Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الثلاثاء 29 يونيو 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

يوميات مواطن جماهيري حر سعيد (2)

ناولته زوجته كتيب الجمعية الاستهلاكية للسلع التموينية ، جلس متثاقلا على كرسي وفتح الكتيب وركز نظره على صورته الفوتوغرافية في أعلى الصفحة الأولى ، وكأنه استغرب الصورة ، حيث بدأ وجهه مشرقا مستبشرا وهو يرتدي قميص ابيض وجاكيت كحلي وربطة عنق حمراء انيقة ، على عكس حالة وجهه اليوم وهندامه الغير متناسق ، رغم ان تلك الصورة لم تكن قديمة ، فلم يمض عليها سوى بضعة سنوات ، حيث بدأ عمله كمعلم اثر تخرجه من الجامعة مباشرة ، وكان مملوءا بالزهو والفخر بمهنة التعليم ، يوم كانت مهنة التدريس مقدسة ومحترمة من قبل الدولة والناس ، وعلى من يمتهن تلك الوظيفة ان يحترم قدسيتها في اقواله وافعاله وحتى في مظهره وهندامه ، وكيف لا وهو مربي الاجيال والمثل الأعلى وحامل لواء العلم ونبراس المعرفة لأجيال المستقبل وأمل الأمة.

سألته زوجته : هل لك أن تبحث عن جمعية أخرى لعلنا نحظى بشىء منها ولو مرة واحدة فانني اشك في نزاهة اصحابها ، وخاصة في إجراء عملية القرعة للحصول ( على السلع المعمرة ) بهذه الجمعية.
ابتسم الزوج بسخرية ثم قال : كل شىء تم تسجيله بهذا الكتيب ، انظرى لقد سبق ان تحصلتي على مكنسه حرشه ، وسياقه ، وصرة ــ قبيل عيد الفطر ــ تحتوي على : مشط فلايه ، وقنينة صغيرة لشامبو اطفال من النوع الردىء ، ومساكة شعر ، وبنطلون أطفال مزركش !!!
ثم قلب صفحة الكتيب واردف قائلا : انظري ، هاهنا ، لقد تحصلنا أيضا على ثلاثة كيلوجرامات موز ، وعدد ثلاثة علب حليب من الحجم الصغير !!!
ثم قلب الصفحة الأخيرة وقال : ايضا في شهر الصيف أعطتنا الجمعية اربعة كيلوجرامات دقيق أبيض ، وشنة حمراء ، ونصف كيلو زبدة ، وثلاث مواسير مياه اثنين انش !!!
قاطعته الزوجة قائلة وفي منتهى البساطة : يا مسعود نحن نريد ثلاجة، موقد غاز، تلفزيون ، وتساءلت : ماذا أفعل بأربعة كيلوجرامات دقيق ؟
اجاب الزوج مبتسما : تدفني فيها الموز الأخضر مع بضعة فصوص ثوم حتى ينضج في أقل من أسبوعين، شرط أن تلفي هذه الخلطة السحرية ببطانية سوداء قديمه ، وعلى فكره هو اكتشاف جديد ، ومهم ، وجدير ان تسجل براءة اختراعه باسم الشعب الليبي وقيادته التاريخية ، وان كان ليس غريبا على الشعب الليبي وقيادته مثل هذه الاكتشافات المهمة ، فمن ليبيا يأتي الجديد...
أما الثلاجة فليست مهمة الى هذه الدرجة طالما ان كيلو جرام اللحم الواحد تجاوز الستة عشر دينارا ، وكبدة الخروف الوطني عشرين دينارا !!!
صمتت الزوجة برهة ثم سألت في منتهى البراءة : من ليبيا يأتي الجديد ؟!! وما هو الجديد الذي أتى من ليبيا ؟!! ومن أتى به ؟!!
أجاب الزوج : الفضل كل الفضل لـ ( القائد المفكر )، وأيضا للشعب ( السيد ) فهو الآخر أتى بالجديد ، بل أبدع أيما إبداع في ابتكار الجديد...
قاطعته الزوجة : كيف ؟
فقال الزوج : الحكاية بسيطة وواضحة ، لكنها طويلة ومتشعبة فالإحاطة ( بجديد القائد ) و جديد الشعب ( السيد ) تحتاج إلى وقت طويل.
قاطعته زوجته بصوت منخفض جدا مؤكدة هي الأخرى على أنها مواطنة جماهيرية حرة وسعيدة قائلة : دعك من القائد ، واخبرني عن جديد الشعب السيد ؟
صمت الزوج برهة قصيرة ثم قال : القائد هو السبب الرئيسي وهو المسئول الأول عن جميع المفاسد وكل المخازي التي استشرت في المجتمع الليبي ، ولكن ( جديد الشعب السيد ) طيلة الأربعين سنة أكثر من أن يحصى ، وأغرب من الخيال ايضا ، وصدق من قال الشعوب على دين ملوكها ..فعلى سبيل المثال لا الحصر :
• سرقة الكوابل الكهربائية ثم حرقها وبيع الأسلاك النحاسية !!! ووصل بهم الأمر الى تفكيك أجزاء من الابراج الكهربائية للضغط العالى واستعمالها كأعمدة للأسلاك الشائكة !!! مما أدى الى انهيار بعض تلك الأبراج !!!
• سرقة الأدوية والأجهزه الطبية من المستشفيات وبيعها للصيدليات والعيادات الخاصة !!! وتهريبها الى الدول المجاورة.
• سرقة السلع التموينية وتهريبها !!! وبيع الدقيق كعلف للحيوانات !!!
• أما عن عمليات سرقة المال العام والارتشاء والتزوير والكذب والمؤامرات والدسائس والنفاق والأنانية فالحديث يطول
• تزوير الشهادات العلمية دون خوف ولا خجل ، حتى وصل بهم الأمر إلى تزوير وشراء شهادات الماجستير والدكتوراه ، دون الحصول على الشهادة الثانوية !!! ولسان حالهم يقول إذا أكلت الخنزير فيجب أن تأكله سمينا !!!
• رمي القمامة على جانبي الطريق، مؤكدين عجزهم عن التحلي باقل شعبة من شعب الايمان وهي اماطة الأذى عن الطريق ، حتى أصبحت أكوام القمامة الهائلة خير دليل للمسافر على اقتراب مدينة أو قرية، وخاصة في غياب اللافتات الدالة على ذلك.
• البحث عن الزئبق الأحمر وسرقة الأجهزة التي تحتوي عليه والحلم بالملايين بعد بيعها للمشعوذين وتصديقهم لدعاية مفادها علاقة الزئبق الأحمر بإطالة عمر الجن !!!
• تقلد الوظائف ( الأمانات وغيرها من الوظائف ) ، وتوزيعها على القبائل بواسطة القرعة وابتكار ( الشنة ) كأحدث وأسرع وسيلة للفرز!!! لتنصيب ( لص ) تحت مسمى ( أمين ) لاعتلاء كرسي ( الأمانة ) لسرقة أكبر قدر من ألمال العام في أقصر وقت ممكن وإفساد ما يمكن إفساده !!!

