Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 30 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

الأبداع الأخير :
2. الحالة الليبية

تتسم سياسة الحكام في كل البلاد العربية بسمات متشابهة تتمثل في شد الخيط حول الرقبة حتى ينقطع النفس ثم إعادته تدريجيا للأيحاء بقدرتها وجبروتها وإيهام المواطن المسكين بأنها تملك خيره وشره وقضاءه وقدره.. وكما أسلفت فأن الحاكم العربي - لسبب لا نعرفه - يفضل دائما عدم التحالف مع مواطنيه، ويعتبر أن وجودهم إنما شرّع لخدمته متحديا في ذلك المنطق والواقع، ومتناسيا أنه خادما مكلفا بتسيير أمور الرعية.

ولكن هذا التشابه العام في المظهر لا يعدم خصوصيات تسم الأداء السياسي في كل بلد، وبما أنني معنيّ أساسا بالواقع الليبي فسوف أعرض هنا لهذه الحالة متجنبا الخوض في مسارات أخرى حتى يحين حينها.

أولا إسمحو لي أن أبدي إستغرابي وحيرتي وخيبة أملي في إعلامنا المتخلف الذي أتبث دائما أنه بعيد عن العصر عبر فقراته ومذيعية ومراسليه وتذبذب أخباره.. لقد تجاهل هذا الأعلام أخبار تونس ومصر وكأن بلادنا تقع على طرف آخر من الكرة الأرضية... وأهمل التحليلات الهادفة واستنطاق الباحثين، وسبر أغوار المتخصصين لأستشراف سبب هذه الرجة الغاضبة التي عصفت بطرفي جناحينا، وركن إلى الخوض في مواضيع مكررة لم تفز بالماضي بعطف المشاهد الوطني، ولا بأقل إهتمام من العابر العربي.

وإذا كان هذا هو حال الأعلام في بلادنا في العهد الملكي، فما الذي تغيّر فينا!.

أسجل خيبة أملي من "دولة" كانت دائما حضنا للثورة الشعبية ومنادية صادحة بحقوق الجماهير في الزحف على مواقع السلطة الغاشمة أن تقف صامتة متجاهلة لحدث عظيم كهذا يكاد أن يكون في وسط أراضيها.. هذه "الدولة" التي أطلقت أول صافرة إنذار معلنة فكّ عقال الجماهير تجد نفسها مشلولة أمام الجموع الهادرة القادمة من محورين: مكمن الشمس، ومن نقطة أنطلاقها.

وإذا ما كان حكام العهد الملكي يرجفون لكل صرخة ويقفزون فوق ظلهم مع كل هبّة فماالذي تغير فينا!.

راجعت ما خطه قائد الثورة في الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من الكتاب الأخضر فلم أستطع أن أبك أو أضحك وأنا أحترق في لهيب الحروف، فآثرت الضحبكاء.

"... وأخيرا.. إن عصر الجماهير وهو يزحف حثيثا نحونا بعد عصر الجمهوريات يلهب المشاعر، ويبهر الأبصار!.."

قلت في نفسي لنفسي: "الآن عرفت كيف مات عبد الناصر!."

بعفوية "الكاشا بونادم" أقول أن أجهزة "الدولة" قد أصابها الرعب، فرجّ عليها وارتعشت، فانزوت فخبت، فكان القلق المعنوي الذي شهدناه والأداء المزري الذي شاهدناه.

وتناكفني أيها المتحذلق فتقول ممن نخاف، ونحن في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الأشتراكية العظمى منارة الجماهير الثائرة ومنبر الأحرار في العالم!. أقول لك بصلافة المتيقن عليك أن تخاف، ومن حقك أن تخاف، فالأحوال في بلادنا ليست كما تظن، والتيارات تحت السطح ليست كما هي أعلاه.. أحذرك بأن تيارات الحمل التي تتشكل في العمق لن تنتظر طويلا حتى تخرج إلى الفوهة، ومن تم سوف يكون الغليان ثم خلخلة الغطاء المحكم، ثم الطوفان.

