Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
Libyan Constitutional Union

http://www.LibyanConstitutionalUnion.net

الحياة
Monday, 9 January, 2006

رسالة من رئيس الاتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون
إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في بريطانيا رافائيل لوزون ...
المنظمات الصهيونية تسعى للسيطرة على ليبيا بعد تسوية القضية الفلسطينية

الحياة ـ 9\1\2006م

أعرب رئيس الإتحاد الدستوري الليبي محمد بن غلبون عن خشيته من ان نفوذ المنظمات الصهيونية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة عن سياسة الشرق الأوسط يجند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرد ان تسوى القضية الفلسطينية. وعرض بن غلبون في رسالة مفتوحة إلى رئيس الجالية اليهودية الليبية في المملكة المتحدة رافائيل لوزون تعليقاً على خطاب ألقاه الأخير أمام مؤتمر الأقباط العالمي في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ملابسات هجرة الجالية اليهودية من ليبيا الى اسرائيل اثر حرب الايام الستة العربية – الاسرائيلية في حزيران (يونيو) 1967، وتطرق الى «الأطماع الأميركية والصيونية بالاستيلاء على ليبيا منذ اكتشاف النفط فيها.

وفي ما يأتي نص الرسالة:


السيد رافائيل لوزون

تحية طيبة وبعد...

لقد عبّر خطابكم أمام مؤتمر الأقباط العالمي الذي انعقد في واشنطن بين 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2005 و19 منه عن شوق مواطن ليبي لبلاده وحنين طبيعي يقدّره كل من ذاق مرارة الإغتراب عن وطنه، وقاسى معاناة الغربة الجبرية.

وإننا في الإتحاد الدستوري الليبي نتمنّى أن تتحقق أمنية والدتك في زيارة بنغازي مسقط رأسها في أقرب وقت ممكن، كما نؤيد مطالبك المشروعة لاستلام رُفاة أقاربك المغدورين أثناء الإضطرابات الأمنية التي اجتاحت مدن ليبيا، في ما بدا و كأنه رد فعل عفوي لنبأ اندلاع حرب الأيام الستة في حزيران (يونيو) 1967، كما نؤيد تمكينك من دفنهم بالطريقة المناسبة.

وقد سبق أن عبرّنا عن رأينا، على صفحات جريدة «الحياة» الموقرة، في شأن كافة ما حدث لكم عام 1967 من قبل أن تفتح ملفّات هذه القضية وتُفرض من جانب الولايات المتحدة على سطح الأحداث الليبية وتجعل تسويتها من شروط تمديد عمر النظام الليبي وإعادته إلى الحظيرة الدولية بعد عزله لفترة طويلة من الزمن. (نسخة مصورة من المقال الذي نشر في 9 آذار (مارس) 1995 محفوظة في الصفحة المخصصة لهذا الموضوع في موقع أرشيف الإتحاد الدستوري الليبي على الرابط التالي:
http://www.lcu-libya.co.uk/libjews.htm

ثم كرّرنا التعبير عن رأينا في رسالة مفتوحة لك بتاريخ 10 حزيران 2005 نشرت في غالبية المواقع الليبية على الإنترنت، مما يغنينا الآن عن التكرار. وما زلنا نشاطركم الآلام والأحزان ونتفهم مأساتكم. إلا أنه قد جانبك الصواب عندما قارنت قضيتكم بالقضية الفلسطينية وساويت بين معاناتكم ومعاناة الفلسطينيين. كما جانبك الصواب أيضا عندما وصفت الصراع العربي - الإسرائيلي بأنه صراع بين الديموقراطية والديكتاتورية.

ولا أريد أن أُسهب في هذا المجال لأنني أرغب في حصر تبادل وجهات النظر بيننا دائما في حُدود القضية الليبية، علّنا نوفّق إلى بناء جسر ودّي مادّته الحقائق وحسن النيات يعبر الهُوّة المؤسفة التي بيننا.

لقد جاء في خطابك أنه صدر قرار عام 1967 بطرد الجالية اليهودية من ليبيا والسماح لكل شخص منها باصطحاب حقيبة صغيرة ومبلغ 20جنيهاً فقط.

وهنا أرى أن من مصلحة الجميع تصحيح هذه المعلومات. فقد كان الخروج بهذا المبلغ النقدي الزّهيد بناءً على قانون مراقبة النقد المعمول به في ليبيا في ذلك الوقت، والذي يمنع أي مواطن ليبي من حمل أكثر من عشرين جنيهاً ليبياً نقداً، ولم يطبق على اليهود حصراً.

