Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الثلاثاء 4 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

المصيبة الأعظم

ألاَّ يعلم قائد أو حاكم أي دولة مدى معاناة شعبه فتلك مصيبة، وأن يعلم بمعاناتهم دون أن يحرِّك ساكناً أو أن يفكر حتى التفكير في إصلاح حالهم فالمصيبة أعظمُ، غير أنَّ المصيبة الأعظم هو أن يعلم بأدق تفاصيل معاناتهم ويتظاهر بعدم المعرفه، بل ويجادلهم بأنهم يعيشون في نعيم أرضي.

بين الفينة والأخرى يخرج علينا القائد الليبي معمر القذافي بشطحة من شطحاته المعروفه والتي في الغالب تكون غير متوقعه، والغرض منها دائماً جذب الأنظار، ولكني لم أتوقع أن تبلغ به الجرأه في أحدث شطحة أن يستعرض عضلاته على الشريحة الأضعف في الوطن، والذين إضطرتهم تكاليف المعيشة أن يطلبوا المعونه أمام بيوت الله، وكان أغلبهم من النِّساء، ولم أتوقع أن تصل به درجة الوقاحه أن يكشف غطاء وجه إحداهنَّ والتي أبت كرامتها أن تطلب المعونه مكشوفة الوجه فإذا به يكشفها أمام الملأ من خلال الكاميرا.

إستغربت بشدَّه إصراره على التشكيك في جنسية تلك النِّسوه (والمستمع لجملة واحدة منهنَّ يتأكد بأنهنَّ ليبيَّات) وسبب تشكيكه أنَّ الليبيين لا يمكن أن يتسوَّلوا.

ما يمنع أغلب الليبيين من التسوّل هو ما تبقَّى لهم من كرامه وليس بسبب عدم إحتياجهم، تلك الكرامه تصمد أمام الجوع ولكن لا تصمد عندما يرى أحدهم المرض يفترس أحد أبنائه ولا يملك ثمن الدواء لعلاجه.

أستغرب إستغراب القائد الليبي، فمشكلته أنه ينسى أقواله حتَّى لو كانت في الماضي القريب، ويتناقض كثيراً في تصريحاته فيأتي بالمتناقض لإثبات ما يريد حسب مقتضى الحال، ففي جلسة حديثة، ما يزيد قليلاً عن سنة مضت، وعندما كان يتحدث عن الفساد، ضرب مثلاً بمدير الشركه الذي يمتلك سيارة يبلغ ثمنها سبعون أو ثمانون ألف دينار، فاستبعد إمكانية ذلك المدير أن يوفر من مرتبه ما يمكنه من شراء سيارة بذلك الثمن، وعندها تدخَّل أحد الجالسين في الصف الأول أمامه وأعتقد أنه كان أحد الوزراء فعقَّب على كلامه قائلاً: والله يا قائد إنَّ مرتب مدير الشركه لا يكفيه حتى للأكل، فوافقه القذافي وقال: نعم، كما قال زميلكم فإنَّ مرتبه لا يكفيه حتَّى للأكل!

إذا كان هذا هو حال مدير الشركه فكيف الحال بباقي الموظفين والعمال البسطاء في الدوله، ناهيك عن العاطلين عن العمل والذين تزداد أعدادهم يومياً، إذا كان مرتب مدير شركة لا يكفيه لسدِّ حاجاته الأساسيه ناهيك عن إمتلاك مسكن ملائم أو سيارة فارهه فلمن تكون السيارات الفارهه إذن؟ هل لك وحدك وأولادك ولمن ترضى عنهم من رعاة الإبل من حولك والذين لا يملك أغلبهم أي شهادة أو مؤهل، وكذلك للجشعين من التجَّار والذين أثروا ثراءاً فاحشاً في ظل الفوضى وعدم وجود قوانين تنظم التجارة، بل وإستغل بعضهم جاهه ليحتكر تجارة بعض المواد المهمه وبالطبع عندها يبيعها بالثمن الذي يُريد.

لقد إتَّسعت الهوه بين العدد البسيط الممتلكين لأغلب ثروة الليبيين بغير حق مشروع وبين باقي الشعب الذي وصل أغلبه إلى درجة الفقر.

إنَّ الأمراء في دول الخليج يمتلكون ثروات لا طائل لها، ولكن ذلك لم يمنع أغلب باقي المواطنين من العيش في قصور وكذلك إمتلاك السيارات الفارهه.

