Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 30 سبتمبر 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

قرأت لك :
نقد عبد الناصر في ذكرى رحيله:
النهضة بدون حرية فشل.. ناصر يا حبيب.. أنت السبب

نقد عبد الناصر في ذكرى رحيله :

النهضة بدون حرية فشل.. ناصر يا حبيب.. أنت السبب

القدس العربي : http://alquds.co.uk

هويدا طه
2010-09-27

على أحد الأرصفة في شارع النبي دانيال العتيق بالإسكندرية.. كانت هناك كومة من كتيبات قديمة أوراقها صفراء رقيقة.. كانت على هامش صف من الكتب القديمة يبيعها تاجر كتب مستعملة.. نظرت إلى العنوان فكان سلسلة اسمها (كتاب التحرير) والعنوان المشترك لكل الأجزاء هو (حديث البطل الزعيم جمال عبد الناصر إلى الأمة)، أما العنوان الجزئي الذي يختلف من كتيب مهلهل إلى آخر فكان (الجزء الأول 1952- 1954) ثم الجزء الثاني فالثالث وهكذا.. ببضعة جنيهات اشتريتها من البائع الذي لم يساومني ولم يطلب المزيد.. لعله حتى لم يتوقع بيعها.. ربما بسبب شكلها المتهالك والحشرات الصغيرة جدا التي تتسرب إلى كفك وذراعك من بين أوراقها الصفراء البائسة، أو ربما لأن الزبائن لا يكترثون لها. ظللت على مدى أسابيع أقرأ تلك الخطب والأحاديث.. وكلما أوغلت سيطرت على رأسي ذات الفكرة.. هناك جمالان وليس جمالا واحدا. هناك جمال عبد الناصر المثقف الوطني الشجاع عزيز النفس العنيد المخلص النزيه.. وصاحب الرؤية الواضحة لمشروع (يسكن مكامن الحلم) في أعماقنا جميعا.. على اختلاف توجهاتنا وعقائدنا.. وعبر العصور والأجيال.. مشروع نهضة مصر وتقدمها وتحررها.
ثم هناك جمال عبد الناصر الرئيس، الذي أسس نظاما وصل بمصر وحلمه ومشروعه في نهاية المطاف إلى ما نحن فيه الآن. فجريمة البيع الغامض المتسلسل لمصر أرضا وكرامة، بل وبشرا التي تتم الآن، ليست مقطوعة الصلة تماما بمشروع عبد الناصر كما كنا نظن أو نتوهم أو نهدئ أنفسنا، التاريخ لا يعود إلى الصفر ويبدأ من جديد، التاريخ يتراكم (البيع الغامض) لمصر في مطلع الألفية جاء من رحم (التحرير الغامض) لمصر في الخمسينات.

مرارة الحصاد
أربعون عاما مرت منذ رحيل جمال عبد الناصر، قائد (مشروع نهضة واستقلال مصر) في أواسط القرن الماضي، المشروع الذي فشل لأسباب كثيرة بعضها خارج عن إرادة مصر وبعضها بسبب إرث التاريخ الثقيل، لكن بعضها الآخر كان بسبب عبد الناصر نفسه.
عندما ينتقد خصوم جمال عبد الناصر وأعداؤه التجربة الناصرية بأكملها فهذا طبيعي، حتى لو كان نقدا محملا بالتشفي والمغالطة، سيظل هذا النقد المتشفي المغالط معروف المصدر.. خصومه. لكن هناك نوعا آخر من النقد يأتي من أبناء المشروع الناصري نفسه، وهم ليسوا الناصريين المحزبين فقط بل الأكثر أهمية منهم هم هؤلاء (الذين استفادوا من مشروع عبد الناصر) وهم بالملايين.. كانوا ملايين. والنقد المقصود هنا ليس ذلك الذي تسميه الأحزاب الناصرية (النقد الذاتي) فقد تمخضوا في معظم نقدهم عن مجرد طبطبة. هناك نقد آخر.. نقد ينبع من مرارة، مرارة الحصاد. وقد كنت واحدة من تلك الملايين المهمشة التي استفادت من المشروع الناصري، لم أكن لأصل إلى الجامعة المجانية أوائل الثمانينيات من بين تسعة إخوة وأخوات لأب فلاح إلا على كتف مشروع كهذا. ولعلني انتمي لجيل آخر المستفيدين قبل أن يعلن موت المشروع على يد (الورثة) الورثة الذين باعوا مصر ببرود بيعا غامضا آثما من دون أن يجدوا رادعا.. وهذا هو بيت القصيد في نقد المشروع الناصري كله.. الرادع.

