Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

الخميس 28 مايو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(3)

28/5/1949
مساء الخير، يا مرغريت.

اليوم كنا مشغولين، وغير مشغولين. كان بعض المعلمين، في بنغازي وما حولها، مضربين عن العمل احتجاجا على أن زياداتهم غير كافية. ومع أن سعادة الوالي استقبل جماعة منهم أمس، وتحدث إليهم، فإنهم لم يرجعوا عن إضرابهم. وكنا مشغولين ننتظر نتيجة الأمر. وكنا غير مشغولين لأنه لا شيء يمكن عمله هنا في مثل هذه الحالة. على كل تركنا المكتب الساعة الواحدة والنصف ولم تتضح الحالة.

وفي الساعة الخامسة كانت عندنا حفلة مدرسية في مدرسة الأمير الابتدائية. معرض للرسم والصناعات (المدرسية) الزراعية. وقد عرض الطلاب رسومهم الجميلة وصناعاتهم من العطور والصابون والمربيات والجبنة، وكان كل شيء فيها جميلاً. وقد اشتريت زجاجة صغيرة من الكولونيا تشجيعا للطلاب. لكن الذي شوه جمال الحفلة هو مجموعة الخطب التي القاها مدير المدرسة ومعلمو الزراعة والرسم في المدرسة، والتي استغرقت نحو 50 دقيقة. لكن لا بأس من تحمل شيء من هذا.

31/5/1949
عزيزتي – مساء الخير، أيتها الحبيبة.

لم أكتب إليك أمس لأنني شغلت في المساء بترتيب أغراضي في غرفتي الجديدة. فقد تحدث مديري مع مدير الصحة، فقبل أن أنتقل إلى مسكن الضباط في المستشفى. وقد تم انتقالي أمس بعد الظهر.

أما في الصباح – صباح أمس – فقد قمت بزيارتين رسميتين. الأولى بصحبة مدير المعارف وكبير المفتشين العرب الشيخ المرتضي السنوسي، وكانت لمدرسة البنات. فإن المدرسة تعد العدة لحفلة ومعرض للأشغال يقام في يوم الخميس وقد دعتنا المديرة لمشاهدة المعروضات قبل الزوار، فذهبنا نحن الثلاثة. وأؤكد لك يا مرغريت أن الأشغال التي صنعتها البنات مدهشة. لم أكن أتوقع أن أشاهد قطع الشغل المتقنة. شلحة (تنورة) مزينة مزخرفة، وقطع من أغطية للرأس وغير ذلك مرصعة بالبرق، وقطع قماش عليها نقش بالتطريز، وغير ذلك كثير. وقد أرتنا المديرة البنات الصغيرات اللواتي سيغنين وينشدن في الحفلة. والحق أن كل شيء متقن. والمديرة من أهل هذه البلاد، لكنها كانت متعلمة في تركيا قبل الاحتلال الإيطالي، وعمرها مؤكد لا يقل عن ستين سنة، لكنها تنط وتقفز وتركض في المدرسة كما لو كان عمرها 30 سنة فقط.

بعد ذلك زرت معهد المعلمين، وهو المعهد الذي يتدرب فيه 33 طالباً على التعليم. الطلاب فيه ممن أنهى التعليم الابتدائي فقط، ودرجتهم تقارب صف خامس ابتدائي في فلسطين، لا أكثر، ولكنهم يهتمون بكل شيء. من الـ 33 سبعة عشر طالباً داخليون، وهم يتدربون على التعليم في الصباح، ويتلقون دروساً في اللغة العربية والإنكليزية والحساب والتربية والتعليم وعلم النفس والتاريخ والجغرافية. ومعلموهم من المصريين من خريجي الجامعة المصرية.

بعد الغداء استرحت قليلاً. ثم جمعت أغراضي في شنتتي (حقيبتي) ثم أخذت حنطوراً،1 والحناطير هنا هي وسائل النقل في المدينة، إلى المستشفى، فوضعت الشنتة في الغرفة، ثم جلست أتحدث إلى بقية الموجودين. والموجودون هنا هم أربعة أطباء – أمين عوده، وسوبر، ومكللخن، وكريشل، وأنا الخامس. وسوبر يهودي إنكليزي، وهو جراح المستشفى، ومكللخن اسكتلاندي، والمفروض أنه يهتم بالعيون، وكرشل ألماني، وهو طبيب عادي. هؤلاء هم زملائي في المسكن هذه الأيام. والحقيقة أنني مسرور جداً بهم. فمستواهم عال، وأحاديثهم العامة ذات قيمة، وعندما يتحدثون في قضاياهم الطبية أتركهم وأقرأ عن تاريخ برقة، إلا أن يكون حديثهم الطبي عاماً أو لاذّا فأتابعه.