وبطرقات منخفضة على باب المنزل صمت المواطن على الفور مبرهنا على أنه مواطنا جماهيريا حرا سعيدا بكل اقتدار، وتوقف الحوار ... فُتح الباب ، ودخل الحاج مختار شقيق زوجة مسعود ، وكانه هبط من السماء ، وهو يرتدي بنطلون عسكري أخضر وقميص رمادي عتيق ...
رحب به مسعود بحرارة شديدة وأجلسه بجانبه وداعبه قائلا : الشعب المسلح غير قابل للحصار ...
ابتسم الحاج مختار ابتسامة عريضة وأضاف : وغير قابل للهزيمة أيضا...
تساءل مسعود : كيف يا حاج مختار؟ شهر مناوبة عسكرية حتى بعد التقاعد من العمل ؟ !!!
أجاب الحاج مختار : نعم لكن ليس في معسكر التجييش وإنما في الدفاع الشعبي المحلي
تمتم مسعود : وما هو الفرق بينهما ؟
فقال الحاج مختار : بعد ان تقضي الخدمة العسكرية تحال الى الاحتياط وبعد مضي اكثر من عشر سنوات ، او بعد أن تتجاوز من العمر خمسين سنة ، تنقل الى الدفاع الشعبي المحلي.
ابتسم مسعود وقال: هذه يا حاج مسعود ليست معسكرات ولكنها معتقلات كمعتقلات البريقة والعقيلة وسلوق وبرسس والمقرون لا تفرق بين كبير ولا صغير ، ولا بين ذكر ولا أنثى ... فكيف لإنسان تقاعد عن العمل المدني بعد سنوات عمل مضنية وطويلة وبعد أن بلغ من العمر عتيا أن يقوم بمهام عسكرية !!! والتقاعد يعني عدم قدرة المتقاعد حتى على العمل المدني ، وآن له أن يستريح ، فكيف له أن يقوم بالعمل العسكري ؟!!!
هز الحاج مختار رأسه في مرارة دون تعقيب ثم استلقى على ظهره ، ومسح رأسه بيده وأدرك أنه نسي طاقيته العسكرية ـ غطاء الرأس كما يحلو للعريف مراجع تسميته ـ بغرفة الشاي بمعسكر الدفاع الشعبي المحلي !!!