دولة ونظام ومشروع
ضمن مرارة الحصاد التي نشعر بها جميعا في حلوقنا كتبت في أحد مقالاتي السابقة أنه علينا وليس على غيرنا (اسقاط هذه الدولة) التي نعيش في ظلها، علينا وليس على غيرنا البدء ببناء دولة جديدة أساس بنائها ومشروعيتها يقوم على الحرية الحقيقية، كتبت ما يكتبه غيري من المثقفين المصريين، لكن أحد (أتباع الورثة) اتهمني بالخيانة وكتب قائلا إنني استحق وأمثالي تهمة (الإضرار بالأمن القومي) لأنني أريد اسقاط مصر. عن عمد أو عن جهل يخلط بين الدولة والوطن، الدولة التي ليست هي الوطن.. البشر يؤسسون كيان الدولة للمحافظة على الوطن، ويسقطونها كذلك حفاظا على الوطن. ما علينا كان لعبدالناصر ثلاثة: الدولة والنظام والمشروع، أقام دولة شبه جمهورية بدلا من دولة الملكية وأسس نظاما شبه اشتراكي بدلا من النظام شبه الليبرالي السابق. ثم انطلق حاملا مشروعه، مشروع كل المصريين في الواقع.. نهضة مصر، بنى المصانع والمدارس والمزارع واستصلح الأراضي وزاد الكهرباء والطرق وناصر الفقراء وقمع الطامعين في ثروات مصر وقمع كذلك الرجعيين الذين يمارسون طنينا منذ أوائل القرن الماضي لسحب مصر إلى البداوة وفقه الصحارى. ازدهر في عهده الفن والأدب، والنقد لكن لكل من يعادي المشروع، زادت الجامعات وزاد عدد المتعلمين والأهم في نظري تحرر الفلاح من (مشروعية ضربه بالكرباج) التي كانت لا تثير استهجانا قبل العهد الناصري، ورفع قيمة مصر عاليا في المجتمع الدولي وساعد على نشر الثقافة المصرية و..و.. والشعب؟ (سعيد). صحيح أنه أي الشعب (يستقبل فقط) جهد القائد لأجله من دون أن يشارك، لكن ما الجديد؟
عبر التاريخ ظل المصريون القدماء ثم الجدد لا يشاركون أبدا في تقرير مصيرهم فما الجديد؟ على الأقل لا يشاركون عبد الناصر السلطة التي كانت حسب المقايضة الضمنية له وحده.. لكن يقبضون الثمن بعد أن كانوا يستعبدون بلا ثمن..استكانوا لفكرة المستبد العادل الذي (حمل عنهم) أعباء النهضة وتمتعوا هم بثمارها إلى حين. حارب بقدر استطاعته فساد بعض رجال دولته.. الفساد الذي عندما نقرأ تفاصيله الآن ونقارنه بفساد اليوم نضحك ملء أفواهنا حسرة. فهناك فرق بين (نشال) سرق بيضة في السوق و(قاتل) قتل عمدا وعن سبق اصرار وترصد أفراد ثمانين عائلة بعد أن سرقهم. حارب ناصر الفاسدين برتبة نشالين وقمعهم بنزاهته المعروفة، لكن إلى حين. فقد حاربهم وحده .. طالما بقي حيا. وحتى بعد هزيمته الكبرى في نكسة 67 ظل صامدا وظل كذلك حائزا عن جدارة ودائما ثقة الشعب و.. تفويضه. نعم كانت مقايضة.. لعبد الناصر وحده السلطة وللشعب الاستكانة وثمار نهضة سوف تتلاشى بعد قليل.. لم يستغل ناصر تلك السلطة لبناء ثروة خاصة له ولعائلته وابنائه.. هذا ثابت وموثق ويعترف به حتى كارهوه.. استغلها للبناء لمصر.. لكنه وحده كان يبني.
ثم وبرحيله سقط معظم رجاله بنفس سهولة صعودهم.. عاد الباقون إلى غرائزهم التي قمعها الناصر قبل رحيله.. وكانت لا زالت مصر في يدهم وزاد عليهم رجال آخرون يشبهونهم بل وأكثر ضراوة.. فاستمر النظام لكن برجال غير الرجال.. واستمرت الدولة شبه جمهورية شبه ملكية، بل لعلها صارت أكثر ملكية، واستمر الشعب (بعيدا) في جميع الأحوال فأغرى الورثة باستبدال مشروع النهضة الذي لا ولن يدافع عنه أحد.. اطمأنوا إلى (وداعة المصريين) فأقاموا (مشروعهم الخاص الآثم) بيع مصر لأنفسهم وللغير، أرضا وموارد وكرامة وقيمة وتاريخا ومستقبلا.. واستمر الشعب غير الحر صامتا لا يدافع حتى عن مكتسباته التي كسبها في مقايضة عبد الناصر.. فهو لا يملك أدوات المقاومة، جردهم منها حبيبهم الراحل.. تركهم في مواجهة مصيرهم مع دولته شبه الدولة ونظامه شبه النظام.. ورحل وحده.
سقطت إذن الدولة الناصرية التي ظنت أنها تحمل مشروع نهضة مصر، وسقط النظام الناصري الذي ظن أنه يبني لمصر، بينما ارتد (المشروع الحلم) إلى أعماقنا من جديد.. عاد مهزوما ليغذي نفسه من جديد لكن في أحشائنا نحن المصريين المجردين من سبل المقاومة، المحزونين لضياع الحلم.. نقف على جانبي الطريق نشهد كل يوم وكل ساعة (مواكب البيع) الورثة باعوا مصر لأنفسهم وللغير.. ونحن لم يبق لنا من كل القصة الناصرية سوى (المشروع العائد خائبا إلى دواخلنا) لكن النصف المليء من الكأس.. المضحك المبكي.. أن الدولة الناصرية سقطت صحيح ذلك والنظام الناصري اختطف صحيح ذلك.. لكن المشروع الحالم لم يمت.. تقول حكمة آسيوية: الحلم آخر ما يموت.

