Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

Saturday, 19 May, 2007

 

في طبائع الاستبداد : معـمر القذافي(*) (1)


د. سعد الدين إبراهيم

ـ 1 ـ
مناظرة كاشفة

رغم بعد المسافة الجغرافية بين العراق وليبيا، ورغم الاختلاف في السياق وفي تفاصيل كثيرة، إلا أن خيوطاً عديدة تجمع بين ظروف البلدين المنكوبين. ولعل أهم هذه الخيوط على الإطلاق هو "الاستبداد"، الذي يبدأ باسم أيديولوجية ما، ثم سرعان ما تتحول هذه الأيديولوجية إلى ذريعة للطغيان، وإلى إبادة البشر، وإلى تجميع وتركيز السلطة في أيدي عدد محدود من الحكام، ثم في أيدي حاكم واحد منفرد، يستبد بالرأي، ويطغى في السلوك، ويفتتن بذاته، فلا يرى ولا يسمع ولا يشم ما يدور حوله، ولا يحس بالرياح ولا حتى العواصف التي تهب عليه. والنهاية دائماً واحدة لا تتغير مهما كانت التفاصيل. فالمستبد الطاغية حينما يواجه بالحقيقة المرة في نهاية المطاف، فإنه ينهار، ويتحول إلى نمر من ورق. وقد شاءت الظروف والصدف أن ألتقي وجهاً لوجه مع كل من طاغية العراق، صدام حسين عام 1975، وطاغية ليبيا معمر القذافي عام 1997. ولأن هذه المقدمة تخص ليبيا، فإنني سأسرد هنا فقط، ظروف وطبيعة لقائي، أو بتعبير أدق المواجهة بيني وبين العقيد معمر القذافي، فهي نموذج درامي مصغر ومكثف لشخصية الرجل، وأسلوبه في اتخاذ القرار، ومن ثم مأساة شعبه الذي عانى الكثير، ليس من استبداد الرجل فحسب، ولكن أيضاً من تقلباته وانقلاباته أيضاً. وهو ما يتناوله الدكتور منصور عمر الكيخيا ـ توثيقاً وتحليلاً وتفسيراً ـ في هذا الكتاب الرائع "القذافي وسياسة المتناقضات".

بدأت قصة المواجهة بأحد قرارات معمر القذافي الانقلابية عام 1997، حينما أعلن فجأة أن ليبيا ستنسحب من الجامعة العربية، وتعود إلى "أصولها الإفريقية فقط..." وأسقط في يد كثير من العرب، وخاصة القوميون الوحدويون منهم. ونظّم بعضهم حملات إعلامية، وأرسلوا وفوداً إلى العاصمة الليبية تناشد معمر القذافي التراجع عن قراره والإبقاء على "عروبة ليبيا"، واستمرار عضويتها في جامعة الدول العربية!

وضمن حملة المناشدة هذه، تصدت الفضائية العربية المعروفة "قناة الجزيرة" لتقود معركة استعادة ليبيا إلى حظيرة العروبة. وكانت القناة ما تزال جديدة على ساحة الفضائيات، وحققت سبقاً في حينه بحديث مع القذافي تحدى فيه أي زعيم أو مفكر عربي يناظره أو يساجله حول هوية ليبيا الإفريقية وغير العربية. وسعت قناة الجزيرة إلى عدد من الزعماء العرب، ولكنهم اعتذروا جميعاً عن مناظرة القذافي، فحاولت مع مفكرين عرب من أصحاب النزعات العروبية الوحدوية، ولكنهم اعتذروا عن المهمة أيضاً، إلا واحداً، وهو هذا الكاتب سعد الدين إبراهيم.

