Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الإثنين 20 ديسمبر 2010

قراءة فى المشهد الليبي

(رؤية شخصية)

لم يكن من المتوقع لدى المهتمين بالحالة الليبية عن كثب، أن يقدم سيف القذافى عند بروزه على سطح الحياة السياسية فى ليبيا شيئاً جديداً يتجاوز فيه نفسه ونظام أبيه، ويتجاوب مع الإستحقاقات الملحة حول مسائل الحريات الديمقراطية والوضع الاقتصادي وبناء دولة المؤسسات والقانون، ويتقاطع مع مطالب الشعب الليبي حول إنهاء احتكار السلطة والسياسة وكافة ما يتعلق بذلك من آليات قهرية واضطهاد سياسى واعتقالات، وإنما جاء سيف فقط ليرفع من توقعات المواطنين بجملة من الشعارات التى تدغدغ طموحاتهم وأحلامهم البائسة، مصحوبا بحملة إعلامية صاخبه فى داخل البلاد وخارجها، وسلسلة لقاءات مع أفراد كانوا يُعتبرون فى مرحلة ما منتمون إلى المعارضة الليبية إلى أن وصلوا إلى قناعة القبول بالدكتاتور والتعامل مع شعارات إبنه البراقة، وبالطبع كل ذلك تم تحت وطأة بيئة تسودها حالة شديدة من الاحتقان السياسى والإقتصادى والإجتماعى، حيث بدأ سيف القذافى بمعاونة أطراف ليبية داخلية وخارجية وأجنبية، اعتقدت جميعها بمقدرته على فتح فجوة فى جدار الإستبداد، والعزف على أوتار ما يسمى بمشروع ليبيا الغد أو ما أطلق عليه "الاصلاح" عنواناً " للتضليل"، بينما الغرض لا يعدو فى حقيقته إلا أن يكون مجرد محاولة مكشوفة للانتقال التدرجي للسلطة عن طريق التوريث مع استمرار الدكتاتورية وحكم الاسرة .

ففى ظل "النظام" السياسى القائم بخلفيته الفردية الاستبدادية، وأدائه الاقتصادى المتخلف ورهن الدولة برمتها وثروتها لصالح الاسرة الحاكمة واتباعها على حساب المصالح الوطنية ومصالح غالبية الشعب الليبي، يظل من المستحيل أن توجد هوامش للحرية وللحراك السياسى بالمعنى المتعارف عليه فى بقية الدول المتحضرة، ولا حتى فى تلك الدول التى يسودها نسبياً الاستبداد والحكم الفردى والعائلى،  ليبقى الفضاء الوحيد المتاح فى ليبيا لمن يريد أن يسبح فى فضاء السياسة كما فرضها القذافى، هوأن يكون مواليا الى درجة العبودية للدكتاتور أو ما يعرف بالولاء الاعمى، وعليه فإن السباحة خارج هذا الاطار تعنى ببساطة شديدة الفناء والعدم أو الحد الفاصل بين الحياة والموت أو مايعرف بالحد الوجودى . 

السناريوهات المحتملة

أولا: أن يبقى الوضع السياسى على ماهو عليه بعد ضربة تطلعات المخدوعين فى هامش الإنفراج، واستبدال سيف لمفهوم"الاصلاح" وجرجرته من السياسى بعد تجميده للاقتصادى، للعب على نفس الوتيرة التى اختارها القذافى الأب نفسه فى الساحة الافريقية، والمتمثلة فى هدر المليارات من الخزينة الليبية بقرارات فردية، بدون النظر إلى الإحتياجات الشعبية ومتطلبات التنمية فى ليبيا، وفى غياب القوانين التي تحفظ الحق للشعب الليبي في صنع القرار وممارسة الضغوط أو الصلاحيات لمنع هذه الممارسات ووقف هذا النزيف.

