Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

السبت 23 مايو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(2)

المرج 23/5/1949 ، (Barce)
مساء الخير يا مرغريت،

لم أستطع أن أكتب لك مساء الأمس. ذلك أن مدير مدرسة النصر بدرنه (الأستاذ محمد جبريل) دعاني للعشاء. وكان هناك أخوه وهو قاضي صلح. وتناولنا العشاء في التاسعة، وانتهينا منه قبيل العاشرة، وجلسنا بعده نتحدث، وأنا مشوق إلى معرفة الأمور هنا، وهما مشوقان لمعرفة الكثير عن سورية ولبنان وأوروبة والحياة الفكرية والسياسية فيها. ولم ننتبه إلا والساعة الحادية عشرة والنصف، فلما عدت إلى الأوتيل، وجدتني متعباً فتركت الكتابة إلى الليلة.

وها أنا أكتب إليك من المرج، التي طالما سمعنا عنها إنها جميلة. وهي حقا جميلة، لكن هذا المكان لا يعدو كونه قرية كبيرة نظيفة.

ولكن لماذا أتحدث عن المرج الآن، أليس الأفضل أن أبدأ من صباح الأمس،(1) حتى تتسق الحوادث، وتتضح الصورة؟

(22/5/1949)

وإذن فلنبدأ بزيارة مدرسة النُور بدرنة، وهي مدرسة ابتدائية للصبيان، فيها قرابة 500 تلميذ، و15 مدرساً. مديرها برقاوي، شأن جميع المدارس في هذه البلاد، فليس هناك مدير أجنبي أبداً. ويسمى مدير المدرسة هنا "الناظر"، على الطريقة المصرية. والمنهج المتبع في التعليم مصري بالمرة. لذلك يتعلم الطلاب هنا، مثلاً، تاريخ مصر وجغرافيتها، ولا يعرفون إلا القليل عن بلادهم. ويتعلمون، في الحساب مثلاًَ، الأوزان المصرية كالرطل المصري (وهو 144 درهماً) والقنطار المصري، مع أنهم يستعملون الكيلو في الوزن، وقنطارهم هو 100 كيلو. ويتعلمون عن الذراع المصري، مع أن كل المبيعات هنا بالمتر. وهكذا دواليك.

وصلت المدرسة بعيد الثامنة، ولكن حضرة الناظر لم يكن هناك. وعرفت أنه قلما يأتي قبل التاسعة إلا نادراً. وله وكيل. ووكيله رافقني في زيارة ثلاثة صفوف قبل أن يأتي حضرته. ولما جاء قدمت نفسي إليه، فكان أول ما قاله "كان من واجب الإدارة أن تعمم خبر تشريفكم" وسألته بعض الأسئلة عن المدرسة، ثم طلبت منه أن يدخلني صفاً فيه درس حساب. فقال: "إذا كان ذلك للزيارة فأهلاً وسهلاً، أما إذا كان للتفتيش، فالتفتيش من اختصاص حضرة مفتش المنطقة." ولم تعجبني صفاقته، فقلت له بلهجة بسيطة، ولكن حازمة "أنا مساعد مدير المعارف، وأنا أعرف ما لي وما علي، وأنا أقوم بما يقوم به مدير المعارف تماماً. ولنذهب إلى صف فيه درس حساب." فبلع ريقه وسار معي.

ورافقني الناظر في أنحاء المدرسة، فأراني بعض الأشغال اليدوية التي صنعها الطلاب، مع أنه لا يوجد عندهم معلم للأشغال. والواقع أنها جميلة بينها مقعد للطلاب (desk) وكرسي صغيران جميلان جداً. وهناك هيكل خشبي لراديو، سيارات شحن، وسيارة جيب عسكرية. وكلها مصنوعة من قطع الخشب والتنك.

وللمدرسة حديقة صغيرة، لكنها متقنة. كنت على وشك توديع حضرة الناظر، لما وجدته "يتواضع" ويفرك يديه، ويحدثني عن قضية معاشات المعلمين وزياداتهم وترقياتهم. وهي قضية كانت مقصودة من زيارتي، على أن لا أفاتح أنا المعلمين بها، ولكن أتركها لحين يفتحونها هم. وعندها وقفت مع حضرة الناظر، ومساعده معنا، وشرحت له سياسة الإدارة وأنظمتها المالية، وأنظمة الترقيات العامة في برقة. وأوضحت له أن هذا هو الذي سيتبع، ويجب أن يفهم المعلمون ذلك فهما صحيحاً، وكلفته أن يبلغهم القضية.

رافقني مساعد الناظر ليدلني على المدرستين الأخريين. وكانت مدرسة البنات موضع الزيارة الثانية.