وبالفعل تمت المناظرة أو المواجهة على الهواء مباشرة، لمدة ساعتين، في برنامج "الاتجاه المعاكس". وأدار المناظرة صاحب البرنامج الذي ذاع صيته فيما بعد، وهو د. فيصل القاسم. وكان شرطي الوحيد هو المساواة الكاملة في الوقت، بالدقائق والثواني، وعدم مقاطعة أي منا (القذافي وأنا) للآخر، أثناء الحديث على الهواء. كان المذيع فيصل القاسم يسأل، ويرد عليه القذافي فيما لا يتجاوز خمس دقائق، ثم أقوم أنا بالإجابة عن نفس السؤال أو بالتعليق على إجابة القذافي، وأيضاً فيما لا يتجاوز خمس دقائق. وفي الساعة الثانية من البرنامج كانت توجه لي الأسئلة أولاً، فأجيب عنها، ثم يأتي الدور على القذافي ليجيب عن السؤال نفسه، أو للتعليق على إجابتي. وهكذا.

ولن أقرر هنا، من منا فاز في تلك المناظرة التاريخية الفريدة. فالمشاهدون هم الذين يحكمون. ولكن ملاحظاتي على أداء القذافي هي الآتي:

1. كان مجرد اضطرار القذافي للالتزام بوقت محدد في كل فقرة مصدر ارتباك ملحوظ. فلم يتعود الرجل في أحاديثه أو خطاباته العامة الالتزام بوقت محدد، إذ تعود خلال الثمانية وعشرين عاماً السابقة على أن يقبض على الميكروفون وينطلق في حديث مرسل، بين استحسان حقيقي أو وهمي من مستمعيه. ونادراً ما كان يرد عليه أو يراجعه أحد.

2. كذلك لم يتعود القذافي أن يقول له أحد في وجهه ومباشرة إنه على خطأ، ويسوق له الدليل الدامغ أمام المشاهدين على هذا الخطأ. من ذلك ادعاؤه أن "العرب" خذلوه في معركته ضد الولايات المتحدة في مسألة طائرة الركاب التابعة لشركة بان أميركان (Pan American) التي جرى تفجيرها فوق بلدة لوكيربي باوسكتلندا. وهنا سارعت بتصحيحه، أن الذين خذلوه، إن كان ثمة خذلان، ليسوا المائتي مليون عربي، ولكن زملاؤه الحكام العرب العشرون الآخرون. فعليه أن يكف عن لوم العرب أجمعين. حتى خذلان الأنظمة الحاكمة العربية له، ربما كان لأنه هو نفسه خذل تلك الأنظمة في مواجهات مماثلة. ورصدتُ عدة مواجهات للعراق، مثلاً، مع النظام الإيراني، ثم مع الولايات المتحدة. ورصدت مواجهات مماثلة للنظام السوري (مع إسرائيل وتركيا)، ومواجهات للنظام اليمني (مع إثيوبيا وإيرتيريا)، ومواجهات للنظام الجزائري (مع فرنسا والولايات المتحدة). ولم يقف النظام الليبي في أي من هذه المواجهات مع الأنظمة الشقيقة، فلماذا يتوقع هو أن يقف معه الآخرون في مواجهته لأمريكا؟ ولم يستطع القذافي الرد، رغم أن فيصل القاسم كرر عليه بإلحاح أن يرد. تجاهل الرجل هذا الإلحاح، واكتفى بالنظر إلى سقف الصالة التي جرت فيها المناظرة. وحقيقة الأمر أنه لم يكن يملك رداً.

3. أما بيت القصيد في المناظرة، وهو تخلي ليبيا عن هويتها العربية واحتفاؤها بهويتها الإفريقية فقط، فقد جاء القذافي إلى المساجلة مسلحاً ببعض المراجع الأنثربولوجية، عن أصول الأجناس. وبدا لي الرجل حديث عهد بالموضوع، ولكنه فرح بالاكتشاف، كمثل طفل اقتنى لعبة جديدة. وأكاد أجزم أن واحداً من المنافقين أو الوصوليين خدع القذافي أو ضلله بهذه المقولات الأنثربولوجية السطحية ونصف المكتملة. ولم تدم بهجة القذافي طويلاً، حيث قمنا بتفنيد حججه، سواء من حيث الأصول الأمازيغية ـ الفينيقية لكل سكان شمال أفريقيا قبل الفتح العربي ـ الإسلامي في القرن السابع الميلادي، أو الأصول العربية التي جاءت مع ذلك الفتح، أو خلال حكم الفاطميين بعد ذلك بقرنين. وفي كل الأحوال فإن هوية أي شعب أو أمة لا تصنعها فصيلة الدماء، بقدر ما تصنعها الجغرافيا والتاريخ والثقافة. وأسقط في يد القذافي، ولم يعلق وعاد إلى تأمل سقف الصالة.

