Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

السبت 6 يونيو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(6)

الاثنين 6/6/1949

كان اليوم عطلة، بمناسبة العنصرة. ولكنني ذهبت إلى المكتب واشتغلت لأن العمل كثير. على أنني لم أعمل إلا نحو ساعتين. وعدت إلى المنـزل، حيث تغديت، واسترحت، وقرأت، ثم خرجت فالتقيت بالدكتور عودة، واجتمعنا بالسيد محمود مخلوف، وهو من الشباب المليح جداً، وعضو في جمعية عمر المختار. وهذه الجمعية سياسية، وغايتها توحيد ليبيا بكاملها. وتحدثنا في الشؤون العامة هنا، واقترحنا على السيد مخلوف بوجوب أن تتقدم الجمعية إلى الأمير لوضع نفسها تحت تصرفه، خشية أن يعمل الواشون على الوقيعة، واقتنع بوجهة نظرنا. ووضعت له صيغة ما يجب أن يقال للأمير. وقد سر بذلك سروراً كبيراً.

بعد ذلك ذهبنا – أمين وأنا – لزيارة القاضي البستاني، حيث قضينا نحو الساعة. وقد أطللت من شباك في دار القاضي على ساحة هي البستان البلدي، وخلفه عمارة متهدمة كثيراً، كانت فيما مضى – في أيام الإيطاليين – برلمان برقة، وكانت أيضاً قاعة المحاكمات السياسية، وفيها حوكم عمر المختار، بطل برقة في جهادها ضد الطليان.

أحسب أنه من المناسب أن أتحدث هنا قليلاً عن جمعية عمر المختار، وعن الدور الذي قامت به لما تصافت مع الأمير.

أنشئت جمعية عمر المختار في الإسكندرية سنة 1941. كان أعضاؤها الأول جماعة من الشباب الليبي المعني بقضية بلاده. كان يومها الأمير إدريس منفياً في مصر، ولعله كان يرعى الجمعية عن بعد. وقد اضطرت الجمعية إلى الاقتصار على النشاط الرياضي والاجتماعي العادي، لكن الأعضاء كانوا، في خفية وحيطة، يعملون في المجال السياسي. ولما حررت برقة من الإيطاليين (1943) انتقل عدد من أعضاء الجمعية إلى بنغازي. وهم أصلاً برقاويون، فكان من الطبيعي أن يستقروا هناك إلى أن يبت في أمر البلد الكبير: ليبيا.

عنيت الجمعية في بنغازي بالفقراء والمحتاجين، فآستهم وساعدتهم، واهتمت بالرياضة والكشافة، وأنشأت صفوفاً لتعليم الأميين، كما نظمت، عن طريق جمع التبرعات، إرسال بعض الشباب لمتابعة دراستهم في الخارج.

ومع شدة عناية الجمعية بالنواحي الثقافية فقد اضطرت إلى التوقف عن إصدار مجلتها "عمر المختار"، بسبب النفقات الباهظة.

في الناحية السياسية كانت الجمعية تسعى إلى أن تكون ليبيا وحدة سياسية كاملة. وكانت، حتى سنة 1949، قضية ليبيا مكان أخذ ورد في أروقة الأمم المتحدة وفي أروقة أخرى. وكان الطليان لا يزالون يحلمون في أن يكون لهم موطئ قدم في ليبيا.

والذي عرفته أنا، بعيد وصولي إلى بنغازي بأيام، هو أن أعضاء مجلس الجمعية الخمسة لا غبار على إخلاصهم للبلاد وقضيتها. لكن الذي عرفته أيضاً أن أولئك الذين يبحثون عن مصالحهم في كل مكان؛ كانوا مستعدين أن يشوهوا سمعة الجمعية كي يفيدوا هم. وتشويه السمعة معناه الإيقاع بين الجمعية والأمير.