ولست هنا أحاول أن أبدو متشائما أو داعيا للعصيان والتمرد، ولكنني أقول ما أقول بضمير المثقف ووعي العالم لأسجل شهادتي التي تنطلق من خوفي على بلدي وأيماني بثورتي وحقي في التعبير عن ذاتي.

وكما رددت دائما.. لا يمكن الوصول إلى حل بدون مواجهة.. وأنا هنا أدعو الشعب الليبي لمواجهة نفسه.. أنظروا في المرآة لتروا حقيقتكم، وافتحوا نوافدكم حتى تلج الأنوار إلى بيوتكم، ومن قبل ذلك كله إفتحوا قلوبكم لتسمعوا دقاتها وهي تلهث مع الزمن القاسي الذي تعيشون فيه. إخلعوا الأقنعة كي تروا الأنهار تنحدر، وانزعوا السدادات كي تسمعوا السلاسل تنكسر.. إخرجوا من البرج العاجي الذي قبعتم فيه وتبينوا أن الذين لقبتموهم بالمهزومين قد سبقوكم، وأن الذين قلتم أنهم خانعون قد غلبوكم.

أنا نظرت في مرآتي المشروخة فرأيت أربعين سنة من الخوف والحرمان والذل والكذب والزيف والبهتان.. لم أر أي مسيرة حقيقية تسابق الزمن إلى بناء دولة عصرية تعتمد العقل والأيمان في خطاها، ولم ألمح نذيرا يبشر بحسن مبتغاها.. وإن كنت لم تنظر إلى مرآتك بنفس طريقتي فأنت إما خائف أو كاذب أو منتفع.

وحتى لا يقال أن عيوني لا ترى إلا الباطل أدعوك أن تمعن النظر معي في مرآة التاريخ الصافية التي لا تكذب.. دعني أناقش مسيرة ثورتنا منذ البداية.. وأصرّح لك مسبقا أني أتفق معك في أن الثورة كانت ضرورة حتمية، وأنها تشكل علامة واضحة في درب الزمن. ولكن دعني أبحث معك في هذا السطح اللامع عن شعارات الثورة الثلاثة: "الحرية، والأشتراكية، والوحدة."

أما الحرية فلا يمكن لأي منصف في أن يتعدى حقيقة أن ليبيا كانت تملك قرارها في معظم الحالات، وقادرة على أن تقول "لا" في وجه أعظم الدول، ولكن الحرية الحقة ليست وجها واحدا.. الحرية الغالية هي حرية الأنسان، وحرية النفس، وحرية الأرادة، وحرية الفكر.

وأسألك ببراءة "هل حققنا أيا من هذه التطلعات؟." هل ترى في مرآتك المصقولة أن وجهك البليد ينمّ عن إنسان حر متطلع إلى يوم سعيد، تواق إلى غد مشرق يغرد فيه كالعصافير التي كانت يوما ما تقفز من شجرة إلى أخرى أمام ناظريك.. إن رأيت ذلك فلعلك يا سيدي من المغبشين.

سوف تردد علي حكايات الهمّ القديمة، فتخبرني عن المواطن الذي يجهر برأيه في المؤتمرات الشعبية، وعن التصعيد الأداري، وعن الأسقاط القيادي، وعن الأرادة الجماعية!. هذه المرة لن أهمس في أذنك، بل سوف أصرخ فيها حتى تهتز مطرقتها كما لم تهتز من قبل لأنبئك بأن كل ما قلناه وطلبناه وطالبنا به ضاع في أضابير محفوظة في أقبية مهجورة، أكلته أنياب آلات القضم التي تفتح فاها تحت مكتب كل وزير.