ناظرة المدرسة برقاوية الأصل، ديبانية الأب سنوسية الأم. وقد تلقت تعليمها الثانوي في مصر، ثم التحقت بكلية الآداب، فنالت الليسانس باللغة الإنكليزية، وجاءت في أول هذا العام الدراسي ناظرة للمدرسة. وهي نشيطة، مهتمة ببنات بلدها (درنة)، وتصرف الكثير من وقتها في المدرسة. وبهذه المناسبة فبرقة كلها فيها ثلاث مدارس للبنات فقط، اثنتان في بنغازي، والثالثة في درنة. وقد استطاعت أن تجعل من التلميذات شيئاً جديداً. فالكل يلبس بشكل واحد – مريلة سوداء وأحذية بنية وكلسات بنية أيضاً. وقد منعتهن الناظرة من لبس الأساور والخلاخيل. والعادة في هذه البلاد أن الصغيرات يضعن في أيديهن أساور من الفضة يبلغ عرض الواحدة نحو خمسة سنتمترات، أما الخلاخيل فتكون أعرض قليلاً. كذلك منعتهن من لبس الخواتم والحلق وزينة الأنف، وهي الحلقة الفضية أو الذهبية التي توضع في ثقب في الأنف. وحرمت عليهن تحنية الأيدي. وفي الواقع لم أجد في المدرسة إلا أربع بنات يلبسن الحلق، وبنتاً واحدة يداها مخضبتان بالحناء. والبنات تتراوح أعمارهن من الخامسة إلى الثانية عشرة.

ولا شك أن هذه الخطة التي أتبعتها الناظرة فتحية عاشور مفيدة. وقد لقيت مقاومة من الناس، لكن لأنها بنت بلد، وتسير سافرة ولا تبالي، نجحت. وعندي أن أكبر أثر لعملها، بالنسبة لهؤلاء البنات الصغيرات، هو أن البنات ظهرن جميلات، مع أن البنات السائرات في الشارع لا يبدو عليهن الجمال لكثرة ما يحملن من وسائل الزينة.

وكانت حفلة اليوم السابق ناجحة. سمعت هذا من بعض المدرسين، وسمعته من الكابتن مكدونالد، وذكرته حضرة الناظرة. وأرتني بعض الأشغال اليدوية التي لم تبع، واشتريت غطاء طاولة صغير، تشجيعا للبنات، وخجلاً من الناظرة وراهبتين كانتا عندها تأتيان لأخذ درس إنكليزي منها.

وذهبت إلى المدرسة الثالثة، مدرسة النصر. ومديرها أقل برماً بالحياة من مدير النور، وأخف ظلاً، وأقل ادعاء من حضرة الناظرة خريجة كلية الآداب. وقد طفت ببعض الصفوف، كما طفت بمدرسة البنات من قبل. وحان موعد انصراف الطلاب. والمدارس في برقة كلها تقفل في الساعة الثانية عشرة أو الثانية عشرة والنصف صيفاً، أما شتاءً فبعد ذلك بساعة، ولا عمل بعد الظهر!

تغديت في مطعم "على كيفك". أكلت أولاً معكرونة. ثم طلبت منه بيضتين مقليتين، بدون أي شيء معهما. أتصدقين أن الجرسون جاء أولاً ثم جاء صاحب المطعم، ليتأكد كل بدوره إنني لم أطلب بطاطا مقلية معهما؟

واسترحت بعد الغداء في الأوتيل، وقرأت قليلاً، وحول الساعة الرابعة خرجت أتمشى في المدينة، على شاطئها، وفي أطرافها، وفي ساعتين ونصف الساعة أتممت طوافي بها كلها. ودرنة، كما قلت قبلاً، جميلة، فيها ماء كثير، لذلك فيها زهر وشجر، والبيوت الحديثة فيها، وهي مما بناه الإيطاليون، لم يتهدم أكثرها، وما تهدم أعيد إصلاحه، والقسم الوطني القديم منها صغير، وعلى كل فهو مطروش (مطليّ) مبيّض من الخارج. ويخترق المدينة واد يحمل اسمها، وهذا الوادي فيه نبعان كبيران الأول على بعد نحو خمسة كيلومترات من المدينة، والثاني على بعد نحو ثلاثة كيلومترات من الأول. ولكن الماء الذي ينبثق من النبعين لا يسيل منه في الوادي شيء؛ ذلك لأن بعضه يروي سكان المدينة، وأكثره يروي بساتين الخضار التي تملأ جانبيه، والتي تزود السكان بحاجتهم منها.

ودرنة مدينة الموز في برقة. وفيها الكثير من التين والجميز والتوت والعنب. ولكن عنبها ليس جيداً، على ما قيل لي، لأنه عنب سقيٍ لا طعم له، والعنب الجبلي خير وألذ.
____________________

1. ولذلك أرّخ الجزء التالي بتاريخ اليوم السابق.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home