Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإثنين 27 ديسمبر 2010

التشابه والتقاطع

بين انتفاضة سيدى ابوزيد وانتفاضة بنغازي


سيدي بوزيد                                                            بنغازي

قد لا نستطيع تقديم رصدا دقيقاً لما ستقود إليه تداعيات إنتفاضة مدينة سيدى أبوزيد التونسية، ولا نتنبأ بما ستؤول اليه الاوضاع فى تونس، ولكن نستطيع أن نؤكد أن هذه الانتفاضة قد لمست الضمير العربى المأزوم، وفضحت حالة الصمت التى سيطرت وتسيطر على الاعلام الرسمى العربى، وفى العمق وعلى مستوى الشارع التونسى هذه الانتفاضة اثرت فى المشهد العام، لانها ببساطة انتشرت وعمت فى غيرها من المدن المجاورة، فكان الخروج العفوى للمواطنين حالة معبرة عن الواقع المزرى والبائس الذى خلقته وتجاهلته السلطة القائمة، بل أن هذه السلطة ظلت تتحايل علي هذا الواقع بشتى الطرق والوسائل وتسخر أدواتها الإعلامية لمزيد من التضليل ولتشويه وإخفاء حقيقة وأسباب ودوافع الإنتفاضة، ولعل التفسير الذى لا تستطيع أن تخفيه السلطة التونسية حول ما حدث فى سيدى أبوزيد هو تحرك شعبى عفوى شارك فيه أبناء الجيل الجديد، أنتقل بدوره ألى بعض المدن والمناطق الأخرى حتى وصل إلى العاصمة التونسية، ولا يختلف هذا التحرك كثيراَ عما حدث فى إنتفاضة 17 فبراير فى مدينة بنغازى، التى لمست بدورها بعض المناطق والمدن الليبية فى شرق البلاد.

ومع الإعتراف بوجود خصوصية لكل دولة وشعب، وفوارق فى التجربة والثقافة السياسية وفى الإمكانيات والموراد والثروات، إلا أن ذلك لم يمنع من تطابق الممارسة السياسية للسلطة القائمة، فى كلا البلدين تونس وليبيا والممثلة فى الحاكم الفرد والمرتبطه به.

ومن خلال المسيرة الطويلة "للقيادة" الحاكمة فى البلدين، وفى ضوء هذا الحدث من السهل بيان أسباب الخلل الجوهرية فى كلاهما، ففى ليبيا كما هو الحال فى تونس، وقع الإنقلاب بشقَّيه العسكرى فى ليبيا والمدنى فى تونس، فكلاهما جاء بحفنة صغيرة استولت على الحكم والسلطة، فهو انقلاب لأن من قاموا به لم يردوا شرعية الحكم والسلطة للأمة بل احتفظوا بالسلطة والحكم والثروة لأنفسهم ولمن يدور معهم وفى فلكهم، وهو انقلاب وليس ثورة كما يدعى القذافى وبن على، لأن الثورات الفعلية لا تقوم بها القلة أيا كانت، عسكرية أو مدنية، مهما كانت مبراراتها وحججها لتغييرالواقع، بل تقوم بها الأغلبية صاحبة المصلحة فى التغيير، وهو فى النهاية أو فى المحصلة النهائية إنقلاب لانه أفرز سلطة إستبدادية وحكم أسرى عائلى غير شرعى بالمعايير الدستورية يرفض التداول السلمى للسلطة .  

هذا التشابه والتقاطع بين ما وقع فى انتفاضة سيدى أبوزيد فى تونس وانتفاضة بنغازى فى ليبيا، تفسره المعادلة التى تقول أنه مادامت القوة السياسية محتكرة وغير موزعة بصورة عادلة، وذات الشئ ينسحب على توزيع القوة الاقتصادية، فإن النتيجة الطبيعية لهذه الوضعية هي أن يصبح كل ما فى الدولة، وكل ما تسيطر عليه السلطة، يعمل بطريق لا تخدم المجتمع ككل، بل تخدم من يحكم ويسيطر، وهذا لم يؤدِّ فقط إلى الإحتقان السياسى والتوتر وإفراز مثل هذه الإنتفاضات الآن، وغيرها فى المستقبل، بل إلى قطع الجسور التنموية، التى تمكن غالبية المجتمع من العبور السليم والمعافى من التهميش والحرمان، إلى مستوى معقول من التكافؤ والعدل فى توزيع النفوذ السياسى والقدرات والثروات بين المدن والمناطق المختلفة. 

وخلافا لكل ماعرفته الدول الديمقراطية، فإن أنظمة الإستبداد السياسى والإقتصادى والإجتماعى التى نشأت فى تونس وليبيا، كرَّست كل ما يؤدى إلى تغييب الشعبين عن المشاركة السياسية الحقيقة فى الحياة السياسية، واختزلته فى الأسر ومجموعة من "نخبها ورموزها" التى تدين لها بالولاء، والذين تحولوا فجأة من "ثوار" الى طبقة مهيمنة تحتكر السلطة والثروة وتوظفهما فى خدمة مصالحها الخاصة ومصالح زبائنها، طبقة مسيطرة فاسدة ومفسدة تتشبت بالوضع القائم وترفض تغييره تحت كل المبرارات والحجج لأنها وحدها هى المستفيدة.  

