Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأحد 6 فبراير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

انتبهوا أيها السادة (1)

المتحولون الجدد ومحاولة اختراق المجتمع والسياسة الليبيتين

يُعد التغيير سمة إيجابية في حياة الشخوص والمجتمعات، فهو دليل على العافية وما تتمتع به تلك الحياة الإنسانية من حيوية ودينامية، تميزها عن السكون، لكونه بمثابة الجمود والتكلس الذي يحمل في طياته الفناء والعدم، بالمعني الاصطلاحي للكلمة. وهنا يجب أن نلاحظ فوارق جوهرية مميزة وحاكمة لمعني التغيير في حياتنا. فهناك ما يمكن تسميته بالتغيير - التطوري الذي يعطي دفعة ونقلة نوعية في مسار الحياة، لكونه باعث على التجديد وفتح آفاق جديدة في الحياة نتيجة الاستجابة الخلاقة للمستجدات التي تعتري حياتنا على المستويين المادي والمعنوي، وهناك أيضاً التغيير - المصلحي الناجم عن وجود مصالح ومزايا دافعة لتبني هذا التغيير وليس إيماناً أو تعبير عن قناعة شخصية.

فهذا الصنف الثاني من التغيير، هو المميز للسلوك الإنساني ذو الطابع البرجماتي، الذي دوماً ما يحدده موقف ومنظومة القيم والمرجعيات التي يرفع لواءها تبعاً للمصالح التي يمكن أن يجنيها، ويتوخاها من الولوج لهذا التغيير. هنا من الصعب إطلاق مفهوم التغيير على هذا الصنف، وإنما الأصح إطلاق توصيف التبديل والتحول في المواقف، تبعاً للمواقع السياسية التي يستند إليها والتي تكون الدافع إليه المصلحة الشخصية، ولا شيء بعدها.

فهناك أناس في مراحل ما في حياتهم غيروا مرجعيتهم العقائدية أو الفكرية، بعد مرحلة صدق ووقفه محاسبة مع النفس، فهذا تطور طبيعي يحمد لهؤلاء، أي كان طبيعة المرجعية الفكرية التي استقروا فيها، المهم أن تكون نتاج مراجعة ومحاسبة للنفس وسنوات الماضي، للآسف فهؤلاء لا يمثلون سوى الشيء القليل في عمليات التحول التي تعتري النخب والشخوص، لكون الأكثر أتى معه التغيير بدوافع مصلحية مباشرة، تحت شعار.. "أينما تكون مصلحتي، تكون مواقفي الفكرية والعقائدية". ومثل هذا التغيير هو بمثابة نوع من النفاق مع النفس والآخرين، غير أن أكثر ما يثير الدهشة في هؤلاء هي تلك الحالة غير المسبوقة من الصفا والسلام مع النفس التي تميز تفاعل هؤلاء مع الواقع المحيط بهم.

ومن هؤلاء الصنف من البشر مسئول منتدى التنمية البشرية والسياسية د.علي أبو زعكوك، ومسئول منتدى الشفافية د.عبد المجيد بيوك، ومسئول موقع أخبار ليبيا عاشور الشامس ، الذين شهدت حياتهم العديد من النقلات الفكرية، التي تثير أكثر من علامة استفهام كبيرة، غير أن ربطها بالمصلحة الشخصية المباشرة، يمكن أن يقدم إجابات مقنعة لهذه التساؤلات. غير أن هناك تساؤلات مازالت محيَرة حتى الآن بدون إجابة محددة، وفي مقدمتها.. لماذا يوطد بعض المسئولين التنفيذيين علاقاتهم مع شخصيات تقف في جانب المعارضة السياسية بالخارج التي لا تدخر ما في وسعهاً التشهير وتأليب الخارج على نظامنا السياسي بدعوى أنه غير ديمقراطي وينتهك حقوق الإنسان.. في علاقة تتجاوز كل الأعراف والتقاليد التي تحكم عمل المسئولين بحكم المواقع الوظيفية والسياسية التي يشغلها كلٍ هؤلاء المسئولين..؟ والأكثر دهشة أن يكون هؤلاء المسئولون بمثابة سعاة بريد خاصين لرؤساء ما يسمون بمنظمات المجتمع المدني في الخارج وأخص بالذكر مسئول منتدى التنمية البشرية والسياسية لأكثر من مسئول ليبي كبير داخل الجماهيرية، فهل هناك صداقة تتجاوز المعايير المهنية والوظيفية..؟ هل هناك محاولات متبادلة للتجنيد السياسي واختراق المعسكر الآخر..؟ أم أن المسألة في النهاية لا تُعد أن تكون مصالح شخصية يدافع عنها المتحولون الجدد، ويساعدهم فيها هؤلاء المسئولون..!