الإضراب شغلنا أمس، وشغلنا اليوم يا مرغريت. فقد ظللنا أمس، المدير وأنا، ننتظر الأخبار من المناطق، ونتلقى التعليمات من الوالي والسكرتير العام. واليوم (31/5/1949) صباحاً عقدنا اجتماعاً حضره مفتشو المعارف الثلاثة وكبير المفتشين والمدير وأنا. ودار الاجتماع حول زيادة المعاشات لنحو 140 معلماً. فقد تقرر ذلك قبل شهرين، وكل ما حدث أننا أسرعنا في تحضير كل شيء تمهيداً لإعطاء هذه الزيادات إذا وافقت لندن عليها. وقد تأجل الاجتماع إلى الغد، لأن المفتشين لم يكونوا قد اعدوا اللوائح اللازمة. وسيتمونها اليوم وتقدم غدا للبحث، ثم للموافقة، وترفع بعد ذلك للوالي. فإذا وافقت لندن فإن كل شيء يكون جاهزاً.

وقد عقد الوالي اليوم اجتماعاً حضره رؤساء الدوائر برياسة الوالي. وهو اجتماع سري، بمعنى أن ما جرى فيه خاص بالحضور، ولكن مديري أخبرني بخلاصته بعد انتهاء اجتماعنا. وخلاصة الأمر أن الحكومة البريطانية قررت إعلان حكومة وطنية في برقة (Cyrenaica) قريباً جداً، وقد لا يمضي وقت قصير (بضعة أيام) قبل أن يصبح الأمير السيد محمد إدريس السنوسي أمير برقة رسمياً، وله وزارة، وتكون الدوائر الأخرى تحت إشرافه نظرياً، لكن يستمر الأمر كما هو الآن. ويترتب على هذا أن ننتقل جميعاً - أي جميع الدوائر – من العمارة التي نحن فيها إلى عمارة فخمة تصبح مركز الإدارة – أو مركز حكومة برقة. وقد يكون إعلان الإمارة غداً.

والآن أود أن أقدم لك الأشخاص الذين أعمل معهم في إدارة المعارف. وأولهم المستر غوردن (Gordon). وهو اسكتلاندي متخرج في جامعتي أدنبره وأكسفورد، وقد درس فيهما العربية والعبرية والسريانية. ثم درس اللاهوت وصار قساً، وعلم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية في القاهرة للطلاب الأجانب، ثم ترك الدين، والتحق بالجيش، وعمل هنا في الإدارة العسكرية ثم في المدنية، وعين مديراً للمعارف هنا قبل ستة شهور فقط. وكانت إدارة المعارف مضطربة ملخبطة، فأخذ في تنظيمها.

وقد كان هنا رجل سوري كان لقبه الرسمي "المستشار الفني"، لكن درجته صغيرة، وقد استُغني عنه مؤخراً.

وثمة كبير المفتشين، وهو شيخ كبير في السن، وقد كان مدير المدرسة في المرج (Barce) سنة 1905، ولا شك أنه يقارب السبعين من العمر. لكنه أنيس لطيف، يروي كثيراً من الشعر، وكثيراً من الحوادث، ويذكرني أنسه ولطفه بالشيخ حسام الدين جار الله.

ويلي ذلك ثلاثة من المفتشين الإداريين، واحد لكل من المناطق الثلاث، بنغازي والجبل (وعاصمته المرج) ودرنة. وهؤلاء المفتشون من أهل البلاد، وأحدهم، وهو مفتش بنغازي، اسمه السيد علي صفي الدين، وهو من أقارب الأمير. والحق أن المفتشين جميعهم لطيفون، لكن ليس فيهم إلا اللطف، أما المقدرة فعفا الله عليها عندهم.

ولنترك الكتّاب والمعلمين، فشأنهم يتضح كلما حدثتك عن مدرسة من المدارس. ويخيل إلي مما رأيت إلى الآن أن مدارس البنات خير من مدارس البنين، ورأيي، كما كان رأيي في فلسطين، هو أن المعلمات أكثر اهتماماً بالواجب، وشعوراً بالمسؤولية، وعناية بالعمل من المعلمين.

أما عدد المدارس في برقة فهو 53 مدرسة. منها ثلاث للبنات، ولكن في كثير من القرى تتعلم البنات مع الصبيان. وعدد المعلمين يزيد عن 200، وعدد الطلاب جميعهم نحو 8000 طالب. ولذلك فالعمل أكثر مما صوره لي الموظفون في وزارة الحربية.

غداً سنتم الاجتماع مع المفتشين، وسأكتب إليك بما يتم.
________________________________________________

1. عربة خيل.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home