الحرية
في احدى رسائل عبد الناصر إلى صديقه أيام كان منتدبا في السودان - قبل الثورة بالطبع - بل قبل تأسيسه لجماعة الضباط الأحرار.. قال عبد الناصر واصفا الشعب المصري الذي يعاني من الذل والاستعباد والفقر(كالعادة يعني) إنه شعب يتكون من (كائنات لا تدري من أمر نفسها شيئا). كان الرجل إذن يرى أهله وجيرانه والعامة في الشوارع كما نراهم الآن. لم يتغير المصريون منذ ما قبل بناء الهرم، الرجل إذن (أدرك) حقيقة ماثلة عبر الدهور.. وعندما أحاول نقد عبد الناصر لا أجد له خطيئة في مسيرته المشحونة ترقى إلى خطيئته في معالجة هذا (الإدراك) الصحيح. فعندما أدرك أننا كائنات لا تدري من أمر نفسها شيئا ثم وصل إلى السلطة ثم انفرد بها.. كان أمامه طريقان اختار منهما واحدا.. كان أمامه أن يدفع تلك الكائنات إلى أن (تدري أمر نفسها) فتندفع (هي) إلى البناء وتقرير المصير فتتعود هي على (الدراية بأمرها) عبر الأجيال فلا يقدر أحد على سلبها ثانية أو أن يبني (هو) لها وإن بإخلاص ويقرر هو مصيرها وإن بتفان ٍ كبير، خطيئة عبد الناصر أنه اختار الطريق الثاني.. اختار لتلك الكائنات التي لا تدري من أمر نفسها شيئا أن تستمر (غائبة عن الوعي) ويبني لها هو ويقرر مصيرها هو ويقدم لها النهضة والبناء بينما تبقى هي مسترخية في الحقل.. تمص عيدان القصب تحت شجرة قديمة قدم الزمن.
(لو) استغل عبد الناصر حب الناس الحقيقي له.. (لو) استغل فرصة السلطة التي وصل إليها ليقول للناس (معا نغير ونتغير) ليقول لهم اختاروا انتم ممثليكم بحرية.. ليقول لهم أمامنا الآن هذا الحل وذلك الحل لهذه المشكلة أو تلك فتناقشوا بحرية وأخرجوا بتقرير أيهما وأنا أنفذ .. (لو) لم يتحمل وحده العبء وشارك فيه (تلك الكائنات المصرية) لكانت مصر الآن أقدر بكائناتها هذه على (ردع) تلك الجريمة المتسلسلة.. جريمة (البيع الغامض) التي تتم تحت سمع وبصر (كائنات ما زالت لا تدري من أمر نفسها شيئا). لكن التاريخ لا يقبل كلمة لو.. نحن يا حبيب الملايين نحصد الآن الحصاد المر لانفرادك بالسلطة.. رغم كل ما قدمته لنا فكل ما قدمته وبنيته وحدك باعه ورثتك الآثمون.. وأنت باختصار.. السبب.

