Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الإثنين 30 نوفمبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

نكبة السرطان بين الزيف والحقيقة

خطاب مفتوح

إلى السيد مدير عام مركز صبراتة للأورام (المعهد الأفريقي للأورام) 

-       مقدمة

-       قلب النكبة

-       خاتمة

-       خطابات أخرى

-       توقيع 

*** 

نسخة إلى : المجتمع الطبي المحلي.

            : كل المجتمع الليبي.

 

السيد مدير عام مركز صبراتة للأورام

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

دون تمهيد يا سيدي و لا ديباجة، و بذمة المسلمين و ذمة الإنسانية، نسألكم بالله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيّوم، نسألكم بالله الذي أعطى كل شيء خلقه ولا يضيع عنده الثواب و لا الحقوق، و قسّم الأمانات بين خلقه و يعلم ما في القلوب، نسألكم بالله يا سيدي أن تخصصوا أقساماً بمركزكم لأورام الأطفال، و إنقاذ و لو طفل واحد من المذبحة المستعرة للأطفال المرضى بالسرطان، على أيدي الأطباء الأدعياء الدخلاء على طب الأورام، دون علمٍ و لا معرفة و لا إختصاص، و لا يُراعون فيهم حرمة و لا ذمة، و لا يتقون الله، و لا يُبالون بأحد.

أما بتمهيد و تفسير، فإسمحوا لنا يا سيدي بأن نؤكد على حقيقة أن مركزكم هو المستشفى الوحيد المتخصص في علاج السرطان بكل البلاد، و هو وحده المخوّل بعلاج الأورام، و أسمحوا لنا أن نتوقف عند هذا الواقع : المركز الوحيد و الوحيد المخولّ، و لا يفيدنا الحديث عن القوانين و الصلاحيات، و اللوائح و التشريعات، و لا الإمكانيات و الموازنات، و لا المسؤوليات و مجالس الإختصاصات، كما لا يفيدنا التذمر من الموقع النائي عن العاصمة، و لا ندب أخلاقيات المهنة أو تتبع مماحكات المجتمع الطبي، أو الجدل أو التجادل، فكل ذلك هراء يا سيدي، لا يشفي مريضاً ولا يُعالج سرطاناً، ولا يثبت ساعة دخولنا القبور، و لا يفيدنا يوم القيامة و لا يبيض أمام الله وجوهنا، و إنما المفيد أن نتوقف عند ضخامة الأمانة، أمانة وضعها الله عندكم كونكم المركز الوحيد المخولّ بعلاج السرطان، و لا مفرّ لكم منها و سيسألكم عنها لا محالة، وأمانة المجتمع لديكم و العشم بينكم و بين الناس الذين لا ملجأ لهم غير مركزكم، و هذه الأمانة الثقيلة يا سيدي، لا تمنحكم ترف إختيار الفئات البشرية التي تتولون علاجها و لا أعدادهم، و لا إختيار أنواع الأورام التي تعالجونها، و أمّا الإخلال بهذه الأمانة ( و مهما كانت أسبابه وأطرافه و دواعيه و ظروفه )، فلا يكمن ضرره في معاناة و موت المرضى كباراً و صغاراً فحسب، إنما يكمن الضرر الفادح في كارثة أن يتجرأ الأطباء بالمستشفيات الأخرى ممن لم يتخصصوا في طب الأورام، ( و لم يدرسوه و لم يتدربوا في مراكزه المختصة )، على الممارسة السريرية الفعلية لهذا التخصص، و دوران عجلات الممارسة الطبية الجاهلة والموت العبثي المريع و الشائن للمزيد و المزيد من المرضى كل يوم، فحين لا يدخل المحترفون من الباب يا سيدي، يتسلل الأدعياء و الدخلاء من كل النوافذ، و يستمر التعدّي الطبي الجاهل و تتوالى نكبات العذاب و الموت، و أتركوا عنكم كل الدنيا للحظات يا سيدي، و أنظروا و تأملوا جيداً، مشهد علاج السرطان بكل البلد، و حال و واقع أقسام الأورام بكل المستشفيات الأخرى دون استثناء، و من يتصدَر لعلاج المرضى و ما هي مؤهلاتهم و خبراتهم و ماذا يفعلون بالضبط، و في أي مراكز أورام تعلموا و تدربوا أو تخصصوا أو عملوا، و تحت إشراف أي أخصائيين تخرجوا، فهل يفاجئكم يا سيدي أن تعلموا، أن نسبة أخصائيي الأورام ممن يحملون شهادات في تخصص طب الأورام، و تعلموا التخصص في مراكز أورام بالخارج، و مارسوا طب الأورام السريري بأصوله لأي عدد من السنين في الخارج، و يعملون الآن بأقسام الأورام خارج مركزكم، تبلغ : صفر. و نكرر بإصرار: صفر، لا أحد، و من يريد أن يتأكد و لديه السلطة، فليراجع مؤهلات جميع الأطباء الممارسين لطب الأورام بجميع المستشفيات العاملة ما عدا مركزكم، و سيرى العجب العجاب، و لن يجد إلا أطباء من التخصصات العامة للباطنة و للأطفال و للنساء والولادة و إلى آخر القائمة، دون وجود التخصصات الفرعية والخاصة بطب الأورام وأمراض الدم، ( ولسنا نقصد الجراحين ممن يقتصرون على التخصص الجراحي ولا يعملون إلا ضمن برامج المعالجة الشاملة، ولا الأطباء ممن يقتصرون على العمل الأكاديمي البحثي والنشر بالدوريات الطبية، و إنما نقصد من يمارسون طب الأورام السريري، و يتخذون القرارات العلاجية المصيرية الحاسمة في حياة المرضى، و يتولون تنفيذها و يباشرون العلاج بأنفسهم، ويترأسون الطواقم العاملة بأقسام الأورام )، و لن نتحدث عن أطقم التمريض بهذه الأقسام، فالنكبة شاملة، فلا توجد ممرضة محلية واحدة أو ممرض ممن درسوا قواعد تمريض الأورام ( كيف و أين سيدرسونها و من سيعلمهم ؟ )، و إن سألت إحداهن كيف و أين تعلمت ( إعطاء ) الكيماوي فستجيبك : بالخبرة، و ذلك مبلغ علمهن بتمريض الأورام، أما الأجنبيات النادرات فيذبلون تحت التعليمات الخاطئة و تحت القصف اليومي، و لا يغيرون من الأمر شيئاً، و تصيبهم اللامبالاة و يتعلمون المداراة، و لسان حالهم و مقالهم : ( نحن عبيد مأمورون، و أفعل كما يقول صاحب البيت، و لا يمكننا التدخل، و في بلدنا يفعلون كذا أو يعطون كذا و ليس كذا، و لسنا مسؤولين عن أخطاء الأطباء أو تعليم أحد، و لا يحق لنا مناقشة و لا مراجعة أو التصحيح وراء أحد )، و لا يُصلحن خطأ إلا بالخفاء مرعوبات حذرات أن يكتشف التصحيح أحد.

نعود للقول: هذا هو الضرر الفادح يا سيدي، و تأملوا جيداً عمق هذه النكبة واتساعها و تشعباتها، و قدّروا ما يترتب عنها، و يكفي مثلاً أن تفكروا، أي فواجع تحدث حين يتعامل الأطباء و الممرضون الجهلة مع العلاج الكيماوي وأدويته و بروتوكولاته ( و هو علم تخصصي لا هزل فيه و لا تساهل أو تهاون، و الخطأ فيه قاتل و فادح الثمن )، فواجع على المرضى المنكوبين تؤدي إلى تفاقم معاناتهم و حتى إلى موتهم، و فواجع على أنفسهم أيضاً، و هم لا يعرفون حتى أبسط قواعد التعاطي الآمن أو الوقاية الشخصية، و المرضى دوماً من يدفع الثمن الفادح.

و هنا و بذمة الإنسانية والدين ودواعي الخطر الجماعي ( فلا أحد بمنجاة من الإصابة بالسرطان يوماً، والمال والجاه لا يدومان لأحد )، نطالب كل هيئات القضاء و الصحة و أصحاب السلطة و القرار من كل الأطياف، بإنشاء هيئة تفتيش طبية، تتكون فقط من أخصائيين أجانب بطب الأورام، ( لأن الأجنبي سيكون ممارساً خبيراً بأصول هذا الطب ببلده، و سيكون محايداً يحترم واجبه الطبي ومهنته وذمته، و لن يُحابي أو يجامل أو يتكتم على الدواهي، و لن يخشي على منصبه و موقعه و مصالحه بالمجتمع الطبي المحلّي أو يخاف نبذه )، تقوم بالتفتيش الدقيق على كل الأطباء و العاملين بأقسام الأورام بكل المستشفيات، و على مؤهلاتهم و خبراتهم، و تتفحص كل أساليب المعالجة و الممارسة الطبية السريرية بأدقّ تفاصيلها، و عندها سيرون حجم الكارثة، ( و نسأل الله أن تثبت لنا هيئة كهذه أننا مخطئون، و أن هناك طبيباً واحداً أفلت من بحثنا و خفيت عنّا مؤهلاته و خبراته و صحة ممارسته الطبية )، و بالتأكيد نطالبهم جميعاً بالتصرف لا الإكتفاء بالعلم أو بالمشاهدة و الإنتقاد.

قلب النكبة

أما قلب هذه الكارثة يا سيدي، و الجحيم المستعر و المخفي، و بازار الموت المفجع الذي لا بديل غيره، و نزيف الأرواح دون توقف، فيتربع بقِسم أورام الأطفال و أمراض الدم بمركز طرابلس الطبي، الذي يُديره البروفسور سالم الزروق و الطبيبة فتحية الرياني، منفردين بلا حسيب و لا رقيب، فهنا تتجسد النكبة في عدم وجود أقسام لأورام الأطفال بمركزكم، و عدم وجود مركز متخصص بأورام الأطفال بكل البلد، و هنا يا سيدي يصول دخلاء طب الأورام و يجولون، و تجرى مذبحة يومية لأطفال منكوبين مرضى بالسرطان، و كل ذنبهم أنهم أطفال لا يمكنهم الدفع عن أنفسهم، و أنهم مرضى بالسرطان، و أن أهاليهم فقراء بلا حظوة، و ليس أمامهم ملجأ آخر يمكنهم الفرار إليه.

و قبل أن نبدأ حديثنا يا سيدي، دعنا نتفق على أنه إذا انطبقت المعايير التالية على أي طبيب، ينبغي تصنيفه كخطر على المجتمع وتجريمه عن إصرار منه و تعمّد، و يجب بكل المقاييس و دون هوادة، الحجر عليه فوراً لإخماد ضرره، قبل التفكير في محاكمته أو إضاعة الوقت في مجرد مراجعة القوانين أو استشارة أية هيئات قضائية :

-        الطبيب الذي يمارس المهنة سريرياً في تخصص غير مجاز فيه ( من مجمع طبي متخصص ومعترف به )، و لم يدرسه و لم يتعلمه على أيدي أخصائيين فيه، أو يتدرب سريرياً على ممارسته في مركز متخصص، أو يعمل فعلياً في مركز متخصص، قبل إقدامه على الممارسة الطبية السريرية الفعلية لذلك التخصص.

-        الطبيب الذي يوصي و يأمر بإخضاع مريض بالسرطان لبرنامج علاج كيماوي أو إعطائه و لو دواءاً كيماوياً واحداً، و هو يعلم يقيناً أنه سيقتله و سيموت بسببه و يستحيل أن ينجو منه، و يُصرّ على تنفيذه أو يُكابر إذا تم تنبيهه، و يموت المريض جرّاء ذلك.

-        الطبيب الذي يرى و يسمع التوصية الطبية الخاطئة لطبيب آخر، و يعلم يقيناً أنها ستودي بحياة المريض، أو ستسبب له ضرراً بليغاً، و يصمت مداراة أو مُحاباة و لا ينبه أو يُصحح الخطأ قبل وقوعه خُفية أو علانية، و لا يتدخل أو يقوم بأي تصرف من شأنه منع وقوع الخطأ، و يموت المريض أو يتضرر ضرراً بليغاً.

-        الطبيب الذي يرى و يعلم أن مريضاً قد مات أو تضرر ضرراً بليغاً، نتيجة خطأ طبيب آخر أو نتيجة جهله، و يتكتم مداراة أو مُحاباة، و لا ينبه الطبيب المُخطئ أو يُصححه، أو يوقفه عن تكرار هذا الخطأ، أو يُبلغ رؤسائه و المسؤولين عنه، و لا يتدخل بأي شكل، و لا يتخذ إجراءاً أو تصرفاً مهما كان، علناً أو خُفية.

-        الطبيب الذي يجهل شيئاً و لا يعترف بجهله، و الذي يوصي بقرار طبي أو يمارس إجراءاً طبياً لا يعرفه، أو يمتنع عن إجراء طبي لأنه لا يعرفه، ولا يستشير أو يسأل أو يستدعي طبيبا غيره، مكابرة أو غروراً أو خوفاً أو تستراً على جهله، و يتسبب بموت مريض أو تضرره ضرراً بليغاً، نتيجة إقدامه أو إحجامه .

