Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

الأربعاء 3 يونيو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(5)

الجمعة 3/6/1949

كان المفتشون لا يزالون مشغولين بإعداد لوائح المعلمين الذين يحتاجون إلى ترقية، ولذلك لم نستطع أن نتم شيئاً. وأؤكد لك أن هذه اللوائح التي اشتغل فيها المفتشون الثلاثة ثلاثة أيام ولم يتموها، كان يمكن لجورج زيادة مثلاً أن ينهيها في يوم واحد، ولكن هذه هي الدنيا. وسار العمل في المكتب على عادته، وأعددنا جزءاً كبيراً من الأسئلة للامتحان.

بعد الظهر حضرت حفلة مدرسة البنات. وهي المدرسة التي زرتها مع المدير في أوائل هذا الأسبوع، وتجدين وصفها في مكان آخر في أول هذه الرسالة. وكانت الحفلة لطيفة، وإنما الظريف فيها في هذه الأيام أنني أحضر الحفلات باعتبار أنني أشغل منصباً كبيراً في المعارف. ولذلك فأنا "سعادة البيك"، والله يطول عمر سعادة البيك، والله يخلي البيك على مساعداته القيمة. وكلام من هذا النوع كثير.

بعد الحفلة أخذنا برتون معه (أنا وأمين) إلى بيته، حيث جلسنا عنده نحو الساعة، ثم عدنا فتعشينا. وقرأت قليلاً، وزرنا الدكتور معوض، وهو الطبيب المسؤول عن المستشفى، ويسكن في شقة من عمارة المستشفى. ولما عدنا من زيارته، وكانت قصيرة، شعرت بالتعب، فاستلقيت بقصد النوم، لكنني لم أغف إلا بعد مدة طويلة من التقلب.

4/6/1949

في ساعة مبكرة جداً من صباح اليوم، أرعدت الدنيا وأبرقت وسقط مطر غزير. أما الرعد والبرق فقد كانا شديدين. وأما المطر فقد سقطت منه كمية كانت كافية لأن تسبب دلفاً في غرفتي. هذا ما حدث في بنغازي في الأسبوع الأول من حزيران.

والطقس كان لطيفاً جداً اليوم، مع أنه يوم الأربعاء الماضي كان الحر شديداً حتى أنني لما خرجت من مكتبي في الساعة الواحدة، حسبت أن باب جهنم كان مفتوحاً. وهذا، على ما يقولون، مألوف في هذه المدينة، فتغير الطقس وتقلبه شيء أصبحنا ننتظره في كل وقت.

كان عندي اليوم اجتماع مع مراقبي الامتحان في بنغازي ودرنة، واتخذنا قرارات بشأنه. ثم جاء بعض المدرسين المصريين يستأذنون بالسفر المبكر، فسمحت لهم على شرط أن ينهوا أعمالهم قبل السفر، فوعدوا بذلك وشكروني.

في الساعة الحادية عشرة ذهبت مع المستر غوردن إلى قصر المنار، وهو الذي يسميه الناس هنا "الديوان"، وهو قصر الأمير. وهناك قيدنا أسماءنا في سجل التشريفات الذي وضع خصيصاً بمناسبة عيد الاستقلال. وبعد توقيع الأسماء، عاد المستر إلى المكتب أما أنا فأرسلت بطاقتي إلى سكرتير الأمير الخاص الدكتور وهبي البوري، وهو برقاوي ويحمل دكتوراه في الفلسفة، ومن الشباب الممتاز. فجاء بنفسه يستقبلني. وبعد حديث مقتضب حول الاستقلال وما يتبعه أدخلنى على عمر منصور باشا الكيخيا، رئيس الديوان العالي. فبقيت عنده نحو ربع ساعة.

وعمر منصور باشا برقاوي أيضاً، وقد ساح في أوروبا في سنتي 1911 و1912، وكان عضواً في مجلس المبعوثان العثماني قبل الحرب العالمية الأولى، وله تاريخ طويل في حياة هذه البلاد.

وعمر منصور باشا أنيق في مظهره، لطيف في معشره، شديد العناية بشؤون بلاده، كثير الاهتمام بالتعليم والمدارس.

ولما عدت إلى مكتبي بإدارة المعارف، ومكتبي هو طاولة في غرفة المدير نفسه، كتبت إلى الدكتور البوري رسالة، وطلبت فيها أن يلتمس لي موعداً للتشرف بمقابلة سمو الأمير.

وبهذه المناسبة لما كنت عائداًَ إلى البيت ظهر اليوم، رأيت سمو الأمير في سيارته الخاصة الصغيرة، في طريقه إلى بيت سعادة الوالي، حيث كان مدعواً للغداء.