وقد تعرفت بعد وصولي بنغازي بأيام إلى محمود مخلوف والحاج مهدي المطردي، وهما من أعضاء المجلس. وقد قامت بيننا صلة طيبة تحولت إلى صداقة متينة. فكانت أحاديثنا، في أكثر الأوقات، تتعلق بليبيا ومستقبلها. وأنا كامرئ كان قد فقد بلده، كنت أخشى على كل قطر عربي أن يفلت من أيدي أصحابه.

الثلاثاء 7/6/1949

مساء الخير أيتها الحبيبة.

مرّ بي اليوم الحاج عبد الهادي مرتضي، وهو شاب من شباب جمعية عمر المختار؛ مرّ بي في المكتب، وتحدثنا عما تحدثت أمس مع محمود، بوجوب مقابلة الأمير. وقد سرته الفكرة، وأعدت على مسامعه الصيغة التي قلتها أمس لزميله، فأعجب بها. وقد عرفت في المساء، الساعة السابعة، أن وفد الجمعية سيزور سمو الأمير يوم الخميس الساعة التاسعة والنصف صباحاً فسرني ذلك.

بعد ظهر اليوم، في الساعة 5.40، حضرنا حفلة شاي أقامها المؤتمر الوطني على شرف سمو الأمير، في قصر الأمير. وقد حضرها رجال المؤتمر الوطني، ورجال الإدارة البريطانية، وتكلم فيها رئيس المؤتمر الوطني، وهو أخو سمو الأمير، ثم رد عليه سمو الأمير. وانتهت الحفلة بذلك. وكانت جماهير كثيرة خارج القصر تستمع للخطابين بواسطة الميكروفون، وتهتف بحياة سمو الأمير.

الخميس 9/6/1949

سيكون الليلة عندنا في المنـزل حفلة وداع للدكتور أمين عوده، لأنه مسافر غداً إلى طبرق. وها أنا أكتب إليك بعد الظهر.

جاءني اليوم مكتوب من عبد الحافظ كمال، من طرابلس. إنه يدعوني لزيارتهم. كان اليوم عطلة عندنا، بمناسبة عيد جلالة الملك جورج، لكنني ذهبت إلى المكتب.

قابلت محمود مخلوف بعد زيارتهم للأمير، وقد كانوا كلهم مسرورين لزيارتهم له، ولأنه عدهم أبناءه، ورجاله. وقد شكرني على فكرتي واقتراحي بوجوب زيارة سمو الأمير.

اتصل بي المستر غوردن وأنا في المكتب، ودعاني لزيارته في البيت الساعة 12 ظهراً. فذهبت وقضيت معهم نحو الساعة، وقد تحدثنا كثيراً عن المعارف والمفتشين. وغوردن قرفان هو الآخر، لكنه لا يدري ما الذي يعمله.

بعد الغداء في المنـزل – استرحت، وها أنا أكتب إليك، حول الساعة الرابعة، وقد صنع الخادم لنا الشاي. وسنذهب بعد قليل (أمين وأنا) لمقابلة ضابط بوليس فلسطيني كان من تلاميذي في عكا، وأرجح أننا سنذهب معه لزيارة أحد الوجهاء الكبار، واسمه الحاج يوسف لنقي. هذا الرجل غني كبير، وقد كان يُمَوّل الأمير أثناء إقامته في مصر. والقصد من ذلك هو توصيل خبر للأمير عن تصرفات السيد علي صفي الدين وغيره من أهل المعارف، وترتيب زيارة لسمو الأمير.

إنني قررت يا مرغريت أن أقبل العمل في بيروت، خاصة وأنه أصبح لمدة ثلاث سنين، وبعد ذلك فليكن ما يكون، والله المدبر. هذا أحسن من جميع النواحي. ولكنني مع ذلك أريد أن تتضح الأمور لدى سمو الأمير. على أنني لن أستقيل الآن. سأستقيل في أوائل آب، أي سأشتغل هنا أربعة شهور وبضعة أيام، وذلك أحسن لنا. على أنني سأكتب للجامعة يوم الأحد أقبل العمل عندهم.

