Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

Tuesday, 22 May, 2007

 

في طبائع الاستبداد : معـمر القذافي(*) (2)


د. سعد الدين إبراهيم

ـ 4 ـ
الكواكبي وطبائع الاستبداد

هذا العنوان عنوان كتاب شهير لمفكر عربي إسلامي عاش في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهو عبد الرحمن الكواكبي. وكان هذا الرجل من تلاميذ ورفاق كل من السيد جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده. وكان، شأنه شأن بقية أبناء جيله، من الذين رأوا الإمبراطورية العثمانية، آخر الإمبراطوريات الإسلامية العظيمة، وهي تتآكل، وينخر فيها السوس والفساد حتى النخاع، فضعفت أشد الضعف، وأطلق عليها ولقرن كامل قبل وقت الكواكبي، اسم "رجل أوروبا المريض". ورغم وهن الإمبراطورية، وركل القوى الأوروبية لها يميناً ويساراً، والتهام أقاليمها واحداً بعد الأخر: الجزائر (1830)، ومصر وتونس (1882)، و (السودان 1891)، والمشرق العربي (1916-1918)، فإن سلاطين آل عثمان، وممثليهم من حكام الولايات، كانوا يزدادون ظلماً واستبداداّ وطغياناً بالرعية، بما في ذلك العرب والمسلمون. ولعلنا نذكر من كتب التاريخ المذابح والمشانق التي ارتبطت باسم جمال باشا في بلاد الشام.

المهم أن هذه المآسي والنكبات في الإمبراطورية العثمانية، وما صاحبها من تعسف وطغيان داخلي، وطمع وجشع خارجي، هي التي أوحت لعبد الرحمن الكواكبي بتأليف كتابه "طبائع الاستبداد". فالطاغية حينما يضعف، يصبح أكثر استبداداً من ذي قبل. فهو يعوض ضعفه في مواجهة الخارج بالاستئساد في مواجهة الداخل.

وقد شهدت السنوات الأخيرة لصالح مقولات وملاحظات عبد الرحمن الكواكبي، في بلدان أجنبية ـ مثل أوغندا (عيدي أمين)، والفليبين (ماركوس)، ورومانيا (تشاوشيسكو)، وشيلي (اوجستو بونشيه) ونيكاراجوا (سوموزا)، وصربيا (سلوبدان ميلوسيفيتش). وهو نفس ما شهدناه في السنوات الأخيرة من حكم طاغية العراق، صدام حسين، الذي فتك بما يقرب من نصف مليون من أبناء شعبه، ضمنهم عشرات الآلاف من الأكراد فيما سمي بعملية "الأنفال". بل إن أقرب الناس إليه، وهما زوجا ابنتيه لم يسلما من التنكيل والفتك بهما في أواخر تسعينيات القرن الماضي.


الدكتاتور الليبي مع الدكتاتور الروماني نيقولا تشاوشيسكو

ـ 5 ـ
نرجسية الاستبداد

حينما يستتب أي مستبد في السلطة، فإن المنافقين يتكاثرون من حوله، ويتسابقون في الرياء، ويتنافسون في التبجيل والتمجيد. فكل ما يتفوه به يصبح "حكمة"، وكل ما يفعله يصبح سلوكاً "عبقرياً فريداً وغير مسبوق". حتى لو شك المستبد في حقيقة ما يردده هؤلاء المتزلفون في البداية، إلا أنه يقبله، ثم يستمتع به، ثم يطرب له، ثم يصدقه هو نفسه، ثم يتوقع العالم أن يصدق ما يقوله هؤلاء المنافقون عن "حكمته" و"عبقريته" و"عظمته". إن هذه الظاهرة هي ما يطلق عليه علماء النفس "النرجسية"، أي الإعجاب المرضي بالذات. وفي حالة حكامنا العرب المستبدين فإن "النرجسية" تأخذ أبعاداً وصوراً شتى.