لقد ظهر النفط في الخليج في نفس الوقت الذي ظهر فيه في ليبيا، وكانت ليبيا متقدمة جدًّا على دول الخليج في بداية الطفرة النفطيه، فما الذي أوصلهم إلى ما هم فيه وأبقانا فيما كنَّا عليه، بل وقد ساء حالنا عما كنَّا عليه، أعتقد أنَّ إجابة هذا السؤال يعرفها حتى الأطفال في ليبيا.

أيها القائد الليبي، المحتاجون الذين يطلبون المساعده أمام بيوت الله ليسوا هم من أساء لليبيين، ولكن الذي أساء لهم هو من أوصلهم لهذه الحال.

ماذا قدمت لليبيا في أربعين سنه، ليس بإمكانك ولا زبانيتك المزايده ففي عصر المعلومات أصبحت الأمور واضحة وجلية ليس للشعب الليبي فقط بل ولباقي شعوب المعموره.

أعتقد أنَّك شعرت بخجل شديد عندما نصحك أحد الرؤساء الأفارقه أن تهتم بتنظيف عاصمتك أو بالتحديد طريق مطارها قبل أن تهتم بسياسات دول أفريقية أخرى.

أتمنى أن أعلم في يوم من الأيام سبب حقدك الشديد على الليبيين، رغم طيبتهم ومسالمتهم المتمثله في تحمّل ظلمك والصبر على أذاك طوال الأربعة عقود.

أن تساعد الشباب في مصر بإنشاء مساكن بتكلفة العديد من مليارات الدولارات وكذلك محاولة مساعدة الشباب التونسي حالياً شيء جميل فهم إخواننا في الدِّين والعروبة وجيراننا ولكن لا يختلف إثنان أنَّ الأولى أن تبدأ بحلِّ مشاكل شعبك وخاصَّة الشباب منهم أولاً، أو على الأقل أن تهتم بشعبك بنفس درجة إهتمامك بغيرهم، ولكن إهمالهم بالكامل وتهميشهم فذلك ما لا أجد له أي تفسير خاصَّة وأنَّ الموارد وفيرة جداً.

الظلم ظلمات يوم القيامه، وإذا دعتك قدرتك إلى ظلم الناس فتذكر قدرة الله عليك، وأريد أن أُبلغك أنَّ ما حصل في تونس سيحصل لا محالة في ليبيا لو إستمرَّ الوضع على ما هو عليه، فالجو مشحون والتَّوتُّر قد بلغ مداه، وما يؤخِّر الإنفجار هو إنتظار الشراره التي ستولِّده.

لا تغرّك القبضة الأمنيه التي تخنق بها المواطنين فهي شديدة كذلك في تونس ولكنَّها لم تمنع الإنفجار، ولن تبلغ مدى قبضة تشاوشيسكو والتي لم تحمه عندما ثار الشعب الروماني عليه، ولا تعتقد بأنَّ طيبة الشعب الليبي تعني جُبنه، أُريدُ أن أُذكِّرُك بأنَّهم أثبتوا أنَّهم شعب حي عندما تحرَّكوا منتصف الثمانينات، بسبب قرار سياسي بإلغاء مباراة في كرة القدم، يومها أطلق الشرارة شخص واحد إخترق الملعب وهو يهتف ضدَّك فتبعه كلُّ من في الملعب وإلتحم معهم كُلُّ من إلتقاهم في الطريق، وتذكَّر كذلك تحرُّكهم عند حصول مشكله مع الأفارقه المقيمين في ليبيا، وفي مناسبات أُخرى.

من تعتمد عليهم في قمع الليبيين هم أوَّل من سيتخلَّى عنك بمجرد أن يحدث ما نتوقعه وذلك طمعاً في أن يقوموا بنفس الدور مع النظام الذي سيعقب نظامك، فهم أكبر المنافقين، ولا أستغرب أن يتعاونوا مع أي حاكم حتى لو كان محتلاً، ولعلك تتذكر بأنًّ أول ما فعله أعضاء اللجان الثوريه بعد الغارة الأمريكية مباشرة سنة 1986 هو إحراق ملفاتهم وسجلاتهم إستعداداً لبدء صفحة جديدة.

علاج أي مشكلة إجتماعيَّه يكون بدراسة دقيقة لأسبابها ومن ثم إيجاد الحلول لها، ولا يكون بهذه الطريقة المبتذلة والمسرحية الإستعراضيه.