ولكن يمكن تحويل أي مبلغ في الحالات التي ينص عليها القانون عن طريق «بنك ليبيا» على شكل شيكات سياحية أو اعتمادات مصرفية أو خطابات ضمان.

قرار المغادرة

أما قرار مُغادرة ليبيا على عجل فقد اتخذه زُعماء الجالية اليهوديـة، ولم تطردهم الحكومة الليبية. وجـاء في كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي «يـهـود في أرض عــربية» الذي صدر في الأصل باللغة الإيطالية عام 1978 تحت عنوان: Ebri in un paese arabo ويُعد من أهم المصادر اليهودية في هذا الخصوص، في الصفحة 278 من الترجمة الإنكليزية ما يأتي:

«جاءت الخطوة الرسمية الأولى من ليللو أربيب (زعيم طائفة اليهود الليبيين وقتئذ) في اليوم السابع عشر من حزيران، فقد بعث برسالة إلى رئيس الوزراء حسين مازق طلب فيها بالسماح بالسفر لليهود الراغبين في مغادرة البلاد حتى تهدأ الأمور ويتفهّم الشعب الليبي وضعيّة اليهود الليبيين الذين كانوا وسيبقون دائما مخلصين للدولة وفي تعايش سلمي مع السكان العرب. وافقت الحكومة على ذلك بسرعة وبدأت دائرة الهجرة أعمالها في 20 حزيران وحضرت الوثائق المتعلقة بالسفر».

ولكي يكون جميع قراء «الحياة» معنا في هذا الحوار سأقدم لمحة مختصرة لموضوعه:

كانت تقطن ليبيا طائفة يهودية يقدر عددها بحوالى 40 ألفاً (طبقاً للمصادر اليهودية). بعضهم كان متجذّرا في التربة الليبية، كما ذكر المستر لوزون في كلمته المشار إليها أعلاه، من قبل الفتح الإسلامي، وبعضهم هاجر إليها من دول شمال أفريقيا الأخرى، فيما لجأ بعضهم الآخر إليها من الأندلس هربا من محاكم التفتيش الكاثوليكية.

وعاشت هذه الطائفة آمنة معزّزة مكرّمة مع بقيّة طوائف الشعب الليبي المسلمة حتى تمكنت الدعوة الصهيونية من التغلغل فى نسيجها، لتنشر بينها فكرة الهجرة إلى «أرض الميعاد»، ثم إعمارها وتأسيس الدولة اليهودية على أركانها. ونتج عن ذلك أن تلونت تصرّفات شباب الطائفة اليهودية في ليبيا بما -لا يفيد أية أقلّيّة كانت - من رعونة وتحدٍّ للمجتمع.

وكان أول تصادم تشهده ليبيا بين سكانها من المسلمين واليهود في 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 1945 فيما كانت موجة من الإضرابات تجتاح العالم العربي في ذكرى وعد بلفور، ثم تكرّر الصدام عام 1948، كنتيجة للأخبار الدموية الواردة من فلسطين. وكان تحرك المسلمين عفويا وتلقائيا بلا ترتيب مبيّت ولا تخطيط واعداد مسبق استُعملت فيه الحجارة والعصيّ، وفي المقابل كان التحرك اليهودي مخطّطاً اذ جهزت له الأسلحة والذخائر، وذلك كما هو موثّق في التقارير السرية للحكومة البريطانية التي كانت تحكم ليبيا أثناء فترة الإنتداب، والتي يُفرج عنها بموجب القانون البريطاني بعد مضي 30/50 سنة من وقت حدوثها. وهي شهادة شاهد مستقل ومحايد ومسؤول ممن لا يُتهم بحب المسلمين ولا عداء اليهود، وقد سبق أن كتبنا بالتفصيل في هذا الموضوع ونشرنا تلك الوثائق على صفحات هذه الصحيفة في سلسلة وثائقية من ثلاث حلقات متوالية بين 21 أيلول (سبتمبر) 1997 و23 منه (يمكن الإطلاع على نسخة مصورة لتلك السلسلة على الرابط التالي:
http://www.lcu-libya.co.uk/documentary.htm

وبعد صدامات 1948 «شجّعت» السّلطات البريطانية يهود ليبيا على الهجرة إلى إسرائيل بعد تصفية ممتلكاتهم ونقل أمتعتهم القليلة معهم، اذ كانت ليبيا آنذاك شبه معدومة الموارد يعاني سكانها بجميع طوائفهم من فقر مدقع وجهل ومرض من جرّاء سنوات الإستعمار الإيطالي الطويلة، والحروب الطاحنة بين قوات الحلفاء والمحور التي كانت تدور رحاها على أرضها.

