Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 6 يناير 2011

previous letter                 next letter                 list of all letters

التجربة الدستورية الليبية في العصر الحديث (3)

الطريق إلى الدستور

لم يكن الطريق إلى الدستور ممهدا ، بل كانت ملليئة بالعقبات ، ولم تكن القوى المحتلة الجديدة هي وحدها السبب الرئيسي في ذلك . بل هناك قوى واتجاهات ليبية اجمعت رأيها على رفض الدستور ، ومن ثم رفض قيام الدولة الليبية .

و لهذا واجهت الحركات الوطنية الليبية الداعية إلى الدستور والاستقلال منذ البداية وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية حملات من قوى ليبية داخلية مرتبطة أما بالمصالح الايطالية أو المصالح الفرنسية أو المصالح البريطانية ، وهي حملات انفصالية تقوم على التشكيك بالاستقلال وبالمستقبل ، والدعوة إلى الارتباط بالقوى الأجنبية ، وكان اعتقاد هذه القوى هو " عدم صلاحية ليبيا " لأن تكون دولة مستقلة .

وهناك من قال بمزاعم تتعلق بعدم وجود اصل تاريخي للوحدة الليبية واستندوا في ذلك إلى مصادر ودراسات وتحقيقات تشير إلى وجود اختلاف بين مناطق ليبيا ، وأن هناك تفاوت كبير في النضج السياسي وفوارق اجتماعية واقتصادية بين هذه المناطق ، وذهبوا يلتمسون المبررات لأنفسهم من الماضي التاريخي .

وكانت هذه المزاعم تقوم على الاختلاف التاريخي بين الأقاليم الثلاثة أو على حد تعبيرهم بالضبط " أن طرابلس خضعت للفنيقيين والقرطاجنيين في الوقت الذي خضعت فيه برقة إلى الإغريق وأن طرابلس كانت تابعة لأفريقيا في حين كانت برقة تابعة لروما أو لمصر .

كما أن الغلبة للعنصر الأمازيغي في طرابلس ، بينما في برقة للعنصر العربي ، كما أن عرب برقة من بني سليم في حين أن عرب طرابلس من بني هلال ، وأن سكان شمال ليبيا ينتمون في أصولهم لسلالة البحر المتوسط ، بينما سكان فزان ينتمون لسلالة أثيوبية .

وهكذا كانت هناك تيارات محلية تعمل على إضعاف الاتجاهات الوطنية المنادية بالوحدة والاستقلال ، وقد لاقت هذه التيارات الانفصالية دعما ومساعدة من القوات المحتلة ، بل أن هذه القوى المحتلة الجديدة لم تمانع في قيام حركات داخلية للمطالبة بالانضمام إلى الدولة الإيطالية التي كانت تحتل ليبيا ولهذا نشأ حزب في طرابلس يدعو إلى الوصاية تحت الراية الأيطالية ويرفض قيام الدولة الليبية المستقلة .

غير أن تلك النزعات الانفصالية والعنصرية وغيرها من التيارات المعادية للوحدة الوطنية الليبية لم تجد صدى لها في نفوس الليبيين ، وقد عبر أحمد رفيق المهدوي سنة 1947 عن هذا المعنى في أكثر من موضع ، إذ أنشد قائلا :
سمعنا أناسا يطلبون وصاية ... نعوذ برب الناس من شر شيطان
أيدرون ما معنى الوصاية ليتهم ... بها سألوا أهل الشام ولبنان
هي الرق لكن لا يرى في رقابنا ... كقيد حديد بل كأغلال عقيان
فلا خير عند الأوصياء لو أنهم ... ملائكة جاءوا بوحي وقرأن .
سيعلم طلاب الوصاية ..أنهم ... ربما طلبوا دلو على عقل صبيان

