Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 3 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

التجربة الدستورية الليبية في العصر الحديث
آمال عريضة وانتكاسة مريعة (2)

حالة ليبيا قبل السابع من اكتوبر 1951 :

والأدق والأصح أن نقول حالة الأقاليم الثلاثة طرابلس وبرقة وفزان ، لأن كلمة ليبيا بمعناها السياسي والجغرافي هي في حقيقة الأمر وليدة دستور السابع من اكتوبر 1951 ولولا هذا الدستور ، ما وجدت الدولة الليبية على واقع التاريخ والجغرافيا .

والأقاليم الثلاثة قبل السابع من اكتوبر 1951 كانت مفككة ومجزأة لا رابط بينها ، والقاسم المشترك الوحيد بينها يتمثل في حالة المعاناة والبؤس والفقر والمرض وما خلفته الحرب العالمية الثانية من أضرار جسيمة ومباشرة أصابت كل شيء في هذه الأقاليم الثلاثة .

وقد ترتب على ذلك ، أن أصبح واقع الحال في الأقاليم الثلاثة ، كان يعبرعن حالة من التخلف الشامل أصابت كل شيء .

و هذه الحالة البائسة كذلك لم تترك شيئا إلا ومسته بسؤ ، وهذا يشمل ليس فقط ، الشأن السياسي ، بل كذلك الشأن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والصحي والأمني والإداري ، فكل شيء كان قبل السابع من أكتوبر ينبيء بحالة من الاضطراب والتفكك والضياع ، لا فرق في ذلك بين إقليم طرابلس أو إقليم فزان أم إقليم برقة ، فالأقاليم الثلاثة في هذا الأمر ، سواء ، وإنها إن اختلفت فيما بينها ، فإنما تختلف في درجة التدني والسؤ والانحطاط . فقد يكون هناك إقليم أسوا حالا من الإقليم الآخر وهكذا .

وبالنسبة للإقليم الطرابلسي كانت به إدارة عسكرية بريطانية تضم ثلاثة مقاطعات هي المقاطعةالغربية ومركزها طرابلس والمقاطعة الشرقية ومركزها مصراته والمقاطعة الجنوبية ومركزها غريان .

وكل مقاطعة من هذه المقاطعات كانت تدار بواسطة ضابط بريطاني . وكانت كل مقاطعة تشمل بلديات وإن اختلف التنظيم الإداري بين هذه البلديات ، خاصة ما يتعلق بتشكيل واختصاصات مجالس هذه البلديات .

وبالنسبة لإقليم فزان ويشمل المنطقة الجنوبية حسب اتفاق إلكسندر- ليكريك ، واحات فزان والصحراء الطرابلسية الجنوبية ومنطقة غدامس وسيناون وبقية الصحراء الجنوبية . وقد كانت الإدارة في هذه المنطقة خاضعة للنفوذ الفرنسي منذ احتلالها في 26 يناير 1942 ، واستعملت الإدارة الفرنسية في إدارة إقليم فزان نفس أسلوب إدارة الصحراء الجزائرية ، وهي إدارة عسكرية مباشرة مركزها في سبها تحت سلطة الحاكم العام الفرنسي ، بينما التحق إقليم غات بالإدارة العسكرية الفرنسية في الجزائر وإقليم غدامس للسلطة الفرنسية في تونس . فخضعا هذان الإقليمان لما كان يخضع له هذان البلدان من تنظيمات خاصة .

وبالنسبة للإقليم البرقاوي الذي كان خاضعا للإدارة البريطانية فقد قسم إلى ثلاث مناطق هي الجبل الأخضر وبنغازي ودرنة يراس كل منطقة ضابط بريطاني يستمد سلطانه من الوالي الذي يخضع بدوره للحاكم العسكري العام البريطاني ، وفي 14 فبراير 1948 وبناء على إلحاح الشعب البرقاوي برئاسة الأمير محمد إدريس المهدي السنوسي تم تشكيل مجلس تنفيذي يتكون من سبعة أعضاء من البريطانييين وخمسة من البرقاويين وكانت مهمته تقديم المشورة للسلطات الحاكمة كصورة من صور المشاركة في الإدارة المحلية.

هذه هي الحالة العامة للأقاليم الثلاثة وهي كما يبدو لا تسر أحدا .