وعلى رغم فقر الوطن وحال المرض والجهل المتفشيين فيه، وعدم وجود أية مؤشرات للإنفراج في حالته، تمسّك به نحو سبعة آلاف من يهوده لم يتأثروا بالدعوة الصهيونية ولا بـ «التشجيع» البريطاني على الهجرة. وموقفهم ذلك يُغني عن أية مقالات مطولة للتدليل على انتمائهم وتجذّر الوطن في قلوبهم.

ثم جاءت المفاجأة واكتُشِف البترول في ليبيا بعد الإستقلال، فانتشر الرخاء وازدهر حال الجميع، ورافق ذلك اهتمام مريب للمنظمات الصهيونية العالمية بليبيا، استخدموا فيه بخبث وجود تلك الأقلية اليهودية الصغيرة فيها. وكان على رأس تلك المنظمات وأكثرها نشاطا في هذا الصدد «الهيئة الأميركية اليهودية» التي زار رئيسها لويس كابلن ليبيا صيف 1961، ليرفع ـ على إثرها ـ زعماء الطائفة اليهودية الليبية (ليللو أربيب، وهاي جلام، وكليمنتي حبيب، وأنجلو ناحوم، وبنحاس نعيم) عريضة إلى رئيس الحكومة الليبية محمد عثمان الصيد تطالبه بالمزيد من الحقوق لليهود.

ونجحت هذه المنظمات الصهيونية العالمية في إقناع الممثل السابق لهيئة الأمم المتحدة إدريان بلت أثناء زيارته إلى ليبيا لحضور الإحتفالات بالذكرى العاشرة للإستقلال ببعض التحريات السرّية لمصلحتها. إلا أن التقرير السرّي الذي قدمه لها، والمنشور في الصفحة رقم 230 من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي السالف ذكره جاء مخيبا لآمال تلك المنظمات، اذ جاء فيه:

«إن العداء للسامية كما هو مفهوم عند الغرب لم يكن له أساس في ليبيا. إلا أن شعور الناس بالعداء ضد إسرائيل قوي جدا (...) وعلى مستوى العلاقات الشخصية لم تكن هناك مشاعر موجهة ضد اليهود، وكانت هناك لقاءات شخصية بين العرب واليهود (...)».

وعلى رغم ذلك، مارست المنظمات اليهودية العالمية ضغوطاً مكثفة ومدروسة على الدولة الليبية الوليدة بدعاية تظهرها وكأنها معادية للسامية ـ كما ذكر دي فيليشي ـ مما دفع الحكومة الليبية للجوء الى زعماء الطائفة اليهودية فى ليبيا لإصدار بيان رسمي موجه للأمم المتحدة يكذّبون فيه الإتهامات الموجهة اليها بمعاداة السامية، إلا أنهم رفضوا تلبية طلب الحكومة.

وحتى نجعل من هذه الرسالة وثيقة يُعتدّ بها في ملف هذه القضية المهمة، نرى أن من الجدير الإشارة إلى رسالة وزير خارجية كندا إلى السفير البريطاني في طرابلس بعدما كثُرت تقارير المنظمات اليهودية إلى الحكومة الكندية عن وجود اضطهاد لليهود في ليبيا.

والرسالة مؤرخة 15 تشرين الأول (أكتوبر) 1964 ومحفوظة في مكتب أرشيف الوثائق الوطني البريطاني في الملف الرقم: (FO371 / 178894)، وثيقة رقم: ( VT1571 / 2)، طلب فيها الوزير الكندي من السفير البريطاني رودّ سارل أن يوافيه مشكورا بمعلومات واقعية عن وضعية اليهود في ليبيا. وجاء رد السفير سارل عليه في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 1964، وها نحن ننقل مقتطفات منه إلى قرّاء «الحياة» كما يأتي:

«لنا الشرف أن نرد على رسالتكم المؤرخة في 15/10/1964 بخصوص وضع اليهود في ليبيا:

إن عدد اليهود في ليبيا يتراوح بين 6500 و7000، والغالبية تعيش في طرابلس. وباستثناء عدد قليل ممن يشتغلون بالأعمال اليدوية كالنجارة وتحضير الأطعمة والخمور الخاصة باليهود، فإن معظمهم من التجار وأصحاب المحلات التجارية ومعتمدي الوكالات والعمولات التجارية. ولا نعدو الصواب إن قلنا إنهم يتمتعون، في الوقت الحاضر – كما هي الحال في كل ليبيا - بانتعاش اقتصادي لم تر مثله طائفتهم في تاريخها الطويل كله.

