتي ومجموعة من رفاقي، ثم السعي ـ بعد موافقته ـ لحث بعض الوجهاء والأعيان من أبناء مناطق ليبيا المتفرقة لإعادة البيعة له علناً ـ من خلال نشرها فى وسائل الإعلام العالمية ـ كصاحب الشرعية الدستورية لحكم ليبيا.
والبيعة هنا لا تعنى قط أن بيعة الشعب الليبي للملك قبل الإستقلال قد آلت شرعيتها إلى زوال، بل على العكس من ذلك فأن شرعية الملك الدستورية، والتى أستقاها من إجماع الأمة بأسرها على تنصيبه ملكاً عليها لا يمكن نقضها بتغيير غير شرعي أعتمد قيامه على إستعمال أسلوب القوة العسكرية للإستيلاء على سلطة الحكم فى البلاد.
ولكن ما تعنيه البيعة ـ الجديدة ـ هو تدليلها على أستمرار البيعة القديمة التى لم ينقطع أزر وثاقها، فهذه البيعة الجديدة ـ فى جوهرها ـ تُعد بيعة رمزية تمثل البيعة القديمة وتُشير إلى شرعيتها الأصيلة. وتدلل على أن مبايعة الملك والمنادة به حاكماً للبلاد هو حق شرعي ثابت، لم يمحُه الزمن، ولم يُلغِه سلب السلطة منه قسراً من قبل عصابة الإنقلاب التى تحاول أن تروج وتشيع لعكس ذلك.

وهكذا، كان ذلك الشخص الفاضل ينقل رسائلي الشفوية المتتابعة للملك الراحل كلما قام بزيارته، وذلك على مدار شهور طويلة تربو إلى قرابة السنة الكاملة. وكُنت حريصاً فى رسائلي إلى الملك إدريس (رحمه الله وطيب ثراه) أن تؤكد على رجائي بأن لا يبخل على شعبه ـ كما هو عهده فى السابق ـ بمباركة هذا العمل وإضفاء شرعية حق المنادة به كحاكم شرعي للبلاد.
وقد كُنت أنطلق فى كافة رسائلي للملك إدريس من خلفية تُراعي وتُقدر زهده فى الحكم، وعدم رغبته فى العودة لمزاولة مهام عبئه الثقيل، ولكن كانت هناك ضرورة تفرض وجودها على هذا الأمر، وتجعل من موافقته أمراً لا مناص منه.
هذه الضرورة التى تتعدى حدود الرغبة الشخصية الكامنة فى نفس هذا الملك الصالح، ولا تقبل منه ـ أو من أي أمرء فى موقعه ـ الإستكانة لما ترغبه نفسه وتهواه.
هذه الضرورة القاسية، تتمثل فى تحرير الوطن من مغتصبيه، وإسترجاع حريته التى سلبها العسكر بقوة السلاح وأقاموا على أنقاضها نظامهم الجائر.
وهذه الضرورة المنبثقة من حسن هدفها السامي، تفرض بنبالتها على الملك الراحل قبول إضفاء مباركته على هذا العمل الوطني الساعي إلى إستعادة حرية البلاد.
بمعنى آخر، لقد كُنت فى توجهي لنيل موافقة الملك إدريس، أتحرك من خلفية تعى بكل أبعادها عزوف الملك وزهده فى الحكم، وكُنت أعلم بأن الوقت الراهن يضيف على هذه النزعة ـ التى تسود الملك منذ وقت طويل يعود إلى سنوات عديدة قبل إستيلاء العسكر على السلطة فى ليبيا ـ مسألة طعنه فى السن ووهن صحته التى لم تكن تشجعه على المطالبة بحقه الشرعي فى حكم ليبيا، وهو الذى زهد فى هذا الحكم منذ عقدين من الزمان، فى وقت كان لايزال فيه يقوى عليه وعلى عراك مسئوليته العصيبة.
ولم يكن لي أن أتجرأ على مفاتحة هذا الملك الصالح بأمر مطالبته بحقه فى حكم البلاد، لولا تلك الضرورة التى أشرت لها أعلاه، وهي السعي إلى تحرير ليبيا من مغتصبيها.
هناك ـ إذن ـ ثمن باهظ سيقع على عاتق الملك إدريس الذى لا يرغب فى الحكم فى هذه السن الطاعنة، ولا يهتم به بقدر ما يهتم بقضاء ما تبقى له من وقت فى هذه الحياة فى العبادة لبارئه.
ومن هنا، فقد راعيت فى رسائلي الشفوية التى كُنت أوجهها إلى الملك إدريس أن أؤكد على أن أمر قبوله بمباركة هذا العمل تحتمه الضرورة فى فتح المجال أمام تحرير ليبيا، وذلك بإكساب مهمة السعى ـ فى هذا المضمار ـ سندها القانوني والشرعي الذى سينصت له العالم في محافله الدولية من ناحية، وهي على الصعيد الثاني ستُعيد الرمز القيادي التاريخي الذى تجتمع تحت لوائه المعارضة الليبية التى هي فى أمس الحاجة لوجوده.
وقد أكدت للملك الراحل فى رسائلي المتتابعة على مراعاتي الشديدة لظروفه الصحية وكبر سنه. وكُنت فى غضون الوقت ـ ومن منطلق إيماني بأن الأعمار بيد الله ـ أرى بأن الخالق قد لا يمهله الوقت لحين إكتمال معركة التحرير، ولكن الأهمية الآن تكمن فى مباركته للمناداة به حاكماً شرعياً، وذلك لأنه سيمد ـ بموافقته ومباركته هذه ـ معركة النضال الشريفة لإسترداد حرية البلاد بسلاحها وعتادها الضروري، حتى لو شاء الله وقدّر بأمر وفاته قبل إكتمال هذه المعركة، فأنه حتماً ستستمر هذه المعركة النضالية، بعد إمتلاكها لشرعيتها المستنبطة من شرعيته الدستورية.
وتيقنت من أن رسائلي الشفوية كانت تحمل في طياتها التأكيد الكافي بأن هذا الأمر لن يكن فيه أي إرهاق للملك، ولن يحمّله عبء أو مسئولية لا يقوَ عليها. كما أنه لن يخلّ بإلتزامه إزاء السلطات المصرية بعدم الخوض فى المسائل السياسية.