وانس كل هذا واسبر غور مرآتك في المركز، وتحقق من أنك ترى ضلع الأشتراكية في ثالوث الثورة المقدس.. هل رأيت في مرآة أخرى من وزير لأقتصاد دولة إشتراكية صنفته صحيفة "فورب" على أنه من أغنى أغنياء العالم، وينجو من تحقيق ما أسموه الرقابة الثورية؟.. حتى وإن كان وراء الأكمة ما وراءها فكيف يعقل أن نسمح لأنفسنا بمثل هذه الحماقة؟.. وإن كنت من الناظرين بعمق في مرآتك لا بد وأنك ترى ما كتبته الثورة على خذ الزمن في أنها تؤمن بالكفاية في الأنتاج والعدالة في التوزيع.. لن أجادلك كثيرا في هذا الأمر، ولكني أدعوك لتلق نظرة على تباين البيوت والسيارات، وأن تأتي معي إلى الحفلات الخاصة والعامة، وأن ترافقني إلى سويسرا كي أرشو موظف المصرف المنيع وأريك الأرقام الخيالية التي تمتد من أذنك اليسرى إلى أذنك اليمنى.. فان رفضت دعوتي.. أرجوك أن تصمت وأن لا تردد وراء المنتفعين شعارات جوفاء فقدت لمعانها في بريق دمعة عجوز تبكي أمام مسجد حسنة كي تطعم العيال، وخبا صوتها تحت ذبذبات أنين مريض يقف الأيام والشهور أمام المشفى كي يحصل على علاج بالمجان بينما يسافر "أبناء الذوات" إلى ألمانيا لنزع ثؤلل شوّه منظر الوجه االشاحب، وتستلقي زوجات التابعين والمحسوبين "واللاصقين" ساعات تحت التخذير للحصول على حقنة "بوتوكس" ترد لهن نضارة الوجه الذي فقد طراوته رغم "الكريمات" والمساحيق الغالية.

وانظر الآن إلى شمالك.. هل ترى الضلع المنحني والذي تكتب تعرّجاته بخط مشوش كلمة "الوحدة؟.." الحكاية ولا شك تقلقك يا صديقي وأنت تلوب بعينيك وترمش أهدابك.. تريد أن تقول شيئا.

حسن.. أنا معك.. لقد أضنت الجماهيرية نفسها وهي تصعد الجبال، وتنزل الوهاد، وتخوض الغدران باحثة عن شبح الوحدة اللعوب.. ها أنت تراها في مرآتك تفتل حبالها وتحيك ثيابها وتفصل أطرافها كي تلبسها لكل من أحنى رقبته لسلطانها، ولكل من دنا من وهجها.. أنت وحدوي ولا شك – رغم أنني أشك – وقومي في وجدانك – رغم أنني لم أعد متأكدا - وأنا أراك تلهث خلف لقمة عيشك ناقما على من تخطاك في سباق غير متكافيء يفتقر إلى كل أساسيات العدالة.

لا يهم.. ما يهمني الآن هو هذا الضلع النافر في مرآتك.. أنظر إليه بروية.. خذ نفسا وافتح أذنيك فلم يعد المستمع مشاركا في جريمة حرية الرأي منذ أن كتبنا على خارطة الوطن كلمة "الأصلاح.."

سيدي "المواطن الحر" التواق لغد يختلف عما تعيش فيه.. سيدي الحالم بوطن له حضن رؤوم يحتويك وأذرع طويلة ملساء تضمك إلى كنفه.. أستميحك عذرا كي أخبرك بأن الطريق إلى الوحدة الشاملة يبدأ من الوحدة الوطنية.. الطريق إلى التضامن العربي يبدأ خطوته الأولى من وسط نجع يتّحد شيخ قبيلته مع "كاشا بونادميه" ومع بهائمه وحرثه وزرعه.. هل قلت جللا؟.. هل جعلتك تحس بقشعريرة المرضى؟.. هل أيقظت جبنك الذي ورثه عن جدتك وأمثالها البالية: "اللي يخاف سلم!.. اللي ما يدير شي ما يجيه شي!.. حط رأسك بين الروس وقول يا قطاع الروس!.." فليكن.. تظاهر بأنك لا ترى ولا تسمع ودعني أقول لك ما تظهره المرآة التي أمامك.

المقال القادم : القبلية والوطن والثورة الشعبية

علي عمر التكبالي
_______________________

ـ الحلقة الأولى : الأبداع الأخير : 1. التوانسة أولا http://www.libya-watanona.com/letters/v2011a/v28jan11q.htm


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home