شغب معاد لليهود

ليس هناك تمييز رسمي ضد اليهود. لكن وضعية التوتّر بين الدول العربية وإسرائيل تؤدي بين الحين والآخر إلى ظهور بعض التهجمات في الصحف المحلية متهمة بعضهم بالعمالة للصهيونية، وينتج عن ذلك انتشار للشغب المعادي لليهود في بعض المناسبات. (...) ولكن من الإنصاف أن نذكر بأن جزءاً كبيراُ جداً من الأعمال المحلية بيد اليهود، ومن ضمنها كثير من أثمن الوكالات التجارية البريطانية.

ولهذا السبب، ولأن يهود ليبيا يعتبرون من شعوب البحر الأبيض المتوسط، ولهم تاريخهم العريق والذي يعود إلى زمن الرومان، فإن من المستبعد أن يرغب كثير منهم في الهجرة إلى كندا ما لم يكونوا تحت ضغوط قاهرة (...) وفي الحقيقة هناك 300 شخص يهودي له الحق في المطالبة بالجنسية البريطانية باعتبار أن أسلافهم ولدوا في جبل طارق خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وبطبيعة الحال فإنه يحق لهؤلاء (الـ 300) أن يطلبوا الحصول على تأشيرة الهجرة إلى كندا وفقا للقوانين الجارية. وربما يوضح كيف يُنظر إلى موضوع الهجرة أن الطلب الوحيد الذي تعاملت معه قنصليتنا أخيرا هو المتعلق بعائلة حبيب – موضوع رسالتكم لنا بتاريخ 30 آب (أغسطس) 1963- والذي أسفر عن هجرة فرد واحد من العائلة إلى كندا على رغم تمتع باقي أفراد العائلة بالحق نفسه».

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف ولماذا يتّخذ زعماء الطائفة اليهودية هذا القرار نيابة عنها بمغادرة البلاد؟ وهو القرار الذي لم تتخذه هذه الأقلية من الطائفة عام 1948 وهي تعاني الفقر والجهل والمرض من جهة، وتتعرض لإغراءات المنظمات الصهيونية العالمية و»التشجيع» البريطاني من جهة أخري؟ مع العلم بأن ما عانته من نتائج الصدامات الدموية مع المسلمين في تلك السنة كان أضعاف ما تعرضت له في 5 حزيران 1967.

وكيف، ولماذا اتخذوا ذلك القرار والطائفة اليهودية الليبية هي أول من أثرى فور اكتشاف النفط في ليبيا، ولم يكن ذلك إلا بداية الطريق لمزيد من الثراء.

وهنا نأتي بشهادة رينزو دي فيليشي الذي وصف أحوال الطائفة اليهودية في ليبيا على الصفحة رقم 269 من الترجمة الإنكليزية لكتابه السالف الذكر بالقول: «بعد مرور أقل من ست سنوات (على اكتشاف البترول الليبي) تحوّلت وضعية الطائفة اليهودية الإقتصادية من كونها مأسويّة إلى وضع أصبح فيه نصف أعضائها من الأغنياء، كما أصبح من بينهم من يُعتبرون من الأثرياء حقا».

يكمن في جواب هذه التساؤلات السرّ في الإنقلاب الليبي ويشرح أسباب شذوذ سياسته التي حيّرت العالم لأكثر من ثلاثة عقود.

ولنتدرج في الإجابة ينبغي أن نبدأ بذكر قضية أخرى ذات ارتباط مباشر بهذه التي بين يدينا:

في بداية القرن العشرين كانت منظمات يهود العالم منقسمة على نفسها في اختيار وطن قومي لليهود. ففي وقت كان جزءُ منهم لا يقبل أي بديل عن خيار فلسطين والقدس وجبل صهيون، كان هناك جزءُ آخر مُساوٍ في الوزن والأهمية يتخوّف من هذا الخيار، ويعتقد بأنه حلم غير قابل للتحقيق، ويحاول أن يجد وطناً بديلاً عنه يسهل على اليهود إستعماره وإقناع العالم بأحقيّتهم التاريخية فيه، وتكون فيه المقاومة أقل وأسهل بعيداً عن الصراع الديني.

