Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home

send

الخميس 28 يناير 2010

previous letter                 next letter                 list of all letters

تبيان الجهل والبهتان في رد السعيطي على ملاحظات كهلان (7)

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم 

تنبيه : يتعلق بما تقدم في الحلقة الماضية أنه يتأيد تحقيق أن السدي لم يقل إلا بتفسير ابن عباس بأن الواحدي أيضاً - المتوفى سنة 468 هـ - ذكره فيمن قال به، ولم ينسب إليه غيره، والله أعلم.  

قال السعيطي : (الوجه الرابع: أنّ غاية ما استدلّ به الكاتب قول ابن عبّاس رضي الله عنهما، وهو بلا شك تفسير لصحابي جليل، لكنّه ليس نصّاً شرعياً بدليل مخالفة بعض علماء السلف له كالحسن البصري وغيره بأقوال أخرى في الآية غير القولين المذكورين.)

التعليق : -

لم يقل أخونا كهلان عن تفسير ابن عباس إنه نص شرعي، لا تجوز مخالفته، ولا يفهم هذا من كلامه البتة، لكنه أنحى باللائمة على السعيطي أنْ تجاهل هذا التفسير ولم يذكره، والأصل - إن كان مقتصراً على تفسير واحد - أن يكتفي به، لأنه أصح ما قيل في الآية والأقرب لأسلوبها وسياقها وظرف تنزيلها كما قلت سابقاً، وصح عن صحابي جليل من أهل البيت، دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم الله أن يفقهه في الدين، ويعلمه الحكمة والتأويل، ولذلك كله قال به أو رجحه تصريحاً أو تلميحاً جمهور المفسرين من السلف والخلف، ولا التفات لمن شذ كما أسلفنا، وما تجاهله السعيطي إلا لفساد قلبه واتباع هواه.  

قال السعيطي : (ولم يزل العلماء ينقلون لنا العبارة المشهورة عن سلفنا الكرام بأنّ "الكلّ يؤخذ منه ويُرد إلّا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم".

من أجل ذلك لم يأخذ ابن تيمية ولا ابن القيّم بقول حبر الأمّة وترجمان القرآن في تأويل بعض الصفات. ولو كان تفسيره مُلزماً لما عدلا عنه إلى غيره [أنظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون} وقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساقٍ ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون} مثلاً].)  

التعليق : - في هذا الكلام جهل وكذب وتلبيس ثم افتراء في الإحالة أيضاً

· أما الجهل فادعاؤه أن ابن عباس قد أوّل في الآيتين في حين أن ما ورد عن ابن عباس في الآيتين ليس تأويلاً كما ذكر العلماء، بل إن لفظ (أيدٍ) في الآية الاولى بمعنى قوة، وليس جمع يدٍ كما قال أبو الحسن الأشعري رحمه الله  في (الإبانة) وغيرُه، ولذلك لم يعتبره أحد من الصفات، بل اتفق المفسرون على أنه بمعنى(قوة)، وهو استعمال عربي معروف، قال الله تعالى :(واذكر عبدنا داوود ذا الأيد) أي القوة، وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه عن المشركين في غزوة الخندق: (وغدوا علينا قادرين بِأيْدِهِمْ . . ردوا بغيظهم على الأعقاب)(1) أي بقوتهم، فلا صلة لـ(أيدٍ) هذه بصفة اليدين، حتى يُحتاج إلى تأويلها على رأي المؤولين.

وكذلك تفسيرُ الكشفِ عن ساقِ الواردِ في آية { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } باشتداد الأمر وتعاظم الخطب أو ما في معناه ليس تأويلاً، فقد استعملته العرب أصلاً في هذا المعنى كثيراً، كقولهم شمرت الحرب عن ساق أو كشفت عنه مثلاً، خاصة أن الساق في الآية لم تضف إلى الله، فلما جاء الحديث الصحيح مصرحاً بإضافة الساق إليه تعالى ووارداً مورد الآية صار نصاً في تفسيرها تفصّت به عن ذلك المعنى، واندرجت به في آيات الصفات. 

· وأما الكذب فاستشهاد هذا الأمي لكون تفسير ابن عباس ليس ملزماً بأن ابن تيمية وابن القيم قد خالفاه، وعدلا عن تفسيره في قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون} حيث أوّل ابنُ عباس لفظ (أيد) بزعم هذا الجاهل المفهوم من كلامه، ولم يؤولاه.

