Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
مركز الدراسات الليبية ـ اكسفورد
The Centre For Libyan Studies - Oxford

الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

الأثنين 1 يونيو 2009

"رسائل من برقة"
بقلم المؤرخ الراحل الدكتور نقولا زيادة

(4)

بنغازي 1/6/1949
مساء الخير يا حبيبتي.

كان من المقرر أن نستمر في اجتماعنا الخاص بترقيات المعلمين. ولكن المفتشين ارتأوا أن يذهبوا أولاً إلى المدارس في أنحاء البلاد ليتأكدوا من فتحها، ثم يعودوا إلى قضية الترقيات. ومع أننا وافقناهم على ذلك، فقد انقضى الصباح كله وهم لا خرجوا إلى المدارس، ولا أتموا العمل الذي جاءوا العاصمة من أجله. وقد استمر عملي أنا في تنظيم شؤون الامتحان ووضع الأسئلة وقراءة ملفات المناهج والبرامج.

بعد الظهر، حول الساعة السادسة، تركت المستشفى إلى البلد، فمررت بالسوق فإذا به مقفل، ومن تأخر في إقفال دكانه كان يسرع بذلك. ولما وصلت ميدان البلدية وجدته خالياً من الناس، فسألت أحد الناس فقال: القوم مجتمعون حول القصر، وقال آخر: أعلن الاستقلال.

والواقع أنه في الساعة السابعة من مساء اليوم أعلن الأمير أن برقة استقلت، وأن السلطات ستنتقل إلى يده. أعلن هذا في المؤتمر الوطني الذي كان مجتمعاً في القصر. والمؤتمر الوطني هو جماعة من الوجهاء والأعيان اختارهم الأمير ممثلين لقبائلهم وعشائرهم وقراهم ومدنهم، وعددهم حول 150، ولهم مجلس أعلى فيه نحو 40 فقط. أعلن الأمير الاستقلال في القصر بحضور المؤتمر الوطني، ثم قام الوالي1 فخطب بالنيابة عن الحكومة البريطانية، فاعترف بحكومة الأمير، وهنأ البلاد والشعب.

وكان الشعب يسمع ذلك بواسطة الميكروفون خارج القصر ويهتف للأمير ولبرقة، لكن هتافاتهم شملت طرابلس أيضاً.

كنا مدعوين – أمين وأنا – على العشاء عند يوسف ألبينا، وزوجته أرمنية حدثتك عنها من قبل واسمها (Peggy). وقد أعدت لنا كوسى محشي، ولحمة بطحينة (الطحينة جلبها زوجها من مصر مؤخراً. أما هنا فلا يعرفونها أبداً. وكذلك لا يعرفون الحلاوة الطحينية) ومدمس (حمص). وقلنا لهم إن هذا احتفال بعيد الاستقلال.

وعدنا بعد العشاء، قبل قليل، وذهب أمين إلى الفراش، لكنني آثرت أن أتحدث إليك هذا الحديث أولاً.

وألبينا يسكن في دار هنا في الطابق الرابع، قرب ميدان البلدية، وفيها 9 غرف. وقد صرف مبلغ 150 جنيهاً لإصلاحها، وغرفها مرتبة، فكل غرفة فيها خزانة في الجدار، ومغسل في الجدار أيضاً، بحيث يمكن الاستغناء عن خزانة. لكنها مع أنها مرتفعة فإنها رطبة لأن الشمس لا تصل إليها.

ها أنا انهي هذه الرسالة إليك، وأنا أفكر بهذا اليوم، اليوم الأول من حزيران، 1949، وهذه دولة عربية جديدة على وشك الولادة. فما الذي يكون من أمرها؟ وأفكر بأمر النـزاع بين سورية ولبنان، وما يمكن أن يكون من أمره؟ وهذا العالم العربي كله، ماذا يمكن أن يكون من أمره؟

وأفكر بك، وأفكر برائد، وأفكر بنا نحن الثلاثة أين ينتهي الأمر بنا إلى السكن؟ هنا؟ في بيروت؟ في لندن؟ في؟ في؟ في؟

2/6/1949
يسعد مساؤك يا عزيزتي مرغريت.

