Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الأربعاء 30 ديسمبر 2009

previous letter                 next letter                 list of all letters

ما بين الليبرالية والديمقراطية (2)

ان هذه الفكره الغريبه لا تهدف فقط الى التحطيم الكامل للشخصيه و لكن تتضمن بحق شجبا لكل الانسانيه الحقه و تحولت الى ادعاء لقيام دوله مؤسسه على مبررات اخلاقيه ضمن مفهوم الاراده الشعبيه، اذ تصبح كل الاشياء الحيه متحجره في اطار جاف يتم فيه استبدال كل الوظائف العضويه الحيه برتابه الاله حيث تهيمن البراعه السياسيه على كل اشكال حياه الفرد كما تهيمن التقنيه الاقتصاديه الحديثه على ارواح المنتجين. و الحقيقه المخيفه هي اننا لا نتعامل مع نتائج غير منظوره لمذهب لم يتوقع مؤسسه ذاته مدى تأثيرات كان روسو يعتبر ان كل شيئ يحدث شعوريا و بمنطق متوارث متسلسل، وهو يتحدث عن هذه الاشياء بثقه الرياضي المتمرس ويرى ان وجود الانسان الطبيعي تلاشى بظهور العقد الاجتماعي، حيث ان واجبه قد اكتمل .
ان ما تطور بعد ذلك هو نتاج لمجتمع اصبح هو الدوله و الرجل السياسي . ان الانسان الطبيعي كامل في حد ذاته و هو الوحده العدديه و الكل المطلق الذي لاعلاقه له الا مع نفسه و مع من هم على قدم المساواة معه، اما الانسان المواطن فهو وحده جزئيه تتحدد قيمته بعلاقته بالكل الذي يشكل بدوره الهيكل الاجتماعي . انها لظاهره غريبه ان الرجل الذي اعترف باحتقاره للثقافه و دعى الى العودة الى الطبيعه ، الرجل الذي و لأسباب وجدانيه رفض ان يقبل افكار الموسوعيين ( احد اعضاء واضعي الموسوعه الفرنسيه (1751- 1778 ) الذين اثارت كتاباتهم وسط معاصريه توقا شديدا للحياه الطبيعيه البسيطه ، منظر الدوله، انتهك الطبيعه الانسانيه بقدر من القساوه فاق قساوة الطغاه و راهن بكل شيئ على جعلها تنصاع لتقنيه القوانين . .
قد يمكن الاعتراض على ان الليبراليه تقوم كذلك على نفس الافتراضات الوهميه حيث يصعب توافق الحريه الشخصيه مع النظام الاجتماعي القائم. لاشك ان الصراعات الطبقيه في المجتمع الناتجه عن عدم تكافؤ المصالح الاقتصاديه الحاليه ، تشكل خطرا متواصلا على حريه الفرد و تؤدي بوتيره مستمره الى استعباد الطبقات العامله . على ايه حال ينطبق ذلك كذلك على المقوله الشهيره ( المساواة امام القانون ) التي ارتكزت عليها الديمقراطيه بصرف النظر عن حقيقه ان الطبقات المالكه كانت دائما تجد طريقا ما لافساد ذمه العداله وجعلها خادمه لغياتهم. ان من وضع القوانين اليوم هم الاغنياء و ذوي الامتيازات في كل اصقاع الارض . و لكن ليست هذه هي المسأله : اذا ما فشلت الليبراليه في القيام بوظيفتها على اكمل وجه عملي وفق نظام اقتصادي بني على الاستغلال و التفرقه الطبقيه، فهذا لايعني انها كانت مخطأة في صحه ارائها الاساسيه ، ولكن بسبب ان عدم اعاقه الشخصيه الانسانيه يعد مستحيلا في نظام ترسخت جذوره في الاستغلال المخزي لافراد المجتمع من الجماهير الغفيره . لايمكن للانسان ان يكون حرا سياسيا و ذاتيا طالما كان مستعبدا من قبل انسان اخر و لا يستطيع الخلاص من هذه الحاله . .
لقد تعرف رجال مثل (جودوين ) و (وورن ) و (باكونن ) و غيرهم على ذلك منذ زمن بعيد و توصلوا تباعا الى قناعه ان سيطره الانسان على الانسان لن تتلاشى حتى ينتهي استغلال الانسان لاخيه الانسان . ان الدوله المثاليه التي سعى روسو لتحقيقها لن تجعل الرجال احرارا حتى و لو تمتعوا باكبر قدر ممكن من حالات المساواة الاقتصاديه ، اذ لايحقق المرء الحريه بالسعي لسلب الانسان من مكوناته الطبيعيه و استبدالها باخرى غريبه عنه لكي يعمل كاله مطيعه للاراده الشعبيه ، فلن تهب نسائم الحريه من ثكنات الجنود . .
