Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home
الجمعة 14 يناير 2011

عام جديد

واستمرار ثقافة السطو والغنيمة

الراصد الصحفي

عام جديد يطل وعام مضى ولا يزال الشعب الليبي يعيش تحت ثقافة السطو والغنيمة، فبعد أكثر من 41 عام من الانقلاب  العسكرى الذي دشن أول عملية سطو مسلح على السلطة في ليبيا، تستمر ثقافة ما قبل الدولة التي عرفت في عصور التخلف والهمجية، ورغم أننا نعيش في القرن 21، فالدول العربية جميعها وعلى رأسها ليبيا تعيش بالأحرى في إقطاعيات تحكمها وتتحكم بها ميليشيات مدنية وعسكرية، تابعة "للقادة والزعماء" وتخضعها لقاعدة التبعية والولاء الشخصي، ومن هنا أصبح الحاكم يستند في ممارساته إلى الاعتقاد بحقه في السلطة بمفهوم السطو والغنيمة، ويؤسس للاحتفاظ الأبدي بها والتمسك بجميع مفاصلها، مثله في ذلك مثل الاحتلال أوالاستعمار الذي يعتقد أصحابه أنه يعطيهم حقا مكتسبا بالبقاء والسيطرة بدون قيود ولا شروط ولا حدود زمنية، فالمالك المغتصب للسلطة يتمتع بجميع ما على "ملكه ومملكته" بما فيها وما عليها.

وثقافة السطو والغنيمة عندما تتعلق بالسلطة ، فأنها ترسخ الاستبداد ولا يمكنها أن تتعايش مع أي بنية مؤسسية، بل تهدم الموجود منها لأنها تتعارض مع ممارساتها في السلب والنهب العام والخاص،وفى تحديد المسؤولية ومن ثم لا تسمح بأي إصلاح يمس جوهر ممارساتها لأنه يهدد وجودها وبقائها، وهى تتصرف كما لو كانت موارد وثروات الوطن ملكا لها وحكرا عليها، ومن هذا المنطلق يعتبر كل من يطالب بالتغيير فى ليبيا خارج عن لعبة أوبمعنى اصح أكذوبة "السلطة الشعبية"، ولكن ما يكمن وراء هذه الحجة فى ثقافة السطو الغنيمة هو في الحقيقة استبعاد وتغييب الشعب عن المشاركة الفعلية في أدارة شؤون الدولة، واستبدال ذلك بأشكال لأترقى إلى مستوى المؤسسات السياسية ولا تمتلك فاعليتها في أداء دورها تجاه البلاد والمواطنين، وبأشخاص من المحاسيب والأتباع أو عبيد مأجورين يتوارثون المناصب الرسمية وغير الرسمية ويشاركون في عملية السطو والغنيمة.

لقد عزز تدفق عائدات النفط بصورة كبيرة من تغول واستشراء ظاهرة ثقافة السطوة والغنيمة، والتى بدأت من إعلى قمة الهرم السياسى فقد اعتبر القذافى ثروة ليبيا ملك خاص يتصرف بها وفيها كما يشاء، واشراك فى ذلك كل فرد من افراد اسرته وإبناء عمومته والاصهار واعداد من قبيلته والمحيطين به، لتتسع الدائرة بعد ذلك وتشمل غالبية أن لم يكن كل من عمل فى اطار السلطة وكان من توابعها، والاغراب والمخزى أن عملية السطو وتوزيع الغنائم تتم فى العلن وبدون اعتراض من احد، فى الوقت الذى يتم فيه التبجح والتطبيل للسلطة الفاشلة التى تقود المجتمع، وهى الناهبة لخيرات الوطن وكرامة وعزة الانسان ، وبلغ الاستهتار مداه بقيام ابناء القذافى بحكم صلتهم بوالدهم باستغلال هذه العلاقة فى الحصول على الاموال ( مئات الملايين) بدون مبرر وظيفى أو سند منطقى أو من اجل القيام بمشروعات لصالح الشعب الليبي أو خدمة المجتمع، ولعل قصة قيام الساعدى ابن القذافى بسحب الملايين من مصرف البيضاء ثم شروع الدكتور طاهر الجهيمى انذاك بتغطية عجز مصرف البيضاء معروف للجميع، وقد تكررنفس الشئ مع عمر الشيخى امين المالية لشعبية بنغازى، حيث قام الساعدى بسحب مبالغ تقدر بمئات الملايين وبموافقة مدير البنك المركزى فى بنغازى، وكيف يمكن للساعدى القذافى -الذى انفق عشرات الملايين على الفرق الايطالية واضاعت اموال الليبيين هباءا منثورا- من انشاء شركة سينمائية فى هوليود بما قيمتة 100 مليون دولار، ومن إين له أن يأتى بهذه الاموال أن لم يكن لديه تفويض من أبية يستولى وينهب مايشاء من ثروة الوطن ؟