ومن باب تضليل الشعوب، فإن "النظامين" ، الليبى والتونسى، صنعا "أشكالا" كرتونية للعمل السياسى، تحت مسميات مثل "مؤتمرات" و "لجان شعبية"  لا فاعلية ولا قيمة حقيقيه لدورها فى ليبيا، و"حزب" مسيطر ومهيمن على كل مناحى الحياة فى تونس، إلى جانب أحزاب سياسية مهددة بالاغلاق باستمرار وقوى نقابية عمالية بلا أجنحة، لتبقى الكملة الأولى والأخيرة بيد الحاكم وعائلته في كلا البلدين سواء.    

وهكذا تسبب الاستبداد، ليس فى تعطيل التطور السياسى للعملية السياسية، وفى تعطيل التنمية الاقتصادية لصالح الشعبين، بل بوجود فئات هامشية معينة وبتهميش أوسع وغربة أشمل بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، حتى لم تعد الفئات المهمشة تقتصر على الفقراء  والعاطلين على العمل أو سكان الأكواخ والعشوائيات وأحزمة البؤس وأحياء الصفيح، بل شملت أيضا فئات أجتماعية متعددة أخرى، كالمثقفين والعاملين فى مختلف المجالات الإجتماعية والإقتصادية .                                                                                                                    

أن السلطة الإستبدادية القائمة فى ليبيا لا تختلف عن السلطة القائمة فى تونس، فالطغاه يفرضون التهميش على شعوبهم ويخضعونهم إلى كل أشكال الرقابة والحصار والمتابعة، واستخدام الأجهزة الأمنية للقضاء على أى معارضة جدية وبث روح الخوف لدى الجماهير. كما أن فعل التهميش لا يبدو كحالة إضطرارية أو إختيارية مؤقتة، بل هو سياسة عامة الغرض منها هو تهميش للشعب وأبنائه، وهى وظيفة أساسية يضطلع بها الدكتاتور الذى لا يرى إلا نفسه فى كل مكان وزمان.

وفى هذا السياق، يمكن الحديث عن أهم سبل التهميش المتبعة فى كل من ليبيا وتونس، ومثيلاتهما من الأنظمة العربية المستبدة:     

1- عدم المساواة في الواجبات والحقوق والمواطنة بين من هم فى السلطة وبين بقية افراد المجتمع

2- إختلال توزيع الخدمات العامة والأنشطة الإقتصادية المختلفة بين المدن والمناطق. 

3- إتساع مساحات الفقر والبطالة فى الفئات العمرية الشابة القادرة على العمل والانتاج.

4- وجود الكثير من التمييز وغياب التنمية المتوازنه بين المناطق والمدن.

5- غياب الضمانات وحقوق العمل (من عقود ورواتب عادلة وضمانات صحية) .                        

6 - غياب المشاركة السياسية الفعلية، وليست المشاركة الشكلية القائمة على الانتهازية الشخصية. 

إن العلة  فى الإستبداد ورسوخ فكرة الدولة المركزية الأمنية، وتراكم ثرات من الممارسات الظالمة والفساد بكل أشكاله وغياب الحريات العامة، وانتفاضة سيدى ابوزيد كما هى انتفاضة بنغازى، كان لابد لهما ان تتفجرا باسلوب جديد وعلى قاعدة جديدة، وقودها هؤلاء المهمشين، الذين شعروا بأن الدور دورهم لأنهم الأكثر تأثرا بالواقع المرير والأقدر والاكثر أهلية لمواجهته، فولدت الانتفاضة بسبب تزايد الإحتقان السياسى وتكميم الأفواه وغلق الابواب والنوافد أمام متطلبات الحرية والإنفراج السياسى الذى طال انتظاره، وولدت الانتفاضة من رحم المعاناة اليومية للمواطن، والتجاهل التام لحاجات المجتمع فى الحياة الكريمة، والإنتفاضة قامت تاكيداً على غياب العدل والمساواة والإضطهاد السياسى والحرمان الاقتصادى.

أن هذه الصورة فى تونس تتشابه وتتقاطع مع المشهد الليبي، بل ومع غيرها فى الوطن العربى

فهل تتحرك المعارضة التونسية فى الخارج لدعم موقف الحراك الداخلى فىتونس وتنقل الصورة الحقيقة للاعلام الدولى عما يجرى بالداخل التونسى ؟

 وهل نتوقع دعما من القوى الوطنية الليبية والمعارضات العربية اينما كانت لنضال الشعب التونسى  ضد حكم الفرد والاستبداد وضد الدكتاتوريات الاسرية الجاثمة على صدور الشعوب العربية ؟   

الراصد الصحفي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home