Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإثنين 27 ديسمبر 2010

انتفاضة تونس الشعبية

الأبعاد والتأثيرات

الراصد الصحفي

تلاحمت في تونس قوى المجتمع المدني من نقابات عمالية ومهنية مختلفة، بالإضافة إلى الوقفات الرائعة لنقابة المحامين وعموم رجال القانون (أكثر من 300 من المحامين ورجال القانون) تظاهروا لتأييد مطالب الشعب التونسي، وبخاصة الفئات المهمشة والفقيرة ومختلف الشرائح المجتمعية المقموعة التى تناضل من أجل الحرية والعدل والمساواة واستعادة حقوقها المسلوبة.

ومما لاشك فيه أن الحركة النقابية والحزبية في تونس قد لعبت دوراَ جوهريا عبر التاريخ التونسي ومازالت تشكل رافدا مهما وفعالا في الحياة السياسية التونسية لا يمكن الاستهانة بها، ولا احد ينكر ذلك على امتداد سنوات طويلة وحتى قبل الاستقلال، حيث بدأت مظاهر تبلور مؤسسات المجتمع المدني في تونس وعلى الأخص القوى النقابية العمالية، ثم تعزز هذا الاتجاه في أعقاب الاستقلال مع فرض هيمنة الحزب الدستوري على مجمل الحياة السياسية، ولكن هذا لم يمنع من بروز مرجعيات فكرية ودينية وثقافية عديدة، بالإضافة إلى وجود وظهور شخصيات وقيادات سياسية وحزبية ونقابية، سواء كانوا ضمن بطانة السلطة أو خارجها، فضلا عن شخصيات مستقلة مرموقة أسهمت في أغناء حراك المجتمع التونسي في عهدي بورقيبة وزين العابدين بن على، لكن يبدو أن الجماهير التونسية في السنوات الأخيرة  بدأت تفقد صبرها، مع زيادة حالة التهميش التي طالت حتى الفئات المتعلمة من خريجي الجامعات التونسية، الذين أصبحوا يشكلون رقما مهما في معادلة البطالة، إلى جانب مئات الآلاف من التونسيين الآخرين حيث دفعتهم هذه الظروف، إلى اختيار وسيلة النزول إلى الشارع للتعبير عن موقفهم.    

إن الانتفاضة في تونس، بعد تجاوز يومها الرابع عشر، أكدت على صمود الشارع التونسي وأثبتت  بالدليل القاطع قدرة الجماهير على مواصلة النضال السلمي، لفترة زمنية ليست بالقصيرة من اجل تحقيق مطالبها، ولعل أهم تجليات هذه الانتفاضة ما كشفته من أن الطبقة السياسية الحاكمة، إما أنها معزولة عن محيطها الاجتماعي، فلا تلمس همومه واتجاهات رأيه، أو أنها تتظاهر بالارتباط بهذا المحيط لكنها ترتبط معه من اجل مصالح ومكاسب شخصية طمعا في استمرار حصولها على التأييد للبقاء في الحكم والسلطة.

 مايحدث في تونس اليوم يجب إلا ينظر إليه بالمنظور المحلى الداخلي،من زاوية أنه مشكلة داخلية تونسية، بل هو سيناريو قابل للتحقق و يتكرر في غيرها من الدول العربية الاستبدادية، التي تعانى من نفس الاحتقان السياسي وربما بصورة اكبر وتفرض حالة من الجمود السياسي، وحكامها يوغلون في النهب والفساد تهميش شعوبهم تحت مختلف التبريرات والحجج.

 وهذه الانتفاضة انعكاس وتعبير حقيقى عما  قد يحدث في العديد من الاقطارالعربية التي تزداد فيها شرائح وفئات المهمشين الذين تم تجاهل مطالبهم وحقوقهم على امتداد سنوات بل وعقود طويلة.