وبعد برهة دخلت زوجة مسعود حاملة سفرة صغيرة بها ثلاثة أكواب قهوة وبضعة أقراص بسكويت وكوب ماء ، وجلست بجوار شقيقها الحاج مختار تسأل عن الأهل والأقارب ، وبعد ان اطمأنت عن الجميع ، انسحبت في هدوء لإعداد وجبة غداء لشقيقها الحاج مختار...
وبرشفة صغيرة تذوق الحاج مختار القهوة دون تعقيب، فسأله مسعود هل لك في قليل من السكر ؟
هز الحاج مختار رأسه بأن لا ، وقال : الإنجليز يفضلون القهوة المرة ، بعكس الليبيين ...
داعبه مسعود قائلا : لأن كل ما في حياتهم حلو، والشيء الوحيد المر في حياتهم هو القهوة، وهم يتناولونها مرة المذاق بمحض إرادتهم ، أما الليبيين فكل شيء في حياتهم يقطر مرارة ، ولا يستطيعون ( تحلية ) شيء سوى القهوة.
ضحك الحاج مختار ضحكة عميقة وقال : أخاف أن يعجز الليبيين حتى عن ( تحلية ) القهوة ، فالسكر غالي في هذه الأيام .
فعقب مسعود على الفور : اطمئن يا حاج مختار، الليبيون من فرط المرارة سيفتقدون حاسة تذوق كل الأشياء الحلوة إن وجدت.
ارتشف الحاج مختار بقية كوب القوة ، ثم دلق كوب الماء في جوفه مرة واحدة ، وقال : على فكرة يا مسعود ، ايش أخبار المياه عندكم ؟
أجاب مسعود : سيارة المياه العذبة ( الحلوة ) بستين دينارا ، والمالحة ( المياه العسرة ) بأربعين دينار.
قاطعه الحاج مختار : لا ، لا ... اعني خط المياه ؟
مسعود : تأتي مرة واحدة في كل شهر ولمدة يومين ، فتتعالى أصوات المضخات في أغلب المنازل وتنتشر شبكة من الخراطيم البلاستيكية في كل شارع ، وتتعالى أصوات الخلافات وتقفل الشوارع في وجه السيارات حتى لا تدوس خراطيم المياه واسلاك الكهرباء الممتدة في كل الاتجاهات ، وترتفع حالة الطواريء بسبب الإشكالات بين الجيران حول المياه ، ويخيم شعور الخوف من الصدمات الكهربائية ، ويبلغ الخوف ذروته عند عملية شفط المياة بواسطة الفم لتشغيل المضخات الكهربائية !!!

تساءل الحاج مختار : واين مياه النهر الصناعي العظيم ؟ وهل ناقشتم هذا الأمر في المؤتمر الشعبي ؟ اليست السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب ؟ ثم انكم قررتم العيش بالخبز والماء ؟ تكلموا ... على الأقل قولوا أين الماء ؟ ابتسم مسعود قائلا : لا ، لا يا حاج مختار ، يبدو انك لم تستوعب التجربه ـ على حد تعبير القائد ـ ولم تفهم ما يعنيه القائد رغم أن حناجر الثوريين بحت وهي تهتف :( نبوا ناس تحس بزايد تفهم ما يعنيه القائد ) ، فشعورنا وإحساسنا بالعطش والظمأ ليس هو الـ ( إحساس بزايد ) الذي يريده القائد ، ثم إن ( الديمقراطية الحقيقية هي الحكم الشعبي وليست التعبير الشعبي ) ، والتعبير المسموح به هو فقط المدح والثناء دون حدود للقائد وأبنائه.
وأضاف مسعود قائلا :على فكره ، هذا النوع من ( الديمقراطية الغريبة العجيبة ) يذكرني بظاهرة تسمى ظاهرة ( التسامي ) الكيميائية التي درسناها بالمرحلة الاعدايه حيث تتحول المادة من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية دون المرور بحالة السيولة...
فديمقراطية القائد تدعو ( للحكم الشعبي ) في الوقت الذي تجرم فيه ( التعبير الشعبي ) !!!؟؟؟