وهذا من كبائر بهتانه فإن ابن تيمية وابن القيم لم يخالفاه فيها ويعدلا عن تفسيره في الآية الأولى (والسماء بنيناها بأيد)  كما ادعى هذا العامي المفتري، بل وافقا ابن عباس في أن لفظ (أيدٍ) بمعنى القوة في الآية، ولم يعداها من آيات الصفات، وهاكم أيها القراء كلام ابن تيمية في ذلك واضحاً بيّناً : -

يقول ابن تيمية في كتابه (تلبيس الجهمية) : ( قال ابن تيمية في الرسالة التدمرية ص 24-25 (تحقيق محمد السعوي – مكتبة العبيكان – ط6 – 2000/1421)

((وكذلك سمى صفاته بأسماء وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال : { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } وقال {انزله بعلمه} وقال : { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } وقال : { أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة } وسمى صفة المخلوق علما وقوة فقال : { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } وقال : { وفوق كل ذي علم عليم }

وقال : { فرحوا بما عندهم من العلم } وقال : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } وقال : { ويزدكم قوة إلى قوتكم } وقال : { والسماء بنيناها بأيد } أي بقوة وقال : { واذكر عبدنا داود ذا الأيد } أي ذا القوة وليس العلم كالعلم ولا القوة كالقوة))

ويقول في درء التعارض - (ج 5 / ص 32-33) ط2 جامعة الإمام محمد بن سعود -1999/1411 – تحقيق محمد سالم

(( ... إن الله تعالى أخبر عن صفاته وأسمائه بما لا يكاد يعد من آياته وذكر علمه في غير موضع كقوله تعالى { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } البقرة : 255

وقوله تعالى { أنزله بعلمه } النساء : 166

وقوله تعالى { وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه } فصلت : 47 وغير ذلك

وقد قال تعالى { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } الذاريات : 58

وقال تعالى { والسماء بنيناها بأيد } الذاريات : 47 أي بقوة  

وقال في مجموع الفتاوى - (ج 5 / ص 194 - 195) ((... فان الله تعالى سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات سمى نفسه حيا عليما حكيما قديرا سميعا بصيرا غفورا رحيما الى سائر أسمائه الحسنى ... وقال {ان الله هو الرزاق ذو القوة المتين} وقال {والسماء بنيناها بأيد} أي بقوة ...))

وقال في مجموع الفتاوى أيضاً في معرضه حديثه عن ابن تومرت وكتابه (المرشدة ) وقد سئل عن ذلك (ج 11 / ص 485) : -

((ولهذا لم يذكر في مرشدته الاعتقاد الذى يذكره أئمة العلم والدين من أهل السنة والجماعة أهل الحديث والفقه والتصوف والكلام وغيرهم من اتباع الأئمة الأربعة وغيرهم كما يذكره أئمة الحنيفة والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الكلام من الكلابية والأشعرية والكرامية وغيرهم ومشائخ التصوف والزهد وعلماء أهل الحديث فان هؤلاء كلهم متفقون على ان الله تعالى حى عالم بعلم قادر بقدرة... وقال تعالى {أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة} وقال تعالى {والسماء بنيناها بأيد} أى بقوة)). اهـ

ونقل في كتابه ( تلبيس الجهمية) كلاماً طويلاً للأشعري في (الإبانة) على سبيل الاستشهاد به وإقراره، ويُفْهَمُ من ذلك الكلام بوضوح تفسيرُ (أيدٍ) في آية(والسماء بنيناها بأيدٍ) بـ(قوة). 

أما ابن القيم فلم يذكر هذه الآية ضمن الآيات الواردة في صفة اليدين، وقد تكلم عن تلك الصفة كثيراً في مصنفاته كـ( الصواعق) و(اجتماع الجيوش)و(بدائع الفوائد) مستشهداً لها بالكتاب والسنة والآثار، ولقد أطال في الصواعق مفصّلاً في الآيات الدالة عليها، ولم يأت من هذه الآية على ذكر مما يدل قطعاً على أنها ليست عنده من آيات الصفات وأنه لم يخالف في تفسيرها أحداً لا ابنَ عباس رضي الله عنه ولا من معه من السلف وأهل السنة منذ القرن الأول حتى زمن ابن تيمية الذي هو شيخه المبجل الذي لازمه وأحبه واقتفى سبيله  في الذود عن السنة ومحاربة البدعة حتى لا يكاد يخرج عن أقواله.