إن غياب العلاقة العضوية بين الحكام والشعوب قد أوصلها في كثير من الأحيان إلى درجة تقترب من الانفجار، فالمجتمعات العربية كما أشار الدكتور المرحوم بإذن الله محمد عابد الجابري في كتابه عن (الديمقراطية وحقوق الإنسان) قائلا "الأنظمة العربية تعيش اليوم صراعات مختلفة متداخلة وهو صراع أجيال"، وما يحدث في تونس وغيرها من الدول العربية هو أن أجيالا متعطشة لأداء دورها فى العطاء والبناء قد جرى تهميشها وتم القضاء على حقها في الحياة الكريمة والحلم بمستقبل زاهر.

مشكلة الأنظمة العربية هي أنها حصرت السلطة والثروة في ايدى الحكام الذين استفردوا بكل شئ وتجاهلوا بالكامل تبعات ومسؤوليات وظائفهم تجاه شعوبهم، وانحصرت مهامهم في البقاء في كراسي الحكم والسلطة بالاستعانة بالأجهزة الأمنية والتدليس على الشرعية، فمنهم من غير (أي الحكام) الدساتير لتصبح مفصلة على مقاسهم، ولتخدم أهدافهم في البقاء على رأس السلطة واستمرارهم في كراسي الحكم بصورة أبدية، أو كما قام بعضهم بالتجديد لأنفسهم لولاية الحكم مرات عديدة، أو البعض الأخر الذين تحايلوا على الشعوب بالقول بأنهم لا يحكمون.

أهمية حركة الشارع ودورها في التغيير:

حركة الشارع ستبقى دائما هي حركة الجماهير، وهي الحركة التي تعبِّر عن النبض الحقيقى والمؤشر الصحيح لقياس ومعرفة اتجاهات الرأي العام ومواقفه مما يجرى حوله، وحركة الجماهير في الشارع هي المحدد الرئيسي أو المحدد الأول والأخير لقيادة التغيير، ومشاركة مؤسسات المجتمع المدني من نقابات عمالية أو مهنية في الانتفاضة والتظاهرات هو في حقيقته استجابة وامتثال لنداء الشارع وغضبه من عملية التهميش.

والتجربة التاريخية عن دور الجماهير وحركتها في الشارع وقدرتها على التغيير تمدنا بالأمثلة التي صنعت الثورات الفعلية وليس انقلابات القلة، فالثورة الفرنسية والثورة الروسية والثورة الإيرانية التي شاركت فيها الجماهير قدمت أمثله فعالة وقادرة على إسقاط اعتي الطغاة والأنظمة الفردية الاستبدادية.    

إن خروج الجماهير إلى الشارع تقوى من شوكة حركة التغيير وتضعف من قوة أي نظام، خاصة إذا تورط معها  في المواجهة، وحينما يحظر نظام ما الاحتجاج على الخطوط الحمراء، فإن تحرك مجموعة من المواطنين ولو بأعداد صغيرة أو رمزية يؤكد للجمهور العريض بإمكانية الفعل الجماعي، وتشكل هذه الحركة جسراَ جديداً يبنى ويقنع بقية الجماهير والقوى المترددة والمحجمة عن المشاركة بالمساهمة الفعالة في حركة الشارع التي يمكنها أن تقود التغيير .

عدوى الانتفاضة

الانتفاضة التونسية قد يكون لها أبعادها وتأثيراتها على المدى المنظور والبعيد، حتى لو تم إطفاء لهيبها والتخفيف من حممها وتسكين جراح أصحابها تهديداَ أو عنفاَ أو تحايلا، كما جرت العادة في الوطن العربي، ولكن هذه الحركة تحمل في أحشائها مولد حركة الشارع العفوية في مواجهة الحكام في العالم العربي المتمرسين خلف السلطة والمتشبثين بكراسي الحكم.