4. في أحد المداخلات سألت القذافي عما إذا كان قد استفتى الشعب الليبي حول قرار تغيير هويته. ويبدو أن السؤال كان مفاجأة له. فقد تردد وتلعثم قبل أن يجيب، "بأنه يعرف شعبه حق المعرفة، وليس بحاجة إلى استفتائه لكي يتخذ القرار" فعلقت ساخراً، "أليس هذا ما يدعيه كل الطغاة؟". ولم يرد القذافي.

5. في الملاحظات الختامية قبل نهاية المناظرة، قلت إنني لست منزعجاً من قرار الأخ معمر القذافي بتغيير هوية ليبيا، فالهوية ليست حذاء أو رداء نلبسه أو نخلعه حيثما طاب لأي منا. ويقيني أن الأخ معمر القذافي لن يغير لغته التي يتحدث بها، وهي العربية، ولن يخرج من الجامعة العربية. وإذا خرج اليوم فإنه حتماً سيعود بعد شهر أو سنة. وما أكثر رجوعه عن مثل هذه القرارات. لقد مرت على هذه المناظرة ثماني سنوات، وصدقت توقعاتنا. فما زال القذافي يتحدث العربية، وما زالت ليبيا عضواً في جامعة الدول العربية. إن الجغرافيا والتاريخ والثقافة أقوى مني ومن القذافي، وهي تتحمل الكثير من عبث العابثين، حتى لو اختاروا لأنفسهم، كما فعل صاحبنا، لقب "الأخ... قائد الثورة".

ـ 2 ـ
ثالوث الاستـبداد والفساد والخراب

مهما كانت موارد أي بلد من ثراء، فإن استبداد حكامها لا بد، إن آجلاً أو عاجلاً، أن يجلب عليها الخراب. وهناك عادة مرحلتان وسيطتان بين الاستبداد والخراب، أولاهما الفساد الداخلي، والثانية المغامرات الخارجية.

ويحدث الفساد الداخلي لغياب المساءلة والمحاسبة. فالحاكم المستبد لا يقبل شريكاً في السلطة، ولا حسيباً له في الثروة. وكما يوثق الدكتور منصور الكيخيا في هذا الكتاب، أزاح معمر القذافي كل زملائه من الضباط الأحرار، ومجلس قيادة الثورة، خلال السنوات الثماني التالية للانقلاب العسكري الذي شهدته ليبيا في 1/9/1969. وكان عام 1975 عاماً فاصلاً لاستئثار القذافي بالسلطة. فقد انتهز وقوع محاولة انقلابية قام بها عضوان من مجلس قيادة الثورة ـ هما عمر المحيشي وبشير هواري ـ لكي يتخلص من كل مناوئيه من الضباط الأحرار وغيرهم من رجال القوات المسلحة. ومع حلول عام 1977، أعدم 22 ضابطاً ممن قيل إنهم كانوا ضالعين في تلك المحاولة الانقلابية. ثم تخلص من مجلس قيادة الثورة، بحله وإعلان ما أسماه قيام "الجماهيرية"، لكي تحل محله. وهو أسلوب مضطرب وشكل هلامي من أشكال الحكم، لم يفهمه أحد وقتها، ولم يزل مستعصياً على الفهم، رغم مرور ما يقرب على ثلاثين عاماً منذ الأخذ به.