و نبدأ حديثنا يا سيدي، بوصف زيارة تمت لهذا القِسم : فذات يوم زار وفد أجنبي مركز طرابلس الطبي، و من ضمنه طبيب ياباني إستشاري بطب الأورام، و شملت الزيارة قِسم أورام الأطفال، و تولت الريجسترار الوحيدة الدكتورة فتحية، استقبال الوفد و التجول بأعضائه على مرافق القِسم، و هي تشرح بلكنة واثقة: هنا حجرة الأطباء و الميكروسكوب ( صالون و طاولة و مجهر كهربي مرفود بخشبة )، و هنا غرفة عمليات صغرى للحقن الإنثراتيكال و البيوبسيز و سحب عينات الأنسجة و خلافه ( طاولة و دولاب عتيقين و سريري معاينة ممزقين تفصل بينهما ستارة من شرشف ورقي ممزق، و حنفية تقطر و أبواب مشرعة، و ممرضة حائرة تساعد طالبة إمتياز ترتعد متعرقة تجاهد لحقن طفلٍ في عموده الفقري بالكيماوي، و تنجح بغرز الإبرة في المحاولة الرابعة، و لا يوجد مشرف عليها، و لا مشكلة في دخول الوفد أو أياً كان في تلك اللحظة بالذات، و على التعقيم السلام )، و هنا غرف المرضى ( ثمانية إلى عشرة مرضى بكل غرفة و أمهاتهم و بضائعهم، و شبورة ضبابية متسمّرة بمنتصف الفراغ في الهواء المكتوم )، و لدينا ثلاث غرف فردية منعزلة للحالات الساخنة، ( غرفتان منهما خاليتان بأثاث مكوّم و مبعثر، و كأنما هناك حالات باردة مع السرطان و الكيماوي و الشعاعي و الجراحات و الجحيم )، و هنا صالة الكيماوي لجميع المرضى النزلاء وغير النزلاء ( ساحة مفتوحة بسبعة مراقد، كومة أطفال مع أمهاتهم وعبوات الكيماوي مُعلقة حيث أمكن، جوقة من الزعيق، نساء يطرقن بالصخب نقاشاً حامياً و أخريات يحاورن العلكة قرب نافذة تصطفق، ثلاجة كسيحة تئن مُسندة بطاولة عرجاء لتحضير الكيماوي، ممرضتان مخنوقتان بالإكتئاب، و حفنة أطفال يتقيأون في برميل قمامة يتسع لشخصين يتوسط القاعة، و عود بخور يتسكع خلف الباب )، وهنا مكتب سيادة رئيس القسم و مكتبي.

خرج الوفد ليفاجأ عند دخوله المصعد بصراخ الطبيب الياباني، وهو يهدر مكرراً ثلاثة كلمات يابانية بهياج: ( هانزاي قاياكوساتسو وازاواي ) و الدموع تتطاير تحت نظارتيه، صارخاً بالوفد بهذه الكلمات قابضاً على ستراتهم حانقاً، تفاجأ الأطباء المرافقين للوفد، و إرتبك الجميع، وغادر العجوز المصعد مهرولاً للخارج، تساءل أحدهم عمّا يقوله هذا الخرف و ماذا يرطن، فلم يُجبه أحد، و جُن جنونه ليعرف، و أستمر يتساءل و يعيد و يستحلف و يُلحّ و يتوسل إلى منتصف الليل، حتى رماه أحد أطباء الوفد بالجواب الذي نزع الضحكة عن وجهه منذ ذلك اليوم، إن هذه الكلمات تعني : جريمة مذبحة كارثة، ( كرايم ماساكر كاتاستروفي ).

لقد انتزع هذا الرجل، في زيارة من خمس دقائق، قلب الحقيقة المفجعة و رماه في وجوهنا بلا مواربة، و حتماً سنصل نحن أيضا إلى نفس هذه الحقيقة، إذا تجردنا من كل أشكال الزيف و الهراء البشري، و التملق المهني و المجاملات، و التعامي و الأوهام، و خداع النفس و حسن الإفتراضات، و الجدل والمهاترات، و معايرة المصالح و الخوف من نبذ المجتمع الطبي و مماحكاته، و تصديق السمعة و الشهرة دون تحقق، و كل ما هنالك في قواميس الزيف البشري، و تمسكّنا فقط بالحق و الصدق التام ( من النوع الذي نعلم أننا سنجده عند موتنا )، فستظهر عندها الحقيقة جليّة : إن هذا القِسم هو جريمة كاملة و مذبحة حقيقية مستعرة و كارثة مفجعة، أما كيف علم هذا الياباني ولماذا هو بالذات ؟ فالجواب مقذع و سجّلوه جيداً، لأنه أخصائي الأورام الحقيقي المختص الوحيد، و نكرر : الوحيد، الذي وطئت قدماه هذا القِسم منذ إفتتاحه المشؤوم، هل سألتم و ماذا عن رئيس القِسم ( و رئيسته الفعلية ) و هو المرجع الأول و القطب الأوحد بالبلد ؟ و الجواب العاري تماماً دون تجميل أو رتوش: إن هؤلاء هم الجهلة الأدعياء الدخلاء على طب الأورام و هم فعلا المزيفون، و ما الذي يُحدد ذلك ؟ حسناً، أمران : المؤهلات العلمية و الشهادات التخصصية، و عدد سنوات التدرب السريري في مركز مختص بالفرع الطبي المعني على أيدي اخصائيين محترفين، و سنوات الخبرة و العمل الفعلي بمركز طبي مختص بالفرع الطبي المعني، و الأمر الثاني هو طرق و أساليب و نوعية الممارسة الطبية السريرية الفعلية على الأرض و مدى مطابقتها لقواعد و أصول و معايير التخصص، و كل ذلك يا سيدي، و بكل وضوح و دون مواربة لا نجده بهذا القِسم، فلا رؤسائه وأطبائه يحملون شهادات تخصصية في طب الأورام، و لا تدربوا سريرياً في مراكز أورام أو تتلمذوا على أيدي أخصائيين حقيقيين، و لا هم يتبعون أو يُطبقون أصول و قواعد و معايير الممارسة الطبية السريرية لتخصص طب الأورام، و من لا يُصدق أو يحسب أننا نبالغ أو نفتري، فليتجرأ و يأت بسلطة قضائية ( أو أية سلطة يشاء ) متسلحة بلجنة من أخصائيين حقيقيين في طب الأورام ( على أن يكونوا أجانب خبراء يحترمون ذواتهم و ذمتهم و آدميتنا و عقولنا ولا يُحابون أحداً ) أو حتى أخصائي واحد، و ليقوموا بإجراء تقصّي دقيق ومراجعة شاملة، بكل صدق و بكل أمانة، بلا مُحاباة ولا مُداراة ولا تستّر أو كتمان أو تعامي، و حتما سيجدون كل هذه الحقائق دون عناء.

و لنعطيكم لمحة يا سيدي عن مدراء هذا القِسم وأطبائه نقول : هناك ثلاثة أقطاب ثابتة لا تتغير، و إثنان إلى ثلاثة أطباء يتغيرون دائماً، ( خريجون يرغبون بالتخصص بأورام الأطفال )، و هؤلاء يأتون ليذهبوا و لن يترسخّوا أبداً، ما لم يكونوا عديمي الشخصية والجدوى تماماً و هياكل وهمية، لا يقرأون ولا يدرسون، ولا يجرؤون على التعلم أو إدخال أي مرجع طبي للقِسم، ولا يأتون بعلم خارج ما يقوله البروفسور أو الريجسترار و لو بحرف واحد، ( و لا يصف أحدهم إلا ما يعرف أنهم سيصفون تماماً مهما يكن، و كل همّه أن يحذر مخالفتهم في شيء، فالمعيار ليس مصلحة المريض إنما إتقاء سخطهم و عداوتهم )، و لا ينطقون بكلمة مهما يكن الخطأ واضحاً أو فادحاً، و يقبلون العمل بهامش ضيق من فتات الممارسة الطبية و حق التصرّف لا يليق بأدنى ممرضيّ الأورام بالخارج، و لا خوف من تقدمهم أو ترقيهم، و مع كل ذلك لن يبقوا و لن يتم تثبيتهم بالقِسم أبداً، و الريجسترار بالمرصاد، و من ورائها البروفسور من ورائه رئيسه إذا اقتضى الأمر التدخل لصرفهم.

أما الباقون فطلبة إمتياز و إنتيرن، يأتون في جولة ممارسة تدريبية حسب النظام الدوّار ( قد تستمر لأشهر أو أسابيع حسب تطورات الحال )، للعمل الكتابي و السهر الفارغ و الركض العبثي و تلقي الإهانات و التفحيط، و ليأخذوا نصيبهم من أرواح الأطفال المنكوبين، ثم ينتقلون إلى قِسم آخر دون أن يتعلموا شيئاً أبداً، و لن نذكر التمريض البائس، الأجنبي منه أو المحلّي، و غير المختص إطلاقاً بتمريض الأورام، و أطقمه التي تتغير دائماً، ( و لا يعمل أحد منهم إلا شاكياً يفكر كيف السبيل للفرار )، و لا يستمر أحد.

أما الأقطاب الثلاثة، فأولها البروفسور سالم الزروق، و مؤهلاته أنه أخصائي طب أطفال عام متخرج من الولايات المتحدة . فقط نقطة على السطر، و تجد إسمه بسجلات المجلس الأمريكي لطب الأطفال كطبيب أطفال عام، و لا شيء غير ذلك، و لن تجد تخصصاً فرعياً أو أي شيء آخر بأي مكان آخر حتى و لا بملفه الوظيفي، ( و إذا سألته فلن يجيبك إلا بسؤال مُحرج يلهيك )، لم يعمل هناك حتى كأخصائي أطفال، تخرج و عاد منذ خمس وعشرين عاماً و انتهى طور التعلم، و تنقل بين أقسام مستشفى الجلاء للأطفال ومصرف الدم والمختبرات، حتى رأى أن قِسم أمراض الدم يناسبه، إذ أنه اشترك في دراسة يتيمة و مقال حولها مع زملاء الدراسة بأمريكا، فاستقر هناك ليبدأ علاج الهيباتايتس، ثم علاج غيره من أمراض الدم، ثم تطور الأمر إلى: لماذا لا نعالج سرطان الدم أيضاً ثم اللمفومات، ثم لنقم بتوسيع القِسم إلى قِسم أورام الأطفال و أمراض الدم فما المشكلة، ثم إنتقل بقسمه كاملاً إلى المركز الطبي بعد افتتاحه، تلبية لدعوة الرئيس الدائم لقِسم الأطفال بالمركز، و بقدرة قادر أصبح الآن المرجع الأول ( و الوحيد الأوحد ) في تخصص طب أورام الأطفال و أمراض الدم بكل البلد و طبعاً طب الأطفال العام، و يعمل كأستاذ محاضر بتخصص طب الأطفال العام بكليّة الطب، كيف و متى؟، بالتقادم و الممارسة بدون معلم، من أعطاه تخصص طب أورام الأطفال و من إمتحنه و متى كان آخر امتحان و من يُراجع عليه، لا شيء و لا أحد، و حتى سنوات قريبة كان يوقع تقاريره و أوراقه بصفته استشاري أورام أطفال و أمراض الدم، ثم و فجأة بعد إعتماد نظام العقود، تغير توقيعه إلى استشاري طب أطفال عام و لكن رئيس قِسم أورام الأطفال، و بذمة الإنسانية و بذمة المسلمين و بكل الذمم في الدنيا، نطالب بمن يُدقق في مؤهلاته و في أساليب ممارساته الطبية و معالجته للأطفال المرضى بالسرطان، نريد شخصاً واحداً شريفاً مؤهلاً أخصائياً يحترم عقولنا وإنسانيتنا ودينه و ذمته و نصدقه، يثبت لنا أنه أخصائي في طب الأورام، ( و لا تهمنا شهاداته في طب الأطفال أو براعته في التدريس و تساهله في الإمتحانات أو مواهبه أو روحه المرحة و ما إلى ذلك من مناقبه، نريد إثباتاً أنه أخصائي أورام أطفال و تعلّم على أيدي أخصائيي أورام و تدرب سريرياً على ممارسة طب الأورام، قبل أن يباشر ممارسة المهنة أو حتى بعدها، و يمارس طب الأورام السريري حسب أصوله و قواعده و معاييره ).

أما القطب الثاني و الثابت أيضاً، فهي ( الريجسترار ) فتحية الرياني، و قد تخرجت محلياً و لم تدرس بالخارج أي شيء، و لم تضع قدماً بأي مركز أورام، و أمضت خمسة عشر سنة حتى تحصّلت على شهادة مجلس التخصصات العربي في طب الأطفال العام و دون المرور بفترة إمتياز أو الخضوع للنظام الدوّار، وتتلمذت في طب الأورام على يد البروفسور الزروق وحده، و رغم أنه مؤخراً تم تعيينها إدارياً كأخصائي ثاني ( و تعمل فعلياً دون تكليف و منذ إفتتاح القِسم بصفة ريجسترار، أي مساعد إستشاري )، إلا أنها فعلياً صاحبة القرار و الحاكمة بأمرها في كل شيء، من إصدار كل الأوامر و إدارة الإيواء و صرف الأدوية، إلى تشخيص المرضى و تحديد برامج العلاج و تنفيذها و توقيع التقارير، إلى طرد المرضى و أهاليهم المشاغبين ( نعم، طردهم وكأن القِسم مِلك موروث، مع تحديهم أن يجدوا مكاناً آخر يعالج لهم أطفالهم، و المشاغب هو كل من يعترض أو يشكو أو يتذمر أو يجادل أو يرتاب أو يستخبر أو يُراجع في أي شيء، أو يجرؤ و يستفتي طبيباً آخر، مما يضعه بخانة الخصم المنتقص لقدرهم و المُشكك و المُرجف و القادح و المُرتاب في علمهم و قدسية ممارساتهم الطبية، التي لا تحتمل النقص برأيهم أبداً أو الخلل أو الخطأ أو الجهل أو سوء التدبير و التقدير، بدل وضعه بخانة من يجهد لإنقاذ حياة طفله و يحرص على تأمين مصلحته أكثر من الحرص على برستيج الطبيب )، إلى الدفاع عن القلعة ومحاربة أي طبيب قد يأتي أو يستقر بالقِسم، إلى تحقير أطباء الإمتياز و ركل التمريض و مماحكة الجميع، ( و لا يجرؤ حتى الزروق أن يرد عليها كلمة واحدة )، و لا تحقد على أحد في الدنيا حقدها على الزروق نفسه، الذي تعرف كل خفاياه و مدى قصوره، و تدرك جيداً أنه بدونها عاجز تماماً عن إدارة قِسمه، و أنها أكثر علماً واجتهاداً منه و أنه يستغلها في أداء عمله و كل العمل المضني، و هوسها الأول في الدنيا أن ترأس القِسم بعد زواله، أمّا هوسها الثاني فهو إثبات تفوقها بأي شكل وبأي ثمن، و تخطئة أي طبيب آخر أياً كان و مهما قال، و نؤكد أن أي طبيب نفسيّ يقابلها سيعلم حالاً أنها منفصمة الشخصية، بنزعات عدوانية ( دفاعية تعتبر الجميع تهديداً ) و تسلطية إذلالية تجاه الأدنى و القرين و الغريب، و نوبات إكتئاب عصابي، و طبعاً داء الأطباء : السوفوماينيا.