الموظفون هنا – المفتشون والنظار والمعلمون – كلهم أحزاب، وعائلات، وأسر، وجماعات، وكلهم لا يصلحون لشيء. المعلمون الذين لا يخصون الأسر والجماعات والعائلات والأحزاب طيبون جداً، لكنهم قلائل وبعيدون عن بنغازي. وأنا أربأ بوقتي وجهدي من أن يضيعا في مثل هذه الأمور. أنا أحب أن أشتغل في عمل منتج، وعمل الجامعة منتج.

الجمعة 10/6/1949

سافر اليوم الدكتور أمين عودة إلى طبرق، وقد مر بنا في المكتب مودعاً.

وشغلت في الصباح بترتيب ما يتعلق بالامتحان، وعدت إلى المنـزل ظهراً للغداء، واسترحت بعد ذلك، ولكن قبل أن أتحدث عن اليوم، فلأتم لك حديث أمس.

ذهبنا مع سليمان السعدي لزيارة الحاج يوسف لنقي. أمين عودة يفضل أن يرجع إلى بنغازي، لأنه يمكنه أن يستفيد هنا أكثر من العيادة الخاصة. ويهمه أن يتصل بمن يسعى له عند الأمير لمساعدته. أما أنا فبعد أن عرفت رسمياً بخبر العريضة التي قدمت احتجاجاً علي قبل وصولي، أصبحت شديد الرغبة في مقابلة الأمير، لأن الذي قدم العريضة أحد أقاربه.

ومع أننا قضينا ساعة عند لنقي، فأنا واثق أنه لم يكن منها فائدة لأحد. ذلك أن كل واحد هنا – كل واحد من هؤلاء الناس المنفذين، له لسانان، إن لم يكن أكثر من ذلك. وفي هذا البلد رجل واحد قلبه ولسانه واحد، هو سمو الأمير، ولكن لا يصل إليه كل شيء، ولا يتسع وقته لكل شيء، وهذه هي الصعوبة.

على كل لا أعتبر زيارتي للنقي بدون فائدة، لأنني، كما تعرفين، أحب مقابلة الناس.

لما عدنا إلى المنـزل ضج الموجودون منا، فقد تأخرنا – عودة وأنا – كثيراً. وكان العشاء دجاجاً (روستو) وبطاطا وسلطة. وبهذه المناسبة نحن نصرف هنا على الأكل شركة. بمعنى أن أحدنا، وهو سوبر، يضبط الحساب، وفي نهاية الأسبوع يطالبنا، وحسابي للأسبوع الماضي، المنتهي اليوم، هو 302.5 قرش مصري، للأكل وأجرة الخادم (مع لوحين شوكولاته وصابونة)، وقد يكون الحساب في الأسبوع القادم أكثر لأن سفر أمين عودة يجعل حصة كل واحد أكبر قليلاً.

واليوم (الجمعة)، بعد أن استرحت بعد الغداء، جاء لزيارتي أحد نظار المدارس هنا، وتحدثنا عن دراسته للغة الإنكليزية الخ...

وفي الساعة السادسة جاء السيد علي صفي الدين، جاء ليصفي الجو، وليسحب استقالة حامد أفندي. وكان أن فتحت معه قضية العريضة التي قدمها للوالي، وبينت له أنه كان مخطئاً نحوي، وأساء إلي شخصياً، فاعتذر عنها، وليس هذا مهماً بالنسبة لي أبداً. ثم دعاني إلى بيته لشرب فنجان شاي، وهناك جاء حامد الشويهدي، وتحدثنا قليلاً.

وعدت متأخراً عن العشاء، لكنهم كانوا ينتظرونني، وها أنا بعد أن تعشينا، وقرأت قليلاً، جالس أكتب إليك، لكنني سأذهب للنوم مبكراً لأنني أود أن أذهب إلى قاعة الامتحان في صباح الغد.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home