ولكن "الجماهيرية" هذه، بما تنطوي عليه من "لجان شعبية"، أو "لجان ثورية" أو "المؤتمر الشعبي"، ثبت للمراقبين أنها آليات للتعبئة، دون مضمون حقيقي أو مشاركة فعلية في حكم البلاد. بل إن كل الشواهد أكدت أن هذه الأشكال والآليات مكنت القذافي من ثلاثة أهداف ميكافيلية. أولها، امتصاص طاقة الشباب الليبي في الإيحاء لهم بأنهم يشاركون في "الثورة". وثانيها، إطلاق النزعات العدوانية لهؤلاء الشباب على أعدائه بدعوى أنهم "أعداء الشعب والثورة". وثالثها، وضع أقاربه من العشيرة والقبيلة تدريجياً من خلال هذه اللجان في الأجهزة الحساسة للدولة والمجتمع. وفي نفس الوقت ظل القذافي ممسكاً بكل خيوط السلطة. فهو "الحكم" بين اللجان حينما تتضارب قراراتها، وهو "الحكيم" حينما ينشب الخلاف بين اللجان والمؤتمر الشعبي! وباختصار، أصبحت "الجماهيرية" وأخواتها آليات للفساد السياسي. فمن وراء أستارها الشعبوية، التي لا تخضع للتقنين أو التقييم أو الحساب، صعد كثيرون وهبط كثيرون. واتخذت مئات القرارات العشوائية في كل مناحي الحياة، دون خطة واضحة تندرج تحتها أو ضمنها معظم هذه القرارات.

وضمن هذه العشوائية ما اتخذته اللجان، أو المؤتمر الشعبي، وباركه أو "رضخ" له الأخ القائد بالنسبة للاقتصاد. فقد تم تأميم كثير من الأعمال والملكيات المتوسطة والصغيرة. ولما ساد العجز أو الفوضى في إدارتها، تم هجرها والتخلي عنها أو إعادتها لأصحابها، أو استبدال التأميم بالضرائب التصاعدية، وبشكل متعسف. وهو ما كانت محصلته، بعد عشرين سنة من انقلاب الفاتح من سبتمبر، ما يشبه الشلل الكامل للحياة التجارية وللقطاع الخاص. ولا أدل على ذلك من تدهور سعر الصرف، وانتشار السوق السوداء. فبعد أن كان الدينار الليبي في أوائل السبعينيات يساوي 3.4 دولار أمريكي، إذا به ينخفض في السوق السوداء إلى (ثلث) دولار. أي أن الدينار انخفض إلى أقل من (عشر) قيمته خلال العشرين عاماً الأولى من عهد القذافي، رغم استمرار تدفق النفط، والارتفاع المضطرد لأسعاره.

ومن مظاهر الخراب الذي جلبه استبداد القذافي حدوث ما يشبه المجاعة في ليبيا عام 1984، إذ بلغ النقص في موارد الطعام والسلع الاستهلاكية مرحلة حرجة للغاية.

أكثر من ذلك بدأت ليبيا الغنية بالنفط والمحدودة سكانياً تستدين من الخارج، حتى وصلت ديونها في منتصف التسعينيات إلى عشرة مليارات دولار. ولا تفسير لهذا الخلل الاقتصادي إلا سوء إدارة الموارد، أو نهبها، أو الإنفاق الكبير على مشروعات مظهرية، مثل "النهر العظيم"، أو المغامرات العسكرية، مثل غزو شمال تشاد (1980-1987)، ومن قبلها إرسال وحدات عسكرية إلى أوغندا لدعم رئيسها المستبد عيدي أمين (1979). هذا فضلاً عن تحرشات واشتباكات حدودية مع مصر (1977)، وتقديم دعم مادي لكل الحركات المتمردة ـ من الفيلبين في جنوب شرق أسيا إلى الجيش الجمهوري في أيرلندا الشمالية.


دكتاتور ليبيا مع دكتاتور أوغندا عيدي أمين

والشاهد هنا أيضاً أنه رغم عشرات المليارات التي أنفقها القذافي على هذه وغيرها من المغامرات الخارجية، فإن واحدة منها لم تنجح، لا في تحقيق أهدافها المعلنة ولا في خدمة أي مصلحة ليبية، ولا حتى في تمجيد أو تحسين صورة القذافي محلياً أو عربياً أو دولياً، بل العكس هو الصحيح على طول الخط.