ووقع اختيار هذا الجزء ـ بعد رحلات استكشافية، ودراسات وبحث وتدقيق ـ على ليبيا لتكون ذلك الوطن القومي الذي يحلمون به. وكان صاحب الفكرة اليهودي البريطاني الرّحالة المشهور السير هاري جوهانستين الذي تقدّم بها إلى اسرائيل زانجويل رئيس «جمعية الأراضي اليهودية» Jewish Territorial Organisation (مقرها لندن)، فأرسلت الجمعية بعثة علمية إلى ليبيا عام 1906 برئاسة ناحوم سلاوش الأستاذ في السوربون ثم ألحقتها ببعثة أخرى عام 1908. وكانت تقارير البعثتين مشجعة جدا لليهود حتى ان اسرائيل زانجويل ذهب إلى حد القول ان برقة (اقليم في شرق ليبيا) تفضل فلسطين نفسها في تحقيق الموطن القومي لليهود.

وللمزيد حول هذا الموضوع ولمعرفة أسباب هذا التفضيل يمكن الرجوع إلى الكتاب الوثائقي «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، والذي نشر في أذار 1975. كذلك نشرت «الحياة» في 20 أيلول 1997 مقالة مختصرة حول هذا الموضوع بعنوان «هجرة اليهود إلى فلسطين وقصة الوطن البديل»
http://www.lcu-libya.co.uk/documentary.htm#Docs3

تم الإتصال بالسلطنة العثمانية التى وافقت على طلب اليهود فى هذا الخصوص، إلا أنها اشترطت أن تقتصر الهجرة إلى ليبيا على يهود السلطنة وحددت لهم منطقة سرت (منطقة على الساحل الليبي الغربي سبق أن لجأ إليها يهود برقة بعد ثورتهم على الإمبراطورية الرومانية سنة 115م) وما حولها في وقت كانت المنظمات الصهيونية تصرّ على برقة كلّها، وقد خطّطت لنقل يهود السلطنة إلى برقة حتى يزيد عددهم في وقت قصير على عدد سكان ليبيا كلها من المسلمين بأضعاف، وكان عدد السكان في ذلك الوقت أقل من مليون نسمة، وذلك لتخلق واقعاً جغرافياً جديداً على الأرض لا تملك السلطنة إلا الإذعان إليه، ثم يُفتح بعد ذلك الباب على مصراعيه لهجرة يهود أوروبا وروسيا. وقد عرضوا تسهيلات مالية وسياسية كان الباب العالي في أمسّ الحاجة إليها لتليين موقفه بخصوص برقة بدلاً من سرت، وكانت المفاوضات تسير في اتجاه مصلحة اليهود، وعريكة السلطنة قد لانت بتأثير التسهيلات المعروضة، وعندها حدث الإنقلاب في تركيا فأطاح بالخلافة العثمانية، وكان بلا شك سيوافق على جميع الطلبات اليهودية بلا قيد ولا شرط. إلا أن تحرّك إيطاليا السريع وغزوها لليبيا سنة 1911 بدّد أحلام اليهود في استيطانها، فاجتمع الرأي وتوحّدت الكلمة على استيطان فلسطين.

إننا فــــي الإتحــــاد الدستـوري الليبـــي علـــى قناعة تامّة بأن الثقة الصهيونية بالنفــــس – بعد استيطان فلسطين واحكام السيطرة على الرأي العام العالمي وتأكد الغلبة على العرب في كل مجال وميدان - قد جدّدت الحلم في امتلاك ليبيا وأجّج اكتشاف البترول فيها الأطماع.

وذلك يفسر تآمر المنظمات الصهيونية العالمية على المملكة الليبية واستعداءها للعالم ضدها وإحراجها على كل صعيد منذ اكتشاف البترول، ويبدو أن هذه المنظمات نجحت في استقطاب ولاء بعض زعاماتكم الذي يدلل عليه رفضهم لنجدة الحكومة بشهادة حق عندما احتاجتها منهم.

إصبع الإتهام

وأنني هنا لا أتّهمكم بأي تآمر أو خيانة ولكنني أوجه إصبع الإتهام إلى بعض زعمائكم، فإن ليبيّتكم تم التدليل عليها في خياركم الصعب عام 1948 كما أشرت سالفا.