فى اطار ممارسة سياسة السطو والغنيمة يتم الاتفاق على المشاريع الوهمية والفاشلة أوالركيكة التنفيذ " فالآمناء والمسؤولين " الرسميين هم ذاتهم المستفدين بعد أن اشترطوا إشراكهم بعمولات ورشاوى ونسب مئوية فى المشاريع والصفقات والعقود أو القيام بعرقلتها، أرقام بعشرات أن لم تكن بمئات المليارات تذهب فى اتفاقيات مع الدول الاجنبية يقال عنها لإحداث التنمية الداخلية التى لم تتحقق طوال 41 سنه كاملة، فى الوقت الذى نجد فيه دول اخرى حديث العهد قطعت اشواطا متسارعة وكبيرة فى بناء البنية التحتية وفى مجال التنمية فى سنوات معدودة،  بينما يتم فى ليبيا التلذذ بعذاب المواطن فى كل المجالات والقطاعات وفى جميع المدن والمناطق، بالتكرارالممل لانقطاع التيار الكهربائى وشح المياه الصحية، والمستشفيات المتهالكة التى تعج بالفوضى والآوضاع الصحية المتدهورة، والعشوائيات التى تشكل احزمة الفقر حول المدن والمليئة بالآكواخ وبيوت الصفيح، والشوراع والطرقات معدومة الصيانة والغرقة فى الاتربة والاوساخ والقمامة والاوحال، خاصة بعد سقوط الامطار وانعدام واستمرار انهيار شبكات المجارى، والتعليم الذى ينتج الجهل، وتدنى مستوى المعيشة للاغلبية بينما ينعم من ينتمون الى سلطة السطو والغنيمة بكل شئ.

أن انعدام الشفافية وغياب الرقابة والمحاسبة واللجوء الى كل اساليب التحايل فتحت المجال أمام استمرار عمليات السطو، ولعل المواطن الليبي الذى اثقلت ظهره الاستقطاعات والضرائب على المرتبات والدخول أو الضرائب المزدوجة والضرائب التى لامعنى ولا اساس لها كضريبة الجهاد والكلاشنكوف سابقا ودعم الاسواق العامة وغيرها من الضرائب التى تقوم السلطات الليبية بجبايتها منه يسأل إين تذهب وكيف تنفق اموال الشعب الليبي ؟

وتحت أسم المحافظ الاستثمارية وشركات الاستثمار الخارجى، اللتان ليس لهما بنود واضحة فى الميزانية ولايتم ادراج أى معلومات بشانهما فى بيانات الدولة وسجلاتها الرسمية، تتم اكبر عمليات السلب والنهب للاموال العامة، هذه الممارسات تتم فى داخل البلاد وخارجها بينما تقف مايسمى باللجنة "لشعبية العامة للرقابة والمتابعة الشعبية" مثل اصنام الجاهلية، التى لا تنفع ولا تضر بل شاهد على سيادة وتفوق ثقافة السطو والغنيمة، وهى الرقابة العاجزة عن التدخل لوقف مايتم من اختلاسات لتورط عناصر ينتمى بعضهم الى إعلى هرم السلطة، وفى هذا  السياق يمكن ادراج الملاحظات التالية :

1-  خطورة استمرار وتصاعد وتيرة السلب والنهب للمال العام من دون تدخل لوقف مايتم، ولاسيما وأن اهمال الرقابة والمحاسبة لسنين طويلة قد اسهم بالفعل فى اتساع المشكلة وانتشارها على نطاق واسع فى البلاد، وقد يصعب السيطرة عليها وعلى تبعاتها فى المستقبل.

2-  زيادة الاحساس والشعور لدى غالبية الشعب الليبي بالغبن والاحتقان وعدم الرضا تجاه السلطة الظالمة، وهم يرون اركان الفساد تنعم بالثراء المفاجئ وينهبون حقوق الليبيين بما اتوا من سلطة ومراكز تمكنهم من استغلال وظائفهم الرسمية من اجل تحقيق مكاسب ذاتية على حساب بقية افراد الشعب.