ـ 3 ـ
جماهـيرية الرعـب

من الأساليب المعتادة للمستبدين عموماً، والعرب منهم خصوصاً، إشاعة الخوف في شعوبهم، ونشر الرعب في خصومهم، والفتك بأعدائهم. وقد تنافس في هذا الصدد ثلاثة أنظمة عربية في الربع الأخير من القرن العشرين" صدام حسين في العراق، وحافظ الأسد في سورية، ومعمر القذافي في ليبيا. وقد وثّق المنشق العراقي كنعان مكية، في كتابه "جمهورية الخوف" (1990) الألف طريقة وطريقة التي استطاع بها صدام حسين أن يملأ قلوب أبناء شعبه بالريبة والشك في بعضهم ببعض. ثم كيف أصبح الجميع يتوجسون من ضرباته المفاجأة. كما أن حافظ الأسد لم يتورع عن دك مدينة كاملة من مدن سورية التاريخية وهي مدينة حماة (الشهباء)، عام 1982. لقد كان يتعقب عشرات من خصومه من الإخوان المسلمين، الذين هربوا، واختفوا في المدينة. وبدلاً من تضييق الخناق عليهم لكي يستسلموا ويقبض عليهم، ويحيلهم إلى المحاكمة، إن كانوا ارتكبوا أفعالاً أو جرائم يعاقب عليها القانون، اختار الأسد أن يقذف مدينة حماة كلها بالقنابل، فدمر قلب المدينة على من فيه تدميراً شاملاً. وتفاوتت تقديرات ضحايا هذا القذف المجنون، ما بين خمسة آلاف وخمسين ألفاً. وحتى إذا أخذنا بالعدد الأصغر (5000)، فإنه يكون أضعاف من قتلتهم الطائرات والقوات السورية من الإسرائيليين في كل حروبها مع إسرائيل!

طبعاً كان الأسد، مثله مثل صدام حسين، لا يستهدف فقط بضع عشرات من معارضيه، ولكنه كان أيضاً، بل وربما أساساً، يريد أن يلقن كل شعبه درساً، ويشيع في قلوبهم خوفاً، وفي كل كياناتهم رعباً، تتحدث عنه الركبان لسنوات، إن لم يكن لأجيال. وحتى يخضع له الجميع، ويطيعوه طاعة عمياء. وهذا بالضبط ما فعله معمر القذافي في ليبيا وشعبها.

كذلك تضمنت ردود الفعل الأجنبية على عبث القذافي بسيادتها، قطع العلاقات الدبلوماسية. وهو ما فعلته بريطانيا عام 1984 في أعقاب إطلاق النار من مكاتب السفارة الليبية على مظاهرة احتجاجية، أودت بحياة شرطية بريطانية. فبمجرد ما استتب له الأمر في ليبيا في الأسابيع الأولى التي أعقبت استيلاءه على السلطة، دون مقاومة تذكر من نظام ملكي عجوز وضعيف، بدأ القذافي البحث عن خصوم وأعداء فعليين أو مفترضين يمكن أن ينازعونه السلطة أو ينتزعوها منه، كما فعل هو ورفاقه مع الملك إدريس السنوسي وحاشيته. وحامت شكوكه حول رفاقه من الضباط وطلبة وخريجي الجامعات، فهذه الفئات هم الأكثر تعليماً ووعياً وقلقاً وطموحاً. لذلك كان القذافي يتحين أي بادرة قلق أو تذمر من أحد هذه الفئات ليفتك بها وبأمثالها، وبالجملة.

