Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الجمعة 30 يناير 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

بيان ليس كـ ( البيان )
كلٌّ على قدر الزيت فيه يضىءُ

عندما كتبت تعليقى السابق تحت عنوان ( بين البيان .. والبرهان ) ما كنت اقصد ابدا التقليل من اهمية كشف طوابير العملاء والخونة والجواسيس الذين اختاروا الخلود الى السفلى فصاروا كاللاهث إن حمل شيئاً أو لم يحمل... فذاك امر مطلوب ومهمة وطنية وكفاحية لازمه تندرج فى سياق فرز الصفوف وتنقية الجسد الوطنى من ثؤلل اتلخونة والعملاء واصحاب القلوب الممتلئة نفاقا والعزائم الخائرة والايدى المرتعشة جبنا وضعفا .
لكنى فى نفس الوقت كنت الفت النظر الى ان مثل هذه المهمة تظل خطوة تستوجب ان نردفها خطوات اهم تتاسس على ارضية تفيد تضاريسها ان الاعداء والخارج مهما كان علوهم فى الارض كبيرا ومهما جندوا ممن شاركنا المنبت والسمات والملامح والاسماء لن يكون بوسعهم اختراق جبهتنا المتراصة الا من خلال مكامن الضعف ومواطن الخلل الرخوة فينا .
من هنا تصير المهمة مزدوجة ومركبة - اخى عبد الحكيم - نكشف الخائن ومخطط العدو والطامع وفى نفس الوقت نسكب بجهدنا واخلاص فعلنا الدم والعرق المبارك على تراب وطننا لتثبت الاقدام وتتطهر النفوس وهذا الامر لايتجسد فى وجهه العملى الا عبر تلك العملية الثورية الطابع بامتياز والتى نسميها بالنفد الذاتى والتى لن يكون سلاحنا فيها سوى العقل الحر الا من انتمائه للوطن واهله البسطاء وحقهم فى الحياة الكريمة الحره .
ان هذا الفعل النقدى هو سمة انسانية خالصه ( فما كان آدم ليحضى برضى الله وتوبته عليه لولا ان مارس هذه الفضيلة التى نسميها اليوم نقدا ذاتيا كشف به خلل ما اقدم عليه وسوء ما اختار حين ركن الى مشورة عدو مبين ) .
وبالتاكيد ان عملية النقد الذاتى هذه لن تكون من باب جلد الذات ولا بروباقاندا نشر الغسيل المتسخ ولا من قبيل مهرجانات تصفية الحسابات الشخصيه او الفئوية الخاصه .. انها ستكون عملية فائقة النبل والطهارة على ما قد يكون فيها من الم انها اشبه بوضع الملح على الجراح ليطهرها وينفى عنها صديدها وقروحها .
ولكى تكون كذلك فانها لابد ان تكون صادرة عن حس فائض بالحب للوطن واهله ووعى فائق بالمرحلة التاريخية وممكناتها وتسلح بمنهج علمى يفسر حركة المجتمع البشرى وفق قوانين التاريخ الموضوعيه سنن العمران - حسب تعبير ابن خلدون - .
ان الاجيال القادمه - اخى عبد الحكيم - لن تحاسبنا على عجزنا عن تحقيق اى مهمة يستحيل ان ننجزها بحكم الشروط الموضوعية والتاريخيه التى تحكمنا .. لكنها بالتاكيد ستحكم علينا لو اننا قصرنا فى انجاز ماهو ممكن موضوعيا وتاريخيا لعجزنا الذاتى وقصورنا .. ووعينا بهذه الحقيقه هو ما يعمق الاحساس بثقل المسؤلية وعظمة الابتلاء وجلال المهمه ونبلها واهميتها .