من ذلك إطلاق منافقي صدام حسين عليه 98 وصفاً من أسماء الجلالة، والتي هي 99. فقد أصبح صدام هو "القادر"، و"القدير"، "المهيب"، و "الجليل"... وربما الحياء وحده هو الذي منعهم من إضافة وصف "الخالق" ضمن منظومة أسماء النفاق والرياء. أما في حالة صاحبنا معمر القذافي فقد اكتفى من الصفات والتسميات بالقليل منها ـ مثل "الأخ"، و "القائد"، و "زعيم الثورة". ومع ذلك فلم يكن القذافي أقل نرجسية من صدام. فقط، اختار هو أساليب مختلفة للتعبير عنها، نذكر هنا بعضها فقط، على سبيل المثال لا الحصر:

1ـ المفكر، صاحب النظرية الثالثة، والكتاب الأخضر. سمع القذافي عن، وربما قرأ، بعض ما كتبه مفكرون وزعماء ارتبطت أسماؤهم بثورات عظمى في التاريخ الحديث، ومن هؤلاء كارل ماركس وفردريك أنجلز (رأس المال والمنشور الشيوعي)، أدولف هتلر (كفاحي)، وماوتسي تونغ (الكتاب الأحمر)، وجمال عبد الناصر (فلسفة الثورة). ولا بد أن بعض المنافقين أشاروا عليه بضرورة أن يكون لثورته "نظرية" تكون بمثابة دليل العمل لتغيير ليبيا، وربما العالم، إلى ما هو أفضل. ومن الواضح أن الفكرة راقت له، فغاب عن الأنظار عدة أسابيع، ثم خرج على الليبيين بما سماه "النظرية العالمية الثالثة"، والتي نشرت على نطاق واسع فيما سمي "بالكتاب الأخضر"، تشبيهاً بماوتسي تونغ وكتابه الأحمر. وقد صدر الكتاب الأخضر في جزأين، عامي 1973 و 1978، على التوالي. ويقول القذافي في مقدمته إنه تأمل من خلاله الدعوة إلى خلق "مجتمع طوباوي عالمي". ولكن محتوى الكتاب جاء خليطاً عشوائياً من مقولات "اشتراكية" (ولكنها ليست مادية ماركسية)، و"إسلامية" (ولكنها ليست وهابية متزمتة)، و"قومية وحدوية" (ولكنها ليست بعثية أو حتى ناصرية)، وأخيراً مقولات كونية عن حكومة عالمية (ولكنها ليست مؤسسة على أي شيء يقترب من فلسفة الألماني عمانوئيل كانْت). ووصلت نرجسية القذافي في هذا الصدد إلى أنه داخلياً جعل من استظهار الكتاب الأخضر (أي حفظه عن ظهر قلب) كما لو كان "قرآناً كريماً"، شرطاً لعضوية "اللجان الشعبية"، التي كانت طبقاً للنظرية الثالثة هي التي تحكم وتدير كل المناشط والمرافق في البلاد، وتحل بذلك محل الوزارات المعتادة في كل الدول المعاصرة (مثل الخارجية والداخلية والتربية والاقتصاد والإسكان). أما الترويج للكتاب الأخضر عالمياً، فقد تم من خلال ترجمة الكتاب إلى كل اللغات الحية، وطبع وتوزيع مئات الآلاف من النسخ مجاناً ثم عقد المؤتمرات، التي دعي إليها مفكرون وأساتذة وصحفيون عرب ومسلمون وأجانب، للمناقشة والحوار حول النظرية الثالثة. وكان القذافي يتكفل بنفقات هذه الأنشطة، ويجزل للمشاركين فيها العطاء. وقد وجد كثير من الانتهازيين العرب والأجانب في هذه الترعة النرجسية عند القذافي ـ "كمفكر ثورة" وفيلسوف ـ مجالاً للكسب والإثراء، بنشر مقال هنا أو كتيب هناك عن النظرية الثالثة. غير أنه مع أوائل ثمانينيات القرن الماضي، نسي العالم والعرب، وربما الليبيون والقذافي نفسه "حدّوته" النظرية الثالثة والكتاب الأخضر، كما نسي العديد من مبادرات وشطحات القذافي الأخرى.