ثانيا: فى غياب أى شكل من اشكال الشفافية الاعلامية والسياسية والنقابية وفى وجود سيطرة الإستبداد والقمع، وعدم تمكن المواطن الليبي من المشاركة الفعلية فى صنع حاضره ولا معرفة ما يتم فيه ولا امتلاك القدرة على استشراف مستقبله، سوف يتعاظم الموقف السلبي من عامة المواطنين تجاه المساهمة في إدارة شؤون الدولة لمعرفتهم بعدم جدوى جهودهم، مما سيؤدي إلى المزيد من التدنى في دور المثقفين وأهل الفكر والمعرفة والتكنوقراط  وأساتذة الجامعات والكتاب والصحفيين، وسينعكس ذلك الضعف بشكل ظاهر على ما ستؤول إليه شؤون الدولة، كما سيؤدي بدوره إلى زيادة عزلة هؤلاء وتقوقعهم على أنفسهم وامتناعهم عن المشاركة بخبراتهم فى المسائل التى تتعلق بأهم حقول المصير الوطنى فى السياسة والاقتصاد وما يخص الثروة الوطنية ومصير الشعب الليبي بأكمله، مما سيسمح باستمرار هيمنه أتباع القذافى على مجمل مفاصل الحياة فى ليبيا، رغم أن غالبيتهم ليسوا أهلا لتحمل المسؤوليات التي يحملونها على عاتقهم حيث أن المؤهل  الذي تأسست عليه وظائفهم ليس مبنيا على خبراتهم العلمية بل فقط على ولائهم لسيدهم، ويجعل منهم رجالا غير مناسبين في أماكن غير مناسبة.

ثالثاً: تعثر الحراك فى داخل الوطن لأنه يعانى ظروفا قاهره وقيودا وضغوطات قد لايعرفها ولا يشعر بها إلا من يعانى منها، وضعف التأييد والمؤازرة والتشجيع المتواصل من القوى الوطنية فى الخارج، وتشكيك البعض فى نزاهة من يعمل فى الداخل التى وصلت فى بعض الاحيان الى درجة التخوين والتشكيك فيما يقومون به أو ما ينوهون للقيام به، مما قلل الكثير من فرص اندفاع ومبادرة البعض لركب المخاطر، سواء على مستوى العمل الاجتماعى أو الانسانى أو النقابى أو السياسى، وفى غياب رؤية ناضحة وواعية بأهمية الحراك الداخلى، فرديا كان أو جماعيا مهما قل حجمه، باعتبار أن الحراك الداخلى عنصر اساسى لأداء مهمة المساعدة على انضاج الظروف الموضوعية للتغيير، يستمرالتخوف من اخذ زمام المبادرة من قبل الراغبين فى العمل من داخل الوطن .

 رابعا : استمرار السماح بتكالب القوى الاجنبية على الثروات الليبية من عائدات النفط خاصة، وزيادة وتيرته الاستغلالية من قبل مختلف الدول وعلى الاخص الاوروبية والولايات المتحدة الامريكية التى ابرمت عقود علنية وسرية ترجحها بعد المصادر بأنها بلغت مئات المليارات، مما يدفع هذه القوى الاجنبية للمحافظة على الوضع الراهن بحجة تأمين الاستقرار فى  منطقة الشمال الافريقى، وبغض النظرعن سجلات الدكتاتور القذافى  وانعدام مظاهر المجتمع المدنى وبرمجة الحريات العامة فى مسارات واطر ضيقة للغاية، ستبقى المحافظة على نظام القذافى طالما المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لاتتعرض للخطر.                                                                                                             

خامساً: تزايد الخلل بسبب ضعف الثقة وضعف المبادرات والمساهمات الجدية والفعلية، على المستوى العملى وليس التنظيرى، من قبل الليبيين فى الخارج الذين يشكلون الكم الكبير للافراد الرافضين والمعارضين المحسوبين ضمن وعلى القوى الوطنية، وتقاعسهم عن تقديم يد العون بشكل ملموس ومادى، أو اخذ زمام المبادرة فرديا أو جماعياً فى القيام بشئ مؤثر وفعال لصالح القضية الوطنية وبدون انتظار الفصائل والتيارات المنظمة للقيام به، أسهم فى اضعاف العمل الجماعى للمعارضة الليبية، الذى يحتاج باستمرار الى روافد فعالة ونشطة ومتجددة من قبل الغالبية العظمى المقيمة فى الخارج.