يبدو أن المسألة برمتها هي خليط مركب بين هذا وذاك.. إذ كيف تستقيم مواقعهم داخل ما يسمى المعارضة الليبية المتواجدة في واشنطن والتي اتخذ لها شكلا جديداً وهو منظمات المجتمع المدني، وما ترفعه من دعاوى للتغيير السياسي بالخارج بما يعنيه من إحداث انقلاب في منظومة القيم والممارسات الاجتماعية والسياسية التي أرساها الأخ قائد الثورة، مع تلك الرسائل التي ادّعوْا فيها الوطنية، وأن هناك مؤامرات تدبر لهم من قبل شخصي المتواضع، أو جهاز الأمن الخارجي - أو ما أسموه جناح رفض التغيير- وهم الوطنيون الشرفاء الذين يؤمنون بالحوار وتوجهات التغيير التي يرفعها د. سيف الإسلام ومؤسسة ليبيا الغد. فمثل هذا السلوك أن دل على شيء، فإنما يدل على البرجماتية والمصلحية التي تؤسس لسلوك هؤلاء الأشخاص دوماً منذ بدايتهم مروراً باللحظة الآنية انتهاءً بالمستقبل المنظور. فهم بحق رجال أكلوا أو يريدون الأكل على جميع الموائد، لكون المصلحة الشخصية هي دوماً المحرك والدافع بل والمرشد للمواقف السياسية - العقائدية التي يتقمصونها، والتي لا تمت بصلة للقناعة الشخصية، أو حدوث تحولات ناجمة عن صدمة فكرية أو محاسبة للنفس كما حدث مع الآخرين والذي كنت واحداً منهم.

فقد بدأ أصحابنا حياتهم السياسية محسوبين على التيار الإسلامي، بكل ما يحمله هذا التيار الديني من مقولات حاكمة للنفس والآخر. كان هذا الانخراط في بداية فترة بدا فيها أن الخيار الإسلامي بالمنطقة له فرصة ما للوصول للسلطة. غير أن الانحسار والإخفاق الذي مُني به التيار الإسلامي السياسي بسبب تنبُّه شرائح لا يُستهان بها للعنف كأساس للتغيير المجتمعي ونمط الممارسة السياسية، وثم تالياً في دخوله في مواجهات حدية مع السلطة التي وظفت احتكارها لمؤسسات وآليات العنف المنظم داخل المجتمع، في إضعاف ثقل وقوة هذا التيار وتحييده عن معادلة الفعل والتأثير السياسيين.

وبعد انحسار الخيار الإسلامي السياسي، أعاد هؤلاء توجيه بوصلتهم الفكرية والعقائدية تجاه المعارضة العلمانية (شكلياً)، وانخرطوا في ما يسمى جبهة الإنقاذ وسلسلة الاستنساخ التنظيمي التي تلتها، بوصفها وعاء جامعاً لما يسمى المعارضة الليبية في الخارج. وهذه النقلة الحدية من تيار فكري لنقيضه أمكن تبريرها بالمراجعة الفكرية التي يمكن أن يجريها المرء مع نفسه، وهذا شيء طبيعي، أما غير الطبيعي هو الارتماء في أحضان الدعم السياسي والمالي الأمريكي، وفي نفس الوقت ادعاء الوطنية والإيمان بالحوار والشعارات التي يرفعها تيار ليبيا الغد. ومثل هذا التناقض البين في الشخصية يكاد يكون من الصعب تبريره بالمحاسبة الذاتية مع النفس، لكون الإيمان بالشيء ونقضيه في نفس الوقت، هو نوع من اللعب على الجانبين، وتحين الفرصة حتى يستقيم الأمر ويتوسدوا لتيار فيرمون أنفسهم تجاهه باعتباره أبناء لهذا التيار وجنداً من جنوده المخلصين الذين كانوا يدافعون عنه وقت الشدة.