وبهذا يتجلى جلاء الشمس في رابعة النهار أنه لا ابن عباس أوّل في هذه الآية ولا ابن تيمية أو تلميذه ابن القيم خالفاه في تفسيرها، ولم يأخذا بقوله، بل لم يخالفه أحد من أتباع الكتاب والسنة بفهم السلف منذ زمن ابن عباس إلى اللحظة الحاضرة، فلعنة الملك الديان على أهل الكذب والبهتان. 

وأما التلبيس فادعاؤه أن مخالفة ابن تيمية وابن القيم لابن عباس في تفسير آية (يوم يكشف عن ساق......) باشتداد الكرب أو ما في معناه اجتهادٌ منهما، لكون تفسيره ليس ملزماً، في حين أن مخالفتهما إياه في تفسير هذه الآية ما كانت عن اجتهاد في تفسيرها رأياه أوْجَهَ من تفسير ابن عباس ومن معه على هذا القول، فعدلا إليه على قاعدة (كل يؤخذ من قوله ويرد ......) أو على أن تفسير الصحابي في مثل هذا ليس ملزماً، بل خالفاه لحديثٍ بلغهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (يكشف ربنا عن ساقه، ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً  واحداً) الذي يعتبر نصاً صريحاً من الرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية، فلم يعدلا به شيئاً

يقول ابن تيمية في دقايق التفسير بهذا الصدد : (وأما الذي أقوله الآن وأكتبه وإن كنت لم أكتبه فيما تقدم من أجوبتي وإنما أقوله في كثير من المجالس إن جميع ما في القرآن من آيات الصفات فليس عن الصحابة اختلاف في تأويلها وقد طالعت التفاسير المنقولة عن الصحابة وما رووه من الحديث ووقفت من ذلك على ما شاء الله تعالى من الكتب الكبار والصغار أكثر من مائة تفسير فلم أجد إلى ساعتي هذه عن أحد من الصحابة أنه أول شيئا من آيات الصفات أو أحاديث الصفات بخلاف مقتضاها المفهوم المعروف بل عنهم من تقرير ذلك وتثبيته وبيان أن ذلك من صفات الله ما يخالف كلام المتأولين ما لا يحصيه إلا الله وكذلك فيما يذكرونه آثرين وذاكرين عنهم شيء كثير وتمام هذا أني لم أجدهم تنازعوا إلا في قوله تعالى يوم يكشف عن ساق فروي عن ابن عباس وطائفة أن المراد به الشدة أن الله يكشف عن الشدة في الآخرة وعن أبي سعيد وطائفة أنهم عدوها في الصفات للحديث الذي رواه أبو سعيد في الصحيين ولا ريب أن ظاهر القرآن لا يدل على أن هذه من الصفات فإنه قال يوم يكشف عن ساق نكرة في الإثبات لم يضفها إلى الله ولم يقل عن ساقه فمع عدم التعريف بالإضافة لا يظهر أنه من الصفات إلا بدليل آخر ومثل هذا ليس بتأويل إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف ولكن كثيرا من هؤلاء يجعلون اللفظ على ما ليس مدلولا له ثم يريدون صرفه عنه ويجعلون هذا تأويلا وهذا خطأ من وجهين كما قدمنا غير مرة

ويقول ابن القيم في كتابه ( اجتماع الجيوش الإسلامية) :

وتأمل قوله تعالى يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون وذكر هذه الآية في حديث الشفاعة في هذا الموضع وقوله في الحديث فيكشف عن ساقه وهذه الاضافة يتبين المراد بالساق المذكور في الآية.اهـ  

ويتضح من كلامهما مخالفة ابن عباس ومن معه وتنزيل الحديث على الآية كما هو مذهب جماعة من السلف أيضاً، ولقد وفقا وسددا، لأن قول الرسول صلى الله عليه وسلم هو المُلزِم والمُبطِل لما خالفه من أقوال، ولو صدرت عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فضلا عن غيرهما، وقد يكون عذر من فسرها من السلف بـ( اشتداد الكرب) أو ما في معناه أن الحديث لم يبلغهم أو بلغهم ببعض طرقه الأخرى التي لم تضف فيها الساق صراحةً إلى الباري جل وعلا، والله أعلم.