نعم .. نقولها بالصوت الواثق الثابت ثبات المؤمنين ان مسيرة مجتمعنا منذ فاتح سشبتمبر 69 المجيد ما كانت الا محاولة لاستعادة الخطى نحو ذلك المسار الصحيح الذى عبدته دماء اجدادنا وهى تسفح من قبل طوابير الفاسشت الغزاة وربائبهم الخونه الذين شكلوا ( باندات ) العماله ليمتطيها الاجنبى فيصل بهم وعبرهم الى مسالك جبالنا الحصينه وفيافى صحارينا الشاسعه المهيبه هالكا الحرث والنسل وبهم يذيق اهلنا وحرائرنا الغاليات اصناق المذلة والجوع والمسغبه فى معتقلات الابادة الجماعيه .... ذلك المسار الذى ابتعدنا عنه منذ ان انجلى غبار تلك المعركة الوطنيه المشهوده التى احتدمت نهايات اربعينيات واوائل خمسينيات القرن الماضى لصالح خريجى المدرسة الفاشية الايطاليه ممثلين برأس اول حكومة تشكلت ( محمود المنتصر )- الذى كان ثالث ثلاثة سلموا سيف الاسلام للسفاح موسولينى عند زيارته لليبيا -والذين ارتكبوا تلك المذبحة تجاه مخلصى هذا الوطن عندما توجوا انتخاباتهم المزوره بسلسلة من عمليات القمع الدامى للجماهير المحتجه على التزييف والتزوير لارادتها ونفى قادتها المجاهدين امثال ( بشير السعداوى واحمد زارم الرحيبى ) وسجن غيرهما من ابناء الوطن الشرفاء سواء كانوا اعضاء فى جمعية عمر المختار بمشرق الوطن او فى المؤتمر الوطنى وغيره من اطر وتنظيمات وهياكل حركتنا الوطنيه آنذاك التى نا هضت شروط المستعمر ورفضت الارتهان له وعارضت تزوير الاهداف الوطنيه فى بناء ليبيا كيانا وطنيا عربيا حرا موحدا ( وليس متحدا )وكا فحت ضد محاولات الانحراف بالنضال الوطنى والتى مثلتها عملية تشكيل لجنة وضع مشروع الدستور ( ما يعرف بلجنة الستين ) على اسس غير ديمقراطيه ( حيث لم يراعى فى تشكيلها على اساس الاقاليم الثلاثه النسبة العدديه لسكان الاقاليم ) او عملية اعتماد هذا الدستور الذى لم يعرض على استفتاء شعبى يمنحه المشروعيه ... ( ولعل من مضحكات الامور ان نسمع اليوم اصواتا تبكى الشرعية الدستورية التى انتهكت مستهينة بذاكرتنا التاريخيه التى تعرف جيدا حقيقة هذا الدستور البائس الذى يتباكون اليوم على اطلاله ) .
نعم كان ما حدث صبيحة اول سبتمبر 69 استعادة للمسار الوطنى وبوابة دخل معها الوطن نحو تجربة وطنيه فى اطار برنامج وطنى ثورى حددت اطاره المقولات العامه الملخصة فى مبادىء الحريه والعدالة الاجتماعيه والارتباط بمشروع النهوض القومى الذى يستهدف توحيد هذه الامه التى قطعت اوصالها اتفاقية سايكس بيكو التى كانت احدى التجليات العمليه لعملية تقسيم العمل الدولى بين الدول المشكله لنظام الراسمال العالمى المتحول الى مرحلته الامبرياليه .