فالتغيير الذي تنادي به مؤسسات دعم الديمقراطية الأمريكية التي تمول (المنتدى، أخبار ليبيا، الشفافية) وغيرهم من التنظيمات المعارضة وفي مقدمتها أبرز ثلاث منظمات: الوقف الوطني للديمقراطية (1) NED والمعهد الجمهوري الدولي IRI والمعهد الديمقراطي الأمريكي NDI تستند إلى إحداث تغيير راديكالي في المجتمع الليبي يلبي المصالح الأمريكية بالأساس، يكفي أن نشير لشهادة باربارا هيج، نائبة مكتب البرمجة والتخطيط والتقييم بوزارة الخارجية في جلسة الاستماع مع لجنة العلاقات الدولية بالكونجرس التي انعقدت بتاريخ 19 نوفمبر 2003.. "إن صندوق الوقف الوطني للديمقراطية يسعى إلى تشجيع الأفكار والقيم والعادات التي من شأنها أن تؤمن ديمقراطية السوق، للهيمنة الأمريكية اليوم واجهتان تواجه بهما العالم؛ الديمقراطية وسياسة السوق الحرة، ولا يمكن فهم ديمقراطية السوق في أي بلد إلا في هذا الإطار، هدفنا دعم المجموعات التي يمكنها أن تنقل المعلومات وتتعرف علي أناس طيبين"، وقبلها كان آلن وينشتاين أحد منظري صندوق الوقف الوطني للديمقراطية قد أعلن عام 1991.. "هناك الكثير مما نقوم به اليوم، كان يقع ضمن مهام وكالة المخابرات المركزية منذ 25 عاما". وفي النهاية، فإن الهدف الأساسي من ترويج الديمقراطية ليس إلا خلق وزرع نخبة سياسية جديدة وغريبة عن الجذور الثقافية والحضارية للأمة وتسليم السلطة لها، وصناعة إعلام يطبل لهذه النخبة ومن ثم يدفع الشعب إلى ظل عباءتها، وخلق طبقة برجوازية طفيلية، وصناعة مجتمع مدني أليف ومؤدب.

أما التغيير والإصلاح الذي تنشده ليبيا الغد- كما يشير دائماً د. سيف الإسلام- فهو ذلك القائم على التدريجية والحفاظ على الخصوصية الثقافية والحضارية للمجتمع الليبي، ومنع حدوث حالات الاختراق الخارجي له من قبل مؤسسات وشخوص تزيد من تبعية المجتمع لا استقلاليتها، كما حدث في مجتمعات مجاورة.