وإذا كان من الممكن أن تتحول المادة ـ تحت ظروف معينة ـ من حالة الصلابة إلى الحالة الغازية دون المرور بحالة السيولة، فانه من أمحل المحال أن تكون الديمقراطية هي إمكانية ( الحكم ) وتجريم ( التعبير) في آن واحد !!! فإذا كان مجرد التعبير باللفظ ممنوعا فكيف يتسنى للشعب أن يحكم عمليا ؟
وبمعنى آخر فهي مستحيلة التطبيق وعصية على الفهم إلا بعد الاستغناء عن العقل والغرائز والأحاسيس، وعند ذلك لعلنا نستطيع استيعاب ظاهرة ( الحكم دون إمكانية التعبير) والمسماة بديمومة الكراسي !!! وكأنها ظاهرة ( تسامي سياسية ) جديدة شبيهة بظاهرة التسامي الكيميائية !!!

لذلك أصبح الليبيون يعيشون في تيه كتيه بني إسرائيل ... ولا يميزون بين الحق والباطل ، وإمعانا في التيه يدعي كل واحد منهم انه هو الوحيد الذي على صواب أما البقية فجميعهم على ضلالة ...

لاذ الحاج مختار بصمت عميق، بينما استرسل مسعود في الكلام قائلا :
نعم .. يا حاج مختار .. يروى أن مواطنا جماهيريا حرا سعيدا كان يقود سيارته في الاتجاه المعاكس مع طريق مزدوج ، وكان يستمع في نشوة بالغة لموسيقى شعبيه عبر راديو سيارته ، وفجأة توقفت الموسيقى .. وقرأ المذيع تحذيرا موجها لسائقي السيارات في تلك المنطقة مفاده أن هناك سيارة تسير في الاتجاه المعاكس فعلى الجميع أخذ الحذر والحيطة... فما كان من السائق الجماهيري الحر السعيد الذي يسير في الاتجاه المعاكس إلا الاتصال على الفور بالإذاعة ليقول لهم أن جميع السيارات تسير في الاتجاه المعاكس وليس سيارة واحدة !!! معتبرا انه على صواب والبقية على خطأ !!!

وصمت مسعود برهة ثم أردف قائلا : ويروى أيضا يا حاج مختار أن مواطنا ليس جماهيريا ولا حرا ولا سعيد ذهب إلى المستشفى لغرض الكشف الطبي، وسأل عن طبيب اخصائي عيون وأذن ؟ فقيل له إن طلبك هذا مستحيل التحقيق، فلا يوجد طبيب أخصائي عيون وأذن في آن واحد، وما هو السبب الذي دعاك إلى ضرورة ارتباط هذين التخصصين معا ؟
فقال على الفور: لأنني أرى خلاف ما اسمع ... فهل منكم من يستطيع تشخيص مرضي هذا ؟ وما هو السبب وراء هذا التناقض بين ما أرى وبين ما أسمع ؟ !!! أكاد أجن ...

وعند ذلك خيم الصمت على الجميع، وأدركوا أنهم مصابون بنفس المرض، فهم جميعا يعانون من نفس ألأعراض، لكن مجرد التعبير عن هذا الأمر ـ بالكلام ـ كفيل بأن يزج بهم في غياهب السجون فضلا عن فقدهم لـ (الحكم الشعبي ) !!! فالديمقراطية ( الحقيقية ) هي الحكم الشعبي وليست التعبير الشعبي !!!
وحتى لا يزج بهم خلف القضبان ، وحتى لا يخسروا ( الحكم الشعبي ) بالتعبير عن آرائهم وأحاسيسهم ومشاعرهم !!! تركوا الرجل دون إجابة عن سؤاله، وحيدا تلفه الحيرة والصمت المطبق...
وعندما ذهب الرجل لحقه أحدهم وهمس له بصوت منخفض : يا هذا اعلم انك لست مريضا ، ولو انك مريض حقا لما أدركت هذا التناقض بين ما ترى وما تسمع ، فأبشر فأنت لا زلت معافي سليم العقل والبصر، بدليل إنكارك لهذا الواقع المتناقض ، فنحن المرضى يا بني ولست أنت ... فقط عليك أن تهرب بجلدك قبل أن يستفحل الأمر ويفترسك المرض في هذا الوسط الموبوء وتصبح مواطنا جماهيريا حرا سعيدا فاقد للعقل والبصر والبصيرة.

وبارتفاع صوت المؤذن لصلاة الظهر صمت مسعود عن الكلام ثم قال : لنذهب يا حاج مختار لصلاة الظهر وللحديث بقية.

بقلم سعيد التايب


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home