3-  خسائر السطو وتوزيع الغنائم على مستوى المنظومة الاخلاقية تفوق بكثير تلك المادية، لانها لا تتسبب فى زعزعة القيم الراسخة فى المجتمع فحسب، بل أنها نزعت الثقة بالكامل بعد أن اضحى الفساد يرتبط بالسلطة واشخاصها وممارساتهم فى النهب العام .

وفى ظل هذه الاجواء يبدو أن دعاة مايسمى "بالاصلاح " لم يدركوا بعد أن "ثقافة السطو والغنيمة " القائمة الان فى ليبيا لن تتغير ولن تتبدل، لان من يمسكون ويسيطرون على زمام السلطة هم من اسسوا وروجوا وشاركوا فى السطو والغنيمة، بينما الحالمون " بالاصلاح" لم يستوعبوا دروس التاريخ وتجربة الشعوب والأمم التي عرفت الدكتاتورية والاستبداد، كيف بدأت وكيف انتهت ومازال بعضهم يصر على وهم أمكانية حدوث " الإصلاح" من داخل بيت الدكتاتور أو بيد الدكتاتور، أو أن البيئة التي يسيطر عليها تسمح بأي شكل من أشكال "الإصلاح"، ومازال البعض يصر على الوعظ السياسي بعقلية المرشد العام فى عصر السلاطين، متجاهلا حقيقة أن نمط الفهم والممارسة السائدين عند الحاكم المستبد، الذي قامت سلطته على السطو والغنيمة وقصوره في استيعاب مفهوم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو تقنين العلاقة بين "القائد" والشعب غائب تماماَ، أو بمعنى أخر أن المستبد لا يفهم ولا يدرك أن السلطة كمسؤولية وبالتالي كتكليف من قبل الشعب، وأن وجود حاكم وسلطة انما هدفها بالدرجة الأولى خدمة وتحقيق مصالح وأهداف المواطنين، في الحياة الآمنة الحرة الكريمة والعادلة، ومن خلال سياسات وبرامج وعبر مؤسسات للدولة وليس لعصابة أو مجموعة عصابات تابعة للحاكم المستبد، وأن ما يرتبط بهذا التكليف من مراقبة ومحاسبة يعطى الحق للشعب في استعادة السلطة والحكم وتكليف من يراه مناسب وأكثر كفاءة وجدارة بذلك العبء.

ولهذه الأسباب وغيرها يمكن تفسير الشلل والإخفاق الذي عرفته البلاد والعجز عن تحقيق أدنى مستويات التطور والنمو من قبل  سلطة السطو والغنيمة مقارنة  بغيرها من الدول، لان السلطة فى مفهوم الدولة الحديثة تقوم على مبدأ المسؤولية التى تجعل من الحاكم ومن معه فى السلطة، تحت أى اسم يتسمى به أو يطلقه على نفسه وهياكله التى يدير بها الدولة مكلفين ومؤتمنين على مصالح الشعب، وعلاقة الائتمان هذه لاتقتضى أن يكون"هؤلاء" ملائكة ولكن بشر مسؤولين أمام ضمائرهم اولا وامام الليبيين، وأن تحقيق مصلحة ومطالب وطموحات المواطنين هو المعيارالوحيد لنجاحهم فى حمل المسؤولية.

أن عجلة الزمن لن تتوقف والنضال بشتى الطرق سوف يتواصل، و نشر وكتابة الحقائق ستحفر نقشا في صفحات التاريخ، و سيمضي الأحرار والمواطنون الشرفاء في طريق العمل من اجل التحرر من الاستبداد وانتزاع الحقوق والسعى لتحقيق العدل والمساواة، وسيستمر المخلصون الصادقون يعبرون بالمواقف والاحتجاجات والتظاهرات و بالكلمات الصادقة و الأقلام الشريفة متكاثفة أياديهم لمحاربة الفساد و المفسدين و كشف فضائحهم حتى يتم تغيير وتصحيح كل المسارات والممارسات الظالمة، وهاهى رياح الانتفاضات الشعبية تعم تونس والجزائر وقد تأخذ مسارَا فى اتجاهات اخرى هى الاكثر الحاحا وضرورة للانتفاضة الشعبية حيث تنتظر الشعوب بفراغ الصبر هذه اللحظات الفاصلة فى تاريخها.


Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music       Libya: Our Home