العبء الثقيل
عدة مقالات في جرائد غير مصرية، تركية وأمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها ترصد (الحالة المصرية الراهنة) ما القاسم المشترك بين كل تلك الملاحظات التي تأتينا من خارج سجننا الكبير مصر؟ الجميع يقول ما معناه (حتى لو جاع المصريون لن يتحركوا.. لن يثوروا.. لن يغضبوا) يقولون هذا المعني في معرض ملاحظتهم لمجهودات المثقفين المصريين والحركات المصرية المختلفة من أجل (استنهاض المصريين) من دون جدوى تذكر. المثقفون المصريون في سجننا الكبير يدركون أنها لعلها المهمة الأصعب في تاريخ مصر كله مهمة استنهاض المصريين، ويدركون أنهم لا غيرهم المطالبون بأدائها.. فهم المحظوظون بالوعي (أو لعلهم المنكوبون به.. لا أدري حقيقة) مهمة لا مفر من أن يقوم بها المثقفون والواعون والناشطون فهم (يدركون) المأزق، بينما الشعب مازال هناك مستكينا تحت الشجرة حتى وعيدان القصب تجف في يده.

في ذكراه
في ذكرى رحيل مؤسس دولة يوليو التي سقطت على يد ورثتها ولم تقم بدلا منها دولة محترمة بعد.. في ذكرى عبد الناصر الذي رحل فاختطفت نظامه عصابة تقود بيعا غامضا لمصر من دون رادع.. في ذكرى رحيل رجل يشبه الدب الذي أراد حماية أطفاله فقتلهم.. في ذكرى رحيل الرجل الذي عاد مشروعه إلى دواخلنا بعد رحيله ورحنا من يومها نئن بحمله.. فهو لا يقوى على الخروج إلى النور بسبب ضعفنا الذي كرسه زعيمنا.. أجد نفسي أخرج من بين أكوام الخطب والأحاديث التي تسكن كتبا متهالكة تخرج منها الحشرات الدقيقة وأنا على يقين أنه كان هناك جمالان.. جمال الرئيس الذي ربى في نظامه (ربما من دون أن يدري) ورثة متوحشين انفردوا الآن بالكائنات المصرية.. وجمال آخر مثلنا.. آمن بالمشروع كما نؤمن به ثم مات.. وتركه لنا نحتار ماذا نفعل به ونحن إلى هذا الحد عاجزون.
في وداع محموم ومحمل بحب لرجل كان يحلم بما نحلم به وإن فشل.. في وداع طازج لعبد الناصر بعد أربعين عاما على رحيله.. أنقل إليكم من إحدى خطبه في احد الأجزاء من تلك السلسلة ذات الأوراق القديمة.. إحدى عباراته.. ولأنني أصبحت مسكونة بفكرة أنه كان هناك جمالان.. ويخالجني شعور بأنه كان صادقا وهو يقول تلك الجملة، فلا بد أن من قالها حينها كان جمال الحالم بمشروع نهضة مصر وليس جمال الرئيس.
'أيها المواطنون.. إن الشعوب التي تساوم على حريتها توقع في نفس الوقت وثيقة عبوديتها، إن الحرية حق، واستحقاقنا للحرية لا يتقرر بما أخذناه منها بل بحرصنا على ما لم ننله بعد'.
الحرية إذن.. لم ينلها المصري بعد أو قل (لم يحرص عليها بعد). أما كيف ينالها.. فمن المؤكد أن أحدا لن يمنحها لنا ونحن نمص عيدان القصب الجاف تحت شجرة الزمن.. أعلم أن الاتهام بالفوقية والتعالي ذلك الاتهام السخيف المعلب سيبرز الآن حين أقول إننا شعب بالفعل عاجز.. لكنني - وأنت كذلك- ننتمي لهذا الشعب، كلنا عاجزون.. العوام في الشارع كما المثقفون. لكن أبشر.. مشروع النهضة عاد ليسكننا من جديد.. لم يمت والحمد لله. لم يتمكن الورثة المتوحشون من القضاء على حلم النهضة.. وأبشر مرة أخرى.. الحلم على الأرض آخر ما يموت. أتعرفون ما هو المؤسف حقا في (الحكاية المصرية) برمتها؟ المؤسف حقا أن الواعين يحاولون من دون جدوى لعيب فيهم أو فيه أو في كليهما.. استنهاض شعب يبدو أنه.. كما أدرك الزعيم الحالم.. كائنات لا تدري من أمر نفسها شيئا

كاتبة مصرية


علي جبريل


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home