في مصر، قد لا يكون هنا مجالا يتسع لسرد دور الأحزاب المصرية في قيادة النضال السلمي ضد المستعمر بالاجنبى ثم في عهد الملك فاروق وتحريك الجماهير في الشارع، واليوم قد تبدو حركة كفاية التي تضم نخب مصرية بالإضافة إلى شرائح وفئات مختلفة من المجتمع المصري لا تقود انتفاضة بالمعنى الموجود في تونس، ولكنها لعبت دور ريادي في اللجوء إلى الشارع، وعلى الرغم من عدم مشاركة أعداد كبيرة وامتناع المواطنين من المساهمة الفعلية، في الاحتجاجات المتكررة والانضمام إليها لتشكل زخما شعبيا واسعا، إلا أن ذلك لم يقلل من دورها  في الشارع المصري.

ولعل هناك أسباب قد يعزوها البعض إلى ضعف دور وهامشية الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في الشارع المصري، وعلى الأخص ضعف نقابات العمال التي جرى احتواءها وتفريغها من مضمونها من قبل السلطة، وضعف الاتحادات والقوى الطلابية في هذه المرحلة بالذات، مع ذلك ينبغي التأكيد على الدور المميز الذي لازالت تلعبه نقابتي الصحفيين والمحامين في مصر من أهمية بالغه في الكثير من الحراك الداخلي .

في اليمن، حالة من التطاحن ومخاطر للحرب الأهلية والسبب هو الاستبداد الذي تمارسه السلطة على رأسها الانقلابي العسكري على عبد الله صالح وأسرته، فمن تجاهل للمطالب والحقوق لحراك سكان الجنوب اليمنى ( الحراك الجنوبي) في التنمية المتوازنة والحصول على حقوقهم من الثروة ونصيبهم فى المشاركة السياسية، إلى استخدام العنف والقمع لكل الأصوات المطالبة بالعدل وبالمساواة فى المواطنة، وليس بعيدا عن ذلك أصوات المعارضة اليمنية المقموعة في الشمال وعلى وجه الخصوص فى العاصمة صنعاء والمحافظات المجاورة لها، وما تتعرض له المعارضة اليمنية من منع وقمع وتنكيل وتعديلات دستورية تسلبها الكثير من حقوقها السياسية بحجة المحافظة على أمن واستقرار البلاد، يضاف الى كل ذلك تعقيدات ملف الحوثيين ومطالبهم الثقافية والتنموية التي تم تجاهلها لسنوات عديدة، حتى دفعت بهم إلى خوض صراع مسلح مع السلطة يخفت تارة ليعود بعدها ويندلع من جديد .

 وفى ظل هذه البيئة الموبوءة بالاستبداد والفساد على مستوى السلطة وإداراتها، وجدت جماعات "القاعدة"  أرضية خصبة لتنمو وتترعرع وتضرب في كل اتجاه .

السيناريوهات المحتملة في ظل هذا الوضع المتحجر بوجود العسكري على عبد الله صالح، قد يكون انفصال الجنوب عن الشمال كما حدث بفعل سياسات العسكري الانقلابي عمر البشير في السودان، أو سيناريو صوملة اليمن لتصبح حرب قبائل بين داحس والغبراء، وأفضل سيناريو (لو أن الأمر بالتمني) هو وقوع انتفاضة شعبية تقود إلى الاطاحه بدكتاتور اليمن وأحداث تغيير يلبى متطلبات وطموحات الشعب اليمنى. 

في ليبيا ومنذ السنوات الأولى للانقلاب أدرك حفنة العسكر وعلى رأسهم  دكتاتور ليبيا معمر القذافى، أهمية ودور مؤسسات المجتمع المدني في قيادة الجماهير وتعبئتها للنزول للشارع، فعمل للقضاء عليها بكل الوسائل والطرق بما في ذلك العنف، ولعل ما حدث للحركة الطلابية في السبعينيات من مجازر ليس ببعيد عن الأذهان، وانتهى الأمر بحل الاتحادات الطلابية الحرة لكي  تؤسس على أنقاضها "اتحادات" تابعة للسلطة يقودها الأتباع، ولتستمر بعد ذلك الحملة "الثورية" المحمومة ضد نقابة المحامين وضد نقابات أخرى، وضد الصحفيين، وضد أصحاب التيارات والآراء والاجتهادات الفكرية والسياسية، وضد كل ما هو منظم وغير حكومي وحر، لتبدأ مرحلة أخرى من التهميش وانخراط مؤسسات المجتمع المدني في تبعية كاملة وشاملة للسلطة، وعلى وجه الخصوص تبعية للقذافى كحاكم وكمركز تدور حوله جميع الشؤون في ليبيا، وفى ظل هذه الحالة من السيطرة جفت منابع الحراك السياسي والنقابي والطلابي، وتم تزييف كل شئ من اجل خدمة الدكتاتور وتكريس آيات الولاء والطاعة له.