سادساً: تنامى ظاهرة الهروب من المسؤولية تجاه متطلبات العمل الوطنى، والاكتفاء بتوجيه اللوم والنقد والوعض والارشاد من قبل البعض يضاعف من عزلة بعض العاملين ويقلل من مساهمتهم، دون البحث فى قصور وادوارهؤلاء الواعضين ذاتهم، وحصر مساهمتهم فى شكر هذا الطرف أحيانا أو نقد ذاك وتقريع الجميع فى جل الاوقات، واعتقاد البعض الاخر بأن المساهمة الكتابية وحدها كافية، وانتظار ما يبدر من الاخرون لكى يقوموا باصدار الاحكام عليهم، لن يحل مشكلة العمل الوطنى التى تحتاج الى العمل والجهد المدعوم بعد ذلك بالمساهمة الاعلامية والصحفية، ولا يعنى هذا الامر بأى حال من الاحوال رفض النقد والمتابعة والتقييم للنشاط المعارض بل هوعمل صحى ومطلوب من الجميع، ولكن لابد وأن يكون مقرونا بحسن النوايا وبالإستعداد لتحمل تبعات المشاركة واقتسام التضحيات، والابتعاد عن دور المتفرج والمراقب والناقد السلبى والانتقال الى مرحلة المساهمة بجانبيها المادى والمعنوى.  

سابعا:  استمرار التمسك بالمواقف الحدية لكافة الاطراف التنظيمية تحت مختلف المبرارات والحجج، وهو موقف لم يخدم القضية الوطنية فى السابق ولن يخدمها لا على المدى القريب ولا البعيد، واذا كانت القضية الوطنية هى الهاجس الوحيد والمهم التى يناضلون من اجلها، فإن مبدأ التنازل من جميع الاطراف عن المواقف الحدية والتخلى عن محاولة تهميش أو الغاء الطرف الاخر هو وحده القادر على خلق روح الوفاق والتوافق الوطنى فى جميع المراحل، وفيما عدا ذلك فإن الناتج سيكون إضعاف الجميع وتشتيت الجهد المتواضع اصلا والامكانيات البسيطة وضياع المزيد من الوقت واستمرار كارثة القذافى ومن سيأتى بعده بمباركته وبمشاركة المعارضة ذاتها من خلال هذه المواقف الهدامة.

ثامنا واخيراً: غياب خطاب ومشروع حضارى بديل للوضع الشاذ القائم فى ليبيا، حيث أن ما يجري هو مجرد تعالي الأصوات من هنا وهناك للمطالبة بضرورة وجود خطاب معارض ومشروع حضارى مستقبلى، وهى بطبيعة الحال اسس مطلوبة ينبغى أن يتوافق حولها الجميع ويعمل من اجلها الجميع، رغم أن ما طرح حول هذا الموضوع من جميع الاطراف التنظيمية فى السابق ولم يطلع عليه الكثيرون، يكفى لصياغة افضل خطاب ومشروع حضارى مطلوب، فهو يتضمن كل الاسس التى يقوم عليها المجتمع المدنى المتحضر. وحيث أن المشكلة ليست فى المرجعية الدستورية ولا القانونية ولا المشاريع الحضارية، إنما المشكلة فى ذوات البشر "وإيثار الذات"، التى تحول بينهم وبين أن يكونوا فى خدمة الاخرين سواء كانوا على رأس الوظيفة العامة أو فى اقل مراتبها، إن المشكلة تكمن فى صدق النوايا والشفافية لأجل الاخلاص والطهارة الوطنية والانسانية .

قد تبدو هذه الرؤية متشائمة فى نظر البعض، ولكنها ليست بعيدة عن الواقع بكل تركيباته وتعقيداته، ومع ذلك يبقى الامل فى أن نرى الخير من جيل موجود أو يولد فى القريب، يحب وطنه حبا خالصا يؤثر الصالح العام لأجله وتتضائل معه نزعة إيثار النفس، جيل يعمل بصدق ووفاء واخلاص، وباقتدار عالى وبروح خلاقة مبدعة تعطى ولا تأخذ وتجمع ولا تفرق، جيل يضع فى أولوياته معاناة شعب عاش كل هذه العقود تحت حكم دكتاتورى استبدادى متخلف لم يعر قيمة للمواطن وأوصل أجيال سبقته إلى هذا المستوى الذي نعاني منه اليوم، هذا الجيل سيعمل لخير الوطن بأكمله.

الراصد الصحفي


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home