من ذلك ما فعله مبكراً مع زميلين سابقين هما آدم الحواس وموسى أحمد، وقد اتهما بمحاولة انقلابية عليه لمجرد اختلاف في وجهات النظر حول توقيت قرار لتأميم البنوك الأجنبية في لبيبا خلال الشهور الأولى من الاستيلاء على السلطة. وهو ما رآه الزميلان قراراً متعجلاً وسابقاً لأوانه. وأصبح اتهام المعارضين من "الضباط الأحرار" بمحاولات انقلابية أسلوباً معتاداً عند القذافي للتخلص منهم والاستئثار بالسلطة. ومن ذلك إعدام 22 ضابطاً اتهمهم بمحاولة الانقلاب على ما أسماه بثورة الفاتح في أغسطس 1975. وإمعاناً في ترويع الآخرين من المعارضين المحتملين، فقد أمر بشنق اثنين من قيادات الحركة الطلابية، متهماً إياهم بنفس التهمة.

ثم بعد ذلك بدأ حملة منظمة للفتك بمعارضيه في الداخل، بل تعقب الكثيرين منهم في الخارج. وقد استكثر عليهم وصف المعارضين أو المنشقين، فأطلق عليهم بدءاً من عام 1980 وصف "الكلاب الضالة". وأطلق الليبيون على نفس هذه السنوات والتي امتدت إلى منتصف التسعينيات وصف "الحقبة السوداء". وتضمنت اغتيالات أو اختطافات لمعارضين ومنشقين في الخارج، في بلدان عربية وأجنبية ـ شملت مصر وسوريا وتونس والمغرب، وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. ولم يكتف القذافي بأفراد أجهزته الأمنية لتنفيذ حملة "الكلاب الضالة" هذه، بل استأجر قتلة محترفين من مواطني البلدان الأجنبية التي لجأ إليها المعارضون للقيام بهذه المهام القذرة ـ والتي شملت الرسائل المتفجرة (على طريقة الموساد الإسرائيلي) والسيارات الملغومة، ونسف المنازل أو الشقق السكنية بمن فيها من معارضين وذويهم من نساء وأطفال.

وقد انطوت "الكلاب الضالة" على المساس بسيادة الدول التي صال وجال فيها عملاء القذافي وبينهم من استغلوا حصانتهم الدبلوماسية. وكان القبض على بعضهم متلبسين بارتكاب "الجرم المشهود" مدعاة لمظاهرات معادية للقذافي في عواصم أوربية، منها لندن وروما وفيينا، شارك فيها مواطنو هذه البلدان مع ليبيين من المعارضة في المنفى. وتراوحت ردود فعل الدول الأجنبية تجاه هذا العبث الرسمي الليبي، من الاحتجاج إلى إعلان أن ليبيا "دولة تدعم الإرهاب". وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي رونالد ريجان عام 1981. وعلى سبيل الردع، قامت طائرة مقاتلة أمريكية بإسقاط طائرتين ليبيتين فوق خليج سرت. ودأبت الولايات المتحدة على استخدام هذا الأسلوب في الردع مع القذافي. ومن ذلك ما قامت به من غارات جوية على زوارق خفر السواحل وقاعدة للصواريخ في خليج سرت، أدت إلى مصرع 200 ليبي عام 1986. وهو ما حاول عملاء القذافي الرد عليه بتفجير طائرة ركاب "البان ام"، السالف الذكر.

أما أشهر جرائم القذافي على الإطلاق فقد كانت ضد أحد ضيوفه من لبنان، وهو المرجع الشيعي موسى الصدر، الذي اختفى في ليبيا في ظروف مريبة، مع اثنين من مرافقيه، في نهاية أغسطس عام 1978، ثم اختطاف وزير خارجية ليبيا الأسبق، منصور الكيخيا من أمام فندقه بالقاهرة في ديسمبر عام 1993.
________________________________________________

(*) مقدمة كتبها المفكر السياسي البارز الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون، للطبعة العربية لكتاب الدكتور منصور عمر الكيخيا "القذافي وسياسة المتناقضات" (مركز الدراسات الليبية، أكسفورد، 2007). وإذ ينشر المركز هذه المقدمة إلكترونياً، على حلقتين، يأمل أن يلقى الكتاب ما يستحقه من الإقبال والعرض والدراسة من المهتمين والباحثين.
لشراء نسخة من الكتاب اضغط على الوصلة التالية : http://www.libya-watanona.com/news/cls/ls15057a.htm


 

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home