Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 27 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

الأبداع الأخير :
1. التوانسة أولا

لا بد لكل إمرئ من التفكر بما جرى في تونس، فالحدث ليس من الأحداث البسيطة التي يمكننا قراءتها على ضوء معطيات جلية أو تطورات بائنة، بل أنه نتيجة تراكمات وخلفيات معقدة ظلت تتفاعل وتنضج على نار هادئة دهورا، ورغم أنها لم تظهر إلا في همهمات متناثرة إلا أنها تفجرت لحظة سنوح فرصة صغيرة لم تكن في الحسبان.

ورغم أن هذا الزمن في العالم العربي هو زمن الثورات الشعبية، إلا أنني أجزم بأنه ما من مراقب للأحداث كان ليضع تونس في رأس القائمة لعدة أسباب معروفة.. أهمها القمع المقنع لنظام يعتمد على قبضة حديدية ويتمتع بحماية ووصاية أجنبيتين، والبحبوحة المفتعلة التي تظهر على وجوه المتنعمين، والرضاء الوهمي في وجوه المهاجرين.

هذه الحركة الثورية المفاجئة أخبرتنا أولا أنه بالرغم من التحرز الذي تتقنه الدول الدكتاتورية في إلغاء القيادت الشعبية أو إستمالتها واستقطابها لن تفلح محاولاتها في لجم حركة عفوية قد تبدأ بشرارة صغيرة. وأنبأتنا ثانيا بأن البلدان التي تبدو هادئة وتتمتع بنظام قد يبدو قويا للرائي دون القارئ لا يمكن أن تمثل حالة خافتة في قوة جرس الأنذار المنبعث من ديناميكية تركض تحت السطح.

وأهم من ذلك كله بينت لنا هذه النقلة السريعة أن إرتكان الحكام لحماية الأجنبي والأستقواء به على بني الوطن لا يمكن أن يكون ساترا منيعا لطغيان الأمواج العاتية.

ولفهم ما حدث في تونس وأخذ العبرة منه لا بد من العودة قليلا إلى الوراء وقراءة التاريخ السياسي والأجتماعي والثقافي الذي ساد خلال الفترة الأستقلالية للدول العربية.

فبعد تفتت الدولة العثمانية وقعت الدول العربية في براثن الأستعمار الغربي الذي أغرته الكشوفات الجغرافية واستيطانه في بلدان شاسعة بأن يجرب حظه في الدول القريبة. لقد أجرى هذا الأستعمار بعض الأصلاحات البنيوية والهيكلية التي تمكنه من الأداء في أصقاع كان نصيبها من الحضارة المادية معدوما، ولكن لم يهتم بالأنسان العربي واعتبره عدوا وعبئا يجب تغريبه أو تنصيره أو تدجينه، أو في أقل الحالات تطويعه.. ولا أحد يمكنه تصور المفاجأة التي أصابت المستعمرين نتيجة الحضارة الروحية الكامنة في أعماق هذه الشعوب والتي أنتجت مقاومة شرسة تزامنت مع المتغيرات الدولية التي عصفت بالعالم بعد الحرب الثانية خاصة. فلم يكن أمامهم إلا أن يتخلوا عن إحتلال المكان والخلود إلى إحتلال الوجدان.

النقلة الثانية كانت تنصيب ملوك كانوا حكام عشائر على شعوب مغلوبة على أمرها، وتفريق الأمة إلى بلدان تحتفل بعيد إستقلال وعلم ونشيد وطني يكرس أبتعادها يوما بعد يوم.. لقد نجح الأستعمار في تحويل القبائل المتناحرة بالسيف والخنجر إلى دول مفتتة تتنافس على التودد إليه وتنفر من شقيقاتها وتتآمر على سلامتها.

و كان لا بد للأنسان العربي التواق لحياة عصرية ترتفع فيها قيمة الأنسان من أن يجد منفذا إلى رحاب أوسع تعطيه حقه في الحياة الكريمة.. وحيث أن معظم الممالك التي أنشأها الأنجليز كانت تقوم على أسس واهية ولا تملك من مقومات الدولة إلا إسمها نجحت معظم الأنقلابات العسكرية في إسقاطها بضربات واهية لم تكن لتؤثر، أو لتحدث أصلا، في دولة قوية قائمة على أسس عادلة تؤمن بحق كل افراد الوطن في الحياة الكريمة.

حملت هذه المرحلة من الزمن ريح التحرر والأنطلاق ووجد ثوارها في المعسكر الشرقي المناوئ كل دعم وتشجيع، وتعلموا ممن سبقوهم الأساليب الثورية، رغم أنهم أخذوا ظاهرها وتركوا جوهرها، فكالوا للأستعمار ضربات موجعة.

تفاجأ الأستعمار الغربي بالتأميمات التي أضرت بمصالحه الأقتصادية، والتكتلات التي أودت بهيمنته السياسية، فطفق يعد العدة في مختبراته ومطابخه السياسية لينشئ صيغة جديدة تتلاءم مع مصالحه وترضي الشعوب الغاضبة آخذا في الأعتبار كرامتها الوطنية التي خبر عبث التلاعب بها.