إننا نخشى من أن نفوذ المنظمات اليهودية داخل الأجهزة الأميركية المسؤولة على سياسة الشرق الأوسط جند لتحقيق الأطماع الصهيونية في السيطرة على ليبيا سياسيا واستغلالها اقتصاديا بمجرّد أن تُسوّى القضية الفلسطينية ويصل الطرفان إلى صيغة من التفاهم تُرضي العرب وتفرض سلماً بينهم وبين اسرائيل، فكان الإنقلاب في ليبيا بمثابة الخطوة الأولى ليجهّز بضيق أفقه المناخ المطلوب لتنفيذ المخطط، فقوّض البنية التحتية في البلاد وعمّم الفوضى والإرتباك والرعب بين الشعب وأساء إلى سمعة الوطن حتى نُبذ من المجتمع الإنساني وفقد كل احترام وتعاطف من الجميع.

وبحس أميركي عميق بالتاريخ وأهميّته، ومعرفة بأن الأسرار السياسية وقتيّة، والتزاماً بسمعة أميركا، خططت تلك الأجهزة لأن يظهر تآمرها عندما يُكتشف، على أنه ردّ فعل انتقامي غاضب ضد شعب همجي نكّل بأقليّة من أهل الكتاب ضد كل المعايير الإنسانية والشريعة الإسلامية نفسها وطردهم من وطنهم ولم يسمح لأي منهم بالخروج إلا «بحقيبة صغيرة ومبلغ 20 جنيها فقط لا غير». فهذه غضبة مبرّرة لن تجد من يشجبها لمصلحة دولة أفقدها الإنقلاب الشاذ كل صدقية واحترام وصداقة يُعتدّ بها، ولا لمصلحة شعب أعاده ذلك الإنقلاب إلى الخلف أكثر من قرن في المجالات الحضارية كافة.

وحتى لا يكشف التاريخ أن أمريكا كانت تتآمر - بلا مبرر- على دولة موالية وعلى شعب صديق، تمت التضحية بكم عزيزي لوزون لخلق هذا الغطاء وتأديبكم على تفضيلكم ليبيا على أرض الميعاد عام 1948، ثم لاستعمالكم في الرجوع بالطريقة التي يرجونها، منظّمين ومدرّبين ومترابطين، وقد غسلت أدمغة الكثيرين منكم وربّت أجيال منكم على تفضيل اسرائيل وأولوية الولاء لها ولمصالحها وأُقنِعتم كما اقتنعنا نحن بأنكم أبرياء مظلومون – وهي حقيقة أُريد بها باطل- من أجل الرجوع بكم ومن خلالكم لمجتمع تعمّه الفوضى والجهل ويتخبّط في ارتباك واضح، فتكونوا طبقة عُليا في ذلك المجتمع تتمتّع من دون بقية طوائفه بالإحترام الدولي والتعاطف الإنساني، ويفضّل العالم التعامل معها ومع ذلك المجتمع اقتصاديا وسياسيا من خلالها، وتسهر أجهزة الإنقلاب على حمايتها وخدمتها بعد أن تيقّن أن بقاءه واستمراره مرتبطان باستمرار رضى تلك الطبقة وأمنها.

ولمزيد من الإيضاح يستطيع من يهمه الأمر الرّجوع إلى مقال «القذافي والدستور المعطّل»
http://www.lcu-libya.co.uk/arab2000.htm#arbartcl

إن العلاقات لا تبنى ولا تستمر إلا على العدل الذي قامت عليه السموات والأرض، لذلك فإنني آمل يا رافائيل أن تضمّ جاليتكم صوتها إلى صوتنا في المطالبة بتحقيق دولي في القضية لإجلاء غموضها قبل البت فيها بأي قرار، فربما تفتضح أخسّ مؤامرات القرن الماضي فتنجو طائفتكم من أن تكون «مخلب القط» الصهيوني، وتعرفون سبب غربتكم وتشردكم، وتساهمون في انقاذ استقلال الوطن من دون أن يخاطر ذلك بحقكم في العودة المشرفة.

محمد بن غـلبون
رئيس الإتحاد الدستوري الليبي
lcu@lcu-libya.co.uk
________________________________________________

المصادر:
1- النسخة الإنكليزية من كتاب المؤرخ اليهودي رينزو دي فيليشي:
Jews in an Arab Land: Libya, 1835-1970. Austin: University of Texas Press, 1985
2- الأرشيف الوطني البريطاني للوثائق.
3- كتاب «المشروع الصهيوني لتوطين اليهود في ليبيا» للأستاذ مصطفى عبد الله بعيو، الدار العربية للكتاب:1975.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home