واذا كان هذا البرنامج الوطنى العام قد حاز احتضانا شعبيا عارما منذ البدايه فإن مسيرة ترجمة هذا البرنامج الى سياسات عمليه وتطبيقات حيه وما رافقها من اجتهادات نظريه طوال ما يقرب من اربعين عاما تضع بين ايدينا اليوم حصادا يمتزج فيه الحلو بالمر المفرح بالمحزن وتملا ذاكرتنا بمواقف واحداث يتيه بها العقل والقلب فخرا من طرد بقايا الفاشست واجلاء قواعد المستعمر الى تلك المحاولات الطموحة لتحرير اقتصادنا الوطنى وبناء وتاسيس بنية صناعيه الى صياغة مشروع نظرى يقوم على توسيع العملية الديموقراطيه والصعود بالمشاركة الشعبيه الى افاق صنع القرار والتسيير الذاتى للمجتمع فى نفس الوقت الذى تمتلىء فيه هذه الذاكرة ايضا بمواقف تحرق الوعى بجمرها اللاسع مما آل اليه حال تلك المزارع التى استرجعت من المستوطنين الفاشست وتلك المنشأت الاقتصاديه والمصانع التى بنيت بمال الشعب من خراب ودمار بعد ان نهبها وخربها السوس الانتهازى عديم الخبرة والولاء للوطن الخائن للامانه والذى كثيرا ما صم آذاننا بصراخه وهتافاته حاملا الوية الثورة وشعارات البرنامج الوطنى الثورى كما رفع اسلافه قميص عثمان ليخفوا به نزوعهم للملك العضوض والسلطان ... هذا السوس المقيت الذى تغول امنيا واقتصاديا واجتماعيا حتى كاد ان يغتال الامل فينا وان يجعل المشروع الوطنى الثورى فى واقع حياة شعبنا اقرب للكابوس المرعب الذى تملاه التماسيح والديناصورات وليس مجرد القطط السمان وتطفح فى ثناياه صور المشانق والمحاكمات الاستثنائيه والسجون والاتهام على الشبهه والمحاسبة على الكلمة والخاطره وحتى النقس ...
نعم ان كل التحولات الكبرى لها هامش من الاخطاء لا مناص منه ( حتى فى دعوة الاسلام الكبرى حدثت الاخطاء والنبى صلى الله عليه وسلم حى وكلنا يعرف -على سبيل المثال - حادثة القبيلة التى اعمل فيها خالد بن الوليد السيف ظنا منه انها معادية مشركه ولم يتثبت ليتاكد من انها خلاف ذلك فى الواقع بسبب من احتدام الحالة الصراعية آنذاك بين قوى الايمان والكفر .. وقام النبى الكريم صلى الله عليه وسلم بدفع دية القتلى واعلن تبرؤه مما فعل خالد ابن الوليد عندما رفع كفيه السمحتين الى السماء هاتفا- اللهم انى ابرأ اليك مما فعل خالد بن الوليد - على مسمع من المسلمين ) لكن هذه الحقيقة التاريخيه لا تعفينا اطلاقا من رفض الخطأ ومراجعته واصلاح آثاره والتقليل من حجم هامشه ما امكن وكل ذلك فى خطأ الضروره اما الاخطاء المجانيه فيجب ان لايكون ثمة مجال لها من الاساس .
... كل ذلك ايها الاخ ( عبد الحكيم ) وكل شرفاء وابناء هذا الوطن المخلصين كان بعضا مما يعتمل فى النفس اثاره حديثك عن تمييز الخبيث من الطيب .. اندفعت لان اجعله مكتوبا بوضوح عفوى لاخلص منه إلى تاكيد الآتى / .
(1) ان كشف مخططات الاعداء وفضح عملائهم مهمة تنويرية ثورية دون شك لكنها يجب ان تندرج فى سياق عملية ثورية مركبة وخلاقه جوهرها نقد الذات وتصحيح ما اعوج من مسار وما اختل من خطى وفق وعى لا يقاطع ما سبق بقدر ما يتكامل معه ويبنى على منجزاته .