وفي قصيدة أخرى يقول رفيق :
فكرت في وطني وفي قومي وقد ... عسكوا الرجاء وخيبوا المأمولا
فوجدتهم لا يهدفون لغاية ... نلقى بها المستقبل المجهولا
كل يؤيد حزبه وفريقه ... ويرى وجود الآخرن فضولا
ما هذه الأحزاب إلا نكبة ... ستجر من فتن الشقاق ذيولا
أن الشقاق ذا سرى في أمة ... عفى على أثارها لتزولا
حق البلاد مقدس ككأمانة ... في حملها الإنسان كان جهولا
فليحذر التاريخ من نفسه ... شرف يغار لذكره مرذولا
وليعلم الأحزاب أن نضالهم ... عبث وهم متفرقون فلولا
من لم يحز ثقة الجميع ... ولم يفز بالأغلبية لن يحوز قبولا
ومن استبد برأيه سنرده ... لو جاءنا بالمعجزات رسولا " .


وهذه الأوضاع القاسية كلها كانت مسيطرة ومهيمنة على كل شيء في الأقاليم الثلاثة ، ولكن الشيء الذي يجب الاعتراف به والتأكيد عليه أن غالبية الشعب الليبي في ذلك الوقت ورغم قسوة الظروف ، ورغم محاولات وجهود الإدارات العسكرية المسيطرة ، لم تكن ترضى بغير الوحدة وبغير الاستقلال ولكن في إطار شرعي دستوري حضاري ، وهذا ما يدعو للفخر والاعتزاز ، فقد تشكلت تنظيمات وأحزاب وطنية في الاقاليم الثلاثة خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وفي فترة قيام الإدارات العسكرية تحديدا ، فقد شعر الليبيون أنهم رغم ما بذلوه من تضحيات جسام من أجل الاستقلال والتحرير ، لكنهم وجدوا انفسهم بعد ذلك ، خاضغين لمستعمر جديد بدلا من المستعمر الإيطالي وكأن نضالهم ومشاركتهم في الحرب العالمية الثانية كان بقصد إبدال مستعمر بمستعمر ، بينما كان نضالهم وجهادهم منصبا من أجل الحرية والاستقلال ، وهذا ما عبرت عنه مختلف الاتجاهات السياسية التي نشأت في تلك الحقبة ، ففي طرابلس نشأ النادي الأدبي وكان أول التنظيمات المنادية باستقلال ووحدة ليبيا بأقاليمها الثلاثة ثم تلاها نادي العمال ونادي النهضة ونادي الشباب الليبي ، ثم تشكلت الأحزاب ، الحزب الوطني وحزب الجبهة الوطنية وحزب الكتلة الوطنية وحزب الأحرار وحزب العمال وحزب الاستقلال ، ثم حزب المؤتمر الوطني ، وكان شعار أغلب هذه الاتجاهات السياسية والحركات الوطنية هو الاستقلال الناجز التام للبلاد والانضمام لجامعة الدول العربية .

وفي برقة تكونت تنظيمات مشابهة منها نادي عمر المختار ونادي الشباب وتشكل بعد ذلك المؤتمر الوطني ، و كان هدف هذه التنظيمات هو تجميع الكلمة وتضافر الجهود وتوجيهها للكفاح من أجل الاستقلال في هذا الظرف العصيب . ولكن الكلمة الحاسمة في هذه الظروف وبطبيعة الحال ، هي للآقوى والأقوى في ذلك الوقت هو الدول المنتصرة ، هذه الدول لم تخوض الحرب على إيطاليا من اجل تحرير ليبيا ، ولم تقدم أبنائها ضحايا من اجل استقلالها . بل كانت لهذه القوى مصالحها ، ومصالحها هي التي توجه سياسياتها الخارجية والدولية .

فكيف يمكن لهذه الدول أن تتنازل عن مصالحها وتقرر الاعتراف بحق ليبيا في الاستقلال والتحرر ، وهل يمكن أن تقبل القوى المنتصرة بذلك ؟

ثم ما هي جهود الليبيين في هذا المعركة العنيدة القاسية ، هل يظفرون باستقلال وبدستور يؤكد هذا الاستقلال ويدعمه ؟

هذا ما سوف نلقي الضوء عليه في الجزء التالي.

علي أبو شنة الغرياني


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home