نحن لسنا بحاجة لدراسة هذه الظاهرة بالتحديد فالأسباب واضحة وضوح الشمس وطرق حلها معروفة، وأعتقد جازماً أنَّك تعلم الأسباب أكثر من أي ليبي آخر، كل ما تحتاجه هو رغبة جادَّة وصادقة للإصلاح.

أنت المسؤول الأول عن معاناة الليبيين وستحاسب عليها حساباً عسيراً إن شاء الله يوم القيامه، وستحاسب عليها بعون الله قريباً قبل ذلك في هذه الحياة الدنيا، ليس بما إقترفت يداك وأيدي أولادك فقط ولكن بما إقترف كل من أطلقت أيديهم يعبثون بأموال ومصير الشعب الليبي.

كفاك تعليقاً لنتائج إخفاقاتك على شمَّاعة سلطة الشعب والمؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وغيرها من المسميات فالكل يعلم أنَّه منذ قيام ما تسميه سلطة الشعب وإلى الآن لم يُقرَّ قرار ولم تُتَّخذ أي خطوة في أي مجال سواءاً مهمة أو غير مهمة إلاًّ بإيحاء منك أو مباركتك، إن لم تكن قرارات أو أوامر مباشرة منك، بل في أحيان كثيرة كنت تترك القرار يصدر ثم تبطله كأنَّما تريد أن تُثبت لليبيين أنَّك أنت الآمر النَّاهي الأوحد في البلد، أشهر تلك التدخُّلات كانت في منتصف الثمانينات عندما قررت اللجنة الشعبية العامة بداية العمل بتغيير التوقيت الصيفي والشتوي وتمَّ الإعلان على ذلك القرار في الإذاعة عدَّة مرَّات، وأُقيمت ندوة دامت ساعتين ليلة التَّغيير أوضح فيها المختصُّون الميزات وتم تغيير الساعة منتصف الليل، ليكتشف المواطنون عند بداية الدَّوام صباحاً أنَّه قد صدر أمر عسكري في وقت ما بين منتصف الليل وبداية الدَّوام، والأمر العسكري كان: كما كنت.

لعلَّ أشهر نكتة تتعلق بسلطة الشعب ما حدث في مؤتمر الشعب العام نهاية السبعينات عندما كنت أنت الأمين العام له، فقد نصحت الليبيين في إحدى الجلسات أن يكونوا أهلاً للمسئولية وأن يكونوا مستعدِّين لتحمُّل تبعات أي قرار يتخذونه، وضربت مثلاً قطع العلاقات الدبلوماسية مع الصِّين الذي قررته المؤتمرات الشعبية، ثم ذكرت أنَّ الليبيين تذمَّروا بعد ذلك لعدم توفر الشاي ألأخضر والملابس الشعبية الليبية المسمَّاة البدل العربية والتي كانت تُصنَّع في الصين، فبعد أن طلبت منهم أن يفكروا جيداً قبل إتخاذ أي قرار ومن ثم تحمل التبعات، ضحكت وبشَّرتهم بأنَّ العلاقات مع الصين سترجع قريباً وأنهم سيتمتعون عندها بالشاي الأخضر والبدل العربية!!

إذا كانت المؤتمرات الشعبية هي التي قطعت العلاقات مع الصين فكيف تُفسِّر تبشيرك لهم بإرجاعها والمفروض أنَّ الذي قطعها هو الذي يقرر إرجاعها إن شاء.

لقد لخَّصت تلك النكتة مفهوم سلطة الشعب عندك، لكن وللأسف أغلب أعضاء مؤتمر الشعب العام الذين حضروا تلك الجلسة ضحكوا معك ملئ أشداقهم ولم يفهموها كما يجب.

في سنواتك الأولى علَّقت على الملك بقولك من الذي ملَّكه ليبيا كي يحكمها هو وورثته، هل سألت نفسك الآن نفس السؤال. نحن لا نعتقد أنَّك ستترك حكم ليبيا طواعية فإنَّ ما أُغتصب بالقوة لا يُسترجع بغيرها، ونحن واثقون أنَّ وطننا الغالي سيرجع لنا قريباً إن شاء الله، فالتاريخ يُخبرنا أنَّ حكم الطغاة ينتهي عندما يبلغ الظلم مداه، ولكن مشكلتك والطغاة أمثالك أنكم لا تقرأون التاريخ.

يوسف الصادق
( مواطن ليبي )


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home