جاءت المرحلة التي أتوا لنا فيها بحكام من العملاء السريين.. فبعد أن كان الحاكم الموالي للغرب يجهر بما يعمل متحديا إرادة شعبه وعاملا على تفتيت نسيجه وبنيانه أصبح العميل الحاكم القابض على زمام الأمور بقوة، والمحمي من دول وصحافة متمكنة يعمل في الخفاء على إذلال شعبه.

يجدر بي أن أقول أن كلمة العملاء تنطبق على الكثير من حكامنا رغم أن فيهم من قد لا يعرف أنه يعمل في الأتجاه الموالي للغرب بتصرفاته التعسفية وسياساته المتخبطة.. وسواء كان الحاكم من هذا الصنف أو ذاك لا أظن أنني إبتعدت عن مفهموم العمالة كثيرا سواء أن كانت بإذعانه أو بتوجيه الأحداث لأستثارة ردود فعله بعد أن درسوا شخصيته في مختبراتهم السياسية.

قلت دائما أنه ما من أمة جنى عليها حكامها أكثر مما جناه علينا حكامنا.. فبعد حوالي سبعين سنة ممن سمي بالأستقلال لم نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام; علميا أو ثقافيا أو إجتماعيا.. بل أن الكثير من النواحي الحياتية كانت أفضل في زمن الأستعمار نتيجة الزخم المعنوي الذي أحدثته المقاومة الروحية.

بعد سبعين سنة من الحكم في بلاد تزخر بثرات إنساني لا مثيل له، وأرض خصبة معطاء، وشعب مبدع مثابر، وثروات سخية لم يستطع هؤلاء الحكام أن يتقدموا بنا خطوة واحدة إلى الأمام.. لا صناعة نفخر بها، ولا زراعة نقتات عليها، ولا تجارة نعتاش منها.. مشاريع وهمية تفلس المواطن وتثري التابع، وطموحات واثبة ما إن تتعدى الورق حتى تصبح زاحفة، وخطط طموحة حبيسة الخزائن المصمتة تفرج عنها خطبة ملتهبة.

سبعون سنة من القهر والكبت والحرمان والتخلف والجهل والتعذيب والتنكيل.. سبعون سنة من التهميش والتصغير وفرض النظام الأبوي القائم على الوصاية القسرية على كل فرد في المجتمع.. سبعون سنة كان حصادها ما نجنيه، وريعها ما نخفيه.

ولم يهنأ المستعمر بما حققه من نصر ساحق على أمة ناهضة بل عاد إلى ديدنه السابق في عقيدة "فرق تسد" وأصبح يعتمد على دراسات علمية نفتقر إليها، وإلى تنبؤات فلسفية نعوزها في تفتيت المفتت وتفريق المفرق.. ورغم أنني لا استطيع أن أقول بأننا لا نحمل جينات فرقتنا في عقولنا وقلوبنا إلا أن البحث عن سباتنا وكشف عوراتنا كان دائما ديدن المسشرقين والمهتمين بحياتنا وتاريخنا.. فهذا عربي وذاك كردي وآخر بربري أو إفريقي.. وإذ لم تفلح هذه فأن المجال إلى الخلاف العقدي الديني بين سني وشيعي، وبين مسلم ومسيحي ويهودي وصابئي ومجوسي يظل دائما مفتوحا في تكفير، وتكفير مضاد.

حدث كل هذا تحت سمع حكامنا الخائفين ومثقفينا المترفين ورجال ديننا الخانعين وشعبنا الذليل.. ليس هناك من فرد في هذه الأمة قاطبة ليس مسؤولا عما حدث: المعلم في المدرسة، والموظف في المكتبة، والمؤذن في المئذنة.. الكل يقع عليهم وزر هذه الأمة التي هزمها حكامها قبل أعدائها.. كل من ضحك لنكتة قالها نافد، وكل من بارك كلمة قالها فاسد، وكل من أفتى في نصيحة قدمها حاقد.

نحن اليوم أمام مفترق طرق حاسم.. سوف يقف الحراس الغلاظ في كل فرع من فروعه وسوف يلوحون بسيوف الخشب حي يخيفونا، ويرمون بقنابل الغاز كي يفرقونا ثم يصوبون الرصاص الحقيقي كي يقتلونا.. ومهما فعلوا فلن يكون هناك من طريق لوقف إندلاع الثورة الشعبية العارمة، الأبداع الأخير، إلا عبر درب واحد بدا في كثير من الأزمنة أنه أسهل الدروب، ولكن لسبب لا يعرفه إلا الحكام لم يتبعوه: طريق العدل والمساواة والحرية التي نادى بها ديننا قبل أن ينادي بها "روسو وفولتير وروبسير."

المقال القادم: الحالة الليبية

علي عمر التكبالي


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home