يضاف إلى ذلك أنه وخلال هذه الفترة الزمنية الصعبة من تاريخ الوطن ، استطاعت السلطات البريطانية والفرنسية المحتلة للبلاد من تكوين كيانات محلية تابعة لها ، كما ساعدت على نمو الروح الاقليمية والجهوية الضيقة ذات النعرة الانفصالية ، والتي ظهر تأثيرها السلبي واضحا عند الاستقلال وعند صدور الدستور ، ولولا حنكة القيادة الوطنية ودهائها السياسي لتطورت أبعاده ، ولما كان هناك مشروع وطني من الأساس ، إذ كانت الدعوة من اجل ليبيا الحرة الموحدة بالنسبة لبعض الفئات في الأقاليم الثلاثة مجرد حلم بعيد المنال مستحيل التحقيق ، بل هناك من اعتبره مضرا بالاقاليم الثلاثة .

ومن ثم لم تخلو الساحة في تلك الفترة ، ممن كان ينادي بالدولة الطرابلسية المستقلة أو الدولة البرقاوية المستقلة أو دولة فزان المستقلة ، أما الدولة الليبية الواحدة ، فكانت بالنسبة لهذه التيارات مسألة خطيرة يجب الابتعاد عنها . وكان لكل تيار من هذه التيارات مبرراته الانفصالية والاقليمية .

والمثير للسخرية أن بعض هذه التيارات كانت تنادي بوحدة طرابلس مع مصر مباشرة بدون اعتبار للأقليم البرقاوي ! وربما كانت هذه هي غايات الحزب الاتحادي الطرابلسي المصري الذي أسسه المرحوم علي رجب .

وحين نعود لمبررات هذا الطرح الذي يتسم بالغرابة نجدها تشير إلى حالة الفقر والبؤس التي كان عليها الإقليم البرقاوي بسبب الحرب العالمية الثانية وكذلك بسبب الجهاد ضد الغزو الإيطالي لمدة طويلة متواصلة عطل خلالها كل شكل من أشكال التقدم والنهوض والتنمية . ولعل أهم مظاهره يتمثل في غياب التعليم بصورة كاملة ومن ثم انتشار الأمية والجهل في برقة .

ومن أجل ذلك رأي الحزب الاتحادي الطرابلسي المصري الوحدة بين مصر وطرابلس بدلا من وحدة الشقيقتين التومأتين برقة وطرابلس . والأغرب في الموضوع أن هذا الطرح يثار في أقليم طرابلس في الاربعينات وبدايةالخمسينيات بينما كان جمع من الطرابلسيين والبرقاويين ينادون من سورية بوحدة الإقليمين في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي ، وأسسوا لهذا الغرض جمعية الدفاع عن برقة وطرابلس.

وحين تم أول لقاء بين بعض البرقاويين مع مؤسسيي الحزب الاتحادي الطرابلسي المصري ، قال السيد رشيد الكيخيا للسيد علي بن رجب ( رحمهما الله ) إن الاتحاد بين مصر وطرابلس يحتاج إلى جسر (كوبري) كي يتحقق ، فكيف يتم ذلك !

وحقيقة الأمر أن الليبيين ساعدوا الحلفاء في حربهم ضد إيطاليا باعتبارها العدو المشترك ، بقصد تحرير ليبيا من الاحتلال الآيطالي ، وما أن تم ذلك حتى سارعت القوات المنتصرة إلى إقامة ثلاثة إدارات عسكرية في ليبيا على نحو ما تقدم ، ولم يكن في نية المنتصر ولا في اعتباره أن ينظر إلى أي رغبة من الرغبات الوطنية لليبيين في الحرية والاستقلال ، وأن الأمر لا يعدو كونه تغييرا في شكل المحتل ، وأن محتلا جديدا قد حل محل محتل سابق ، وهكذا يجب أن تسير إليه الأمور ، فالحلفاء لم يخوضوا حربا عالمية ، بذلوا فيها الغالي والنفيس وخسروا فيها الالاف من الضحايا وهي حرب انتهت بالإطاحة بدول المحور لم يكن ذلك من أجل تحرير أو استقلال ليبيا ، بل لتحقيق مصالح الدول المنتصرة في الحرب ، وما ليبيا إلا غنيمة من غنائم الحرب .

لهذا كانت الطريق إلى الدستور وإلى الاستقلال ، طريق صعبة محفوفة بالمخاطر والمشاق والمعاناة والآلآم ، وهذا ما سنتناوله في الموضوع القادم .

علي أبو شنة الغرياني


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home