(2) ان عملية كشف مخطط العدو ومن سار فى ركابه ونقد الذات وتصحيح ما اختل من مسار لن يكون كافيا ما لم ينطلق من وعى متطور بالواقع وشروطه ومهامه بصورة حادة وفائقة الحساسيه وهو وعى يترجمه تطور مفردات خطابنا الوطنى الثورى وتحوله من حالة الشعار الى البرمجة العمليه فى برامج عمل وخطط تنمية ملموسة وكل ذلك لا ينتجه الا مناخ متسع الافاق من الحرية فى الاجتهاد والتنوع فى الرأى والذى تنظمه مؤسسات مدنيه تخلقها الارادة الشعبية الحره بعيدا عن تاثير البنى التقليدية المتخلفة من قبلية او عشائرية او جهويه او مذهبية او عنصريه او سطوة التغول الامنى الذى تحول عبر سنوات المواجهة والصراعات من مجرد اداة تامين الى غول يخدم المصالح الخاصة لمنتسبيه واستحالت صلاحياته المطلقه الى ادوات تخدم الاشخاص وامتيازاتهم وتحميها بدل ان تؤمن الو طن وتحميه .. ولعل انقضاء مراحل الاصطراع والمواجهة الخشنه تساعدنا الان اكثر من اى وقت مضى لكشف طبيعة الخطر الذى تمثله مثل هذه الحالة من التغول الامنى وعدم وجود مبرر جدى لها بعد ان خف تاثير دخان بخورها الذى كانت تطلقه بفعل سخونة لهب المواجهه مثيرة الشك فى كل مبادرة حره او اجتهاد مستقل او دعوة لتقليل فبظة التشديد على الحريات او تقليص قائمة الممنوعات .
(3) ان الحديث عن انتهاء مراحل المواجهة الخشنة مع المشروع الامبريالى .. والاستجابة لشروط الواقع الدولى الجديد يجب ان لاتعنى عندنا انقضاء هذه المواجهه .. فلا المشروع الامبريالى توقف عن ان يكون امبرياليا توسعيا استكباريا ولا نحن تخلينا عن احلامنا الثورية الوطنيه وبرامجنا المعبرة عنها ... وكل ما يمكن ان يوصف به الحال ان المواجهه - ولاعتبارات عديده - قد اتخذت طابعها الناعم والخفى ايضا .. اننا نصارع اليوم من اجل ان لايرتهن اقتصادنا لصالح اقتصاد التبعية والاستهلاك والتوكيل التجارى وان لا تدجن هويتنا الحضاريه طمن مفاهيم المركزية الاوربيه او تتماهى مع مفاهيم النهظة العدميه الوهميه ... لذلك ومع وعينا باهمية تحديث اطرنا الاداريه واعادة تاهيل وبناء خدماتنا الاساسيه وبنانا التحتيه والتهوض بحياة اهلنا وشعبنا وتحقيق آمالهم فى الحياة العصرية والتمتع بخيرات وطنهم .. فاننا يجب ان نراقب وبعيون مفتوحه ووعى يقظ خطط التنميه ومشاريعها وان نزنها بميزان لا يغفل كبيرة ولا صغيرة لكى نتثبت انها نقية من فيروسات الارتهان للاحتكار الامبريالى وكارتلاته وشركاته الاخطبوطية العابرة للقارات متعددة الجنسيات ولشبكات المضاربة الدوليه التى نشهد آثارها الفاجعة على معظم اقتصاد العالم فى ازمته الراهنه.. وليس من شك فى ان هذه المعركة الراهنه على نعومتها هى اشد شراسة وخطرا من اى مواجهة خشنه وان ذلك يتطلب سلاح العقل الجبار والوعى النافذ العميق وبالتاكيد ان سلاحا كهذا تكون ساحات تدريبه هى ساحات العلم ومعامله ومؤسساته قبل ساحات التدريب العسكرى العام وان لغته هى لغة التحليل والمنطق الجدلى الخلاق وليس لغة الشعار والهتاف .
