Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

الخميس 21 مايو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(1)

بمناسبة حلول الذكرى الستين لاستقلال برقة سينشر مركز الدراسات الليبية مجموعة من رسائل خاصة كان يبعث بها المؤرخ الراحل نقولا زيادة لزوجته مارغريت بصورة شبه يومية عندما عمل لفترة قصيرة مساعداً لمدير المعارف في برقة صيف عام 1949.

كثير من هذه الرسائل تؤكد ما ذكره الأستاذ إبراهيم صهد، قبل عام، في مقاله (التعـليم.. التعـليم.. قبل فوات الأوان) أن بلادنا رغم إمكاناتها القليلة بعد الاستقلال "خاضت تجربة فريدة في مجال التعليم، وقامت بنهضة علمية حقيقية، قلبت الموازين في أعوام قليلة".*

لقد انطلقت النهضة التعليمية في برقة منذ أن رجع الأمير محمد إدريس السنوسي من المنفى، وتؤكد رسائل المؤرخ الراحل مدى اهتمام رجال ليبيا الأوائل بقطاع التعليم، وحرصهم الشديد على تطويره رغم فقر البلاد والدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية.

كان نقولا زيادة حاضراً في بنغازي يوم أعلنت برقة استقلالها في الأول من يونيو عام 1949، ومن هناك وصف الحياة السائدة فيها، ودوّن ملاحظاته وانطباعاته عن البلاد وأهلها. وفور رجوعه من برقة ألف كتاباً عنها سماه "الدولة العربية الثامنة"، وذلك قبل أن تصبح برقة جزءاً من "المملكة الليبية المتحدة" باتحادها مع ولايتي طرابلس وفزان عام 1951.

ليس من عادة المركز أن ينشر شيئاً من إصدارته في المواقع الإلكترونية، ولكن بادرنا إلى اختصار بعض هذه الرسائل ونشرها؛ ليعرف جيل الانقلاب في الداخل، الذي ليس له نافذة على الرأي الآخر إلا عبر المواقع الإلكترونية، الفرق الهائل بين ليبيا الأمس، يوم كان يتولى أمرها الحكماء بمواردها اليسيرة، وبين ليبيا اليوم حين صار أمرها للسفهاء يبذرون المليارات من ثروات البلاد على نزواتهم وكأنها "فكة" ملاليم يريدون تخليص جيوبهم منها. يوسف المجريسي

* * *

"رسائل من برقة"

21/5/1949

عزيزتي مرغريت،1
هؤلاء المساكين، كما تعرفين، ينشئون شيئاً من لا شيء. لقد حملهم الإيطاليون على الجهل تسعة وعشرين سنة، لذلك فمهما جاء منهم، فهو خير كبير. إن المعلم كان يُدخل الطلاب إلى الصفوف بعدّ منظم، وكان الطلاب، وهم حفاة، يرفعون أقدامهم ويضعونها بترتيب يحمل على الإعجاب.

كان اتجاهنا من بنغازي إلى توكرة شرقاً. لكن بعد خروجنا من توكرة اتجهنا جنوباً، واتجهنا نحو الجبل الأخضر. وكان أول ما لفت نظري إلى أننا بدأنا نتسلق (نصعد) أن السيارة، عفواً الباص، خفف من سيره. ثم فاجأتنا في أول الطريق لوحة كبيرة كتب عليها Tocra Pass Steep road. ممر توكرة طريق صعب. والتَوَت الطريق، وتبعها الباص متعبا، فليس في هذه البلاد إلا سيارات متعبة. وانتهى هذا السهل الأملس تقريباً، وأخذت أطراف الأودية تبدو على اليمين وعلى الشمال. وبدت بعض الأنجم والأشجار الصغيرة، مثل البطم والخروب القزم على الجانبين، ولم تلبث أن ظهرت بعض صنوبرات من الصنوبر الإفريقي. ولكن هذه الأودية تبدو طفلة إذا قوبلت بأودية لبنان، وهذه الجبال تبدو قزمة إذا قورنت بجباله. أما ما يكسوها من أنجم وأشجار فلا يزيد عن قليل منها مبعثرٍ هنا وهناك.