أما القطب الثالث الثابت بهذا القِسم فهو الدكتور راسم الأجنف، تخرج أيضا كطبيب أطفال محلياً و لم يدرس طب أورام بالخارج و تتلمذ أيضاً على يد الزروق وحده، و الوصف الشائع عنه يقول ( لا يهش ولا ينش و كيفما اتفق و أطلعوا من رأسي )، و ثابت فقط لأنه يسدّ فجوة العيادة الخارجية بمعونة الأطباء المتغيرون دائماً، ( و إلى سنوات قريبة لم يكن مسموحاً له بالتجول السريري على المرضى أو العمل بالقِسم، ومحظور عليه التدخل بمجريات العمل أو حتى اقتراح نصف بروتوكول علاجي، أو التوقيع على أي تقرير طبي، رغم أنه مُصنف كأخصائي طب أطفال عام و محاضر بكليات الطب )، و كل همّه أن لا ينازع الريجسترار في شيء متحاشياً رؤيتها ومبتعداً عن طريقها، متمسكاً بصبر جليدي و أعصاب متبلدة، منتظراً زوال الزروق ليخلفه في رئاسة القِسم واثقاً من حظوظه، و لسان حاله و مقاله : ( لا أرى لا أسمع لا أتكلم لا أفكر لا أتدخل بشيء لا أهتم لشيء، و لا أرتدي غير الظل ).

فأنظروا يا سيدي و تأملوا، ثم أعيدوا التأمل جيداً و فكروا و قدّروا، في أي داهية وقع الأطفال التعساء بهذا القِسم، فوق داهية السرطان.

إن أي شخص عاقل أو مراقب محايد أو أخصائي يا سيدي، لا يمكنه إلا الإعتراف بأن هناك داهية و نكبة بهذا القِسم، إذا عَلم أن معدل وفياته السنوي يبلغ متوسط مئة و ثلاثون طفلاً ( دون إحتساب من يموتون خارج القِسم ولا يعلم عددهم إلا الله )، و أن معدلات الحياة للخمس سنوات الأولى منذ التشخيص يبلغ: صفراً، نعم صفر، ولكل أنواع الأورام، ( وكما تعلمون فإن المعدلات بالعالم تتراوح بين ثمانون إلى خمسة و تسعون بالمئة تبعاً لنوع السرطان، و ليس مهماً التذكير بأن المعدلات القياسية تحتسب من يموت بالسرطان و ليس بداهية غيره، فالموت هنا يحصد و لا ينتظر منا تدقيق الإحصاء )، و نُقسم لكم و للجميع يا سيدي، أن تسعون بالمئة من الوفيات ليست ناتجة أبداً عن السرطان، و إنما عن الأخطاء الفادحة والمتكررة و الناتجة بدورها عن الممارسة الطبية الجاهلة المتوهمة للكمال و غير القابلة للتعلّم ( أي ليست سوء الممارسة الطبية و التي تعني خطأ العارف و لكنه أخطأ في التطبيق، سهواً أو إهمالاً )، و اللامبالاة و الإستهتار بالأرواح و اللعب بحياة المرضى، وممارسات النفوس المريضة بالتبجح و الزهو والمباهاة و المماحكة والمكابرة و الخبث واللؤم، و المهووسة بإثبات الرِفعة و السلطة و التفوق، أما أسباب الموت فهي إجمالاً إما عن مضاعفات و مختلف التسممات الدوائية الخطرة لأدوية الكيماوي، ( الناتجة عن الجهل بالتعاطي و سوء التعاطي والتعاطي المفرط والتوقيت الخاطئ للتعاطي، والعجز عن إدارة ما يمكن إدارته منها ) أو بسبب أصناف العدوى عند الإحباط المناعي و العجز أيضاً عن معالجتها أو إهمالها، أو لأسباب لا تُصدق و لا يقبلها عقل طبيب، أما خمسة بالمئة من الوفيات فناتجة عن التشخيص المتأخر و حضور المرضى و قد تفاقم السرطان ( و سيموتون أيضاً بالكيماوي إذا تلقوا جرعات إبتدائية عالية )، و نترك خمسة بالمئة متغيرات لزوم علوم الإحصاء، و من لا يصدق فليأت بلجنة من الأخصائيين ( و نشترط بأن يكونوا أجانب ذوي ذمم صادقين لا يُحابون أو يجاملون أحداً )، و ليقم بمراجعة ملفات القتلى إذا استطاع، و سيعرف بوضوح حقائق أسباب الوفيات دون عناء، ( أما شهائد الوفاة فلا تعطي مدلولاً و جميعها مكتوبة بصيغة واحدة، و ما علي أطباء الإمتياز إلا نسخها و إضافة إسم الطفل المنكوب و نوع سرطانه ).

و نود أن نلفت عنايتكم إلى أنه و كما تعلمون، لا يوجد بالسجل الوطني للسرطان التابع لمركزكم عن المنطقة الغربية، و لا بسجل بنغازي للسرطان عن المنطقة الشرقية، أي إحصاء أو بيانات أياً كانت تتعلق بحالات هذا القِسم، فهم يمنعون بكل وسيلة خروج أية بيانات لأي من السجلين، أو لأي أحد بما في ذلك إدارة مستشفاهم، لأن ذلك سيعطي مؤشراً واضحاً للجميع عن أعداد المرضى و حصيلة الوفيات و يكشف مدى إنحدار العوائد العلاجية لهذا القِسم، و تدركون معنا طبعاً يا سيدي، أنه حتى بغض النظر عن مؤهلات و خبرات و كينونة الأطباء و لو بلغت عنان السماء، فإن النتائج الفعلية على الأرض و العوائد العلاجية على إمتداد سنين الخدمة، تجعل أي هيئة طبية بأي مكان بالعالم تأمر بإغلاق مثل هذا القِسم فوراً، عند الإطلاع على محصلة الوفيات و معدلات الحياة منذ التشخيص و نوعية حياة المرضى، ناهيك عن نمط الممارسة الطبية السريرية، و السؤال في المحصلة النهائية : ماذا حققتم هنا خلال ما يقارب العشرين عاماً، ما هي فائدة كل هذا، و انتم لم تحققوا حتى نصف معشار واحد من الحد الأدنى القياسي لنتائج و عوائد الخدمة لأقسام الأورام بالعالم، حتى تلك المقتصرة على نوع واحد من الأورام، ( و العجب العجاب حين يخرج علينا الزروق في الصحف قائلاً أن هناك حالات شفوا تماماً من السرطان على يديه، و يعيشون حياة طبيعية، هناك أين ؟ في عالم الخيال و البرستيج و الأوهام، أم يعيشون في العالم الآخر؟ ).

و بذمة الإنسانية و الدين يا سيدي، نسألكم، كما نسأل كل أخصائيي الأورام بمركزكم، ( و كل طبيب و إنسان حيّ القلب بهذا البلد )، أن تقوموا بزيارة هذا القِسم المشؤوم، والإطلاع الحقيقي في العمق على مجريات العمل فيه، وحقيقة الممارسة الطبية السريرية لمدرائه، و إدارتهم للمرضى والأزمات و المضاعفات ( هذا إذا استطعتم مجرد قراءة ملف مريض واحد أو وجدتم إجابة عن أي سؤالٍ مهما كان تافهاً )، و نقسم للجميع بأن زيارة واحدة لأي أخصائي حقيقي في طب الأورام ( أجنبي محايد أو محلّي لا يُحابي )، ستجعله يوصي فوراً بإغلاق هذا القِسم و بالحجر على أطبائه، ناهيك عن التحقق الفعلّي في العمق من مؤهلات رئيسه و رئيسته و التتبع الفاحص لطرق معالجاتهم وأساليب ممارساتهم الطبية، فتقدموا يا سيدي و سترون هول الكارثة، وتتأكدوا أن هذا قِسم للفوضى والغش والتلفيق، لا يبالى أهله بهول ما يفعلون مستهينين بحياة المرضى وعذابهم و موتهم، و الأطفال فيه أضيع من الأيتام تحت سطوة اللئام، و لا يمكن أن يعالج أي شيء، ناهيك عن السرطان.

و لنتذكر جميعاً يا سيدي، أن لمريض السرطان الحق في تلقي علاجٍ لائق مسؤول وصائب، و لا أحد يُطالب أحداً بشفائه من السرطان، و لكن من حقّ هؤلاء الأطفال أن يموتوا بسبب السرطان بعد إستنفاذ كل السُبل الصحيحة في علاجهم على يد أخصائيين محترفين يستميتون لإنقاذهم، و ليس الموت بسبب الأخطاء الفادحة المشينة الناتجة عن جهل دخلاء على طب الأورام، و أدعياء يعتبرون أنفسهم آلهة للطب لا يخطئون أبداً، و لا يتراجعون عن خطأ أبداً، و الويل لمن يجرؤ و يصحح لهم أخطاءهم، و هم و الله جهلة مغرورون مفتونون بحالهم، قد أخذتهم العزّة بجهلهم، و يتصدّرون لممارسة طب لا يعرفون حتى أبجدياته و بديهياته، و إن مجرد نطقهم لمصطلحات هذا الطب و أسماء أدويته أمامكم، سيعطيكم العلم فوراً بأنهم قرأوها و لم يسمعوها، مما يعني بأنهم لم يتدربوا بالعمل السريري المباشر بمركز أورام يتعاطى مع هذه المسميات والمصطلحات، و لم يمارسوا الطب السريري المباشر أمام أخصائيين يعلّمونهم، و كما تعلمون يا سيدي فإن المرء لا يتعلم الطب أو يتخصص في شيء منه بقراءة مقال في جورنال طبي أو كتاب مختصر من هنا أو هناك، فما بالك بطب الأورام، فهل تصدقون أن المرجع الأساسي للبروتوكولات العلاجية الذي يتبعه الزروق و يعتبره قدس الأقداس و السرّ الأعظم ( و يغلقون عليه دائماً بدرجٍ محصن و محظور تداوله على الجميع )، هو كتيب جيب إرشادي من منشورات شركة باكستر اونكولوجي للأدوية بعنوان: أجندة مختارة في معالجة الأورام، و هو كتيب إعلاني يتوفر مجاناً بأي مكتبة طبية بالخارج، و أول بند فيه ينبّه إلى عدم المسؤولية عن تطبيق أي بروتوكول أو إي إجراء طبي، و ينبّه إلى ضرورة مراجعة أصول الأبحاث الخاصة بكل بروتوكول قبل تنفيذه و الإلتزام ببنود دراساته التفصيلية غير المدرجة بهذا الكتيب المختصر، فتأملوا يا سيدي، و لسنا نسألكم إلا حضور جولة سريرية واحدة بهذا القِسم، أو مراجعة بروتوكول واحد أو مراقبة تنفيذه، أو مراجعة تقرير واحد من تقاريرهم الطبية ( و قد وصف أخصائي إيطالي بعض ما وصله منها متأدباً بأنها: تخلو من الشفافية و صفاء النية )، لتروا بأنفسكم و تسمعوا، و تذكروا يا سيدي أن من يدفع الثمن هنا فادحاً من حياته و معاناته هم أطفال، أطفال لا حول لهم ولا قوة و مرضى بالسرطان.

و كما تعلمون يا سيدي، فإن تخصصات طب الأورام و أمراض الدم تتفرع إلى تخصصات فرعية متعددة حسب فئات الأورام، و رغم أن التخصص العام يشمل التعلم عن جميع أنواع الأورام للفئة البشرية المستهدفة ( الأطفال أم الكبار )، إلا أن الممارسة العملية و التخصص المهني يجعل الطبيب يلتزم بفرع محدد منها ( بفئات أورام محددة ) يحصر ممارسته المهنية ضمنه، و يتوسع فيه و يتخصص، و يُعرف أمام مجتمعه الطبي و محيطه المهني بهذا التخصص، فهناك من يتخصص في أورام الدم أو اللمفومات مثلاً، أو أورام الجهاز العصبي والدماغ، أو العظام والأنسجة المرنة، بل إنك تجد بعضهم متخصصا فقط في أورام العيون و يتفردون بهذا التخصص دون غيره، و تجد أخصائيي سرطان الرئة ممن يقفون عند هذا النوع وحده، و يتحرز أحدهم ضمن مجتمعه الطبي أن يدّعي التبحّر بمعالجة أورام غيره، و نقول يا سيدي، إنكم إن تجولوا العالم بأسره فلن تجدوا أخصائياً واحداً يقف متصدراً قائلاً أنه أخصائي في جميع فئات وأنواع الأورام أو جميع أورام الأطفال، و يتقدم لمعالجة جميع المرضى مهما كانت أورامهم و مهما كانت أعدادهم، ( مما سيثير إستهجان مجتمعه الطبي و يصفه بالغرور الفج و يتعاطى معه بحذر و يتهمه بالتضليل و سوء الممارسة الطبية )، إلاّ عندنا بهذا القِسم، فالبروفسور الزروق و ريجستراره هما الوحيدان في العالم، ونكرر في العالم بأسره، اللذان يتصدّران لمعالجة جميع فئات وأنواع أورام الأطفال وأمراض الدم السرطانية، ( أورام الدم و الدماغ و الجهاز العصبي واللمفومات و العيون و الكِلى و العظام و الخصية والعضلات و أي شيء بآخره ساركوما أو بلاستوما و فوقها الأورام النادرة أيضاً، وكامل الرزمة بتمامها، مع تجاوزنا عن صحة تشخيصهم لعدم القدرة على التأكد وعدم وجود أي تشخيص معزز )، وجميع  أمراض الدم غير السرطانية ( و منها الأيدز )، و طبعاً جميع مناحي طب الأطفال العام، و دون أي إعتبار لأعداد المرضى مهما كانت هائلة، ( مما يستحضر إلى أذهاننا صورة السحرة بأدغال أفريقيا الذين يعالجون كل شيء )، و يعتبرون أنهم أرقى و أغزر علماً من أخصائيي طب الأطفال الكبار المحترمين بالأقسام الأخرى، و أنظروا ما هي أدواتهم و أين يعملون ؟، في غرف لا يمكن وصفها بأكثر من زرائب بائسة في قِسم ضيق وغير مجهز بأي شيء، و لا يحقق أبسط الشروط القياسية لأي قِسم سريري لأي تخصص طبي، فما بالك بالشروط القياسية المشددة و القاسية جداً لأقسام الأورام، ( و لا يمكننا أن نفهم كيف يقبل أي طبيب يحترم شرف مهنته و مرضاه العمل بأي قِسم سريري، قبل أن توفر مؤسسته المكان المناسب بما يحقق الشروط القياسية لتخصصه، و توفر التجهيزات الأساسية و الكوادر المتخصصة و التي لا يمكن العمل بدونها ).