و(حبر الأمّة وترجمان القرآن) وصفان مشهوران لابن عباس لم يطلقهما السعيطي الجاهل عليه معاً إلا هنا تعظيماً للمخالفة المزعومة، وقوله ( مثلاً ) للإيماء إلى أن تلك المخالفة انتظمت مسائل كثيرة، وما ساقه إنما هو مثل منها فقط، فلله ما أجهل هذا السعيطي وأكذب قيلَه وأضل سبيلَه.

وأما افتراؤه في الإحالة فقوله: [أنظر تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون} وقوله تعالى: {يوم يكشف عن ساقٍ ويُدعون إلى السجود فلا يستطيعون}إحالةً إلى مصدر دعواه، إذ كذب على ابن كثير هنا، ودلّس على القراء،فليس في تفسير ابن كثير للآيتين ما يشهد للدعوى، ولا ثم نص منه على أن ابن عباس قد أوّل فيهما، ولا أن ابن تيمية وابن القيم خالفاه، بل لم يجر لهما ذكر هنالك أصلاً لا مخالِفَيْنِ ولا موافِقَيْنِ

يقول ابن كثير رحمه الله حول الآية الأولى : (يقول تعالى منبهاً على خلق العالم العلوي والسفلي: { وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا } أي: جعلناها سقفاً محفوظاً رفيعاً { بِأَيْيْدٍ } أي: بقوة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والثوري وغير واحد).

ويقول في تفسير الآية الأخرى : (لما ذكر تعالى أن للمتقين عند ربهم جنات النعيم، بيّن متى ذلك كائن وواقع، فقال تعالى: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } يعني: يوم القيامة، وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء، والامتحان والأمور العظام. وقد قال البخاري ههنا: حدثنا آدم، حدثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره طبقاً واحداً " وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور، وقد قال عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال: هو يوم القيامة، يوم كرب وشدة، رواه ابن جرير، ثم قال: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم عن ابن مسعود، أو ابن عباس ــــ الشك من ابن جرير ــــ: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال: عن أمر عظيم، كقول الشاعر:

وقامتِ الحربُ بنا عن ساقٍ

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال: شدة الأمر. وقال ابن عباس: هي أشد ساعة تكون في يوم القيامة. وقال ابن جرير عن مجاهد: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } قال: شدّة الأمر وجده، وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } هو الأمر الشديد الفظيع من الهول يوم القيامة، وقال العوفي عن ابن عباس: قوله: { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يقول: حين يكشف الأمر، وتبدو الأعمال، وكشفه: دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه، وكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير، ثم قال: حدثني أبو زيد عمر بن شبَّة، حدثنا هارون بن عمر المخزومي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح عن مولى لعمر بن عبد العزيز عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " { يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يعني: عن نور عظيم يخرّون له سجداً " ورواه أبو يعلى عن القاسم بن يحيى عن الوليد بن مسلم به، وفيه رجل مبهم، والله أعلم.) اهـ

فظهر من كلام ابن كثير أن هذه الإحالة من هذا الكذاب الجاهل افتراءٌ عليه بأوضح من الشمس، كما كانت دعوى التأويل في الآيتبن والمخالفة في إحداهما وسبب الخلاف في الأخرى جهلاً وكذباً أيضاً، وسيأتي طرف من بهتانه في الإحالة كذلك في الحلقات القادمة. 

قال السعيطي :( الوجه الخامس: قوله: "وتجاهل التفاسير المشهورة". قد بيّنت أنّ ما ذكرته مشهوراً كذلك بالدليل. وخطبة الجمعة ليست درساً للتفسير يُناقش فيها أقوال المفسرين بأدلتها.)