بعد الغداء استرحت، وقرأت، ونزلت قبيل السادسة لأفتش عن رسالة منك، فعرفت أن الرسائل أخذت كلها إلى الرياسة، والمكتب يكون مقفلاً، فلأتركها إلى الغد لعلي أستطيع أن أحصل على شيء صباح الأحد، هذا إذا كانت ثمة رسائل لي.

لقد أشرت إليك من قبل أن مجيئي هنا أحدث زوبعة. فقد بلغني أن أحد موظفي إدارة المعارف من أفراد العائلة السنوسية رفع عريضة احتجاج إلى الوالي قبل وصولي بأيام، يعترض فيها على تعيين فلسطيني غريب في منصب يجب أن يتولاه واحد من أهل البلاد. لكنني لم أعرف تماماً كل ما جاء في العريضة. واليوم وقعت العريضة في يدي مصادفة، فقرأتها، وهي في صفحتين كاملتين. وحقاً يقول المعترض أن الفلسطيني الغريب لا يجوز له أن يتولى منصباً هاماً في المعارف، ولكن الأغرب من هذا يا مرغريت هو أنه يقول: "لما كان مساعد مدير المعارف إنكليزياًَ كانت الأمور ماشية على خير ما يرام؛ لكن لماذا يؤتى اليوم بفلسطيني غريب ليتولى هذا المنصب؟"

وقد عرفت أيضاً أن سمو الأمير نفسه حدث الوالي بشأني، وقال إن منصب مساعد مدير المعارف يجب أن يكون لبرقاوي.

هذه هي القضية، وهذه هي التحية التي قابلني بها هؤلاء القوم، وهؤلاء القوم هم الذين لهم رأي في الأمور. على كل سأخبرك عن أي تطور في القضية.

والآن أيتها العزيزة ليحفظك الله تعالى، ولتكوني بخير وعافية. تصبحين على خير.

الأحد 5/6/1949

تجدين مع هذه الرسالة رسالة إلى مأمور البريد في سوق الغرب أطلب فيها منه أن يسلمك التحارير التي تصل باسمي ولو كانت مسوكرة (بالبريد المضمون). وعلى كل إذا جاءت رسالة من هذا النوع، ولم يرض بتسليمها لك، فاطلبي إليه أن يرسلها بالبريد الجوي وضعي عليها الطوابع اللازمة، وإلا تأخرت كثيرا حتى تصلني.

قرأت رسالتك وأنا في مكتب الرياسة، وكان أحد الموظفين الإنكليز هناك مسؤولاً عن المكتب ممن أعرف، فجلست أتحدث إليه قليلاً. وفي الساعة العاشرة والنصف مررت أمام "الديوان"، فوجدت طلاب بنغازي وطالباتها مع المعلمين والمعلمات ومفتشي المعارف أمام القصر. فوقفت أتأكد من النظام. ولم يلبث أن أطل سمو الأمير من شرفة قصره، وخطب في الطلاب حاثاً إياهم على العلم والفضيلة والأخلاق القويمة، شاكراً لهم مجيئهم لتهنئته والتبريك له بالاستقلال.

وقصر الأمير هذا هو المكتب الذي تصرّف فيه الأعمال، أما قصر السكن (الغدير) فإنه خارج قصر المنار، وقد بناه غرازياني سفاح ليبيا مقراً له. وهو فخم واسع أنيق، يطل على البحر، ويمتد أمامه الشارع الرئيسي في المدينة، وقد جعل له غرازياني منارة مرتفعة، وكان اسمه في أيام الإيطاليين (قصر غرازياني)، أما الآن فاسمه قصر المنار. ويرفرف عليه العلم السنوسي، وهو علم أسود فيه هلال ونجمة بيضاء.

كتبت لك في آخر رسالة الأمس (تاريخ 4/6/1949) خبر العريضة التي قدمت إلى الوالي احتجاجاً على تعييني. وقد عرفت اليوم أنه قبل وصولي إلى هنا كان هناك اقتراح من الحكومة هنا إلى وزارة الخارجية بلندن برفع معاش مدير المعارف (الإنكليزي) إلى الدرجة الأولى، على أن يرفع معاش زياده (هكذا كان الاقتراح) إلى الدرجة الثانية (أي إلى 900 جنيه في السنة). هذا الاقتراح قدم قبلاً. وسأحاول أن أعرف في هذا الأسبوع ما إذا كان هذا الاقتراح بعد قائماً، أو ما إذا كانت الإدارة هنا قد عدلت عنه. وسأجرب – بعد أسبوع أو اثنين – أن أطلب مقابلة رسمية مع السكرتير العام أو الوالي لبحث هذه المسألة. ولكن الذي يمنعني إلى الآن هو أنني أعرف كل هذه الأمور بطريقة خاصة، وليس مفروضاً أنني أعرفها. لذلك سأنتظر حتى تتيسر لي معرفتها رسمياً.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home