و لتتضح لكم الصورة أكثر، أسمحوا لنا يا سيدي بسرد عينات من حوارات هذا القِسم أو بلغة الطب :

(( التهاب السحايا لازم يكون ورم مينينجيوما أو آستروسايتوما، و أي داء بالعظام قطعاً هو اوستيوساركوما، و النيوروبلاستوما مرات زي الويلمز ومرات مش لازم نيفروكتومي، وهذا إنطرش من السرطان مش من جرعة الكاربوبلاتين، وشن الفرق بين دوكسوروبيسين ليبوسومال و إلا هيدروكلوريد ما هو دواء واحد، و شن هو الأسبارجيناز إيروينيا، و شن هو اللاريكا، و كانا الدونوروبيسين لونه عنابي يمشي عادي، وشن هو الدليل المعياري للمضاعفات والعلل ( سي تي سي آى إي )، وللعدوى المخفية عند الفيبرايل نيوتروبينيا ابدأ المضادات الحيوية عادي بالبنسيلينات ومعاها أي سيفالوسبورين أو الروسوفين ( القواعد تمنع البدء بالفئتين معاً ) ومش ديمة لازم الأمينوجلايكوسايدس أو الجنتامايسين ( القواعد تحتم البدء بإعطائها مع إحدى الفئتين فقط )، ومضاد الفطريات النيستاتين مضمضة بلا بلع، وماعندناش تحليل تركيز الميتوتركسات في السيروم و عمرنا ما درناه و اعطوا اللوكوفورين للحماية للجرعات العالية ديمة ثمانية جرعات فقط ( و ليحترق التعساء ممن لديهم تراكم اكيومولايشن وإذا ماتوا فذلك قدرهم )، و الانتراسايكلينز من غير حد ( وليتسمم قلب من تعدت جرعاته الحد الأقصى ولا يدرون، أو يكابرون لأنهم لا يخطئون )، و شن هو الهيكمان كاتاتهير، و حنى ما نركبوش في كاتاتهير و لا بورتس نركبوا في كانيولات بس ( و ليتعذب الأطفال عند كل تحليل و كل جرعة دواء )، و تحليل الدم السي بي سي ديمة يوم بعد يوم و في العطلات مفيش و مهما كان حال المنكوب، و العلاج الشعاعي إسمه: تسخين، و عمرنا ما درنا إشعاع لأكياس الدم، و شوفوله جرّاح يديرله العملية وبعدين نفكروله في الكيماوي، وما ليناش علاقة بالأطراف و العيون الصناعية، و شن المشكلة خلّطوا النوبوجين مع النورمال سالاين و أعطوه بالناقص لأنه غالي و أعطوه علاج مش وقاية، و أبدوله الكيماوي حتى كانا التحليل ما جاش، و مفيش حاملة و علّق شيشة الدواء وين ما يواتيك، و مفيش طوبوات سوداء و غلفي الطوبوات بشكارة كناسة و لصقيها، وأعطوه جرعة الكيماوي كاملة حتى كانه بانسايتوبينيا و إلا عنده آكتيف إنفكشن وعدوى شغالة ( وتخيلوا الكوارث ) و أعطوه الفوسفامايد و بعدين خوذوا دواء ميسنا من ثلاجة الدكتور لما يجي و اعطوهوله ( و لتحترق مثانة المنكوب، و كل واحد بثلاجته الخاصة )، و الطفل الفلاني إكسبايريد امبارح ( المعنى : انتهت صلاحيته : مات )، و عادي أعطوا الكيماوي المنتهية صلاحيته مادامه ما فاتش خمسة شهور بعدها، و ديمة أعطوا مضادات الإكتئاب باش ترتاحوا من النكد، و هذا بروتوكول قوي و شديد ( حكم أكيد و حتميّ بموت الطفل )، وعمرنا ما سمعنا أنه فيه أخصائي تغذية لجماعة السرطان وعمرنا ما أعطينا تغذية بالأنابيب المعوية، و ما عندناش أخصائي ألم ولا تخدير، و نخدروا بالكيتامين فقط للعمليات المؤلمة و حقن الظهر ( والذي لم يعد مستخدماً بالخارج لأنه مهلوس )، و نديروا ديسكشن ومناقشة و بعدين نشوفوا البرنامج اللي بنعطوه ( المعنى : الريجسترار تقرر و تنفذ و بعدها الزروق يبارك )، و عادي حط اللي مناعته صفر مع اللي واخذ عدوى بنفس الدار و خليها بالبركة، و بسرعة هاتوا الدواء الفلاني من القِسم الفلاني، و شني تبونا نوقفوا علي كل جرعة كيماوي و كانا صارتله حاجة نادوا الديوتي متع الإمتياز، و حنى ما قلناش هذا التشخيص، و بنعطوه الجرعة هاذي والأعمار بيد الله، و عادي عادي ( هذا تفسيرهم لأي مصيبة تحدث )، والكيماوي زي بعضه في كل مكان و اللي بتاخذوه في الخارج بتأخذوه هني، و العلاج الشعبي كله معليشي إلا الكويّ، و كانه مش عاجبكم دوّروا وين تعالجوا صغاركم، ... والحديث طويل ومفجع، و نرجو أن لا يُهين أحد أرواح الأطفال الشهداء بالقول أن بعض ما ذكرناه هو : شغل تمريض، فالتمريض هنا بدائي و لا يعرف أو يفعل إلا ما يُمليه البروفسور أو الريجسترار حرفياً )).

و لن نتحدث عن الجولات السريرية البائسة و الفقيرة، و التي لا يتعلم فيها أحد شيئاً، و لن نزيد بذكر أخطاء طلبة و طالبات الإمتياز الفادحة والقاتلة، و هم يرتعون بالقِسم وحدهم بالمساء و الليل، و على عاتقهم العمل المضني الذي لا يعرفون عنه شيئاً، دون مراقبة أو توجيه، و كل همّهم أن ينتهوا بسرعة من جولة إمتيازهم بقِسم المحرقة كما يسمونه، و مصير أي أزمة خطرة تحدث أثناء مناوبتهم هو موت الطفل الحتميّ، ( و لا تفيدنا الإشارة إلى أن أكبر مصائب المركز الطبي بأجمعه، تكمن في إنصراف كل الأخصائيين ومعظم الممارسين بكل الأقسام، بما فيها أقسام العناية المركزة بعد الثالثة ظهراً، و بقاء المرضى تحت سلطة أطباء الإمتياز، و كثير منهم يخشون و يحاذرون جيداً قبل الإتصال بمشرفيهم في بيوتهم، تجنباً للتقريع و التفحيط و الحطّ من قدرهم وخوفاً من تقييمهم، ويتصرفون من تلقائهم دون معرفة أو إستشارة أحد، أو لا يتصرفون البتة منتظرين إنتهاء مناوبتهم، مما يؤدي لموت المرضى عند نشوب أزمات خطرة، و معلوم للجميع أن معدلات الوفيات بالمركز ترتفع بالمساء و الليل عن معدلاتها بالفترة الصباحية و بفارق مذهل )، و لا يجدون أحداً يعلّمهم أي شيء عن السرطان وعلاجاته، خاصة إذا تعلق الأمر بالكيماوي السرّ الأعظم و بروتوكولاته، و لا يتعلمون إلا قاعدة واحدة تقول ( دائماً و أبداً، أعطوا دم لمّا ينزل الهيموغلوبين أقل من عشرة، و أعطوا صفائح لمّا تنزل أقل من عشرين )، و فقط اسألوا يا سيدي أي شخص بهذا القِسم عن المضاعفات الجانبية لأي دواء كيماوي أو مساند، أو التداخلات الدوائية أو التعارض، أو حتى طرق التلقي و ( الأدمينيسترايشن ميتودس )، أو قواعد التحضير الصحيحة أو توافق المحاليل، أو حتى قواعد وقاية العاملين و التعامل الدوائي الآمن، فلن تجدوا جواباً واحداً صحيحاً، هذا إذا وجدتم إجابة أصلاً عدا الضحكات البلهاء و الأعين المتهربة و إذا سلمتم من الردود الوقحة، ناهيك بالسؤال عن بروتوكولات العلاج الملفقة و المختصرة أو المستبدلة دوماً ( نوعاً و ليس كمّاً )، أو القديمة والتي لم تعد متداولة بالخارج، و دواعي اختيارها أو محاذيرها أو ضوابطها أو أصولها أو معاييرها، أو السؤال عن أي من قواعد إدارة طوارئ الأورام، أو قواعد السيطرة على العدوى عند الإحباط المناعي، أو السؤال عن أبسط المراجع الواجب توفرها بين أيديهم، و لن نشير عليكم بمراجعة أي تشخيص و قد فات أوان المراجعة، و إسألوا الجميع و إبدأوا بالبروفسور البارع بإخفاء ما يجهل ( إما بالضحك أو التغاضب أو بالتشاغل أو بحذف السؤال على معضلة أخرى )، إلى الريجسترار و السينيورز كمالة العدد، إلى أطباء الإمتياز و النظام الدوّار ( الذين يدفعون الجميع للتساؤل دوماً : بحق الله ماذا يعلّمونهم في كلية الطب، و كيف نجح هؤلاء و وصلوا هنا إلى هذه المرحلة )، إلى ممرضات الكيماوي الثلاث خريجات المعهد العام، و سوف تصدمكم الحقيقة، و لا تستغربوا يا سيدي، إذا أتاكم الشعور بأن هناك من يعمل مستوحياً فكرة أن من يموت يُريح و يستريح، أو خطرت ببالكم ذكرى كافوركيان الشهير طبيب الموت و القتل للمرحمة.

و لإستكمال فصول النكبة بهذا القِسم يا سيدي، نفيدكم بأنه لم يحدث يوماً أن إستشار الزروق أو ريجستراره أي أخصائي أورام في أي شيء، لا أخصائيين أجانب بالخارج و لا بمركزكم و لا بأي مكان، فذلك طبعاً مستحيل لأنهم أكبر من أن يحتاجوا لإستشارة أو معونة أحد، كما أنه من المحظور نهائياً إستشارة أو إستدعاء أي أخصائي من أي تخصص خارج القِسم، ليُعاين طفلاً أو يُعالج أية أزمة أو يُعطي رأيه فيها مهما كانت خطورتها، لا أخصائيي قلب و لا باطنة و لا مسالك و لا صدرية و لا أي شيء، فالبروفسور و الريجسترار طبعاً قادرون على إدارة أية أزمة أو مصيبة ( و ما يحدث بالقِسم يجب أن يموت و يدفن بالقِسم )، و طبعاً لأن إستدعاء أحد من أولئك سيفضح حتماً ما يجري، و سيعلم الأخصائي الغريب سبب المصيبة أو الأزمة التي أمامه، و أنها ناتجة عن خطأ و جهل الممارسة الطبية الفادح، و كوارث الكيماوي.

أما التحويلات الوحيدة التي تتم، و بخط اليد و دون تسجيل بملفات المرضى، فهي التحويل لمستشفى الأمراض العصبية والنفسية ( قرقارش )، لماذا ؟ ، للطلب من أطباء المستشفى المذكور معالجة الأطفال المُحالين إليهم من إدمان العقاقير المخدرة المستخدمة لمعالجة الألم، فالبروفسور ( و الريجسترار و التلاميذ ) يعتبر أن إستمرار صراخ الأطفال من الألم يعود إلى ( تلاعبهم ) بسيادته بعد أن أدمنوا على العقاقير المخدرة ، و ليس لأنهم يعانون الألم الجهنمي و الرهيب الناتج عن السرطان، أو عن ممارساته الخاطئة بدلق الكيماوي بأجسادهم دون تحرز، وهذا وحده كافٍ ليدلّكم يا سيدي و يدلّ كل أخصائي وممرض أورام و بوضوح، أن السيد البروفسور لم يقرأ أو يسمع أو يعرف شيئاً عن أصول و قواعد إدارة الألم المتعلق بالسرطان أو بمضاعفات علاجاته، و الذي يقول أول بند فيها و يعرفه العالم أجمع : ( لا تنظر و لا تضع في إعتبارك حيثيات الإدمان عند معالجتك للألم المتعلق بالسرطان و مضاعفات علاجاته )، فتأملوا يا سيدي، فإن الجهل الفاضح بمعالجة ألم السرطان وتوابعه، و عدم وجود أخصائي متمرس في إدارته، إنما هو جريمة بحد ذاته يشيب منها أخصائيو طب الأورام و أساتذته بأي مكان بالعالم، أما أسلوب معالجة البروفسور للألم، ( دون معرفة أو تطبيق قواعد التقييم أو التصنيف أو قواعد الإستباق و الثبيت أو تقصّي المسببات ومعالجتها بالتوازي )، فيبدأ بأمره إعطاء كودامول ( باراسيتامول أي بانادول معزز بالكوديين )، و حين يحترق الطفل ألماً يأمر ( عند جولته باليوم التالي ) بإعطائه حقنة ميبريدين الممنوع إستعماله أصلاً في علاج ألم السرطان المتواصل، طبعاً دون معرفة أو تطبيق أصول المعايرة أو البدائل أو ( مدرّج منظمة الصحة القياسي )، و حين يتفاقم الحال يأمر ( طبعاً باليوم التالي ) بإعطائه أقل جرعة مورفين بالتسريب المتواصل ( أيضاً دون معايرة )، و حين يحترق الطفل من فورات الألم المقتحم المفاجئة ( البرييك ترو )، يأمر بإعطائه الميبريدين ثانية إضافة إلى المورفين ( و هذه مصيبة أخرى ) فهو لا يعرف شيئاً عن ( البرييك ترو باين ) و لا إدارته أو معايراته، و حين يهدأ الحال بعد يوم أو إثنين ( إذا لم يمت الطفل لسبب أو لآخر )، يأمر بقطع المورفين فجأة، دون معرفة أصول و محاذير التوقف ليُعاني الطفل من مضاعفات الإنقطاع و الانسحاب المفاجئ و ليُعاوده الألم بعد وقت قليل، ( و لن نذكر الجريمة حين يأمرون بإعطاء الطفل حقنة زائفة من ماء الحقن أو الملح الإعتيادي لإيهامه بأنه مسكّن، و طبعاً يكتشف ذلك فوراً و يصرخ ألماً شاكياً حاله إلى ربّ العالمين، كما لن نذكر داهية إعطاء الأطفال حقن عقار لارجاكتيل ( كلوربرومازين ) المنوّم منفرداً لمعالجة ألم السرطان لأنه جهل لا يمكن وصفه، و لا يستهدف سوى التخلص من صراخهم و ليس إدارة الألم )، فتأملوا بربكم يا سيدي ملياًَ هذه الكارثة، و لا يمرّ يوم دون أن تسمع بجنبات هذا القِسم، صراخ طفل أو أكثر و هم يحترقون ألماً و ما من مغيث لهم، و لنتذكر دائماً أن من يدفع الثمن هنا عذابا أليماً و موتاً مريعاً هم أطفال و مرضى بالسرطان.