2ـ الزعيم القومي العربي الوحدوي: قيل عن نرجسية القذافي إنه منذ رحيل مثله الأعلى جمال عبد الناصر (سبتمبر 1970)، أي بعد ثورة الفاتح بسنة واحدة، أصبح القذافي يشعر، ويوحي لآخرين من حوله، أنه مبعوث العناية الإلهية لأمته العربية من المحيط إلى الخليج، لكي يحررها، ويتم لها وحدتها، ونشر رسالتها الخالدة للعالمين أجمعين. وقيل أيضاً إن من آيات نرجسية القذافي أنه كان ـ وربما ما زال ـ يعتقد أنه أكبر من ليبيا والشعب الليبي، وأنه أذكى وأقدر، ومن ثم أحسن من أي رئيس أو زعيم عربي آخر. وأنه بناء على ذلك يستحق أن يقود الأمة العربية جمعاء، وأن يرأس دولتها المتحدة من المحيط إلى الخليج، حتى لو بدأت تدريجية مع جيرانه، الأقربين، أو بني قومه الأبعدين.

من ذلك أنه لم يكل ولم يمل عن مبادرات الوحدة أو الاتحاد مع أي بلد عربي آخر يقبل ذلك. ورغم الفشل المتتالي إلا أن الرجل ظل يحاول على مدى عقدين من الزمن. كانت البداية بميثاق طرابلس، الوحدة بين ليبيا ومصر والسودان عام (1970). ثم في العام التالي (1971) باتحاد الجمهوريات العربية (الذي ضم مصر وسوريا وليبيا). وسرعان ما تبع ذلك بعدة شهور، ولكن في نفس العام، بإعلان بنغازي، لوحدة اندماجية بين مصر وليبيا (1972). ثم بعد ذلك بعام واحد 1973، وقّع القذافي والرئيس الجزائري هواري بومدين اتفاقاً رابعاً في حاسي مسعود لوحدة بين ليبيا والجزائر، ثم في العام التالي (1974) وقّع القذافي مع الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة اتفاقية جربه للوحدة بين ليبيا وتونس. وفي عام (1980) وقّع القذافي مع الرئيس السوري حافظ الأسد اتفاقية للوحدة بين ليبيا وسورية. وفي العام التالي (1981) وقّعت ليبيا اتفاقية للوحدة مع تشاد الجارة الإفريقية (غير العربية). ثم في عام (1984) وقّع القذافي اتفاقية وجدة مع الملك الحسن الثاني للوحدة بين ليبيا والمغرب. وأخيراً في عام (1988) انضمت ليبيا إلى مجلس التعاون المغاربي، الذي يشمل تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا. وليت واحدة من هذه الاتفاقيات العشر أثمرت أو استمرت. فالشاهد هو أن الحماسة لكل منها كانت تفتر أو تندثر، حينما يلمس الطرف الآخر أن القذافي يريد الهيمنة وليس الشراكة النّدية المتكافئة، أو حينما يكتشف القذافي نفسه فرصة أخرى أفضل مع بلد عربي آخر، أهم أو أكبر أو أسهل انقياداً. والواقع أنه بعد عقدين من المحاولات الفاشلة والمتعثرة أعطى خطاب القذافي لمفهوم الوحدة العربية معاني سلبية للغاية، ليس بين أبناء الشعب الليبي فحسب، ولكن لدى أبناء الشعوب العربية الأخرى، التي حاول القذافي أن يتوحد أو يتحد معها، أيضاً. وللإنصاف، ليس القذافي وحده هو المسؤول عن ذلك، ولكن شاركه في هذا الصدد أولئك الذين وقّعوا تلك الاتفاقيات معه، وكذلك قيادات أخرى رفعت شعارات قومية وحدوية، ولكنها سامت شعوبها العذاب وجلبت عليها الخراب، دون أن تحقق أياً من وعودها الوحدوية، أو أي وعود أخرى.