التعليق : -

التجاهل ظاهر واضح من هذا الجاهل، ولم يأت بدليل واحد يبين أن ما ذكره مشهورٌ شهرةَ تفسيرِ ابن عباس أو قريبٌ منه قوة وتوجيهاً، بل أجلب على القراء بجعاجع لا صدى لها كما هو شأن البلهاء من أمثاله، ولم يطالبه أحد بأن يجعل خطبة الجمعة درساً للتفسير، ولا هو أهل لذلك،ولا لفهم أقوال المفسرين فضلاً عن مناقشتها بأدلتها التي أوهم القراء في صلفٍ وكبر قدرته عليها. (لقدهزلت حتى بدا من هزالها     كلاها وحتى سامها كل مفلس)، و( أن ) عند المفلس يلزم نصب خبرها (أنّ ما ذكرته مشهوراً)! وكل إناء بالذي فيه ينضح.

قال السعيطي : (الوجه السادس: قوله: "وممّا يُردُّ به على تفسير الخطيب أنّ السورة مكّية". كون هذه الآية مكّية مُختلف فيه. وهب -أيها القارئ- أنّ الآية مكية فهل حبّ آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مشروعاً في مكّة قبل الهجرة ؟!)

التعليق : -

لم يختلف في مكية هذه السورة أهل السنة، بل أجمعوا على مكيتها كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أما قول السعيطي :( وهب -أيها القارئ- أنّ الآية مكية فهل حبّ آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مشروعاً في مكّة قبل الهجرة ؟!) فهو تمويه باطل ألقاه هذا البليد على عواهنه في غشاوة من جهله وسكرة من غيه، إذ مكية السورة تقتضي أن الخطاب للكافرين، فكيف يسألون مودة قربى الرسول صلى الله عليه وسلم وهم من ألدّ أعدائه كما أسلفنا؟ ومن ردّ تفسير ابن جبير استناداً على مكية السورة وغيرها من الأدلة المتقدمة كابن عباس ومن وافقوه لم يخطر ببالهم أو يدُر بخَلدهم أن ذلك يعني عدم مشروعية حب آل البيت رضي الله عنهم، كيف وإمام الرادِين له "ابن عباس" من أهل البيت، وولاية المؤمنين ومحبتهم – وأولهم أهل البيت – ثابتة بأدلة متواترة متوافرة في الكتاب والسنة، علاوة على أن أهل البيت الكريم قد خصوا بأدلة كثيرة تواترت في وجوب محبتهم وتوليهم ومودتهم تغنيهم عن حمل الآية – اعتسافاً - عليهم كما أشار الشوكاني، ولكنهم قالوا برد تفسير ابن جبير نظراً لبعده عن صياغة الآية وسياقها وظرف نزولها المشير إلى المخاطبين بها كما تقدم في وجوه إبطاله.

فالقول باستبعاد معنىً مّا في آية بعينها أو إبطالِه لا يستلزم إيهاناً  لذلك المعنى أو إلغاء له في ذاته ولا نكراناً لشرعه، فقد يكون مضمونه مقتضىً والأمر به مشروعاً بل موجَباً بنصوص صريحة وأدلة أُخَرَ كما هنا، وإنما هو ردٌ لتنزيل الآية عليه وانطباقه عليها لعدم احتمالها له صياغةً أو سياقاً أو ظرفَ نزول بصرف النظر عن مسألة مشروعية ذلك المعنى من عدمها، وهذا من أظهر الأمور وأجلاها. والله أعلم.         

ومما ينبغي التنبيه إليه هنا، ويخطئ بعض الناس فيه أن الوصاة بحب أهل البيت ومودتهم والإحسان إليهم وموالاتهم إنما تكون لمن هوعلى الهدى والسنة منهم كالسلف الأوائل من تلك الشجرة الطيبة، ومن اتبعهم من ذرياتهم على ما هم عليه من إيمان وسنة، أما ضلال المتصوفةِ وغيرِهم ومبتدعوهم ممن تنكّب سبل الهدى والسنة، وتلبس بالشرك والبدعة، وترك شاهدًا من ذلك لا تمحوه الأيام في آثاره وقراطيسه كمحمد بن على السنوسي وأضرابه الذين يدعون الانتساب إلى بيت النبوة، وهم أبعد الناس عن مشكاتها، فإن ذلك الانتساب – لو صح – لا يفيدهم شيئا من استحقاق لكرامة أو مودة، بل لا تزيدهم دعواهم تلك إلا مهانة وخزياً وظلماً لأنفسهم أن ضلوا وما كانوا مهتدين، فأعرضوا عما كان عليه أوائلهم من توحيد وسنة، وأعْظِمْ بذلك جفاءً لشرع المرسِل جلّ جلاله وحيدةً عن محجة المرسَل صلى الله عليه وسلم وعقوقاً لأولئك الآباء البررة الأطهار من سلفهم الماضين، وقد كانوا أحق أن يتبعوهم بإيمان، ويهرعوا على آثارهم لو كانوا يعقلون، فلا كرامة لأمثال هؤلاء ولو كانوا ذرية نبي من الأنبياء لصلبه، وقد خلت قصص الرسل وأهليهم - ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو أزواجهم أو عشيرتهم - على هذا.