و تستحكم فصول النكبة يا سيدي بعدم تحويل أي مريض للعلاج بالخارج، إذ يحتفظ الزروق بالحق منفرداً في التوصية والموافقة على الإيفاد و إمكانيات و طرق تسفير المرضى، إما عن طريق مستشفاه و اللجان المختصة، أو جمعيات أخرى تتقدم للمساعدة، و لا يستخدم هذه الميزات أبداً لإرسال مرضاه للخارج، لا لأبناء الخواص ( الذين لا ينتظرون و لا يحتاجون جميل و منّة من أحد )، و لا لأبناء العوام الفقراء الذين و مهما كانت خطورة حالهم و حاجتهم لعمليات و علاجات لا تتوفر بأي مكان، لا يجدون أبداً و أبداً نهائية أي وسيلة للعلاج بالخارج، وليموتوا كيفما اتفق، ( و نرجو أن لا يتوهم أحد أنه قادر على تحديد من لديه أمل في النجاة من السرطان، أو توقع العائد العلاجي الممكن لأي مريض منذ البداية، و يتصرف على هذا الأساس ليحدد من لديه فرصة أكثر إذا عولج بالخارج، فهذا وهم قد نتخيله بحسن نياتنا إذا رأيناه يوفد أحداً )، و هنا سنعجز جميعاً عن تفسير هذه المعضلة المحيرة : لماذا لا يوفد مرضاه للعلاج بالخارج؟، و لن نصل للتفسير المفجع إلا إذا فهمنا قناعاته الشخصية الموجهة لسلوكياته و المسيطرة على تفكيره، و نظرنا للمسألة من زواياها المتداخلة.

فأولى قناعاته تقول: لماذا يرسل المرضى للخارج و هو موجود هنا ؟ و هو القطب الكبير و النّد النديد لأطباء الدنيا، وماذا سيفعلون لهم هناك أكثر مما يفعله هو هنا، عدا العمليات غير المتوفرة بين يديه، و أهمها عمليات زرع النخاع ( و هو يحسب أنه قادر على إجرائها إذا توفرت له الإمكانيات، ونسأل الله أن لا تتوفر له أبد الدهر، لأنها لا محالة ستكون مذبحة فورية لن ينجو منها طفل واحد )، فهو لا يدرك و لا يستطيع فهم أو تقدير الفرق الشاسع بما لا يقاس بين حاله و حال قِسمه، و بين حال القوم بمراكز الأورام بالخارج، ( ونقصد بالخارج: أوروبا و بعض آسيا و منها أندونيسيا، وأميركا الشمالية وأستراليا )، و الذي هو تماماً كالفرق بين الزائف والأصيل، و الداهس في الظلام و السائر في النور، و المحترف ومتصنع الإحتراف، و بين الأخصائي والدخيل على التخصص، كما لا يدرك أن طب الأورام لا يكتسبه أحد بالخبرة ولا بالتجربة و الخطأ، و أن إدارة السرطان لا تكون على يد كل طبيب ( و لا بأي تمريض )، و لا بعموم التشخيص دون تخصيص، و لا بالنسخ الأعمى لخطط العلاج ( توافق الحال أو تقترب منه ) من جداول عامة أو كتيبات مختصرات، و تنفيذها بدفق أدوية الكيماوي داخل الأبدان، باستهانة وبلا بصيرة وباستهتار، دون معرفة خواصها و محاذيرها وأصول إدارة مضاعفاتها، كيفما أتفق و بمن اتفق و بما اتفق و أينما أتفق و متى ما أتفق، ( والباقي على البركة، وليس مهماً ما سيحدث وما سيكون، و سنناور بسهولة أية مصيبة حال وقوعها و نحن ماهرون، وسندفن رؤوسنا في الرمال حين تصدمنا في وجوهنا )، كما إنه لا يدرك أن القوم بالخارج يعالجون مرضاهم بإمكانيات حقيقية كاملة بجهد محترف لأخصائيين محترفين بكل فئة من الأورام على حدة، و يعملون بعلمٍ و مقدرة و بيد واحدة لإدارة المرض و المرضى، يعرف كل منهم واجبه و تخصصه و حدوده ويتشاورون في كل التفاصيل، ( ولا يستبد أحدهم بقرار لا يتراجع عنه مستكبراً، مهما تكن عواقبه كارثية على المريض )، ويأخذون أنفسهم بمحاسبة صارمة للجميع، لا تتوانى عن فصل المقصر أو المتهاون أو الجاهل أو العاجز، و حرمانه نهائياً عن ممارسة طب الأورام أو عموم الممارسة الطبية، و تحاكمه إن تسبب بأقل ضرر.

أما قناعته الثانية و المثقلة باللامبالاة و الإحباط و المبنية على خبرته الطويلة بالموت، ( و قد رأى موت جميع من مرّوا على يديه )، فتقول : بأن المرضى بالسرطان ميؤوس منهم لأنهم مرضى بالسرطان، و مهما نفعل فإنهم سيموتون، و لن يفيد علاجهم سوى في تأخير المحتوم وزيادة المعاناة على الجميع، ( فهو لم يعايش القوم بالخارج و يرى علاجهم و نتائج و عوائد عملهم و حال مرضاهم و نسب الشفاء أو النجاة عندهم )، إذ أنه لا يدرك ولا يستطيع فهمَ أنهم ميؤوس منهم ليس لأنهم مرضى بالسرطان، ولكن لأنهم يتعالجون عنده ( و عند ريجستراره )، حسب ممارساته و أساليبه و طريقته و هواه، بجهله و تعدّيه على غير تخصصه و استهانته بما يفعل، و لأنهم يتعالجون في الظروف البائسة لقِسمه البائس، و لأن أهاليهم فقراء عاجزون عن معالجتهم بالخارج، ( و ما من شيء يحبسهم بقِسمه و يجبرهم على التعالج عنده إلا الفقر )، بل إنهم عاجزون حتى عن ثمن الأدوية أو التحاليل أو الأشعات المفقودة و الرخيصة، ناهيك عن عزيزة المنال و الباهظة، ( و التي يتجاوزها هو قبل غيره، و يلغيها مهما كانت أساسية، و يعمل بدونها حين تكون مفقودة ).

أما قناعته الثالثة فتنظر لقيمة الأطفال المرضى، ( و مبنية على جزمه بموتهم و علمه أن السرطان عاهة بدنية خطرة و مزمنة و قد تعود بعد إخمادها بسنين أو بأي وقت )، و تعتبر أن قيمتهم للمجتمع ليست عالية، وما من داع للجهد المضني والكفاح المستميت لإنقاذهم، و بذل النفيس و الرخيص لعلاجهم، و سيشفون إذا كان الشفاء مكتوباً لهم، و بالمحصلة حتى و إن شفوا، فماذا سيكونون مستقبلاً أكثر مما هي عليه عائلاتهم من العوام، و لن نتحدث عمّا لا يدركه هنا و لا يستطيع فهمه، فذلك مضيعة للجهد و لن نفيد أحداً بشيء.

أما قناعته الرابعة و القاصمة للظهر فتقول: ماذا سيتبقى له و لقِسمه من عمل أو هيبة أو مقام، إذا قام بإرسال جميع مرضاه للعلاج بالخارج، هل يغلق قِسمه و كل هذا الضجيج و البرستيج، أم يتحول إلى إستشاري ترانزيت، يقوم بالتشخيص ثم تسفير المرضى؟، إذ أن جميع مرضى السرطان يحتاجون لعلاج بالخارج في مرحلة ما، فسبعون بالمئة من مرضاه يحتاجون لعمليات زرع النخاع باهظة التكاليف، ( جميع مرضى سرطان الدم و أغلب حالات الليمفومات و بعض أمراض الدم، و كما تعلمون فالزرع من أخطر العمليات في الدنيا، و لا تجرؤ نصف مراكز السرطان بالخارج على إجرائها، ويحيلون مرضاهم على مراكزها المتخصصة )، كما أن المرضى بأورام صلبة في مواقع حساسة مثل الدماغ يحتاجون لجراحات دقيقة وخطرة متعددة و متتالية، و المرضى غيرهم سيحتاجون أيضا لعمليات زرع إذا اقتضى الحال تلقي جرعات كيماوي عالية و مكثفة، إضافة إلى جراحاتهم والتي قد تكون متعددة . و على الضفة الأخرى، ولأن علاج السرطان يستوجب و منذ اليوم الأول ترتيب خطة شاملة صائبة و مدروسة يتم تنفيذها بحذافيرها، و لا يجوز البدء بخطة ثم إلغاؤها و تغييرها، فهل ستقبل المستشفيات بالخارج تشخيصه وعلاجه الأوليّ، أم عليه أن يكتب لهم تقريراً كل يوم من مثل: ( شخصّت سرطان كذا و أقترح البدء بخطة كذا )، فيجيبونه: ( أرسل لنا العينات لنتأكد و لا تعطي علاجاً إلا بأمرنا )، أو يلخّصون القضية بالقول الفصل: ( أرسل المريض بسرعة و شكراً لجهودكم )، و إذا بدأ هنا بعلاج ( و السرطان لا ينتظر أحداً ) فهل سيوافقون هناك و يقبلون و يستمرون بناءاً عليه، أم سيلغون خطته و يبدأون من الصفر، و هل سيناقشونه فيما فعل و يفعل أم يصمتون، و هل يقبل القطب الأوحد أن يتحول لموظف يعمل بإمرة أطباء بالخارج أياً كانوا ؟ و يقبل وصايتهم عليه أو مراجعتهم لتوصياته أو مراقبتهم لإدارته أو نقدهم لعمله، أو يقبل توجيهه أو تصحيحه أو تعليمه أو مناقشته أو نصحه من أي أحد؟.

و ننتقل للقناعة الأخرى و التي يفرضها التعليم الطبي، و التي تقول للطبيب : ( عليك أن لا تنفعل أو تتعلق عاطفياً بمرضاك )، و المصيبة أن معظم أطبائنا يأخذونها بفهم مغلوط إلى خارج مراميها، و بعيداً حتى تنقلب إلى النقيض، و تصل بهم إلى حد الاغتراب عن الواقع، و تخشّب الحسّ الإنساني لديهم، و تجعلهم يتعاطون مع مرضاهم و كأنهم جمادات أو نباتات زينة أو حيوانات أليفة ( حيّة و لكن بلا قيمة وجدانية، و لا ينفعلون معها أو يتأثرون بمصيرها أو بما يصيبها، أو يشعرون بالذنب حيال أخطاؤهم معها، أو يحاسبون أنفسهم لموتها )، و بمثل هذه القناعة لا يهتم الزروق ( أو تلميذيه ) إطلاقاً بمصير مرضاه و لا ينفعل وجدانه بما يصيبهم، أو يدفعه للإصرار على إنقاذهم كما لو كانوا أبناءه أو من خاصّته، أو الاستماتة ( أو أقلّه صدق النية و العمل ) في علاجهم. ثم نجد عنده قناعة حاسمة تجزم قطعياً بعدم وجود موازنات و موارد تكفى لإيفاد كل من يلزم إيفاده، متناسياً أنه طبيب و ليس خبيراً إقتصادياً أو حسيب، و عليه أن يفك العقدة من عنده أولاً، و يعتق الناس من عنق زجاجته و يُخلى بالصدق و الحق و الأمانة ذمته، و يترك تدبير المال للمسؤولين عن المال بإدارة مستشفاه و اللجان المختصة.

و نكتفي من القناعات لنرى على المقلب الآخر الأسئلة المنهمرة أمامه، من مثل : من سيختار و من سيبقى و لمن الأولوية و من يحدد ذلك ، و من لديه الفرصة أكثر في الشفاء أو النجاة، و من سيفلح معه العلاج و من سيخيب، و هل يفرط في مزايا العلاج بالخارج أم يمسك بها لغدرات الزمان و التمنن على الخِلان، و تزدحم العوائق والتساؤلات أمامه و يعلو الضجيج، و على طريقة الإسكندر في قطع الحبل من أصله بدل وجع القلب في حلّ عقدته المستعصية، يقطع الزروق الموضوع من أصله و يمتنع عن إرسال أي طفل للعلاج بالخارج، و ليمت الجميع، و يكتفي بإعطاء تقارير تقول أن المريض يحتاج، حقاً بلا ريبة و صدقاً بلا إحتيال، إلى العلاج بالخارج، لأن حاله خطرة و لأنه يحتاج إلى عملية زرع نخاع أو جراحة بالمخ أو ما إلى هنالك، و على أهله أن ( يجروا على ولدهم أو بنتهم و يدبروا رؤوسهم بأي مكان )، أو يتدبروا الأموال للعلاج على حسابهم، أو يبقوا بقِسمه المشؤوم و حالهم إلى بؤس كحال من سبقهم و من سيلحقهم، ولا يرسل أحداً أو يتدخل لإيفاد أحد، إلا إذا مرض بأي داءٍ أحد من خاصّته أو خاصّة ريجستراره ( و أغلبهم بالغون و ليسوا أطفالاً )، و عندها يصبح المستحيل هيناً و يسافر مريضهم خلال أيام . و نرجو أن لا يهلل أحد لمسألة إيفاد ثمانية أطفال على دفعات للعلاج بمصر خلال السنة الماضية، بعد توقف عن إيفاد الفقراء لأكثر من عشر سنوات، فهذه و إن لم تكن منّة إلا أن الفضل فيها لا يعود إليه، و إنما للجنة العلاج التي فرضت عليه إيفادهم، بعد أن تعاقد المسؤولون عن التعاقد مع مصحة خاصة بمصر، فقام بالتوقيع لهذا العدد من أصل عشرات و مئات المرضى المسجلين بقسمه ( و لن نخوض في تفسير أسبابه لإختيارهم أو ما حدث معهم، كما لن نخوض في ذلك التعاقد أو تفصيله، فالأمر مؤلم للجميع و من كل مداخله ).