3ـ نرجسية الشعارات الطنانة: الجماهيرية العظمى والنهر الصناعي العظيم: دأب القذافي بعد كل فشل أو انتكاسة خارجية أن يفاجئ الشعب الليبي والأمة العربية والعالم، بشعار أو مشروع مبهر، يغطي به على ما أصيب به. ففي أعقاب محاولة انقلابية اتهم القذافي فيها زميليه عضوي مجلس الثورة عمر المحيشي وبشير هواري، ورفض الولايات المتحدة تصدير طائرات نقل حربية كانت ليبيا قد تعاقدت عليها، وتظاهر طلبة الجامعات في بنغازي ضد النظام، أعلن القذافي تطهير القوات المسلحة، وحل الاتحاد الاشتراكي، واستبداله بما أسماه "مؤتمر الشعب العام"، وحل مجلس قيادة الثورة، وقيام الجماهيرية العظمى الليبية (1976/1977). كذلك في أعقاب فشل أحد مشروعات البحث عن المياه، التي ورث القذافي مخططها من العهد الملكي، وهو مشروع الكفرة، والذي استثمر فيه عدة مليارات من الدولارات دون طائل، جاء من أقنع القذافي بمشروع بديل وأكثر طموحاً، وهو ما أطلق عليه اسم "النهر الصناعي العظيم"، أو كما وصفته دعاية القذافي (قبل أن يبدأ) بأنه سيكون "أعجوبة العالم الثامنة". والمشروع، الذي بدأ في أواخر الثمانينيات، ينطوي على حفر آبار عميقة في أقصى جنوب الصحراء الليبية، وحيث دلت المسوح الجيوفيزيائية على وجود مخزون مائي ضخم من عصور جيولوجية سحيقة. ثم نقل هذه المياه عبر أنابيب إسمنتية ضخمة، لمنع تبخرها، إلى المناطق الساحلية. وقدرت التكلفة الأولية للمشروع وقت الإعلان عنه بـ 27 مليار دولار أمريكي ـ أو ما يزيد عن 50 مليار بأسعار 2005. وفي رأي كثير من الخبراء، أن مشروع "النهر الصناعي العظيم"، وقد تكشفت النتائج المخيبة للآمال بعد إتمام مرحلته الأولى عام 1993، هو من قبيل المشروعات المظهرية، والتي يطلق عليها اسم "الأفيال البيضاء"، لضخامتها وقلة عائدها.

4ـ نرجسية فتى الصحراء السينمائي: يحلو للقذافي أن يبدو كما لو كان زعيماً أصيلاً، وفياً للتقاليد الليبية الصحراوية ـ القبطية. من ذلك إصراره على الإقامة الرسمية في "خيمة"، وعلى ارتداء الأزياء الليبية التقليدية. بدلاً من الزي الغربي (الجاكيت والبنطلون) الذي أصبح هو النمط السائد في معظم أقطارنا العربية منذ القرن العشرين بين معظم الرسميين ورجال المال والأعمال والمشتغلين في المؤسسات الحديثة. ولا بأس من التمسك بالتقاليد، ومنها ارتداء الأزياء الأهلية الشرقية، والتي تختلف من بلد عربي إلى آخر، بل بين مناطق مختلفة في نفس البلد. وقد تمسك معظم عرب الخليج بأزيائهم التقليدية، ولاسيما الرسميون والمسؤولون منهم (وهي العباءة والجلباب والحطة والعقال على الرأس)، ومن ثم لا بأس أن يفعل القذافي ذلك، من حيث المبدأ. ولكن ما يجعل من هذا السلوك تعبيراً عن نرجسية صارخة هو ما تنطوي عليه الممارسة من استعراضية مبالغ فيها، تضعها في عداد العروض السينمائية "الهوليودية". فالملابس، ولو أنها تحمل بعض ملامح الزي الليبي القبلي، زاهية الألوان وذات تصميمات أنيقة، ونادراً ما يصادف أي زائر مثيلاً لها في كل ليبيا، أو يرتديها أي ليبي آخر. وقد اتضح مؤخراً أن القذافي يتعامل مع عدة بيوت أزياء عالمية (مثل ماكس فاكتور، وإيف سان لوران، لتفصيل هذه الملابس خصيصاً له، وله وحده. فلا نجد مسؤولاً ليبياً آخر، ولا أحداً من أفراد أسرته مسموحاً له أن يرتدي مثلها.