ذهبنا إلى المكتب، ولم نكد نستقر حتى جاء من يقول: "إن الأمير أعلن اليوم عطلة عامة". لذلك خرج الموظفون تدريجاً، وخرجت معهم، وذهبت إلى بنك بركليز (Barclays)، ففتحت حساباً لنفسي فيه، فأنا لا أريد أن أحمل معاشي في جيبي.

وبمناسبة التحدث عن النقود، فإننا لما كنا في القاهرة دفعت لي وكالة الإدارة الإفريقية عشرة جنيهات للسفر من القاهرة إلى بنغازي، على أساس السفر براً، وقالت هذا كل ما ينالك، وإذا سافرت بالطائرة دفعت الفرق من جيبك. ولما وصلت هنا قدمت طلباً بالمصاريف، بما في ذلك فرق أجرة الطائرة من الإسكندرية إلى بنغازي (الأجرة 15، لذلك بقي لي 5 جنيهات) وإذا بهم يدفعون ذلك لي أمس. مع أن الدكتور أمين عودة لم يدفعوا له. لذلك أهتم هو بالبحث عن السبب، وقال يجب أن يدفعوا له كما دفعوا لنقولا. فلما فتشوا عن الملفات، وجدوا أن الوالي كان قد أعطى تعليمات من قبل خلاصتها 2"When you find Ziadeh arrange for his transport by air" ولذلك دفع لي المبلغ. وكانت نكتة ضحكنا عليها كثيراً أمين وأنا لما قال هو "إلاّ يا عمي الناس مقامات!"

بعد الغداء، استرحت قليلاً، وفي الساعة الخامسة خرجت مع الدكتور عودة في عربية درنا فيها في شوارع المدينة، ومررنا بقصر الأمير، لعلنا نرى شيئاً عن الاستقلال. وتحدثت إلى كثيرين ممن تعرفت إليهم.

والناس على العموم مسرورون جداً لذلك. لكن يريدون أن تكون ليبيا (برقة وطرابلس) وحدة. وتجدين مع هذه الرسالة عدداً من جريدة برقة الجديدة فيه ما يمكن أن يعتبر تاريخ يوم الاستقلال. فيه خطاب سمو الأمير، وخطاب الوالي، ووصف لما حدث، وأرجو أن تحتفظي به مع هذه الرسائل، فهي كما ترين يوميات لما يحدث في هذه البلاد، والجريدة هي سجل لما حدث أمس واليوم.

بنغازي 2/6/1949
عزيزتي مرغريت، صباح الخير.

هذه هي الرسالة الأسبوعية القصيرة،3 التي لا أدري تماماً متى تصل إليك، ولكن لأحافظ على هذا الترتيب فإنه أفضل.

صحتي جيدة، وقد سرتني أخباركم جداً جداً. وأنا الآن مستريح في غرفتي الجديدة (التفاصيل في الرسالة الطويلة).

أمس أعلن الأمير نفسه حاكماً على برقة، ووافقت الحكومة البريطانية طبعاً على الاعتراف بسمو الأمير محمد إدريس السنوسي أميراً على برقة، وستجدين في الرسالة الطويلة تفاصيل ذلك.
____________________

1. دي كاندول المفوض البريطاني في برقة.
2. عندما تقابلون زيادة رتبوا سفره بالطائرة.
3. الاضطراب في ترتيب تواريخ الرسائل يرجع أحياناً كما يظهر من هذه المقدمة، إلى أن رسائله نوعان: الأولى على شكل مذكرات، والثانية رسائل أسبوعية يرسلها إلى زوجته بالبريد.


الحلقة الأولى الحلقة الثانية الحلقة الثالثة الحلقة الرابعة
الحلقة الخامسة الحلقة السادسة الحلقة السابعة الحلقة الثامنة

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home