و خلاصة الحال أن الأطفال يموتون، و ليس للناس إلا ضجة كل ستة أشهر أو تزيد عن بدء أعمال لجنة للعلاج بالخارج، و عليهم التقافز بين لجنة وأخرى، و أمل زائف تلو الآخر، و أينما سألوا فسيعيدونهم إلى الزروق الذي سيعطيهم تقريراً حين يتسنى له الوقت والفراغ، و يصرفهم إلى اللجنة التي ستجمع الملفات بعد أشهر من تحضيرها، و تعيدها إليه لأنه المسؤول عن التوقيع بالموافقة، و بدوره يعيدها إليهم للبث بشأنها بالاجتماع التالي، و يجيب المراجعين بأنه لا يعلم شيئاً بعد، و يصرفهم إلى اللجنة و إجتماعها القادم الحاسم، و المقرر عقده عند رؤية هلال الشهر الفلاني، و يختلفون طبعاً في الموعد و الرؤية و الثبوت، و بين هذا و ذاك و دوامة الحال و القيل و القال تمر الأيام و الشهور و تدور، و في الأثناء تتغير حال و ظروف مرض المريض، و قد يخمد السرطان أو يزيد، و يلزم إعداد تقرير جديد، و قد يفيده العلاج بالخارج أو لا يفيد، و يموت من يموت، و ما يلبث أن يأتي الخبر بإلغاء اللجان أو وقفها أو تأجيلها أو وجوب تحديث التقارير أو إنتظار التعاقد أو التمويل، ليظهر بعد شهور كلام جديد عن لجنة جديدة أو إستئناف القديمة، ليبدأ المشوار ذاته و الركض من جديد، و جميعهم يمررون الوقت، وجميعهم يعملون بمنطق يقول : ( هؤلاء الأطفال مرضى السرطان سيموتون، فلماذا نصرف عليهم الأموال ؟ ).

و قد تتساءلون يا سيدي، ألا يجيد الزروق أي شيء ؟ و الجواب : بلى، يجيد التعاطي مع طب الأطفال العام و أمراضه العامة غير السرطانية، و هذا لا يصنع منه أكثر من طبيب أطفال عام، ( إستشاري أعظم إذا شئت )، كما و يجيد الفرز المجهري لشرائح لطخات الدم وخلافه، و تحديد المتسرطن منها ( و ليس عينات الأنسجة و التي يختص بمعاينتها و فرزها قِسم الباثولوجي )، و هذا لا يجعل منه أكثر من  ( طبيب ) باثولوجي بفرع واحد من علم الأمراض ( أو إستشاري أعظم أيضاً إذا شئت )، و قد نتجاوز عن القول بأنه خبير أوحد في أمراض الدم غير السرطانية ( مثل الهيموفيليا أو الثلاسيميا، وليس الخطيرة مثل فانكوني أنيميا أو أبلاستيك أنيميا أو الميلوديس بلاستيك سيندرومز )، و لكن قطعاً يا سيدي، إن كل ذلك لا يصنع منه أخصائياً في أي فرع من تخصص طب الأورام، و قطعاً لا يجعل منه أخصائياً أوحد في جميع فروع طب الأورام و فئات السرطان و بلا إستثناء، و قطعاً أيضاً لا يجعل منه رجلاً خارقاً أو سوبرمان قادر بمفرده على معالجة الكمّ الهائل من الأطفال المرضى المسجلين بقِسمه و على إختلاف أنواع السرطان لديهم، ( و خلال وقت الدوام الضيق و هو لا يستمر دقيقة واحدة بعد الثانية و النصف ظهراً، و محظور نهائياً الإتصال به، أو بأحد القطبين الآخرين، بعد الدوام لأي سبب كان، و يقضى نصف أيامه في المحاضرات والامتحانات و الاجتماعات و السفرات والمؤتمرات، إلى آخر جدول النشاطات ). إن العاقل يا سيدي، لا يمكنه الطلب من طبيب أسنان إجراء جراحة بالدماغ، أو يتوقع من طيّار سياحي أن يقود مكوكاً فضائياً، أو يطمع من عازف منفرد أن يعزف له سيمفونية.

و حتماً ستذهلون يا سيدي، إذا علمتم أن متوسط عدد ملفات المرضى المسجلين بهذا القِسم، و النشطة و العاملة في أي يوم من السنة يبلغ ثمانمائة ملف، ثمانون بالمئة منها حالات أورام، و البقية أمراض الدم، ( تنقص بمن يموت، أو يقرر أهله مقهورين التوقف عن العلاج أو يجدون منفذاً للفرار إلى الخارج، و تزيد بمن يستجد )، و أن المتوسط السنوي لحالات الأورام الجديدة يبلغ مئة و أربعون حالة، ( تجاوزت المئة و سبعون في بعض السنوات )، فماذا يقول المرء إذا عَلم أن المتوسط السنوي للمرضى المسجلين بأقسام أورام الأطفال بمركز إم دي آندرسون بالولايات المتحدة يبلغ خمسمائة و عشرون مريضاً، و هو من أكبر المراكز بالدنيا، و أن متوسط عددهم السنوي بمركز بامبيني جيسو بالفاتيكان يبلغ مئة وعشرون مريضاً فقط، و هو من أكبر المراكز بأوروبا، وماذا يقول المرء أيضاً إذا عَلم أن الطبيب بالعيادة الخارجية ( يفحص، و لا نفهم كيف ) معدل ثلاثين إلى خمس و ثلاثين حالة يوم العيادة و قبل إنتهاء الدوام ( و هما طبيبان فقط )، بينما يبلغ العدد القياسي المحدد بأي عيادة أورام بالعالم ما بين ثمانية إلى عشرة مرضى كحد أقصى للطبيب الواحد.

ماذا نريد أن نقول؟ حسناً، إن قِسماً كهذا ( يفترض أن يكون مركزاً ضخماً و ليس جحراً )، يحتاج إلى جيش من أخصائيي الأورام المتمرسين ( بكل تخصصاتهم و أدمغتهم والتخصصات المساندة ) يسانده جيش أكبر من أطقم تمريض الأورام المحترفة ( من فئة الستة سنوات دراسة )، و لكن من يبحث و يتقصى و يتمعن سيجد أن الدكتور الزروق يمنع، بكل الوسائل و التحالفات و الحِيل، إستجلاب أخصائيين محترفين عرب أو أجانب لقِسمه ( رغم مطالبات الإدارات المتعاقبة بالمركز )، و يمنع طبعاً بكل الوسائل عمل أي أخصائي ليبي جاء من الخارج، و يحمل شهادة بالتخصص و فوقها عدد من سنوات العمل السريري، فحين يدخل المحترفون من الباب فحتماً سيخرج الأدعياء من النافذة.

أمّا الأطباء العرب أو الأجانب فعادة تطالبه الإدارة بالسفر للخارج و إختيار أخصائيين و التعاقد معهم ( و طبعاً لا يوجد خبير غيره )، فيقوم بالتمييع و التأجيل و التمطيط و ترك الأيام تمرّ، و طبعاً لا أحد يتابع أو لديه سلطة الإجبار، و ستتغير الإدارة نهاية العام، أمّا الأخصائيين المحليين فيحتاجون بعض الجهد، أولاً الترحيب بالطبيب الجديد بالضحكة الزائفة المشهورة، ثم الإيعاز لرفيق العمر رئيس قِسم الأطفال بتحويله لأي داهية بأقسام الأطفال أو بالحضّانات أو عيادات الأطفال العامة، للتجربة والتعرف على مجريات العمل بالمركز، ثم الطلب بمعادلة وإعتماد شهادته من مجلس التخصصات، و الإيعاز لرفاق السلاح هناك بإرجاعه للزروق لإعتماد شهادته ( قائلين أنه المرجع الوحيد بالبلد )، و حين يعود إلى الزروق يجيبه بين مشاغله و في المرة العاشرة بنفس الضحكة ( و من أنا حتى أعتمد لك شهادتك و أنت أخصائي، فأنا لا أعتمد الشهادات و إرجع إلى مجلس التخصصات فإنهم المسؤولون عن الإعتماد )، و بعد أشهر من الأخذ و الرد و عدم وجود راتب لعدم إعتماد الشهادة، يذهب الأخصائي أخيراً للعمل بأي مستشفى آخر متناسيا تخصصه، أو بمصحة خاصة ما بمناوبة ليلية في قِسم ولادة مظلم، أو يطير مناوباً بالإسعاف الطائر، أو يسترزق بمختبر تحاليل بزقاق خرب، أو يعود إلى الداهية التي أتى منها، و هكذا يتخلص الزروق منهم، ويبقي منفرداً بالقِسم مع ريجستراره الوحيدة، دون أي تقدم أو تغيير، بلا كادر حقيقي و لا أخصائيين محترفين و لا يتبدل شيء، و هذا يفسر أسباب عدم تكوين كادر متخصص بهذا القِسم منذ إفتتاحه و طوال هذه السنين، و الدواعي واضحة، إذ أن مجرد قدوم أخصائيين بطب الأورام من شأنه حتماً أن يفضح جهلهم و إنعدام مؤهلاتهم و كفاءتهم و ( يطيرهم ) من القِسم الذي هو ملكهم وحدهم، و محجورٌ على أي طبيب آخر، و ليس مهماً إذا كانوا غير أكفاء و لا مؤهلين أو عاجزين عن معالجة هذا الكمّ الكبير من المرضى، أو إدارة مثل هذا القِسم، إنما المهمّ هو البرستيج و الهيلمان و الرفعة و السمعة و الفخر الأجوف و السلطة الزائفة، و يُهلكون الأطفال يميناً و شمالاً و لا يُبالون بشيء، و الحبل على الجرار و ما من رقيب و لا حسيب، و هم آمنون تماماً من مجرد سؤالهم عن قتلاهم و كيف يموتون، و من يُحاسب المرجع الأول و القطب الأوحد ؟، الذي و رغم تجاوزه منذ سنين طويلة سن التقاعد و كل العمر الإفتراضي للممارسة المهنية النافعة و الحافز النفسي للإهتمام، إلا أنه يتشبث برئاسة القِسم بكل الأسنان، ( ولا نفهم من أجل ماذا كل هذا )، يسانده وبقوة رفيقه رئيس قِسم الأطفال، الذي إذا سألته فسيجيبك متفجعاً من سذاجة السائل و هول السؤال : ( و من أين أجد بديلاً له، لا يوجد أحد، لا يوجد بديل أبداً )، و كأن الكون توقف و الزمن تسمّر، و كأنما قحطت البشرية والأمّة من الأطباء و أخصائيي أورام الأطفال أو أي أورام، و كأنما إجتاح العقم المجتمع الليبي فلم ينجب مثيلاً للزروق، الذي في آخر كل نهار و إغلاق كل المسارح، و خاتمة كل مطاف و خلاصة كل المعادلات و آخر كل سطوره، مهما صفق بأجنحته و تقاوح أو تمايل و تمادح، و مهما هلّل معجبوه و مدح الجاهلون بحاله البعيدون عن سطوته و علاجه، فلن يتم تصنيفه بأكثر من : قاتل للأطفال بالجملة، و طبعاً ريجستراره مثله معه، و سجّلوا قولنا بكل لغات البشر و بكل أشكال الخط و ألوان الحبر، و موعدنا أمام ربّ العالمين يوم الذعر و القيامة و الحشر. ( و لقد صدق والله الرجل الذي سأل ذات يوم عن صلاة أطباء هذا القِسم، مشترطاً صلاتهم قبل توقيعه بموافقته على العلاج الكيماوي لطفله و إخلاء ذمتهم، و قد يقول قائل أن الصلاة أمر شخصي و ليس من شأننا أن يُصلي الطبيب المسلم أو يفعل بنفسه ما يشاء، ولكن و بحسبة بسيطة سنجد أنه لا يمكننا أن نطمع من الله أن يوفّق طبيباً مسلماً لأي خير، وهو لا يعرف للصلاة حكماً ولا صفات، ولا يذكر الله إلا حين يتبرأ للآباء و الأمهات من موت البنين و البنات، مؤكداً و العلكة تتجول ضجرة بين اللسان و الكلمات: إنما الأعمار بيد الله ).