ان خطأ روسو ان صح للمرء ان يتحدث عن اخطاء و اكاذيب ، كان في مستهل نظريته الاجتماعيه ، حيث كانت فكرته عن الاراده الشعبيه الوهميه بمثابه المولوخ ( اله سامي يذبح الاطفال تقربا له ) الذي يبتلع الرجال ، بينما كانت الليبراليه السياسيه لكل من (لوك ) و ( مونتسكيو) تسعى لفصل وظائف الدوله حتى تتقلص سلطات الحكومه و تحمي المواطن من التجاوزات . عارض روسو هذه الفكره مبدئيا و سخر من الفلاسفه الذين فيما يخص سياسه الدوله(لايستطيعون تقسيهما من حيث المبدأ، و لكن يرغبون في تقسيمهامن حيث علاقتها بهدفها ) لقد تصرف اليعقوبيون تباعا بناء على افكاره عندما الغوا فصل السلطات التي تضمنها الدستور وتم نقلها الى الميثاق اضافه الى السلطه التشريعيه ووظائف القضاء ممهدين بذلك الطريق الى التحول الى دكتاتوريه روبسبيير و نصرائه. ان موقف الليبراليه تجاه حقوق الرجال الفطريه الغير قابله للتحول كما اقرها ( لوك ) و كما تمظهرت بعد ذلك في( اعلان حقوق الانسان ) تختلف جوهريا عن مفهوم روسو للديمقراطيه ، حيث تمثل هذه الحقوق بالنسبه لمناصري الليبراليه مجالا منفصلا لايمكن للدوله ان تغزوة . كانت تلك مملكه الرجال التي حميت من نظم الدوله لانهم امنوا بأن هناك شيئ منفصل عن الدوله و هو اغلى و وابقى شيئ في الحياة . .
لقد كان موقف روسو مختلف جدا و كذلك الحركات الديمقراطيه في اروبا التي تأسست على مذهبه ، لولا انه تم تطعيمها بأراء ليبراليه مثاليه خاصه في اسبانيا و في اوساط الديمقراطيات الالمانيه الجنوبيه في (1848-49) . لقد تحدث روسو عن حقوق الانسان ، لكن هذه الحقوق من وجهه نظره رسخت جذورها في الدوله التي قامت حكومتها بدورها بفرضها على الرجال . .
على المرء ان يعترف انه و بموجب العقد الاجتماعي ، يتخلى المواطن فقط عن جزء من حقوقه متمثلا في حريته و ثروته ولكن عليه ان يعترف ايضا ان الحاكم فقط هو من يقرر الجزء الذي يجب التخلي عنه . من هذا المنطلق و طبقا لروسو فان الحقوق الطبيعيه ليست بايه حال من الاحوال خاصه بالانسان و التي تقع خارج نطاق الدوله ، ولكن هذه الحقوق تظل قائمه بالقدر الذي لا تعترض عليه الدوله ، و ان حدودها قابله للتغيير في اي وقت من قبل الحاكم ، و نتيجه لذلك فان الحق الشخصي لا وجود له. وكل ما يملك الفرد من حريه شخصيه ما هي ان صح التعبير الا هبه من الدوله حيث في الامكان الغائها متى شاءت . و لا يعني ذلك الكثير عندما يحاول روسو ان يزين هذا الدواء الكريه للمواطن الفاضل بالقول ( ان كل الخدمات التي يقدمها المواطن للدوله ، هو مدين بها لها في اي وقت ، ومن جهه اخرى لايمكن للسيد ان يكبل المواطن بسلاسل لا نفع للمجتمع بها .
حقيقه ان السيد لايرغب في ذلك لانه طبقا لقوانين المنطق كما هو الحال لقوانين الطبيعه لا شيئ يحدث بدون مسبب و لا يمكن من اول وهله تصور هرطقه اسوء تأصل فيها النفاق ، صممت لاضفاء مسحه من الحريه على حاكم استبدادي مطلق حيث طبقا لقانون الطبيعه لاشيئ يحدث بدون مسبب وذا ما يدعو للارتياح ، و لكن لسؤ الحظ ليس المواطن هو من يحدد هذا المسبب و لكن زعيم الدوله . و عندما سلم روبسبيير جماعات من الضحايا الى الجلاد ، فانه بالتأكيد لم يفعل ذلك ليعطي المواطنين تعليمات عمليه على استخدام المقصله ، ولكن هناك سبب اخر دفعه الى ذلك اذ و ضع نصب عينيه كهدف ( لفن الحكم ) النظام المثالي ل (مواطن جنيف ) . وعندما لم تتمظهر المثاليه الجمهوريه من تلقاء نفسها بين اوساط اهل باريس اللامبالين ، قام بحثها قدما على يدي الجلاد مانسون ( الجلاد الذي قطع راس لويس السادس عشر ) وهكذا ان لم تظهر الفضيله طوعا فعلى المرء ان يظهرها بالرعب . لذلك كان هدف محامي (اراس ) مستحقا لغايته ، وحتى يصل الى هذا الهدف ، فانه و اطاعه للارادة الشعبيه اخذ من الانسان اول و اهم حق الذي يشمل كل الحقوق الاخرى ، الا وهو الحق في الحياة . .
ان روسو الذي بجل ( كالفن ) كرجل دوله عظيم و والذي حافظ على الكثير من مذهبه في العقد الاجتماعي ، وضع و بلا شك نصب عينيه مدينة( جنيف ) مسقط راسه اذ انه فقط في مجتمع صغير على شاكله الكومونه السويسريه يتيسر للناس التصويت على كل القوانين في جمعيات اساسيه و ينظرون للاداره على انها فحسب العضو المنفذ للدوله. وقد ادرك روسو ان شكل الحكومه التي يرغبها ليست مناسبه للبلدان الكبيره وعزم فيما بعد على الحاق العقد الاجتماعي بعمل اخر يناقش فيه هذه المسأله لكنه لم يفعل .

يتبع ...

أ. ع. بوشناف


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home