تنعكس هذه النرجسية أيضاً في إحاطة القذافي نفسه بحرس خاص من أجمل وأصح الفتيات الليبيات. وهو الوحيد في ليبيا الذي يخص نفسه بهذه التقليعة اللافتة للأنظار. هذا علماً بأنه في السنوات الأولى للسلطة، وحتى صدور الجزء الثاني من الكتاب الأخضر (1978) كانت مقولاته عن النساء متخلفة للغاية. فقد كان الرجل إلى ذلك الوقت يعتقد أن "حيض المرأة" في مكانة متدنية لا تسمح لها بممارسة أي من أعمال الرجال، ومن ثم لا يمكن أن تتساوى معه، ولكن، كعادة القذافي، فهو لا ينسى فقط أو يتناسى شطحاته السابقة، ولكن أيضاً يناقضها بشطحات لاحقة. ولعل تجنيد النساء، وانتقاء أجملهن لحراسته الخاصة، يقول لنا الكثير عن نرجسية الرجل.

6ـ الجملوكية الليبية: أخيراً وليس آخراً يبدو أن القذافي، مثل كل المستبدين الذين تلعب العظمة بعقولهم وقلوبهم، قد عزم على أن يعدّ أحد أبنائه لوراثة السلطة من بعده. وهذا ما فعله حافظ الأسد في سورية من قبل (عام 2000)، وما كان يخطط له صدام حسين إلى أن دهمه الغزو الأمريكي في عقر داره (2003)، وكذلك هذا نفسه هو ما يخطط له الرئيس المصري حسني مبارك، وربما ما يخطط له الرئيس اليمني عبد الله صالح. لقد تواترت هذه الظاهرة، وهو ما دفعنا منذ ست سنوات إلى نحت مصطلح جديد، هو "الجملوكية"، وهو شكل هجيني خليط من "الجمهورية" و "الملكية". ونرجسية القذافي هنا ليست في اعتقاده بأنه عبقري زمانه فحسب، ولكن في أن هذه العبقرية "تورّث" أيضاً، ومن ثم فلابد أن يرث الحكم عنه أحد أولاده، مثل سيف الإسلام، أو حتى إحدى بناته مثل الأميرة عائشة .

ـ 6 ـ
بداية النهاية

كان السقوط المدوي لكبير المستبدين العرب، صدام حسين (2003) جرس إنذار لبقيتهم. فمن كان منهم يعادي الولايات المتحدة ـ مثلما كان صدام حسين ـ فإنه سارع في البحث عن طرق ووسائل للتراجع وخطب الود. وكان معمر القذافي أولهم وأسرعهم.

فبعد أن كان يتحدى الغرب عموماً وأمريكا خصوصاً طوال الثلاثين عاماً السابقة، توقف عن ذلك بعد سقوط صدام، وبعدما لاوع وراوغ في قضية نسف طائرة ركاب بان آم الأمريكية فوق بلدة لوكربي، فإنه سارع فجأة بقبول المسؤولية ودفع تعويضات سخية لعائلات الضحايا تجاوزت في مجموعها ألفي مليون دولار، أي بمعدل عشرة ملايين دولار لكل عائلة. كذلك سارع بالاعتراف بأن لديه موارد وتكنولوجيا وخطط إنتاج لأسلحة دمار شامل بيولوجية وكيماوية، وهو ما كان ينكره من قبل، وأنه الآن على استعداد لاستقبال بعثة دولية من الخبراء للتفتيش على هذا النوع من الأسلحة، وللإشراف على عملية تدميرها والتخلص منها نهائياً. كما عرض القذافي دفع تعويضات لأسر ضحايا تفجير طائرة ركاب فرنسية ونادٍ ليلي في ألمانيا. باختصار تحول القذافي بعد سقوط بغداد من مشاكس وإرهابي دولي إلى "حمامة وديعة" تبغي المصالحة والمواددة مع من كان يعاديهم طوال ثلاثة عقود.