وما الضال في عقيدته المبتدع في طريقته بِمُغْنٍ عنه من الله شيئاً انتسابُه إلى بيت النبيء صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا الانتساب كالشمس رأد الضحى صحة وجلاء، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : (يافاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً) ، فكيف بانتساب في عصور متأخرة لا يُدرَى حقيقةُ حاله.

يقول المحدث العلامة مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله في صدد الحديث عن الصحيح من فضائل أهل البيت : (وهذه الفضائل الصحيحة لا تتناول إلا المتمسك بالكتاب والسنة من أهل بيت النبوة، فلا تتناول الرافضي، ولا الغالي في آل بيت النبوة، ولا الذي يسب الصحابة، ولا الذي يدعوا غير الله ويشرك بالله شيئاً، كما قال الله سبحانه وتعالى في ولد نوح: (قَالَ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ) وكذلك لاتتناول من يحارب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحارب أهلها)(2). اهـ

وقد خاب أيضاً من دأب على أن يقدم نفسه للناس على أنه من النسل الشريف في كل فرصة تسنح له بنشوة غامرة وطفرة فاخرة، بيد أنه لا يستطيع أن يقيم دليلاً على دعواه يشهد يقيناً بصحتها، إلا أخباراً بأسفار يتردد صدى الضلال بين جنباتها، أو صحائف لا يدرى صحيحها من سقيمها، تداولها الدهماء من الجهلة العوام أو الطرقيين الضالين، ونشأوا عليها، فتواترت بينهم، وتناقلوها، والله أعلم بأحوالها، فليس إلى تحقيقها من سبيل، فالافتخار بذلك الانتساب وتكراره لا قيمة له من الناحية العلمية التاريخية، إذ لا يقين بثبوتها، وهو ساقط من الناحية الدينية، فالفخر بالأحساب من أمر الجاهلية، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( يافاطمة اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً). 

وياليت من يدعي ذلك ويُؤْبَهُ به يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكفَ عن الكذب الذي تحراه حتى صار له خلقاً، وينتهي عن الدهاء والمكر والتشبع بما لم يعطه وعن تضليل الناس بالتلبس بالتصوف المنحرف وتقريب أهله والداعين إليه، ثم يَدَعَ العمل بدعوى الجاهلية الذي يظهر في كثير من تصرفاته ولحن قوله، ويُعرضَ عن أن يجامل سفهاء تلك الدعوى، ويتزلف إليهم مرضاةً لهم ابتغاءَ متاعٍ قليلٍ من جاهٍ ذاهبٍ أو منصبٍ زائلٍ أو ضوضاءِ شهرةٍ لا تدوم، تعقبها ندامة وحسرة (يوم يَعَضّ الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ياويلتا ليتني لم أتخذ فلاناً خليلاً) (يوم ينظر المرء ما قدمت يداه)، ويقف بين يدي من يعلم سره ونجواه، ( ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا م ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم).

يتبع إن شاء الله.

بقلم أبي أيوب الأثري

________________________

(1)    وقبله : (حتى إذا وردوا المدينة وارتجَوْا  * * قتلَ النبيّ ومغنمَ الأسلاب).

(2)    من تقديمه لكتاب (الصحيح المسند من فضائل أهل البيت) تأليف :أمّ شعيب الوادعية.


previous letter                 next letter                 list of all letters

Libya: News and Views      LibyaNet.Com      Libyan music      Libya: Our Home