وانتهينا من ممر توكرة، فإذا بنا على أعالي الجبل الأخضر، من جهته الشمالية. وأود أن ألفت نظرك إلى شيء هام، وهو أن الجبل الأخضر ليس مجموعة من الجبال أو من سلاسل الجبال، ولكنه هضبة متسعة. إنه سهل عال في أكثر أجزائه، ويمتد عشرات الكيلومترات على هذا الشكل. فمن انتهاء الممر إلى براكه، إلى المرج، إلى الرزّا، لا يعدو ذلك. ثم يعود إلى مثل هذا بعد البَيْضاء أو سيدي رافِع، حتى نطلّ على دَرْنَة وسهلها. أمّا بين الرزّا والبَيْضاء فثمة مجموعة من الأودية الصغيرة، تأتي من الهضبة، وتلتقي معاً في وادي الكوف (الكهوف)، الذي هو أشبه ما يكون بوادي الزرقا، بين عمان وجرش، لكنه خال من الماء، ولا يمتلئ إلا في الشتاء، في فصل المطر. على أنه، وهو عميق وجميل وخطر، لا يبلغ في هذه كلها ما تبلغه أودية بلادنا ولعل مطلع باب الواد، من الرملة إلى القدس، هو أقرب الأماكن إليه. وفي هذه المنطقة يبدو شجر السرو، ويكثر نسبيا شجر الصنوبر.

وهذا السهل المرتفع، الجبل الأخضر، خصب. فتربته حمراء أو زهرية خفيفة، وهي من النوع الصالح للقمح والشعير والقثاء والبطيخ. وحيث تصبح التربة خليطاً من الكلسية والحمراء تقوم الكروم. وهذا واضح في الأرض. ولكن حتى هنا القسم المستغل منه قليل. ذلك أن البرقاويين عددهم قليل نسبياً. أضيفي إلى ذلك أن السكان يغلب عليهم بعدُ حب التنقل. فالبداوة أصيلة في نفوسهم، لذلك فهم يزرعون مرة ويهملون أخرى.

وفي هذا الجبل الأخضر يرى السائر آثار هذه الأبنية المنظمة التي أقامها الإيطاليون في هذ البلاد لأبناء جنسهم، بعد أن طردوا العرب منها وأقْصوهم عنها إلى جهة خليج سِرتَه (سِرْت) الصحراوي غرباً. أنت ترينها على شكلين. فالأول هو قرى كبيرة تحتوي كل مجموعة منها على كل ما يلزم للقرية الكبيرة – مزارع، سوق، كنيسة، مركز للإدارة، دور للسكن. وحول هذه كلها بقايا الحدائق الغناء، التي أهمل أكثرها أيام الحرب، ولم يُصلَح منها إلا القليل، حتى لقد سرني كثيراً أن لمحت حديقة جميلة معتنى بها في الرزاز. والنوع الثاني هو دُورُ مزارعٍ فقط. وهذه تقوم على جانبي الطريق، على أبعاد منظمة، وكل دار تكفي لعائلتين، وأمامها وخلفها وعلى جانبيها شجيرات، بقي منها قراميها (جذوعها) في الأرض، وتحيط بها قطعة واسعة من الأرض تصلح لزراعة الحبوب أو الأشجار المثمرة أو كليهما. وخلف هذه الدار أقيمت دار أخرى للحيوانات التابعة للمزرعة.

أقول آثار لهذه الدور،2 لأن الكثير منها خرب أو تلف أثناء الحرب، وكثير خرب أو تلف نتيجة للإهمال أو سوء الاستعمال. فهذه الدور الأنيقة يقيم فيها من لا يعرف قيمتها الآن، وخاصة المزارع المنفردة. وأبوابها، التي عريت من خشبها، تسدها حصر أو قطع من التنك، أو تنكات تُملأ تراباً، بدل الحجارة، وتُطّين في الأبواب والشبابيك المعراة. وبعض هذه الدور تقطنها الحيوانات، بينما يقيم أصحاب الحيوانات في خيم قريبة منها. وقد كان بجانبي في الباص مراقب التذاكر، وهو برقاوي، وكنت أسأله عن الأماكن والأشجار وغير ذلك، فقال لي: "إن بعض هذه الدور تأوي إليها الحيوانات، مثل تلك (وأشار إلى دار بالذات)، وأحواض البانيو فيها تستعمل لسقي الحيوانات. أما أصحابها فيعيشون في تلك الخيمة المضروبة قرب البناء."

أما في القرى والمدن الصغيرة، فالبيوت يسكنها أهل القرية والمدينة، والدكاكين يحتلها أصحاب الحوانيت. وهذه أكثر عمراناً من المزارع المنفردة. والحكومة تعتبرها أملاكاً للعدو، ويشرف عليها حارس لأملاك العدو، ويتقاضى من السكان أجرتها. وقد تكون أجرة الدار 40 أو 50 قرشاً في الشهر.

ويخيل إلي يا عزيزتي أن سياسة الإيطاليين كانت ذات وجهتين: مدينة للمستعمرين، وأخرى بدوية للسكان. وهؤلاء ظلوا بدواً، فلما رجعوا إلى أرضهم، عادوا بدواً. وسيمر عليهم وقت طويل إلى أن يصبحوا حضراً، وهم في طريق ذلك، ولكن بتدرج ودراية. ويرجع الفضل في ذلك إلى السياسة الحكيمة التي يتبعها سمو الأمير ورجاله، وإلى الإرشاد الذي تقدمه الإدارة البريطانية هنا.