والسؤال هنا كيف يستقيم الإيمان بهذين التوجهين في آن واحد. يستقيم هذا الحال مع تطبيق الحكمة القائلة.. "لكل مكان مقال" فهؤلاء حينما يخاطبوا الأمريكيين يخاطبوهم باللغة التي يعرفونها، وهي لغة السوق والمجتمع المدني ذو الأسس الغربية - الليبرالية أي تخليق جماعات ومصالح تكون أقرب لتحقيق المصالح الغربية منها للمصالح الوطنية. ويكفي أن نشير لما قاله هؤلاء المتحولون الجدد(مسئول منتدى التنمية البشرية والسياسية د.علي أبو زعكوك، ومسئول منتدى الشفافية وغيرهم)في الحلقة النقاشية التي أدارها معهد كارينجي في يونيه الماضي حول ملاحظات السفير الأمريكي في طرابلس جين كريتز حول رؤيتها للتحولات التي تشهدها العلاقات الليبية - الأمريكية بعد عامين من التطبيع. فهو مع نفر من المعارضة الليبية، أعادوا إنتاج مضامين الخطاب التقليدي للمعارضة تجاه السلطة والنظام بالجماهيرية: وجود السلطة الفاسدة، نهب ثروات الشعب الليبي ومحاكمة النظام السياسي، وعدم وجود تعددية حقيقية وتمثيل سياسي فعال داخل الجماهيرية، غياب الدستور والضمانات السياسية التي تكفل حرية التعبير وحقوق الإنسان، عدم توزيع عوائد التنمية بين مناطق الجماهيرية بشكل متساو، التراجع الذي يعيشه النظام الليبي بسبب إغلاق العديد من المنافذ الإعلامية المعبرة عن تيار التغيير داخل الجماهيرية... والمثير للسخرية هو محاولة الترويج للحلقة النقاشية بوصفها فشلاً للسياسة الخارجية الليبية وخياراتها الأساسية، والانتهازية الأمريكية في آن واحد، ومن خلال التأكيد على (2) :

- أن الاهتمام الأمريكي يكاد يقتصر على الجوانب الاقتصادية ومدى مساهمة الشركات الأمريكية فيه، والتعاون الذي قد يشمل عدة قطاعات أن لم يكن كل القطاعات الحيوية في البلاد.

- أن مسألة التغيير والإصلاح السياسي وقضايا حقوق الإنسان والحريات، لا تشغل بال الإدارة الأمريكية في هذه الفترة طالما أن النظام الليبي يدخل في إطار ما يسمى بالأمن القومي الأمريكي في محاربة الإرهاب وهو ما توليه الإدارة أهمية كبيرة على ما عداه.

- دور سيف الإسلام يلقى رواجاً بأشكال مختلفة داخل الولايات المتحدة، على الأقل في هذه المرحلة التي تسميها الإدارة الأمريكية مرحلة اختبار الواقع والوضع الليبي بعد عملية التطبيع مع النظام الليبي.

- بقدر وضوح السياسة الأمريكية تجاه النظام الليبي، تتسم سياساته بالتخبط والارتجالية نتيجة قراءاته الخاطئة للموقف الأمريكي. لقد أثبتت التجارب فشل رهانات أنظمة الحكم الشمولي والفساد والإرهاب في الاعتماد على دعم الغرب لها وحتمية سقوطها عاجلا أم أجلا.

وقبلها كان مسئول منتدى التنمية البشرية والسياسية د.علي أبو زعكوك، قد رعى مؤتمر عُقد في فبراير 2010 بمركز الفكر الإسلامي في فيرجينيا بعنوان: منظمات المجتمع المدني في ليبيا، وحضره رموز المعارضة التقليدية التي تجاوزها القطار، فحاولت الالتحاق بآخر عربتها وهي المجتمع المدني، بهدف جذب الانتباه الأمريكي لهم بوصفهم من دعاة هذا النمط من التحول.

وحينما يتوجه هؤلاء للجانب الليبي، فإنهم يتقمصون مسوح الوطنية، والإيمان بالأفكار التي يدعو إليها د.سيف الإسلام، حول أهمية التغيير، بهدف ركوب الموجة والتيار الذي يدعو إلى وقفة مع النفس لتقييم التجربة الليبية طوال العقود الماضية، من أجل الانطلاق نحو تمكين الدولة والسلطة من ممارسة دورهما بكفاءة عالية.

فكله حسب المثال تغيير؟، المهم من سوف يفوز في النهاية، فنحن في صفه..!

د. يوسف أمين شاكير
_______________________

1. لقد سبق أن نشرنا وثائق في غاية الخطورة 2008-2009 حول دعم هذه المنظمة للمتحولين الجدد ونشرنا مقالة بعنوان فاعتبروا يا أولي الألباب.
2. ملخص لما دار في الحلقة النقاشية المذكورة والتي حضرها هؤلاء النفر ولم يكلف مكتبنا الشعبي بواشنطن فرداً واحداً لحضور تلك الحلقة؟!!.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home