في السنوات الأخيرة شهدت ليبيا فرص ضائعة للانتفاضة، ولكنها تراكمية وقد تثمر في المستقبل إذا أدرك وأحس كل مواطن وكل تجمع تحت أي مسمى بمسؤوليته وبواجبه وبما يمليه عليه ضميره تجاه المواطنين الآخرين، ووصل به الارتقاء بهذا الإحساس إلى الشعور والاعتراف بأن تغيير الواقع المزري الذي يكابده الجميع، هو مسؤولية جماعية تضامنية وليست مسؤولية فردية أو مجموعة بعينها قليلة العدد أو كثيرة نسبياَ، فمن تجمعات وتظاهرات أطفال الايدز التي جرى احتوائها والالتفاف عليها وإخفاء معالم الجريمة، والتعتيم على من يقف خلفها من المجرمين الفعليين، ثم تظاهرات اهالى وذوى ضحايا مذبحة ابوسليم التي يتم ألان التحايل عليها بشتى الطرق ونزع فتيل انفجارها، بالضغوط والمساومات الفردية والقبلية والإغراءات والترهيب والترغيب والتشتيت، وتقسيمها إلى ملفات مثل الملف الانسانى، والملف المادي، والملف القانوني، حيث تعمل السلطات على تأخير وإطالة الملف الأول بقصد إيقاف التظاهرات الأسبوعية، وربما قد نجحت السلطة في ذلك بالفعل من خلال الإيعاز بإيقافها ولو بصورة مؤقتة، وأخيرا ها هم اهالى وذوى الطائرة الليبية التي جرى تفجيرها فوق ضواحي طرابلس يخرجون بمفردهم دون مؤازرة من احد، وكيف هرعت إليهم وسائل الأعلام المحلية التابعة للسلطة والدائرة في فلكها، لتغطية الحدث، ثم ليصدر إليهم الأمر من "الجهات العليا" بعدم نشر أي شئ حولهم مما قضى على سماع شكواهم وتجاهل مطالبهم.

المستبد القذافى يدعى مد يد العون :

القذافى الذي يعانى عشرات الآلاف من الخريجين ومئات الآلاف من غير الخريجين، من مختلف شرائح وفئات الشعب الليبي في جماهيريته " السعيدة وفردوسه الارضى" من البطالة، يتعمد أن يتجاهل هذه الحقيقة وأثارها المدمر على أعداد كبيرة من أبناء هذا المجتمع، الذين يعيشون حالة مماثلة وربما أسوأ مما هو في تونس، ويمد يده للمستبد بن على لإنقاذه من غضبة وانتفاضة شعبه، من خلال دعوته للتونسيين بالقدوم والعمل في ليبيا متناسيا تاريخه الأسود تجاه الشعب التونسي،وماذا فعل بهم أثناء حكم الرئيس الحبيب بورقيبة عندما طرد الآلاف من المواطنين التونسيين ووضعهم على الحدود بعد أن سلبهم كل حقوقهم ومقتنياتهم ومواردهم المالية.

في النهاية نؤكد على أن حركة الجماهير، أي حركة الشارع، هي وحدها التي بإمكانها أن تحسم الأمور، وحتى يتم الاقتناع والإيمان بهذه الوسيلة من النضال السلمي، يبقى الجميع يراوح بين الانتظار والتمني . 

الراصد الصحفي

 


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home