(4) ان مشروعنا وفق هذا الوعى وهذا الحال ليس مشروع اصلاح بقدر ماهو مشروع تطوير خلاق تطوير يستوعب الاصلاح ولايكتفى به بل يتجاوزه الى انتقال بحال الامس الى كيف ارقى يبدأه اليوم ويجسده الغد واذا كانت عملية المصالحة الو طنيه واعادة رص الصف الوطنى فى هذا السياق عملا حيويا وجوهريا وملحا ولازما فانها وفق صياغات التطوير تتحول من مجرد حالة محاسبة لمراحل ماضيه وتضميد جراحاتها والسعى لتعويض مآسيها الى حالة اعادة بناء للنفوس بقدر ما تضمد جراحها وتمسح دموع وآلام المضلومية فيها فانها فى نفس الوقت تمسح اثر سلبيات الماضى وتنزع ظغائنه وما قد استفر فى القلوب من غل عندما تجتمع القلوب والعقول فى ساحة وحدة وطنية مكللة بالتسامح مجمعة على قواسم مشروعنا الوطنى والثورى التى يشترك فيها الجميع من ابناء الوطن البرره المخلصين ويتنوع فيها اجتهاد الجميع واسهام الجميع تنوعا ثريا جميلا كتنوع الزهور فى الحديقه او تعدد الاشجار الثرية المثمرة فى الغابه .
(5) وفق مفهوم التطوير هذا الذى يستوعب العملية الاصلاحية ولا يكتفى بها وحدها لن يكون ثمة مجال للردة او النكوص الى الوراء ولا التخلى عن اهم منجز فى تجربتنا السياسيه المتمثل فى مشروع مشاعية الحكم والسلطة بين الناس ( النظام الجماهيرى ) - كما تسميه ادبيات الثوره - حيث ان هذا المشروع ( المجتمعى ) - على حد تعبير الاخ عبدالحكيم - لازال يملك مصداقيته بالرغم من كل جوانب القصور فى التطبيق والتجسيد العملى _ والتى بالامكان تحليل اسبابها الموضوعيه فى سانحة اخرى _ ... بل ان هذا الفصور والخلل فى التجسيد العملى هو ما يدعو لاعادة قراءة الاسس النظرية للمشروع وفهمها بصورة اعمق فهما يمد المقولة الجماهيريه الى اقصى آفاقها الرحبه ويتجاوز مرحلتها الجنينيه لتتبدى ملامح هذا المشروع المجتمعى الحقيقيه حيث يتجاوز ان يكون مجرد نظام سياسى الى حالة اجتماعيه متكامله تتحول فيها الدولة - فى مفهومها السياسى والحقوقى - من مجرد اداة حكم وادارة للمجتمع يبنيها افراد المجتمع وفق عقد اجتماعى مفترض نظريا ( وتبنيها الطبقة المسيطرة عمليا ) الى دولة اجتماعية نظريا وعمليا حتى يصبح بالامكان الحديث عن المجتمع الدوله بديلا عن دولة المجتمع .
واذا كان هذا الفهم سيقودنا الى اقرار اهمية تكون المؤسسات المدنيه والمنظمات الاهليه التى تستوعب كافة تجليات النشاط الفكرى والاجتماعى الحر لكل مكونات المجتمع وافراده كاطر ومؤسسات حضارية تؤسس لعلاقات جديده بين افراد المجتمع الحديث بدلا من الروابط العشائريه والفبلية والجهوية المتخلفه فإنه سيصعد بفهمنا للمقولة الجماهيريه الى حيث تزول تلك الحساسية المفرطه فى تجربتنا السابقه تجاه ما يعرف بالتنظيمات السياسية او ( الحزبيه ) ويحصر مسالة الحريه فى الراى السياسى وغيره على المستوى الفردى دون القبول باى شكل من البناء المؤسسى او التنظيمى لها .. وسيكون بامكاننا ان ندرك وفق هذا الفهم ان تلك الحساسية المفرطه كانت نتاجا لاقتصار نظرتنا الى المنظمة السياسيه ( والحزب ) على كونها اداة حكم فقط وليس على طبيعتها كاحدى اشكال التنظيمات الاجتماعيه بصورة او اخرى تجمع اصحاب الرؤية الواحده او المصالح الواحده ( وهى وفق هذا التصور تعتبر اداة انسانية راقيه تؤسس الاجتماع الانسانى وفق هوية وعلاقات فكريه وليس وفق روابط دم وحسب ).