هذا على الجانب السياسي، أما على الجانب الروحي فقد كنت حريصا على أن لا يفارق هذه الدنيا إلاّّ وقد رُدَّ إليه اعتباره و "جُبِرَ خاطِره" بدرجة كافية لإطفاء غيض نفسه على الليبيين بسبب خذلانهم له يوم أن اعتدى السفهاء على مقامه المعروف، عسى أن يجدوا من خلال تسامحه طريق الخروج من ورطتهم.

وهكذا، لم يبق بعد ذلك إلاّ لقاءه الذى يعنى فى مضمونه موافقته على ما تضمنته رسائلي له، وهذه كانت بداية رحلة شاقة أُخرى، فكما أوضحت فيما سبق، بأن أمر لقاءه كان محفوفاً بالصعوبات الجمّة.
فقد كانت هناك أجهزة الأمن المصرية التى تراقب الملك بعيون ساهرة لا يغمض لها جفن. وكان هناك الحاج محمد السيفاط الذى كانت تربطه بالملك علاقة وطيدة، منح بها لنفسه الحق فى أن يكون القيّم على أمر إقصاء أو قبول من يرغب فى زيارته.

يتبع ..

محمد بن غـلبون
chairman@libyanconstitutionalunion.net
11 يونية 2006
________________________________________________

(1) الحلقة الثانية من سلسلة "الفرص الضائعة"، المنشورة على موقع "ليبيا وطننا" بتاريخ 23 سبتمبر 2005.
http://www.libya-watanona.com/adab/ffakhri/ff23095a.htm
(2) نفس المصدر
(3) نفس المصدر


       
       
       
       

إضغـط هـنا للأطلاع عـلى ( الحلقة 21 ) وما بعـدها

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home