وتباينت تفسيرات هذا الانقلاب المفاجئ في سلوك معمر القذافي. فأغلبية المراقبين يرون أنه بعد سقوط بغداد، والطريقة المهيمنة التي تمّ بها القبض على صدام حسين في حفرة كان يختبئ فيها تحت الأرض وهو أشعث الوجه ويرتدي أثمالاً بالية، فإن القذافي أيقن بالحقائق الجديدة للنظام الدولي ذي القطب الدولي الأمريكي الأوحد، وأنه ربما يستطيع أن يجري أو يشاكس، أو يهرب إلى حين، ولكنه لن يستطيع أن يختفي من أمريكا إلى الأبد. ومن ثم سلم لها تسليماً كاملاً وذليلاً. ولكنه في كل الأحوال يظل أفضل حالاً من صدام حسين.

أما التفسير الثاني، فيذهب إلى أن ثمة عملية "مصالحة"، وليس استسلاماً، مع أمريكا والغرب، وأن هذه المصالحة بدأت قبل حرب العراق، على يد ابن القذافي، سيف الإسلام، والذي كان يدرس في جامعة لندن منذ عام 1999. وهو الذي أدرك أن سلوك أبيه، واستمرار عناده، يؤدي إلى طريق مسدود في أحسن الأحوال، وإلى الهلاك في أسوأ الأحوال، وأنه هو الذي أقنع معمر القذافي بتغيير ممارساته. وسواء أخذنا بالتفسير الأول أو الثاني، فإن النتيجة هي هي: وهي التسليم أو الاستسلام، ولكن بأسلوب أقل ذلاً وإذلالاً مما حدث لصدام حسين، أو الذي يوشك أن يحدث لبشار الأسد. بل يذهب بعض المراقبين إلى أن القذافي ما زال مراوغاً من الطراز الأول، وأنه بتراجعه هذا الذي رآه العالم في السنوات الثلاث الأخيرة، يشتري بعض الوقت لنفسه في السلطة. وأهم من ذلك، يشتري فرصة لابنه، سيف الإسلام، الذي يقوم بدور الغراب أو السمسار الوسيط بين أبيه والغرب، ولكن حتى إذا صحت هذه التخمينات، فإنها تعني أن نظام القذافي كما عرفه الليبيون والعرب والعالم قد قارب نهايته. فحتى إذا بقي معمر القذافي في السلطة لعدة سنوات قادمة فإنه لن يكون قادراً على الاستمرار في ممارسة الاستبدادية المعتادة. فهيبة القذافي تتآكل، وأركان نظامه يضعفون، وجدار الخوف الذي أحاط بالليبيين يتشقق. لذلك لا بد للقيود أن تنكسر، ولا بد لفجر ليبي جديد أن ينبلج. والله أعلم.

سعـد الدين إبراهيم
القاهرة: 1/1/2006
________________________________________________

(*) مقدمة كتبها المفكر السياسي البارز الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون، للطبعة العربية لكتاب الدكتور منصور عمر الكيخيا "القذافي وسياسة المتناقضات" (مركز الدراسات الليبية، أكسفورد، 2007). وإذ ينشر المركز هذه المقدمة إلكترونياً، على حلقتين، يأمل أن يلقى الكتاب ما يستحقه من الإقبال والعرض والدراسة من المهتمين والباحثين.
لشراء نسخة من الكتاب اضغط على الوصلة التالية : http://www.libya-watanona.com/news/cls/ls15057a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home