ان الاطروحة الجماهيريه وفق هذا الفهم الرحب تصعد بالتنظيم السياسى الى آفاق ارقى عندما تنزع عنه جرثومة السلطه والحكم فترفضه كاداة حكم للناس وتقبله كاداة تنظيم لهم تجمعهم على افكار وبرامج يتوجب ان تطرح على الناس وتناظل لافناعهم بها ليتبنوها كسياسة لهم عبر اداة الحكم المشاعة بينهم بمعنى ان الحزب والتنظيم السياسى فى الصيغة الجماهيريه لا يمكن ان تكون اداة تنافس او حتى تداول على السلطه حيث ان السلطة والحكم فى الصيغة الجماهيريه حق للجميع يمارسونه عبر مؤسستهم السياسيه على قدر المساواة ( مؤتمرهم الشعبى ) ولن يكون ثمة مجال لاى تنظيم سياسى او اجتماعى او نقابى او منتدى فكرى الا ان يكافح من اجل كسب عقول الناس (لا اصواتهم فى صناديق الانتخاب ) من خلال جهده كاداة دعوه وتبشير لبرا مجه وافكاره .
ليتبناها الناس فى مؤتمراتهم ويعتمدونها تشريعات وقوانين وفرارات وسياسات يرتضون ان تحكم حياتهم باختيارهم جميعا ... وحتى لا نتوغل كثيرا فى التاصيل النظرى فانى اعتقد ان هذا قد يكون كافيا للتاكيد على اهمية الانطلاق فى عمليتنا التطويريه من هذا المنجز النظرى دونما ردة عنه او نكوص باعتباره هو ما سيشكل تلك المساحة الحيه من الحرية لمجتمعنا ويقتح الافق واسعا امام مبادراته واجتهاداته وتخلق مؤسساته ومنظماته المدنيه والاهليه التى ستلتقى على ميثاق غليظ يعتمد سلطة كل الناس ويجرم اى نزوع للحكم بديلا عنهم لدى اى مكون من مكونات هذا المجتمع .. وهنا نكون فعلا امام الحاضنة الحقيه لوحدتنا الوطنيه التى لاتغبن حقا ولا تحجر فعالية ولا تحد نشاطا ولا تلغى فكرا ولا اجتهادا ... وفى اطارها فليتنافس المتنافسون .
.... وعند هذا الحد قد بكون من المناسب ان انهى هذه السطور التى لم ارد لها ان تكون تعليقا على ماجاء فى سطور اخى عبد الحكيم وهو يؤكد على اهمية ان نميز الخبيث من الطيب بفدر ما اردتها اضافة الى برهانه تنقلنا من حدود ( البرهان) الى آفاق ( البيان) الذى ليس ( كبيان ) من يحاول الدفاع عن ارتهانه لمخططات الاجنبى وفبوله بان يكون اداة لها وجزأ من اوراق لعبها القذره بترديد تلك المقولات المستهلكة عن الحريات وحقوق الانسان ودولة المؤسسات والمصاغة وفق خطاب نعرف معانيه الحقيقية بعد ان خبرناها انهارا من الدم تسيل من بغداد الى غزه وقنابل فسفوريه ونهب للثروات وبسطا للسيطرة والنفوذ .
انه ( بيان ) اردته ان يكون معززا ( للبرهان ) حين اقدمه هنا كتعبير عن الجهد المغروس فى تراب الوطن والذى يعيش فيه يستقبل زخات غيثه المبارك ويتحمل لفحات ( قبليه ) اللاهبه ولا لون له الا لون جباله الشامخه وصحاريه الشاسعه ومفازاتها المهيبه ووديانه الخيره ومدنه العريفه وقراه الحبية الجميله.. الجهد الذى يعى ان ( بلادى وان جارت على عزيزة ... واهلى وان ضنوا على ّكرام ) وان ... ( كلٌّ على قدر الزيت فيه يضىء ) .

بقلم / عبدالله الساكت


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home