قد يقول البعض بأن إمكانيات هذا القِسم ضعيفة وهو ليس مركزاً قائماً بذاته ومحكوم بموقعه داخل مستشفى ضخم، و رغم أن هذه حقيقة مفجعة، لأن هذا المكان هو القِسم الرئيسي الوحيد بكل البلاد، ( القِسم الآخر بمستشفى الأطفال ببنغازي صغير و أعداد حالاته قليلة بالمقارنة بناءاً على إحصاء سجل السرطان ببنغازي، و الله أعلم بعوائده )، ولأنه أيضاً لا يوجد مستشفى خاص بأورام الأطفال بكل البلاد ( و هذه نكبة كبرى )، غير أن الجواب مفجع، و نتساءل قبل الشكوى من ضعف الإمكانيات، و هل طالب البروفسور يوماً من أية إدارة أو تنازل بمخاطبتها لتوفير إحتياجات قِسم خطير مثل قِسمه ( هذا إذا كان يعرف أساسيات تجهيز أقسام الأورام بكل العالم، أو يهتم لتوفيرها إن كان يعرفها )، لم يفعل و لم يطالب بشيء، حتى و لا صندوق خشب بزجاج لتحضير الكيماوي و حماية مرؤوسيه، و أرشيف المركز مفتوح أمام من يريد أن يتأكد، إنه لم يطالب حتى المختبر المركزي بتوفير التحاليل الهامة التي لا تحتاجها إلا أقسام الأورام، و أولها تحليل معدلات عقار ميثوتريكسات الفتاك بمصل الدم ( و الكيماوي لا يعطونه عمياني و لا يكبحونه بالتنجيم )، أو تحاليل الواسمات النوعية و التيومور ماركرز، و لن نذكر خوارق مثل الأميونوسايتوكيمستري أو الفلوسايتومتري أو الإتش إل آى ( فتلك تقنيات خرافية لا نطالها و ليست لنا )، أو يطالب بمختبر كامل خاص بقِسمه بدل التكدس بالمختبر المركزي، أو بفرع من مصرف الدم يعمل لقِسمه أو مشتركاً مع قِسم أورام الكبار، و هم أكثر الأقسام طلباً لمركّبات الدم، بدل إنتظار المريض عشر ساعات كاملة، و نكرر: عشر ساعات من لحظة التبرع، للحصول على وحدة دم مستعجلة، بل إنه لم يطالب حتى بعيادة خاصة بأورام الأطفال و بالمركز عشرات الغرف الخاوية، تاركاً الأطفال التعساء المرضى بالسرطان يزاحمون المرضى بعيادة الأطفال العامة ويفترشون الأرض ببهو المستشفى العام، وكأنهم في سوق أحذية وسط كل الزحام، متجاهلاً الخطورة المفجعة عليهم في ذلك بجهازهم المناعي الضعيف و المحبط بالكيماوي، و نتساءل هل نطق يوماً بأي مطالبة لأي شيء قبل الشكوى من نقص الإمكانيات، ( و كأنه يعمل بالمثل الدارج: أخبز للقاضي بالعجين الذي يعطيك و من لحيته إفتل له حبله، فلا يعجن و لا يطالب بالدقيق، تاركاً ممرضاته يتسولون حتى أتفه أدواتهم، من مضخات الحقن و مقاييس الضغط إلى الترمومترات و الشريط اللاصق )، و إننا لنعجب حين يخرج علينا بالصحف شاكياً من ضعف الموازنات و الموارد و نقص أدوية الكيماوي و المستلزمات ( منبهاً لحتمية وضع الرجل المناسب بالمكان المناسب، دون أن يفوته تذكير الأمّة بأن : المال السايب يعلّم الخنبة )، و يُحمّل إدارة المركز المسؤولية، و هو يعلم جيداً أنها غير مخوّلة بإستيراد هذه الأدوية، ( و كأن لسان حاله يقول : أنا إستشاري أعظم قادر تماماً، بمفردي و بكل سهولة مغمض العينين و بيدي العارية، على معالجة كل الأورام و شفاء كل المرضى، و لكن العتب على نقص الأدوية و ضعف الموازنات و الإمكانيات و التسيب الإداري )، فالحقيقة أنه لا يمكن لوم الإدارات قبل التحقق حول رئيس القِسم المسؤول، و لن نزيد بالتحدث عن رفضه المتكرر عبر السنين إنتقال قِسمه إلى موقع آخر أرحب وأفضل بالمستشفى، رغم الإزدحام و ضيق المكان، قائلاً أن هذا القاطع مناسب له لسهولة الحركة، و معلوم للجميع أن هذا القِسم يتكون من قاطع واحد ( سِعته واحد وعشرون سريراً يكتظ ليحمل أربعين طفلاً مع أمهاتهم، و يأخذ البقية جرعاتهم و ينصرفون بالبركة رغم وجوب إيواء الكثير منهم )، و هو أسوأ قِسم بكل المركز، و من لا يصدق فليقم بزيارته و زيارة أقسام الأطفال الأخرى، أو أي أقسام، و يقارن.

و نرجوكم يا سيدي، أن لا تردّوا علينا بالقول أن الزروق أو غيره زميل و لا تقبلوا أن يقال فيه شيء، فالأمر أكبر و الخطب أعظم من ذلك، أو ترددوا ما يقوله بعض المتملقين من مثل : ( إنه أستاذي و ما نرضاش فيه )، و هم يسخرون منه في مجالسهم الخاصة، و يلقبونه بالدكتور ( كيلسو )، و يصفون قِسمه بحكومة العوانس، و يتهكّمون على جولاته السريرية ذات الثلاث دقائق لكل مريض بوصفها ( ذا قراند جنْك راوندس ) أي جولات الغُثاء الكبرى، ( و نضيف إنك إذا تحرشت بأي أخصائي ممن يعرفونه، فسيقلب شفتيه قائلاً : و شن فهّم الزروق في السرطان )، إن الأمر أكبر والخطب أعظم يا سيدي، أعظم بما لا يقاس، من الإعتبار الشخصي وكل المصالح، وأخّوة المهنة والمجاملات، و التملق والتساند المهني، و المُداراة و المُحاباة و حفظ الوجوه، و المقامات و البرستيج، و سمعة طبيب و حياته المهنية، و سمو مكانة الطب، و مواثيق صمت المجتمع الطبي غير المعلنة، بل و أكبر من حياة أي طبيب، و خذوا أي ميزان يا سيدي، و ضعوا بإحدى كفتيه مئة طفلٍ فقط مع عذاباتهم ثم ضعوا طبيباً من هؤلاء بناقته و ما حمل بالكفة الأخرى، و أنظروا أي الكفتين سترجح بكل المقاييس، و أسمحوا لنا أن نتطاول بسؤالكم، لو أن السرطان أصاب طفلاً عزيزاً عليكم أنتم، فهل ستسلمونه للزروق ليعالجه؟، و نجيب عنكم : كلا و مستحيل و أبداً، فنرجوكم يا سيدي كما نرجو الجميع أن يدركوا معنا أن الأمر جليل و الخطب عظيم، و لا يتعلق بسمعة أو مكانة أو مهنة أشخاص، إنه يتعلق بحياة أعدادٍ هائلة من الأطفال المرضى و عذاباتهم، و الواجب الإنساني و الديني و الأخلاقي، ( الذي لا يزول و لا يقبل التعامي و لا التغابي و لا التهاون و لا الإهمال و لا حذفه على الغير )، في علاجهم من السرطان بكل الإمكانيات و بكل الجهد و الصدق و إخلاص النية مع الله و مع الناس، لأننا و بإختصار إن لم نفعل فسندفع ثمن خذلاننا إياهم باهظاً في الدنيا قبل الآخرة، ناهيك عن ذنب إزهاق كل هذه الأرواح بسبب الهراء البشري بكل صنوفه، و ربّ العالمين للجميع بالمرصاد و لا هوادة في الأمر.

و أخيراً، لن نتحدث عن مبنى هذا القِسم البائس و عدم أهليته بأي مقياس لأن يكون قِسماً للأورام، أو نتكلم عن غرفه المكتظة و الأسرّة المتهالكة، و زريبة العيادة الخارجية و صالة الكيماوي المأساة و غرفة العمليات الجريمة، و الصيدلية البائسة الفقيرة، و لا عن المراحيض المهشمة و النظافة البدائية، و العدوى المتفشية والتعقيم المفقود، و لن نخوض في الحديث عن السوق السوداء والصفراء، و الأدوية و التحاليل والمعدات المفقودة خرافية الثمن أو الزهيدة، ولا عن الموازنات الناقصة والإمكانيات المعدومة ( و إذا كانت حقاً ناقصة أو معدومة ولماذا )، و لا عن عدم وجود مركز خاص بأورام الأطفال ( رغم الضرورة القصوى التي تستوجب إعلان الطوارئ و النفير )، و إلى آخر كل العلل والآفات، التي لا يقدم الكلام فيها أي فائدة، و لا يعالج مريضاً أو يحل معضلة، و التفصيل فيها مضيعة للجهد من قبيل الآذان في مالطا، أو إقامة الصلاة في حرم الفاتيكان أو خطبة الجمعة في مقبرة، أو عزف سيمفونية في الربع الخالي، أو النفخ بالأشداق لإستجلاب السحاب. 

خاتمة

و ختاماً يا سيدي، قد لا يفيد أحداً أن تعرفوا شيئاً عن هذا القِسم و أهله، فإنكم لا تستطيعون الحجر على أطبائه، أو تغيير أو إصلاح أي شيء من حاله، و قدرنا أن نعيش بالحسرة و أيدينا مقصورة، و نحن نرى هؤلاء الأطفال يصارعون السرطان بصدور عارية و أيدي مغلولة، بلا سلاح ولا معونة، و فوق دائهم قد إجتمعت عليهم الدواهي مسلولة، من فقر الطب و جهل الطبيب، إلى العزّة بالجهل و فقدان الذمم و موت الضمير، إلى فقر الأهل وخذلان المجتمع و جهل الناس بالسرطان و لامبالاة الجميع، و الله المُعين و المستعان وهو مولاهم وهو حسبهم و نِعم الوكيل والمولى والنصير، إنما المفيد و المهم أن تفعلوا شيئاً، و أنتم وحدكم بإمكانيات مركزكم تستطيعون فعل الكثير، فإفتحوا باب فرج للناس و افتتحوا قِسماً أو أقساماً للأطفال، و أنقذوا و لو طفل واحد تكسبوا الأجر و الثواب، و تبيّضوا وجوهكم أمام ربّ العالمين، و أنظروا بأي وجوه و حال و مقال سنقابله جميعاً، يوم تنكشف السرائر والنيات، و تنفضح الغدرات و الفجرات، و تسوّد الوجوه، و لا يعلم أحدنا أين يوضع وجهه، و لا يملك من أمره شيئاً، و إنّا لله و إنّا إليه راجعون.

خطابات مفتوحة

أما للسيد الزروق فنقول: إسمع منا هذه الوصفة البسيطة لعلاج الأطفال مرضى السرطان: إفتح تقويم عمرك وأنظر كم بقي فيه من أيام، و تصفّح وجوه الأطفال جميعاً ممن مرّوا على يديك، ثم قف بصدق أمام كل المجتمع الطبي، وأمام رؤسائك وإدارة مستشفاك و وجهاء الصحة بالبلد، و أعلن بإختصار عجزك وعجز قِسمك الكامل والتام عن معالجة أورام الأطفال، ثم أقعد في بيتك و أنتظر حكم الله فيك وجميع من معك ( و دعّ عنك هذا الأمر برمّته، فلست وصياً على علاج سرطان الأطفال )، و عندها سيضطر الجميع لإيجاد الحلول، و أولها تحويل أرتال المرضى التعساء بقِسمك إلى مركز صبراتة للأورام و إمداده بالدعم وبالأطباء المختصين بأورام الأطفال، و إن تعذّر عليهم ذلك ( و لن نذكر صنوف الأعذار )، فلابد لإدارة التركة من استدعاء كل أخصائي ليبي في الداخل و الخارج ( و سيأتون جميعاً إذا تأكدوا من ذهابك )، واستجلاب أخصائيين أجانب في كل مناحي طب أورام الأطفال وأمراض الدم، وأطقم التمريض المحترف، ثم إستبدال موقع هذا القِسم ( وليس صعباً أبداً إيجاد القسم أو الجناح المناسب بالمركز، أو المبنى الجيد بكل البلد، أو إنشاء مركز خاص و لو بحجم مستوصف )، و عندها سيرى الجميع كيف هي الممارسة الطبية العارفة و المسؤولة و الحقيقية لطب الأورام، و سيرون الفرق الشاسع و تعلن النتائج عن نفسها بوضوح.

و طبعاً فإن ذلك لن يحدث، ( ونحن نرى كل عام مسلسل تقاعدك وعودتك لعدم توفر بديل أو نظير لك )، ولا نظنه مجدياً تذكيرك و من معك بأن الله على كل شيء وكيل، ( فأنظروا هل أباح للطبيب حق المريض مشاعاً بلا حساب، أم هل خلق الناس عبثاً أو أعفى من الموت أحداً أو نسِي للخلق قولاً أو عملاً أو ترك إنساناً سُدى )، و لن نزيدك و من معك إلا بالقول، بأنكم ستموتون مهما طالت أعماركم، و تنتهي بالحسرات أوقاتكم، و تسقط في لحظة الموت كل الأقنعة و كل أوراق التوت، و يتبخر الزيف و كل الأوهام و الأحلام، و يتبدد البرستيج و الهيلمان، وينهار الزهو و البهتان، و لن ينفعكم دعاء أو يُسعفكم قنوت، و ستضرب وجوهكم الحقيقة الصلدة كالصخر و الحديد، و اللاذعة كالجمر والجليد، والصارخة كالرعد الرعيد، والكالحة كالشؤم النكيد، و ستعرفون حين توصد قبوركم بلا وصيد، جواب السؤال المحير: كيف ستدفعون ثمن جرائمكم و ديّة كل شهيد ؟، و عند حسابكم المديد، ستجدون أمامكم ربّ العالمين الرقيب الحسيب، الذي لا ينخدع لأحد و لا يفلت منه مَريد و لا شريد، و عن يمينكم و شمالكم أرتال ضحاياكم الأطفال الذين أهلكتموهم و بغدركم أخذتموهم، و بزيفكم خنتموهم و بكذبكم خدعتموهم، و من تحت أرجلكم جهنم متربعة تنتظر كلمات : خذوه خذوها خذوهم، فإستعدوا للخصومة أمام أحكم الحاكمين العزيز القهار، فوالله الذي تُصعق من هيبته الخلائق، لن يغفر لكم طفل واحد أفاعيلكم، و جرأتكم على حياته و روحه و إستهتاركم، و لن يسامحكم من الناس أحد، و سيتعلق الجميع برقابكم، و ستحملون أوزاركم كاملة و تدفعون الثمن وافياً مستوفياً، و الله على كل شيء وكيل.