أما من لم يرحل عن بلاده من السكان، فقد عمل الإيطاليون على "طلينته". وهذه الطلينة، التي قامت على الخراب، نجحت إلى درجة ما. فالسكان هؤلاء يتكلمون الإيطالية. وحتى عند تكلُّمِهم بالعربية يمزجون بها كلمات إيطالية. وقد بدا لي ذلك جلياً اليوم في هذه الساعات الثلاث التي قضيناها في الطريق، وقد كان هناك ركاب باصنا، وركاب باص آخر كان آتيا من درنة إلى بنغازي، وبعض سائقي تركّات (شاحنات) آخرين. وقد اجتمع الكل يتكلمون، ولاحظت حديثهم. فقد قال أحدهم، مثلاً، وهو يعلل انحراف سيارة الجيش، إن السائق انحرف بها شمالاً "من أجل السلڤاري اللبوليس" وسلڤاري الكلمة الإيطالية للنجاة.

ولكن ليس هذا هو الدليل الوحيد على نجاح الطلينة الجزئي. فهناك مثلاً انتشار أكل المعكرونة في هذه البلاد، ليس في بنغازي وحدها، ولكن في الأماكن الصغيرة في الطريق. ففي مطعم المرج والبيضاء والقبة (Berta)، عندما تسألين عن الأكل الموجود يقولون معكرونة، وشوربا، ثم يأتي دور الروستو وغيرها.

ومع أكل المعكرونة دخلت طريقة أكلها. فالبرقاوي يمسك الشوكة ويغزها بالمعكرونة، التي تترك حبلاً طويلة، ويلف الشوكة ويأكلها، وهو فلاح عادي. وقد رأيت أربعة من أهل البيضاء وخمسة من أهل درنة اليوم يأكلونها بهذه الطريقة.

وصنع القهوة تأثر البرقاويون فيه بالإيطاليين. ففي كثير من الأماكن تصنع القهوة بالفلتر، ويضاف إليها السكر، بدل أن تغلي على طريقتنا. وإن كان ثمة مقاهٍ لا تزال تغليها على طريقتنا طبعا.

وشيء آخر قبسه أهل هذه البلاد عن الإيطاليين هو تقديم السلطة – سلطة الخس والبندورة والبصل مع الخل – مع الطعام.

ولكن هذه الفائدة القليلة جاءت عفواً، وجاءت قسراً، وقد دفع الليبيون ثمنها غاليا. فأجلاهم الطليان، الأقليّة، عن دورهم ومنازلهم قسراً، ورموا بهم إلى الجوع والعطش. وجهّلهم الإيطاليون فمنعوا عنهم التعليم، إلا أقله. ومنعوا عنهم الكتب، حتى إن اقتناء الكتب كان أمراً يعاقب عليه في ذلك العهد البغيض. وحرموهم العمل في الصناعات مهما كان نوعها، ومن هنا لا تجدين في هذه البلاد عمالاً مهرة أو صناعّاً ما. فكل ما يحتاجه الناس يأتون به من الخارج. ودائرة الأشغال العامة تجد صعوبة كبيرة في الحصول على نجارين أو حدادين أو دهانين مهرة يمكنهم القيام بالأعمال الفنية، حتى البسيط منها.

لقد امتص الإيطاليون عصارة القوم، وتركوهم بلا نشاط ألبتّه. والذي نراه الآن من نهضة القوم إنما يرجع سببه إلى أن الشعب يتمتع بقوى كثيرة في جيله الجديد، لكنها بحاجة إلى توجيه.

وبعد أيتها العزيزة فقد اقترب الليل من منتصفه، وآن لي أن آوي إلى الفراش. لقد كنت أتمنى لو كنت معي اليوم، خاصة لما كنت أرى شيئاً جميلاً، لكن عندما كان "يطبّ" الباص في حفرة في الطريق، كنت أقول الحمد لله أن مرغريت جُنّبت هذا. وهذه الحفر كثيرة، وخاصة بين المرج ودرنه (225 ك.م.). ولما وصلت درنة تأكدت لو كنت راكبة مثلي، لما استطعت أن تجلسي على كرسي أو غيره، لأن مقعدك سيكون متعباً مضنياً. ومع ذلك، فليتك كنت معي، فأنا في شوق لك كبير. تصبحين على خير، ولك ولرائد قبلة كبيرة كبيرة جداً.
________________________________________________

* http://www.libya-watanona.com/adab/sahad/is25058a.htm
1. هنا صفحتان مفقودتان تبدأ بهما الرسالة، ولم نعثر عليهما بين النسخ التي بين أيدينا.
2. أي يسمي هذه الدور (آثاراً) لخرابها وهجرة الناس لها.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home