و أمّا لوجهاء المجتمع الطبي و كبراء الصحة و مسؤوليها النافذين فنقول: لسنا نطالبكم بغير استجلاب أخصائيين في طب أورام الأطفال و فريق تمريض مختص بالأورام، و تثبيتهم بهذا القِسم بالقوة، شاء من فيه و رضوا أم أعترضوا و رفضوا، و تنصيب الأجدر منهم برئاسة أطبائه و إن كان وثنياً أعجمي، و لن نطالبكم بأكثر من ذلك، لأنكم تعرفون الصواب و تعرفون الواجب عليكم و لستم تحتاجون أحداً يرشدكم، و لن نزيد إلا بالقول، عيشوا و تنعّموا كما يحلو لكم، و بذّروا الأموال كما تريدون، و شرّقوا و غرّبوا كما تشاءون، و أحرموا هؤلاء الأطفال و أمثالهم من حقهم في العلاج الحقيقي، و ثم أحرموهم من مركز متخصص مستقل يعالجهم ( كما تفعل كل الأمم )، و ثم أحرموهم من حقوقهم الكاملة في العلاج بالخارج بمراكز محترفة و ذات جدارة، و عيشوا هانئين مطمئنين، فدائماً و أبداً ستخيم عليكم صرخاتهم و تطاردكم دنيا و آخرة، فأنظروا أين تذهبون و إلى الله المصير.

و نتوسل للمجتمع كله فنقول : ألا يوجد شخص واحد يوقف هذه الكارثة و يأتي بخلاص هؤلاء الأطفال، شخص واحد قادر أن يقول كفى لهؤلاء و أمثالهم و يحجر عليهم، و يستخلص هذا القِسم من أيديهم، ( فهو أولاً و أخيراً ملك للمجتمع، و ليس ملكاً لهؤلاء و لا إرثاً لأحد، و المرضى أبناء المجتمع، و ليسوا مشردين أو سائبين بلا قيمة تحت رحمة أو جميل أحد )، فأسمعوا منا القول الصريح، أن عيشوا حياتكم كيفما اتفق، غافلين عما ينتظركم يوم مرضكم، و أحذروا أن تفزعوا إلينا بالمركز الطبي الفخيم و أمثاله من المستشفيات، و تروا الموت وألوانه أصنافاً مصنفات : المشين و العبثي و المروع و العشوائي و الغادر و اللامعقول، على أيدينا نحن خوارق الطب الأماجد و الخارقات، و كواكبه الزاهرة و شموسه الساطعات، و قياصرة البرستيج النجوم والنجمات، و الطلبة النجباء والطالبات، و كل الطواويس الكبار و الصغار بكل الألوان و الصفات، و ستنالوا شهائد وفاة كاذبات، و لن يبالي بموتكم أحد، و لن يتغير في الدنيا شيء، فنحن الأطباء ملوك مرفوعة عنا الأقلام، فلا لوم علينا ولا حساب و لا إستفهام، و لا تنطبق علينا الشرائع و لا كل القوانين، و سنقتلكم، بجهلنا و أخطائنا، و زهونا و غرورنا، و تبخترنا و خيلاءنا، و إستهتارنا و إهمالنا، و تناحرنا و عتونا، و خبثنا و لؤمنا، و كل أمراضنا النفسية و النرجسية و أهوائنا، فنحن أطباؤكم و نحن قتلتكم، و لا حق لكم في مراجعتنا أو مساءلتنا أو التعقيب وراءنا، فنحن أنبياء الطب معجزات سماوية فوق البشر، نعلم كل شوارد الطب، و لا نعرف كلمة ( لا أدري ) و لا كلمة ( سأستشير غيري )، و لا نخطئ أبداً و لا نتراجع عن خطأ أبداً، و ما نقوله و نفعله مقدس على الدوام، و ليس مهماً أن تشفوا أو تموتوا بوصايانا المقدسة، فالمهمّ الأوحد الوحيد إنما هو صورتنا المبجلة و غرورنا المنهوم و زهونا اللامحدود و ( برستيجنا ) المصون، و تفاخرنا على بعضنا، و إستعلائنا عليكم و عرفانكم بالعلوّ لنا، و تبجيلكم و تمجيدكم لسمونا، و ثقتكم العمياء في علمنا الذي لا ينتقص حتى وإن أودى بحياتكم، فأنتم تموتون بأيدينا لأن هذا قدركم، وليس قدرنا أننا من يقتلكم بكل نقائصنا، و فوق قتلكم فإننا نمنّ عليكم بطبنا و نتجمل، و ليس لكم إلا شكرنا و تقبّل الأمر فهو قدركم المحتم، و لا تحلموا بمقاضاتنا أو النيل منا، فتوصفون بالتجني و بالجنون، فنحن بالحصانة الطبية الشرعية محصنون، و لن تجدوا طبيباً واحداً يشهد معكم أمام الله أو القانون، لأن بيننا ميثاق شرف بالكتمان و التستّر والصمت المقدس، لا يخرقه منا أحد ( رغم حقدنا الغريزي على بعضنا ) فهو دائماً مصون، فلا طبيب ينتقد آخر أو ينتقصه أو يفشي أخطاءه أو يفضح جهله أو يصحح وراءه أو حتى ينبهه، و إن رآه في عِزّ الخطأ فإنه يدير وجهه و يترك المريض لمصيره المشؤوم، فنحن لا نتدخل في شغل بعضنا، و ليس فينا جاهل أو مغبون، و سيمحو الحاضر منا ما كتبناه و كل التقارير، حين نري قضاتكم قادمين، فنحن دائماً نتساند و نتحامى و ( زيتنا دائماً في دقيقنا )، و نحن وحدنا بالطب عارفون، و المريض دوماً و مرضه الذي قتله هم المذنبون، فماذا تفهمون في الطب أنتم و ماذا تكونون، و أي حقٍ لكم أو علمٍ حتى تحاسبون، و هل تُحاسب الخِراف البيطري الذي يُعالجها، أو الأشجار الفلاح الذي يجذمها، أو تُراجعه فيما يفعل أو يقول ؟، و مهما بحثتم فلن تجدوا واحداً منا يراقب الله، أو يدرك الحقيقة الصارخة فينا، سمعنا أم تحجرت آذاننا : ( إذا كنت طبيباً تعمل في المجتمع الطبي الليبي فإن مصيرك إلى النار و لعنة الله، لا محالة، و أنظر في قرارة نفسك بالحق و أستفت قلبك بالصدق و ستعرف الأسباب بكل وضوح، فأحذر ما تفعل و ما تقول، و ما لا تفعل أو تقول، فإن ربك بالمرصاد، و أنقذ نفسك قبل أن تموت )، لأن إبليس زرع فينا الكِبر و التكبر، و حشانا بالزهو و التجبر، و نام هانئاً و استراح.

و لمن ينشغلون عن الموضوع بالسؤال عنا و ماذا نكون، نقول : أنا من لا يضحك وجهه، و لا يعرف الهزل قلبه، و لا يسأل الله إلا أن يُسلّطه على أساطين الطب المتألهين عبيد المال و المديح بكل أصنافهم، و أدعياء الطب و الأفاقين بكل أصباغهم، و يُملِّكه أمرهم و رقابهم، وعندها و الله لن يعرف أحدهم أين يضع يديه، و يطيش عقله فلا يعود إليه، و يلعن نفسه و من علَمه الطب و والديه، فأنا و الله طبيبهم، وعندي و الله دواؤهم، و لست أداويهم و أنزع وساوس الشيطان من رؤوسهم، بغير تعليقهم بساحات المستشفيات، و ضربهم بالنعال صباح مساء، على مرّ الأيام و الساعات، حتى يدفعوا ثمن إجرامهم وافياً، و يعرفوا الحق صافياً، و يعرف غيرهم قيمة الطب و قدره و ثمن الإنسان و موته، فلا ينام إلا جاحظ الأعين ولا يسقط إلا واقفاً، و لن أعالج داء الأطباء و أورامهم بغير دفن كل من يقتل منهم مريضاً، عارياً مع قتيله، حتى يعلموا أن حياة المرضى ثمينة و أغلى من حياتهم، و أن أجساد خلق الله حصينة و ليست مشاعاً سائباً و ليست ملعبة و لا مرمية، ولن أصف لهم غير الجلد بالسياط على رؤوس الأشهاد لمن يُخطئ منهم بكلمة، حتى أجعلهم لا يقربون مريضاً إلا مرتعدين، يتهامسون الفاتحة والمعوذتين و كل أورادهم مرتجفين، و لا ينطق أحدهم بكلمة، و لا يتشدق بفتوى، أو يأمر بدواء، قبل أن يستشير عشرة من رفاقه و من هم أعلم منه و يوقعون وصفته موافقين، و أجعلهم لا يشقّون جسد مريض إلا مجتمعين، يراقب بعضهم بعضاً يتواصون : ( إذا مات هذا الأحمق فنحن هالكون )، و أجعلهم يسألون الله السلامة حين يلتقون في صباحهم، و يتساءلون مبحوحين : ( ترى من هلك منا البارحة ومن سيهلك اليوم ) و أبتدع لهم داء الرُهاب من المريض، كما جعلوا الناس يُفضّلون الموت على النزول بمستشفياتهم، و زرعوا فيهم الرُهاب من الطب و الطبيب، و طبعاً سأجعلهم ينصبون شهاداتهم فوق رؤوسهم عالياً حيث يذهبون، ليعرف الناس مع من يتعاملون، و قطعاً سأقيم لهم محاكم تفتيش صارمة من نار و حديد، تطحنهم و تغربل و تهرس و تُعيد، حتى تعود المستشفيات مجامع للطب و الأطباء، و ليست مراتعاً للإفك والبهتان و الجهل العتيد، و حتماً سأنصب جلاداً كالح الوجه على رأس كل أستاذ بكلياتهم، و على رأس كل ساعٍ و خفير و مُعيد، و أجعلهم ينحتون طلابهم بالكدّ و الكديد و يأخذونهم بالتشديد و التشريد، حتى لا يتخرج من كل ألفٍ إلا طالبٍ واحد وحيد، يحسب أرقامه جيداً و يُعيد، و يقرأ أسفاره مليّاً و يزيد ، و يضبط مكياله سويّاً و لا يحيد، و يُحاسب نفسه عسيراً و يستعيذ، و يُصلي الإستخارة قائماً و قعيد، قبل أن يتقدم لشيء و يقول ها أنا الطبيب، و يقفز على رؤوس أصابعه واجفاً، إذا سعل قربه طفل أو تأوه مريض، و يدعو بالويل و الثبور، و يصوم الشهور تلو الشهور، و يستفتي عن ذنبه القريب و البعيد، إذا مات بين يديه كهلٌ أو هلك وليد.

و لكن و ياللحسرة، لا تسير الدنيا هكذا، و ما باليد من قوة، و لا حول أو حيلة، غير كتابة خطاب كهذا، عسى أن يجد قارئاً واحداً، يفعل و لو شيئاً يسيراً، لينقذ أطفالاً أبرياء، أو يوقف مذبحة مريرة، نكتبه معتذرين بشدة لعائلات الأطفال المرضى بالسرطان، عن الألم الذي زدناه فوق ألآمهم و عذابهم، و عن الأمل الزائف الذي هتكنا أستاره و كشفنا سوأته أمامهم، عارفين أن البعض بالمجتمع الطبي سينتفض و يتنادى لدفع الضيم و المظلومية، و التهليل لأيقونة الطب المقدسة و التابو المُحّرم و الدفاع عن نجومه العاجية، و يشحذ القرائح للجدل و إستحضار الحجج ليُسفه ما كتبناه و كأنما تلك هي القضية، متناسين جميعهم أنهم أقسموا على علاج المرضى بالحق و الصدق، و ليس بناء البرستيج والدفاع عنه بحميّة، و أن ذمتهم تفرض عليهم التنادي لإنقاذ هؤلاء الأطفال كما لو كانوا أبناءهم بكل جهد و جديّة، و ليس التعامي و التغافل و نفض الأيدي و طمس البليّة، أو الجدل والتجادل حول مظلومية الجلاد و قدر الضحية، أو الترافع حول مسألة : هل يُحاسب القاتل إن كان قدر المقتول أن يموت مقتولاً بأسباب الموت التي كُتب عليه أن يموت بها و هي أقدار مقضية ؟ و أيهما يقود إلى الآخر؟ أسباب الموت التي تؤدي إلى الموت ثم محاسبة من تسبب بالموت و الحكم بالسوّية، أم قدر الميت في أن يموت بأسباب موته و بالتالي لا حساب على أحد، و الدنيا هانئة و القبور خرساء و الضمائر رضيّة ؟، و من المُحاسب هنا ؟ عجباً ! و هل يُحاسب الطبيب ؟ و هو الطبيب القيصر المُؤلّه المنيع على التحقيق و المساءلة، المعفي من كل حساب أو مسؤولية؟، و القديس المالك لرخصة مفتوحة بالقتل و صك مصدق بالغفران، فلا عقاب أو حتى إرتياب ولا ديّة ؟، و يحتدم جدلهم و يتشعب و هم يتبارون في المرافعة و في استنباط حيثيات المداولة، متنافسين لإظهار علو الهمّة و المدارك و سعة المعارف و القدرات العلمية، لينتهوا إلى التحسر على الأوزون و لوم المجرمين بحقه من الدول الغربية، و إلى التبحر بتوصيف المذنبين في نكسة أسواق المال الدولية، و لينصرفوا آخر النهار و هم بروعة أدائهم مغتبطون، يتبادلون المديح و التهاني و يتسامرون، و قد نسوا جميعاً أن آلة الموت مازالت تدور و أن الأطفال مازالوا معذبين يموتون خلال الوقت الذي هم فيه يتجادلون، و أن أخدود أصحاب الأخدود لا يزال مشتعلاً و الأطفال هم الوقود، و أن الصرخات التي لا يسمعونها، هي صرخات الطفولة المنكوبة المخذولة الضحية المنسية.

التوقيع

عار علينا أن نوقع بغير أسماء كل الأطفال الشهداء المظلومين المخذولين المقتولين المغدورين، بأيدي كل صنوف الهراء البشري.

30-06-2009
 


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home